النص المفهرس

صفحات 381-400

اسم الكتاب والباب
عدد رقم
الأحاديث الحديث
رقم الحديث
بمسند الحميدي
٣٩- کتاب التفسير:
١
(٣٥٧٢)
(٣٠٠) وهو في المطالب
متصل، وفي المسند
المطبوع والمخطوط - نسخة
الظاهرية -مرسل
٧ - سورة المائدة
٢
(٣٥٨٦، ٣٥٩٦) (١٢٩٥)
٢٥ - سورة الشعراء
١
(٣٦٧٧)
(٩٦٢)
٥٣ - سورة المنافقون
١
(٣٧٥٧)
(١٢٤٠)
٧٣ -سورة تبت
١
(٣٧٨٨)
(٣٢٣)
٤٠ - كتاب المناقب:
٢٧ -باب فضائل عمر بن
الخطاب رضي الله عنه
١
(٤٠٣٩)
هنا، وقد تقدم ذکر طرف
منه في کتاب الجهاد
(٢٦٧)
٥٧ - باب جعفر بن أبي طالب
وزيد بن حارثة رضي الله عنهم
٤١ -فضائل البلدان:
٦ - فضل الطائف
١
(٤٢٠٢)
(٣٣٥)
٤٢ - كتاب السيرة والمغازي:
١
(٤٢٢٨)
(٣٢٤)
به النبي ﴾
٢٣ -باب قتل کعب بن الأشرف
١
(٤٢٥٩)
(١٢٥١)
٤٢ _ کتاب الفتوح:
١
(٤٤٣٥)
(٥٩)
١٤ - باب قتل علي رضي الله عنه
٢
(٤٤٤٣، ٤٤٤٧) (٥٣)
٢٧ - باب الأشراط وعلامات الساعة
١
(٤٥٠١)
(٣٥١)
١
(٣٨٩٠)
(٣٠) ذكر طرفاً منه
١٠ - باب ما آذى المشركون
١٢ - باب أخبار الخوارج
٦ - سورة النساء
٣٨١

المطلب الثامن
بعض الملاحظات على المطبوع
قام المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، قبل قرابة ثلاثين سنة،
بإخراج هذا الكتاب من ظلام دور المخطوطات إلى أنوار مكتبات المطبوعات،
فجزاه الله خيراً على هذا العمل.
وقد بذل في إخراجه، وتحقيقه، وتخريج أحاديثه، جهداً لا بأس به
- والكمال لله -، لكن لتطور علوم السنة في هذا العصر، وإقبال الناس على
تعلمها، أصبح من الضروري إعادة تحقيق هذا الكتاب، ليتلاءم مع روح هذا
العصر العلمية المشرقة، وليجد فيه القارىء ما ينشده من الوقوف على درجة
الحديث، ومَنْ رواه، وغير ذلك من المطالب.
وقد ظهر لي من خلال دراستي ومطالعتي السريعة لهذا المسند
- المخطوط والمطبوع - بعض الملاحظات الهامة على هذه الطبعة، ومنها:
١ - يجب البحث عن نسخ أخرى للمسند، ليعاد طبعه عليها، مع
إلحاق ما يليق به من الدراسة والتحقيق، لأسباب عدة:
(أ) سقوط بعض مسانيد الصحابة رضي الله عنهم، من المطبوع والنسخ
التي طبع عليها، كمسند طلحة بن عبيد الله - كما تقدم بيانه - .
(ب) وجود بعض الكلمات الغامضة، وغير المفهومة في بعض
الأحاديث(١).
(١) انظر على سبيل المثال ح (٦٤٧)، وفيه: أن ابن عمر قال ليحيى بن حبان: أما ترون
القتل شيئاً، وقد قال رسول الله نض اله: ((لا يتناجى اثنان دون الثالث)). وانظر ح (١،
٤٠٦، ٨٥٣، ١٣٠٠).
٣٨٢

(ج) وجود بعض التحريف المخل في بعض الأحاديث، مع وجوده
صحيحاً في بعض النسخ(١).
٢ - ضعف التخريج جداً في أغلب الأحاديث، فإن الشيخ كان - فيما
يبدو - يعتمد على ما في حافظته فقط، فتجد الحديث - أحياناً - في الصحيح
ويكتفي بعزوه لأحمد. بل إنه أحياناً يكون في الصحيح من طريق الحميدي،
ويعزوه لأحمد أو لواحد من أهل السنن(٢).
٣ - لا تكاد ترى، وأنت تقلب صفحاته، أو تقع على كلام في رجل من
رجال سنده، أو متن من متونه، فكأنك تقرأ في إحدى المخطوطات، عدا
ما ترى بين الفينة والأخرى من التخاريج البسيطة التي لا يدل أغلبها على صحة
أو ضعف.
٤ - سقوط بعض الرجال من جملة من أحاديثه، فحيناً يسقط
الصحابي(٣)، فيصير الحديث مرسلاً.
(١) انظر ح (٦١٤)، فقد جاء متنه كما يلي: (رأيت رسول الله وَلغيره إذا افتتح الصلاة رفع
یدیه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع فلا يرفع ولا بين
السجدتين). وقد بيَّن المحقق أن هذه الرواية تخالف رواية أحمد عن سفيان. قال:
ولم يتعرض أحد من المحدثين لرواية الحميدي هذه. فكأنها لاقت عنده استحساناً،
ولا أدري أغفل أم تغافل عما جاء في نسخة الظاهرية: (ق ٦٦ أ)، فقد جاء فيها بدل
قوله: (فلا يرفع ولا بين): (ولا يرفع من) وهذا هو الصواب الموافق لرواية غير
الحمیدي عن سفيان.
(٢) انظر: ح (٤٣)، فقد عزاه المحقق لأحمد، وهو عند البخاري (٩/ ٥٠٦)،
ح (٥٣٦٢)، من طريق الحميدي.
(٣) انظر: ح (٤٦٩، ٩٤١، ١١١٦)، وفي ح (٣٠٠) سقط الصحابي من جميع النسخ
الأربع، وجاء في المطالب العالية ح (٣٥٧٢) متصلاً، أي ذكر فيه الصحابي وهي
أم سلمة رضي الله عنها، فالله أعلم بالصواب.
٣٨٣
=

وحيناً يسقط شيخ الحميدي، فيكون الحميدي يروي عمن لم يره بصيغة
التحديث(١).
وربما سقط الحميدي نفسه، فصار الحديث من رواية بشر بن موسى عن
ابن عيينة، وهو لم يدركه(٢).
وحيناً تسقط الترجمة، فتصبح أحاديث الصحابي تابعة لما قبله، فيعدم
وجود حديثه، سيما وبعض التراجم ليس فيها إلاَّ حديث واحد(٣). وسقط اسم
الصحابيين الجليلين: عمار بن ياسر، وأبي بن كعب، رضي الله عنهم، من
فهرس المسانيد (٤).
٥ - وقد تحرفت فيه بعض أرقام الأحاديث(٥)، كما أن المحقق تجاوز
بعض المتون فلم يضع لها رقماً، إما سهواً(٦)،
وانظر الصواب في نسخة الظاهرية: (ق ٥٢ ب ـ ٩٩ ١ - ١١٢ أ)، فسقط من الأول
=
ح (٤٦٩): (سمعت ابن عباس)، ومن الثاني ح (٩٤١): (سمعت عمر بن الخطاب
يقول)، ومن الثالث ح (١١١٦): (عن أبي هريرة).
(١) انظر: ح (١٣٣، ١٦٨، ٢٧٥، ٢٩٤، ٤٣٥، ٤٣٨، ٤٥٨، ٤٥٩، ٥٢٥، ٦١٤،
٦٤٣، ٧٠٣، ٨٥٧، ١٠٠٩، ١٠١٧، ١٠٧٨، ١٠٩١). وانظره على الصواب في
نسخة الظاهرية: (ق ١٧ أ، ٢١أ، ٣٠ أ، ٣٢ أ، ٤٨ ب، ٤٩ أ، ٥١ أ، ٥٧ ب،
٦٦ أ، ٦٧ ب، ٧٣ أ، ٨٩ ب، ١٠٤ أ، ١٠٤ ب، ١٠٩ أ، ١١٠ أ)، وشيخه في كل
هذه المواضع هو سفيان بن عيينة.
(٢) انظر: ح (١٢٥٧).
(٣) انظر: (٣٨٥/٢)، فقد سقطت الترجمة وموضعها قبل ح (٨٧٢)، ونصها: (حديث
عبد الله بن الأرقم)، وهي ثابتة في نسخة الظاهرية: (ق ٩٠ ب).
(٤) انظر: (٣/١، ٥).
(٥)
انظر: ح (١٢٤٠)، تحرف إلى (١٢٣٧).
(٦) انظر: ح (١٩٥)، فقد تجاوزه سهواً إلى ما بعده، فاستدرك ذلك فرقمه هكذا
(١/١٩٥، ٢/١٩٥).
٣٨٤
=

أو اجتهاداً (١)، وقد اختلف اجتهاده فاستدرك بعضها(٢).
وعكس ذلك، فقد وضع أرقاماً لكلام تابع للحديث الذي قبله، إما بيان
لخلاف فيه، أو لحن، أو تفسير له(٣).
وهذه الملاحظات لا تغض من عمل الشيخ وفقه الله وإنما يجب التنبه
لها، وتصحیح ما أمكن تصحيحه منها.
(١) من ذلك ح (٨٢٣) اشتمل على ثلاثة متون بسند واحد، فبعد نهاية المتن الأول، قال
الصحابي: وسمعت رسول الله# ... فذكر حديثاً، ثم ذكر آخر.
(٢) انظر: ح (٩١٩)، فقد اشتمل على خمسة متون، فأعطاه رقماً واحداً، ثم استدرك
فرقمه هكذا: (٢/٩١٩، ٣/٩١٩، ٤/٩١٩، ٥/٩١٩).
(٣) انظر: رقم (٢١٤، ٢٤٠، ٤٢٠، ٤٧٣، ٤٩٩، ٥٥٠، ٧٠٤، ٨٠٤، ١٢٣٨،
١٢٦٢).
٣٨٥

-

الفصل الثامن
التعريف بالإمام
إسحاق بن راهویه وبمسنده(١)
وفیه تمهید ومبحثان:
المبحث الأول: التعريف بإسحاق بن راهويه.
المبحث الثاني: التعريف بمسند إسحاق وأهم ما خدم به .
(١) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر العبد الله.
٣٨٧

تمهيد
ظل ذكر الإِمام إسحاق بن راهويه في عداد الأموات، فلا يكاد يعرف عنه
شيء، إلَّ القليل من الناس، وتختلف هذه المعرفة من شخص لآخر، وهي في
جملتها ضعيفة لا تقارب حجم هذا الإِمام، الذي كان له الباع الطويل في أكثر
علوم الشريعة، سيما الحديث، والفقه. بل لقد كان له أتباع يذهبون مذهبه،
ويفتون بما انتهى إليهم من اجتهاده. لكنهم انقرضوا لأسباب من أهمها الحُكَّام،
ومَنْ حَوْلَهم من رؤوس المذاهب الأخرى. فبات من المحتم على أهل العلم
وطلابه إزاحة هذا الستار، وكشف الغمة عن شخص هذا الجهبذ الفريد. وقد
قام ببعض ذلك الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي، فعندما قام بتحقيق جزء
من مسنده، وهو مسند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قدم له بترجمة وافية
لهذا الإِمام، جمع فيها مادة علمية لا يستهان بها، نقَّبها من مصادر شتى، ثم
أتبع ذلك بدراسة وافية للموجود من مسنده(١).
لكن هذا الإِمام بحر خضم، فلا يزال بحاجة إلى دراسات متخصصة
متعددة، كي تبرز شخصيته، ويستفاد من علمه، وهذه أمانة في أعناق
المؤسسات العلمية الإِسلامية، بالدرجة الأولى، ثم في أعناق علماء ومفكري
هذا العصر الزاهر. وليس باستطاعتي في هذه العجالة أن أقدم أكثر مما قدمه من
(١) طبعت هذه الدراسة في مجلد مستقل بنشر مكتبة الإيمان بالمدينة النبوية عام ١٤١١ هـ.
٣٨٩

عاش مع ترجمته، ومسنده ما يقارب الأربع سنوات، وذلك لأن هذا الفصل هو
مبحث جزئي من عملي في هذه الرسالة. ولذا سأكتفي بترجمة موجزة تلم به من
كل جوانبه، أُحاول من خلالها تقديم ما غفل عنه من سبقني، ومن أراد التفصيل
فعليه بمراجعة هذه الرسالة القيمة.
وقد أفادني شيخنا الدكتور محمود ميرة حفظه الله، أنه حضر مناقشة رسالة
دكتوراة في جامعة الأزهر عنوانها: ((إسحاق بن راهويه وأثره في الفقه
الإسلامي))، ثم رأيت الدكتور / عبد الغفور البلوشي قد أشار إليها، وذكر أن
مقدمها هو مصطفى الخطيب، وتمت مناقشتها عام ثلاث وأربعمائة وألف.
د
٣٩٠

المبحث الأول
التعريف بإسحاق بن راهويه
وفيه أربعة عشر مطلباً:
المطلب الأول
: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
: مولده ونشأته.
المطلب الثاني
المطلب الثالث
المطلب الرابع
: عقيدته.
المطلب الخامس
المطلب السادس
المطلب السابع
: طلبه للعلم، ورحلاته في سبيل ذلك.
: ذكر أهم شيوخه.
: حفظه للحديث، وإمامته فيه.
: معرفته بعلل الحدیث ورجاله،
وبعض آرائه في مصطلح الحديث.
: عنايته بتفسير كتاب الله تبارك وتعالى.
المطلب الثامن
المطلب التاسع
: فقهه واجتهاداته، وتأثره ببعض مشاهير
معاصريه، ومخالفته لبعضهم.
المطلب العاشر
: دوره في نشر السنة.
٣٩١

المطلب الحادي عشر : بعض ثناء المشاهير عليه،
وشهادتهم له بالإِمامة.
المطلب الثاني عشر : مؤلفاته.
المطلب الثالث عشر : أهم تلاميذه.
المطلب الرابع عشر : وفاته، وما ذكر من تغير حفظه.
٣٩٢

المطلب الأول
اسمه ونسبه وكنيته ولقبه
هو إسحاق(١) بن إبراهيم بن مَخْلَد (٢) بن إبراهيم بن عبد الله بن مَطَر،
التميمي الحنظلي، أبو يعقوب المَرْوَزي(٣)، المعروف بابن راهويه (٤).
(١) مصادر ترجمته: التاريخ الكبير (٣٧٩/١)؛ والتاريخ الصغير (٣٣٨/٢)؛ والكنى
للدولابي (١٥٨/١)؛ والجرح (٢٠٩/٢)؛ والثقات (١١٥/٨)؛ ومقدمة الكامل لابن
عدي (١٣٥/١)؛ والحلية (٢٣٤/٩)؛ والانتقاء لابن عبد البر (ص ١٠٨)؛ وتاريخ
بغداد (٣٤٥/٦)؛ وطبقات الفقهاء (ص ٩٤)؛ ووفيات الأعيان (٢٠٠/١)؛ وتهذيب
الكمال (٣٧٣/٢)؛ والسير (٣٥٨/١١ - ٣٨٣)؛ وتذكرة الحفاظ (٤٣٣/٢)؛
والميزان (٨٥/١). وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص ١٧٣)؛ وطبقات
الشافعية الكبرى (٨٣/٢)؛ وإكمال مغلطاي (١ ق ٨٦ ب)؛ والتهذيب (٢١٦/١)؛
والتقريب (ص ٩٩)؛ والمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (١٧٣/١)؛
وشذرات الذهب (٨٩/٢).
(٢) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام، وبعدها دال مهملة.
(٣)
بفتح الميم والواو بينهما راء مهملة ساكنة، وآخره زاي.
(٤) بفتح الهاء والواو، وسكون الياء. وأهل الحديث يقولون: راهويه - بإسكان الواو
وفتح الياء التحتية - .
وإنما خالفوا النحاة في هذا لأثر يروى عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وكذا عن
إبراهيم النخعي، قولهما: إن (ويه) اسم شيطان. رواه أبو عمرو النوقاني في (معاشرة
الأهلین).
انظر: المقاصد الحسنة (ص ٤٥٤)؛ وكشف الخفاء (٢/ ٤٥٣) رقم (٢٩٢٤).
٣٩٣

وراهويه لقب لوالد إسحاق: أبو الحسن إبراهيم بن مخلد، ثم اشتهر به
ابنه إسحاق. وإنما لقب بذلك لكونه ولد في الطريق إلى مكة المكرمة، وكان
یکره أن يقال له ذلك، بخلاف ابنه إسحاق فإنه كان لا یکره ذلك(١) .
المطلب الثاني
مولده ونشأته
وُلد في مدينة مرو الشاهجان، إحدى مدن خراسان الكبار - و كانت تزخر
إذ ذاك بالعلم والعلماء، كابن المبارك، والنضر بن شميل، والفضل بن موسى
السیناني، وغيرهم - وذلك سنة إحدى وستين ومائة(٢). قاله محمد بن موسى
الباشاني. وقال موسى بن هارون(٣): قلت لإِسحاق: من أكبر أنت أو أحمد؟
قال: هو أكبر مني في السن وغيره. وكان مولد إسحاق في سنة ست وستين
ومائة. اهـ.
قال الذهبي(٤): قد قدمنا أن مولده قبل هذا بمدة، فموسى لم يحرر
ذلك. اهـ. وقال محمد بن إسحاق بن راهويه(٥): ولد أبي سنة ثلاث وستين
ومائة. اهـ. والراجح هو القول الأول، لأنه هو الموافق لقولهم: رحل سنة
أربع وثمانين ومائة، وله ثلاث وعشرون سنة(٦). ولقولهم: مات سنة ثمان
(١) انظر: تاريخ بغداد (٣٤٨/٦)؛ والسير (٣٦٦/١١).
(٢)
انظر: تاريخ بغداد (٣٤٧/٦).
(٣)
انظر: تاريخ بغداد (٣٤٧/٦).
(٤)
السير (٣٦٤/١١).
(٥)
الكنى للدولابي (١٥٨/٢).
(٦) ومن عجيب أمره أنه ولد مثقوب الأذنين، فمضى والده إلى الفضل بن موسى
السيناني - أحد كبار علماء بلده - فسأله عن ذلك، وقال: ولد لي ولد خرج من بطن
أمه مثقوب الأذنين؟! فقال: يكون ابنك رأساً إما في الخير، وإما في الشر. اهـ . =
٣٩٤

وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، كما سيأتي.
فنشأ إسحاق في هذا الوسط العلمي العظيم، مما كان له الأثر الكبير في
نفسيته وحثه على الجد والمثابرة في طلب العلم، فلا مكان لجاهل بين العلماء.
بخلاف من نشأ في بيئة متخلفة، فإن كل ما حوله يدعوه إلى الكسل
والفتور، وقد لا يستطيع أن يجد من يتعلم منه وإن حرص على ذلك.
المطلب الثالث
طلبه للعلم ورحلته في سبیل ذلك
بدأ إسحاق في تحصيل العلم منذ نعومة أظفاره، فبدأ بالكُتَّاب، على
عادتهم إذ ذاك، فإذا حفظ القرآن الكريم، ابتدأ في الطلب وأول ذلك حفظ
ما يتيسر من الكتب المختصرة. وقد يحفظ بعض ذلك وهو لا يزال في الكُتّاب،
وهذا لا يحصل - في الغالب - إلَّ ممن كان ذا حافظة قوية. كإسحاق بن
راهويه، وقد قال في مناظرة له مع إبراهيم بن أبي صالح: حفظته من كِتَاب
جده، وأنا وهو في كتاب واحد(١). اهـ. وسرعان ماتهيأ هذا الشاب اليافع
لحضور مجالس العلماء ودروسهم(٢) فظهرت بوادر النبوغ على محياه. وكانت
عادة المتقدمين أن لا يرحل رجل من بلده لطلب العلم حتى يلم بما فيه من
العلم، فكان طلاب العلم يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يمكث السنوات الطوال
انظر: تاريخ بغداد (٣٤٧/٦)؛ والسير (٣٨٠/١١)، قال الذهبي معلقاً على هذه
=
الحكاية وإسناد الخطيب إليها - : هذا إسناد جيد، وحكاية عجيبة. اهـ. قلت: فلقد
کان والله رأساً في الخير وإماماً فيه، فرحمة الله عليه.
(١) انظر: تاريخ بغداد (٣٥٣/٦).
(٢) ومما يدل على حضوره مجالس العلماء الكبار وهو لا يزال صبياً، قول محمد بن
موسى: كان إسحاق بن راهويه، سمع عبد الله بن المبارك، وهو حَدَث، فترك الرواية
عنه لحداثته. اهـ. انظر: تاريخ بغداد (٣٤٧/٦)؛ والسير (٣٥٩/١١).
٣٩٥

حتى يتم له ذلك، ومنهم من يحصل ذلك في فتوته وريعان شبابه. وكان إسحاق
من هذا القسم الأخير، فقد خرج إلى العراق سنة أربع وثمانين ومائة، وهو ابن
ثلاث وعشرين سنة(١).
فلقي الكبار كأبي معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح، وأبي أسامة
حماد بن أسامة، وسمع منهم. ثم رحل إلى الحجاز، فسمع من علماء الحرم،
کسفيان بن عیینة، وفضیل بن عیاض وغيرهما. ثم رحل برفقة أحمد بن حنبل،
ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٢)، وكان يقيم بصنعاء
اليمن، فسمع منه، وممن تيسر له السماع منه من علماء اليمن. ثم رحل إلى
الشام، فسمع من كبار أهلها ومشاهيرهم، كبقية بن الوليد، وغيره(٣) فحصل له
علم جم مختلف الموارد والجهات.
ثم عاد إلى خراسان فاستوطن نيسابور إلى أن مات بها، وانتشر علمه عند
أهلها(٤)
المطلب الرابع
ذكر أهم شيوخه
لقد مكنت إسحاق رحلته المبكرة إلى العراق، وغيره، من اللقاء بكبار
علماء عصره وفضلائهم، مما جمع له علو السند، وكثرة المسموع، وقد ذكر له
الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي، ثلاثة وسبعين ومائة شيخ(٥). وأنا أذكر
(١) انظر: تاريخ بغداد (٣٤٧/٦).
(٢) انظر: طبقات فقهاء اليمن للجعدي (ص ٦٨)؛ والسير (١٩٣/١١)، وكان أحمد،
وإسحاق يسكنان في بيت واحد، أحمد في أسفله، وإسحاق في أعلاه.
(٣) انظر: تاريخ بغداد (٣٤٥/٦، ٣٤٦).
(٤) انظر: تاريخ بغداد (٣٤٦/٦).
(٥) انظر: مسند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بتحقيقه (١٤١/١ - ١٧٦).
٣٩٦

هنا بعض مشاهير علماء الأمصار الذين سمع منهم إسحاق. فمنهم:
١ - أزهر بن سعد السمان، البصري الإمام الحافظ الحجة النبيل، أبو بكر
الباهلي مولاهم، كان من أوعية العلم، مات سنة ثلاث ومائتين، وله
أربع وتسعون سنة(١).
٢ - إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، المعروف بابن علية، أبو بشر الأسدي
مولاهم البصري، أحد الأئمة، وكان ثقة ثبتاً حافظاً حجة، مات في ذي
القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
٣ - بشر بن المفضل بن لاحق أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت صاحب سنة،
قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. اهـ. مات سنة ست وثمانين
ومائة.
٤ - بقية بن الوليد بن صائد الحمصي، محدث حمص، وكان أحد المشاهير
الأعلام، وكان ثقة، وربما وهم في غير حديث الشاميين، وكان كثير
التدليس والتسوية، مات سنة سبع وتسعين ومائة.
٥ - أبو بكر بن عياش الأسدي مولاهم الكوفي، المقرىء الفقيه المحدث،
وكان ثقة زاهداً صحيح الكتاب، ربما وهم إذا حدث من حفظه، مات
سنة ثلاث وتسعين ومائة.
٦ - جرير بن عبد الحميد الضبي، الرازي الإِمام، ثقة صحيح الكتاب، مات
سنة ثمان وثمانين ومائة.
٧ - حماد بن أسامة، أبو أسامة الكوفي، أحد الأعلام الثقات الأثبات، مات
سنة إحدی ومائتين.
(١) انظر: السير (٤٤١/٩)؛ والتقريب (ص ٩٧).
٣٩٧

٨ - سفيان بن عيينة الهلالي المكي، الإِمام الكبير الثقة الحافظ الثبت، مات
سنة ثمان وتسعين ومائة .
٩ - سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر، الكوفي، أحد الأعلام،
وکان ثقة، مات سنة تسع وثمانين ومائة.
١٠ - عبد الرحمن بن مهدي، الإِمام الناقد المجود، أبو سعيد البصري، فاق
أقرانه حفظاً وتثبتاً وفقهاً، مع معرفة كبيرة بالرجال والعلل، مات سنة
ثمان وتسعين ومائة .
١١ - عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، عالم اليمن ومحدثها، وكان ثقة
حافظاً، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وقد تغير، لكن سماع إسحاق
منه قدیم.
١٢ - عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي الإمام الذي اجتمعت فيه كل
خصال الخير، مع الثقة والتثبت، مات سنة إحدى وثمانين ومائة، وهو
أقدم شيخ لإسحاق، لكنه لم يحدث عنه لحداثة سنه حين سمع منه (١).
١٣ - عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، الإمام المصري الفقيه
الحافظ مات سنة سبع وتسعين ومائة.
١٤ - عَبْدَة بن سليمان الكِلاعي الكوفي، وكان ثقة ثبتاً صاحب قرآن، مات
سنة سبع ـ وقيل ثمان - وثمانين ومائة.
١٥ - الفضيل بن عياض التميمي، الزاهد القدوة الثقة، نزيل مكة، ومات بها
سنة سبع وثمانين ومائة (٢).
(١) انظر: تاريخ بغداد (٣٤٧/٦).
(٢) انظر: السير (٤٢١/٨ - ٤٤٢).
٣٩٨

١٦ - محمد بن إدريس الشافعي، الإِمام الثقة الفقيه، صاحب التصانيف
المشهورة، وهو أول من تصدى لأهل الرأي ورد عليهم، ومذهبه أوسع
المذاهب الأربعة انتشاراً، مات بمصر سنة أربع ومائتين، وكان
إسحاق بن راهويه يتأسف على ما فرَّط فيه من مجالس الشافعي(١) .
١٧ - محمد بن يزيد الواسطي، الإِمام الحافظ الثبت الزاهد، مات سنة تسعين
ومائة.
... وغيرهم كثير كما تقدم.
المطلب الخامس
عقيدته
كان إسحاق أحد أئمة الحديث في عصره، فقد شهد له بذلك كبار
معاصريه .
قال الإِمام أحمد(٢): إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. اهـ.
فماذا يُظن بمن هذه حاله؟! لقد كان رحمه الله، حقاً إماماً من أئمة
المسلمين متبعاً لسنة المصطفى وَ﴾، وللسلف الصالح رضي الله عنهم، ولم يرج
عنده ما أحدثه الناس من بدع الأقوال والأفعال، وإن كسوها بالبهرج، وألبسوها
حلة التقى ظلماً وعدواناً.
فكان هذا الإمام جبلاً صامداً تتكسر عليه كل صخور الباطل.
ولم يخالف مذهب السلف قيد أنملة، بل النقل عنه يثبت لزومه لجادتهم،
وليس هذا موضع سرد ذلك إذ به يطول الكلام(٣). وقد اشتهر عند العلماء حسن
(١) انظر: آداب آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم، والسير (٥/١٠ -٩٩).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٥٠).
(٣) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤٧/١، ١٧٤، ٢٦٢).
٣٩٩

مذهبه، وأن من تكلم فيه من أهل جهته فإنه قد دل على نفسه وفضحها، وأبان
عن سؤته ومخالفته لهدي السلف.
قال نعيم بن حماد - أحد أئمة السلف - (١): إذا رأيت العراقي يتكلم في
أحمد ابن حنبل فاتهمه في دينه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن
راهويه فاتهمه في دينه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتهمه في
دینه. اهـ(٢).
المطلب السادس
حفظه للحديث، وإمامته فيه
لقد أثرت هذه الرحلات العلمية التي قام بها إسحاق مبكراً - وقد تقدم
ذكرها قريباً - حصيلته العلمية، في شتى علوم الشريعة، وخاصة الحديث
النبوي الشريف، وما يُروى عن الصحابة، والتابعين رضي الله عنهم، فقد كان ذا
ذهن وقاد، وحافظة منقطعة النظير، فاستطاع بذلك أن يلم بجل ما سمع،
ويختزنه في حفظه، مع عدم إهمال الكتابة، زيادة في التثبت، وخوفاً من الزلل،
أو السهو، والنسيان. فكان بعد ذلك يذاكر إخوانه الحفاظ، كأحمد، وابن
معین، وغيرهما.
فكانوا يُقِرون له بتقدمه عليهم في الحفظ والإتقان، وما ذاك إلاّ شاهد
قوي على سعة محفوظه، مع الفهم الدقيق، والضبط الأكيد.
قال محمد بن يحيى الذهلي(٣): وافقت إسحاق بن إبراهيم - صاحبنا -
(١) تاريخ بغداد (٣٤٨/٦).
(٢) وإذا أردت التوسع في هذا الموضوع فانظر: ترجمته في القسم المحقق من مسنده
- وهو مسند عائشة رضي الله عنها - (ص ٢١٢ - ٢٤٣).
(٣) تاريخ بغداد (٣٥١/٦).
٤٠٠