النص المفهرس
صفحات 141-160
وهذا المنهج ليس بدعاً من ابن حجر والبوصيري - رحمهما الله - بل هو الذي سار عليه جماهير المحدثين خلفاً عن سلف، في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، وفيه يظهر جانب الاختصار وعدم التكرار والحق أن ذكر الأسانيد من أعظم الميزات التي امتاز بها كتابا (المطالب) و (الإتحاف) حيث حفظا لنا المطلوب من أصول كتب أصبح بعضها مفقوداً أو في حكم المفقود. ٢ - طريقته في سياق المتون مع المقارنة بغيره: مشى الثلاثة - أعني الحافظ والهيثمي والبوصيري - أيضاً على ما مشى عليه السابقون من الاختصار في ذكر المتون، فيذكرون السند ثم يحيلون على متن سابق مثل قولهم (فذكره، بنحوه، بمعناه، بلفظه ... إلخ)، وقد يقطعون المتن بين الأبواب، وربما يكتفون بالشاهد من اللفظ، وأحياناً بالإشارة للمتن فقط فتجدهم مثلاً يقولون: فيه حدیث فلان تقدم في باب كذا، أو یأتي في باب كذا، ونظراً لشهرة هذا المنهج، فقد كان غنياً عن التنبيه، وهو واقع ملموس في أعمالهم، مع أن الوصيري ذكر شيئاً من ذلك في مقدمته (١)، وصرحوا به جميعاً في ثنايا كتبهم، فقد قال الحافظ في ل (١٤٢): هذا طرف من حديث ساقه بطوله، وفرقته في أبوابه. وقال في ل (١٥٢): أخرجه البخاري بأتم من هذا السیاق، وقد توخیت ما زاد علیه. وقال في ل (١٦٧): وقد سبق طرف منه في الصوم، وطرف منه في النكاح(٢). ٣ - ذكره للمتابعات والشواهد، مع المقارنة بغيره: يعتبر الحافظ في هذه الناحية أقل من البوصيري، وأكثر من الهيثمي، ففي حين بلغت الأحاديث التي خدمها الحافظ بذلك نحو العشر - بحسب القسم (١) الإتحاف (ق ١ ص ٢ - ٣) من مقدمة الكتاب. (٢) وانظر أيضاً المطالب: ح (١١، ١٤، ٣٠، ٣٥، ٥٦، ٦٠، ١٥٧)؛ والمجمع (ص ٢٠٧، ٢١٠، ٢١١، ٢١٧)؛ والإتحاف ح (١٠، ٢١، ٣٩، ١٠٠، ١١٠). ١٤١ المحقق - ، فقد أربت على الثلث عند البوصيري وعند الهيثمي لم تجاوز عدة أحاديث(١)، ويبرز ذكر الشواهد والمتابعات عندهم فيما يلي: (أ) جمع طرق الحديث من الكتب التي استخرجوا زوائدها في مكان واحد. (ب) سياق طرق أخرى من مصادر أخرى. (ج) الإِشارة إلى شواهد وردت في الكتب المستخرج زوائدها . ( د) ذكر أو الإشارة إلى شواهد من مصادر أخرى. ولعل قلة عناية الهيثمي - رحمه الله - بها، راجع إلى أسباب أهمها: - ضخامة المادة التي جمعها، خاصة إذا عرفنا أنه استقاها من ستة مصادر فقط، ولعله يعتبر أكبر موسوعة لأحاديث الأحكام في العصور المتأخرة. - اهتمامه بالحكم على الأسانيد. - عدم ذكر الأسانيد، وهذا ظاهر في عدم العناية بالمتابعات خاصة. ٤ - بيانه لدرجة الأحاديث وتنبيهه على الأحاديث الموضوعة، مع المقارنة بغيره: وهو في هذا المجال أقل الثلاثة، مع كون الأحاديث التي بيّن درجتها أو أشار إلى ذلك بلغت أقل من الربع(٢) قليلاً، إلاّ أن البوصيري قد تجاوزت عنده النصف(٣)، أما الهيثمي فلا يكاد يترك الحديث بلا حكم إلاَّ في جملة يسيرة، لكن ابن حجر يمتاز عنهما بالتحرير ودقة الأحكام، وفي المثل (سكت (١) انظر مثلاً: المطالب ح (١١، ١٢، ١٥، ١٦، ٢٠، ٣٥، ٤٧)؛ والإتحاف ح (٤، ٥، ١٩، ٢٣، ٣٥، ٤٩)؛ والمجمع (ص ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٨). (٢) وانظر على سبيل المثال: ح (١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ١٠، ١١، ١٢). (٣) وانظر على سبيل المثال: ح (١، ٤، ٥، ٨، ٩، ١١، ١٣، ١٥، ١٦). ١٤٢ دهراً ونطق عبراً) فكلامه رحمه الله برد الأكباد، وحين يتصدى للحكم على أثر أو قول تتناثر الدرر تحت قلمه، ولذا قلّت أوهامه في هذا الكتاب وغيره، بل إنه لم يصبر عن كتابي صاحبيه حتى وشاهما بتلك التعليقات المفيدة، والتي غلب عليها جانب النقد، وقد نقل البوصيري عنه بعض الأحكام، صرح بالنقل عنه أحياناً وأحياناً لا يصرح(١). كما امتاز عنهما بتفننه في الأحكام، وإيجاز ألفاظها، فمرة يحكم على الإسناد ويعلل ذلك(٢)، ومرة بدون تعليل(٣)، وأحياناً يحكم على الرواة (٤) وأحياناً يحكم على المتن(٥)، وقد يبهم العلة (٦)، وهذا كله منه تصريح بالحكم، وفي بعض الأحيان يلمح إليه(٧)، وفي حالات قليلة ينقل الحكم عن غيره(٨). ٥ - بيانه للتفرد في السند أو المتن مع المقارنة بغيره: وهذا من أقل ما رأيته في تعليقات الحافظ في المطالب(٩)، ولربما كان هو والهيثمي - والذي لم أرَ له شيئاً من ذلك - اكتفيا بالحكم على الإسناد أو المتن، كما يعتذر للهيثمي بما سبق وهو كثرة الأحاديث التي جمعها، أما البوصيري وهو وإن كان في الجملة أكثر منهما إلاَّ أن ما عنده يعتبر قليل(١٠). (١) انظر: الإتحاف (ق ١ ص ١٧) من مقدمة المحقق. (٢) انظر: ح (١، ١٣٥). (٣) انظر: ح (٣، ٥، ٧). انظر: ح (٢، ١١، ٣٧). (٤) انظر: ح (١٢، ١٥، ١٦). (٥) انظر: ح (٤، ٦، ١٥٦). (٦) انظر: ح (١٠، ٤٠، ١٧٣). (٧) (٨) انظر: ح (٦٧، ٦٩). (٩) انظر: ح (١). (١٠) انظر: الإتحاف ح (٨، ٣٩). ١٤٣ ٦ - بيانه لأحوال الرواة توثيقاً وتجريحاً، مع المقارنة بغيره: جاء الكلام في الرواة عندهم على ثلاثة ألوان، فإما أن يصرحوا بوصفهم، وهذا علی لونین: - أن يوثقوا أو يجرحوا، عموم رواة الإسناد، مثل: رجاله ثقات(١)، أو لأشخاص بخصوصهم مثل: فلان ضعيف، أو مجهول ونحو ذلك(٢) . - أن يوثقوا أو يجرحوا ضمنياً، كأن يحكم على الإسناد بأنه صحيح(٣)، أو ضعيف جداً أو واه(٤)، أو حسن(٥)، لأن كل وصف له من الرواة ما يناسبه، فلا يمكن أن يكون في الإسناد ضعيف أو متروك، ثم یحکم عليه بأنه صحیح، وهلم جرا. - أن يلمحوا إلی حال الرواة كان يشير بأن غيره ممن هو أوثق منه قد خالفه(٦)، أو أنه شاذ(٧)، ونحو ذلك. وبالجملة فالحافظ يعتبر أقل الثلاثة كلاماً في الرواة، إذ تبلغ نسبة الأحاديث التي تكلم على رواتها نحو العشر، بينما بلغت عند البوصيري ما يقارب النصف، في حين أن الهيثمي نادراً ما يهمل الحديث من الكلام عن رواته، وهذه میزة تذکر له رحمه الله، وإیاهم وجميع موتی المسلمین، لكن كما أسلفت في العنصر الرابع - الماضي آنفاً - وإن قل كلامه، فهو يمتاز بالتحرير (١) انظر: ح (٢، ١١، ١٩٤)، والإتحاف ح (٩، ١١، ٣٠). (٢) انظر: ح (٣، ٣٨، ٦٦)، والإتحاف ح (١٣، ١٥، ١٩). (٣) انظر: ح (١٩٤، ١٩٨)، والإتحاف ح (١٦، ٣٠). (٤) انظر: ح (٧، ٧٨، ٩٠)، والإتحاف ح (٤٧). (٥) انظر: ح (١، ٥)، والإتحاف ح (٢٧). انظر: ح (٦٩، ١٠٨، ١٤٠)، والإتحاف ح (٣٤، ٣٩). (٦) (٧) انظر: ح (١٦، ٣١). ١٤٤ والإتقان الذي لا يوجد إلاّ عند أمثال الذهبي - رحمه الله -، فهو البلسم الشافعي، ولذا کثرت الأوهام عند صاحبیه، بينما لا تكاد تذكر عنده، ولا أنسى أن أشير أنهم قد ينقلون هذا الكلام عن غيرهم، والبوصيري يتميز عنهما بأنه يبين سبب الحكم العام أو الخاص. ٧ - بيانه للأسماء والنسب والأنساب والكنى والألقاب وغير ذلك مما يميز الراوي عن غيره، مع المقارنة: هذا الأمر مع قلته في المطالب، فإن الحافظ أکثر عناية به منهما(١)، بل هو نادر عندهما، لا سيما الهيثمي الذي قلما يتعرض لذلك. ٨ - بيانه لبعض ما يؤخذ من الأحكام: وهو نادر جداً في المطالب(٢)، وشبه معدوم في المجمع، والإتحاف (٣) أكثر منهما وإن كان قليلاً، مع العلم أن الحافظ والبوصيري قد ينقلان ذلك عمن سبقهما، ويمكن أن يعتذر لهم في ذلك أن الكتاب ليس شرحاً، كما أن تراجم الأبواب تقوم مقام الاستنباط، خصوصاً في المطالب التي جاءت كثيرٌ من تراجمه أعجوبة في الفقه ودقة النظر. 0 (١) انظر لذلك: ح (١، ٦٦، ٧٩، ١٠٨، ١٦١، ١٩١). (٢) انظر لذلك: ح (١٤٧)، ول (٤٢، ٦٢، ٩٣). (٣) انظر لذلك: الإتحاف (١٢، ٣٥). ١٤٥ القسم الثاني تعريف بأصحاب المسانيد وبمسانيدهم ويشتمل على عشرة فصول: : التعريف بالإِمام مسدد وبمسنده. الفصل الأول : التعريف بالإِمام الطيالسي وبمسنده. الفصل الثاني : التعريف بالإِمام أبي يعلى الموصلي الفصل الثالث وبمسنده . الفصل الرابع : التعريف بالإِمام محمد ابن أبي عمر العدني وبمسنده . الفصل الخامس : التعريف بالإِمام أحمد بن منيع وبمسنده. الفصل السادس : التعريف بالإِمام الحارث بن محمد بن أبي أسامة وبمسنده. : التعريف بالإِمام الحميدي وبمسنده. الفصل السابع : التعريف بالإِمام إسحاق بن راهويه وبمسنده. الفصل الثامن : التعريف بالإِمام ابن أبي شيبة. الفصل التاسع : التعريف بالإمام عبد بن حميد. الفصل العاشر ١٤٧ الفصل الأول التعريف بالإمام مسدد ومسنده وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حياته : وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه ولقبه وكنيته. المطلب الثاني: مولده ونشأته. المطلب الثالث: طلبه للعلم. المطلب الرابع: شيوخه. المطلب الخامس: تلاميذه. المطلب السادس: وفاته. المبحث الثاني: مكانته العلمية : و فيه مطلبان : المطلب الأول: عقيدته المطلب الثاني: ثناء العلماء عليه. ١٤٩ المبحث الثالث: مسنده : وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: وصفه ونسبته إليه. المطلب الثاني: مكانته بين المسانيد العشرة. المطلب الثالث: عدد أحاديثه في المطالب. المطلب الرابع: نسبة الثلاثيات فيه حسب ما جاء في المطالب. المطلب الخامس: نسبة الآثار فيه حسب ما جاء في المطالب. المطلب السادس: نسبة الصحيح منه حسب ما جاء في المطالب. ١٥٠ المبحث الأول(١) حياة الإمام مسدد(٢) وتشمل ما يلي: المطلب الأول اسمه ونسبه ولقبه و کنیته هو مُسَدَّد - بضم الميم، وفتح السین وتشديد الدال - بن مسرهد(٣) بن (١) من رسالة الشيخ الدكتور عبد الله التويجري. (٢) وانظر ترجمته في التاريخ الكبير (٧٢/٨)؛ والتاريخ الصغير (٣٥٧/٢، ٣٥٨)؛ وطبقات ابن سعد (٣٠٧/٧)؛ والكنى والأسماء لمسلم (ص ١٠١)؛ والجرح والتعديل (٤٣٨/٨)؛ وتاريخ خليفة (ص ٤٧٩)؛ وتاريخ الثقات (ص ٤٢٥: ١٥٦٠)؛ والثقات (٢٠٠/٩)؛ والجمع بين رجال الصحيحين (٥٢٢/٢: ٢٠٣٤)؛ والإكمال (٢٤٩/٧)؛ والمعجم المشتمل (ص ٢٨٩: ١٠٣٨)؛ وطبقات الحنابلة (٣٤١/١ - ٣٤٥)؛ والوافي بالوفيات (١٢٩/٢٤ - ١٣٠)؛ وتهذيب الكمال (١٣٢٠/٣)؛ والسير (٥٩١/١٠)؛ وتذكرة الحفاظ (٤٢١/٢)؛ والكاشف (١٣٦/٣: ٥٤٨١)؛ والعبر (٣١٧/١)؛ والمعين (ص٩١)؛ ودول الإسلام (ص ١٢٣)؛ وشرح علل الترمذي (٣٩/١)؛ والبداية والنهاية (٣٠١/١٠)؛ والشذرات (٦٦/٢)؛ وتهذيب التهذيب (١٠٧/١٠)؛ والتقريب (ص ٥٢٨ [٦٥٩٨])؛ والهدي (ص ٦)؛ والخلاصة (٧٩/٣)؛ والرسالة (ص ٦٢)؛ وكشف الظنون (ص ١٦٨٤)؛ وهدية العارفين (ص ٤٢٨)؛ وتاج العروس (٣٧٦/٢)؛ والأعلام (٢١٥/٧)؛ ومعجم المؤلفين (١٢/ ٢٢٤). (٣) سيأتي ضبط هذا الاسم وما بعده بعد قليل في كلام ابن العماد. ١٥١ مسربل بن مستورد الأسدي، البصري. وزاد البخاري (مغربل بن مرعبل) بعد مسربل، ولم يذكر مستورد، أما مسلم فزاد الثاني فقط، والباقي كالبخاري. غير أن منصور الخالدي جاء بسياق عجيب في نسبه فقد قال العجلي - رحمه الله - ثنا الوليد، ثنا أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن أرندل بن عرندل بن ماسك بن مستورد الأسدي ... قال الذهبي بعد سياقه لهذا النسب في هذا الإسناد: هذا سياق عجيب منكر في نسب مسدد، أظنه مفتعلاً، ومنصور ليس بمعتمد، وفي التذكرة قال عنه: تالف، وقال أيضاً فيها: وقد وضع في نسبه بعض الكذابين عدة آباء، وقال في تاريخ الإِسلام: فأما ما ذكر الخالدي من نسبة مسدد ... فلا يعتمد عليه لأن الخالدي غير ثقة. وقال ابن ماكولا: ولم يكن الخالدي من الأثبات. ونقل الحافظ عن منصور الخالدي هذه النسبة، غير أنه زاد (مرعبل) بين (مغربل، وأرندل)، وأيضاً (سرندل) بين (أرندل وعرندل)، لكنه صدر نقله بقوله: وزعم منصور الخالدي أنه - ثم ساق النسبة وقال : - ولم يتابع عليه. وقال في لسان الميزان(١): منصور هذا قال أبو سعيد الإدريسي: كذاب لا یعتمد عليه. المهم أن نسبه - رحمه الله - صار مجالاً للزيادة والنقص والقلب، بل والدعابة والمزح، حتى قال أبو نعيم، الفضل بن دكين عن نسبه: لو كانت في هذه النسبة (بسم الله الرحمن الرحيم) كانت رقية من العقرب. وكان يحيى بن معين إذا ذكر نسب مسدد قال: هذه رقية عقرب، وقال ابن الأهدل في شرحه للبخاري: نسب مسدد إذا أضيف إليه (بسم الله الرحمن الرحيم) كانت رقية من (١) (٩٦/٦). ١٥٢ العقرب. وجاء في تاج العروس: قال شيخنا: صرح جماعة من شراح الصحيحين، وغيرهما من أرباب الطبقات بأن هذه الأسماء إذا كتبت، وعلقت علی محموم، كانت من أنفع الرقى، وجربت، فكانت كذلك؟ !! فمثل هذه النوادر - بل الهزل البارد - تُنزه عنه كتب العلم، فضلاً عن كتب حديث النبي ◌َ ﴿ وصحاحها، ولم أذكره هنا إلاَّ على سبيل القدح والفضح، وما كلام الأئمة السابق إلاَّ على سبيل الدعابة والمزح، أما أن تُجرَّب فيثبت نفعها، فهذا من ألاعيب الشيطان، أو أساطير اليونان، أو الاستدراج المخزي، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. لقبه وكنيته: هو أبو الحسن. وذكر المسبحي في تاريخه أن اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقبه. غير أن الذي عليه الجمهور أن مسدداً اسمه، وهو من الأسماء النادرة الغريبة، ولكن يكفيه أنه اسم وافق مسماه، رحمه الله تعالی. المطلب الثاني مولده ونشأته قال الذهبي: ولد في حدود الخمسين ومائة، وقال في التذكرة: توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين - رحمه الله تعالى - وقد شاخ. وهذا يدل على أنه عاش نحو ثمان وسبعين سنة . ذكره ابن سعد في الطبقة الثامنة من طبقات أهل البصرة، وذكره الذهبي في المعين، في الطبقة الثامنة من رواة الأحاديث وهي طبقة ابن المديني وأحمد ونحوهما. ولم أقف على شيء من المعالم البارزة في نشأته، سوى أنه بكّر بطلب العلم، وبدأ سماع الحديث وهو في سن البلوغ تقريباً، مما كان سبباً في علو إسناده، وسيأتي تفصيل ذلك في المطلب التالي. ١٥٣ المطلب الثالث طلبه للعلم ورحلته لأجله بدأ مسدد - رحمه الله - سماع الحديث بعد أن جاوز العاشرة - كما يظهر ـ على عادة البصريين، إذ إنهم قبل العاشرة يعتنون بحفظ كتاب الله ومعرفة القراءة والكتابة وهذا هو الذي عليه جمهور السلف - رحمهم الله - إلاَّ أن أهل الكوفة يؤخرون السماع إلى بلوغ العشرين، وأهل الشام إلى بلوغ الثلاثين(١)، وعندي أن ما عليه أهل البصرة أولى وأفضل، وذلك لما فيه من اغتنام الأوقات، وعلو الإِسناد، ولولا توفيق الله ثم ذلك لم نر كبار الأئمة يجلسون لسماع الحديث، وكتابة المصنفات ولما يبلغوا العشرين، ولعل هذا من أهم أسباب كثرة حفاظ البصرة وتميزهم عن غيرهم بقوة الحفظ وكثرة الإتقان، ولإِيضاح ذلك خذ مثالين(٢) لإِمامين من أئمتهم، ومن الموافقات أنهما في طبقة واحدة، ومن أبرز شيوخ الإمام مسدد: ١ - قال أبو داود: ما أحد من المحدثين إلاَّ قد أخطأ، إلاَّ إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل. ٢ - قال الهيثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة: نحّوا عنا إسماعيل - يعنون ابن علية - وهاتوا من شئتم. أما شعبة بن الحجاج فشهرته تغني عما سيسطره قلمي هنا، وستأتي ترجمته عند ح (٢)، وأما تلميذه يحيى القطان ـــ وهو شيخ مسدد - فقد قال فيه الإِمام أحمد - وحسبك به - : حدثني يحيى القطان وما رأت عيناي مثله، (١) وانظر لما مضى: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٠٦/١)؛ وفتح المغيث (٨/٢). (٢) انظر: تهذيب التهذيب (٢٧٦/١). ١٥٤ وقال مرة: لا ترى عيناك مثله(١). وقال ابن حبان - رحمه الله - : كان من سادات أهل زمانه حفظاً وورعاً وعقلاً وفهماً وفضلاً وديناً وعلماً، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن النقل، وترك الضعفاء، ومنه تعلم علم الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وسائر شيوخنا . قلت: إن مسدداً بدأ سماع الحديث، حين قارب البلوغ أو كاد اعتماداً على الاستنتاج، وذلك بناءً على ما تقدم أن أهل البصرة يبدؤون السماع بعد العاشرة، وأن أقدم شيخ له هو: سلام ابن أبي مطيع، البصري (ت ١٦٤ هـ) (٢)، ثم نشط في السماع من كبار الأئمة وهو لا يزال في سن الشباب، حيث روى عن جماعة منهم من توفي في العقد الثامن من القرن الثاني، أمثال جويرية بن أسماء الضبعي (ت ١٧٣هـ)، وحماد بن زيد (ت ١٧٩ هـ)، وسلام بن سليم، أبي الأحوص (ت ١٧٩ هـ)، وشريك النخعي (ت ١٧٧ هـ)، وعبد الواحد بن زياد (ت ١٧٦ هـ)، ومحمد بن جابر السحيمي (ت بعد ١٧٠ هـ)، ومهدي بن ميمون (ت ١٧٢ هـ)، وأبي عوانة الوضاح بن عبد الله (ت ١٧٥ هـ) وخصوصاً من هؤلاء الثاني والأخير فقد حمل عنهما الشيء الكثير. وكان من توفيق الله لهذا الإِمام أن بلده - البصرة - من أبرز المراكز العلمية، وأكثرها دوياً بالحديث، وذلك لما فيها من معادن الحفظ. وسادة العلم، وزادها حركة وازدهاراً وقوعها في منتصف الطريق للراحلين لطلب الحديث بين الحجاز ومصر والشام من جهة، وخراسان وبلاد الجزيرة من جهة ثانية، وكذلك قربها من عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك، بغداد، والتي كانت (١) تهذيب التهذيب (٢١٨/١١). (٢) انظر: التقريب (ص ٢٦١: ٢٧١١). ١٥٥ تعج بفحول العلماء، مما وفر في المنطقة مادة علمية ضخمة للطلب والمذاكرة. هذه الأسباب وغيرها جعلت إمامنا ينهمك في السماع من أعيان بلده، ولم أقف على نص يذكر رحلته لطلب العلم في البلاد الأخرى، ولعل ذلك راجع إلى ما أسلفته من ميزات بلده، خصوصاً إذا أضيف إلى ذلك ما نهجه الأئمة من أنه لا ينبغي أن يرحل طالب العلم قبل أن يستوعب أهل بلده، لا سيما مثل البصرة التي فيها من ليس له نظير في الدنيا في عصره، قال الخطيب - رحمه الله _(١): المقصود في الرحلة في الحديث أمران: أحدهما: تحصيل علو الإسناد، وقدم السماع. والثاني: لقاء الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب، ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة، والاقتصار على ما في البلد أولى ... وأما إذا كان الأمران اللذان ذكرناهما موجودين في بلد الطالب، وفي غيره، إلاّ أن ما في كل واحد من البلدين يختص به، ... فالمستحب للطالب الرحلة لجمع الفائدتين من علو الإِسنادين، وعلم الطائفتين، لكن بعد تحصيله حديث بلده وتمهره في المعرفة به . ... وإذا عزم الطالب على الرحلة فينبغي له أن لا يترك في بلده من الرواة أحداً إلاَّ ويكتب عنه ما تيسر من الأحاديث وإن قلت. اهـ. لكن بتأمل أقاليم شيوخه، يمكن أن يخرج المرء بنتيجة وهي: إنه استفاد من المراكز المهمة، والقريبة من بلده مثل (الكوفة) وهي لا تبعد عن البصرة في كثرة أئمة المحدثين كما أن (واسط) - وتقع بينهما - كان لها من المنزلة ما جعل الكبار يضربون لها أكباد المطي آلاف الأميال. (١) الجامع (٢٢٣/٢ - ٢٢٤). ١٥٦ لقد بلغ مشايخه من أهل بلده نصف من روى عنهم، كما بلغ شيوخه الكوفيون، نحو الربع، أما أهل واسط واليمامة فكانوا العشر من ذلك، وحيث إن اليمامة تقع في وسط نجد، فيحتمل أنه مر بها في طريقه إلى الحج أو عودته منه . كما يحتمل فيهم، وفي من غبر من شيوخه أن يكون التقى بهم في موسم الحج، أو أنهم وردوا البصرة، فأخذ عنهم. المهم أنني لم أعرف له كبير رحلة، إلَّ ما يحتمل في النواحي المجاورة لبلده، أو إلى الحج، والله أعلم. المطلب الرابع شيوخه تقدم قبل قليل أن مشايخ مسدد البصريون كان لهم النصيب الأوفر في روايته، کما کانت همّة هذا الإمام عالية فاعتنی بالكبار منهم، ولذا نجده قد نھل من معين القطان حتى خرج الري من أظفاره، وكاد مسنده يصير مسنداً للقطان بروايته، كيف لا، وقد بلغت أحاديثه عن القطان من مجموع أحاديثه الزوائد في المطالب نحو الثلث، مع أن الذي وصلت إليه من شيوخه بلغوا ثمانين إلاَّ واحداً، وهذا ليس بغريب على من عرف قدر القطان، وقد تقدم شيء من ذلك قبل قليل. كما حمل عن غيره من الجهابذة، مثل: (أ) حماد بن زيد الأزدي، ويمكن أن أشير هنا إلى شيء من الثناء عليه، فقد قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة : - وذكر منهم - حماد بن زيد بالبصرة، وقال الثوري: رجل البصرة بعد شعبة، ذاك الأزرق - يعني حماداً -، وقال ابن خراش: لم يخطىء حماد بن زيد في حديث قط، وقال أبو عاصم النبيل: مات حماد بن زيد يوم مات، ولا أعلم له في الإِسلام ١٥٧ نظيراً في هيئته ودله وسمته، وقال يزيد بن زريع أيضاً: مات اليوم سيد المسلمین. (ب) عبد الله بن داود الخريبي، وكان رحمه الله ثقة ناسكاً زاهداً، روي عنه قوله: ما كذبت قط إلاَّ مرة واحدة، كان أبي قال لي: قرأت على المعلم، قلت: نعم. وما كنت قرأت عليه(١). لقد حاولت جمع شيوخه من مصادر ترجمته، وبعد أن قیدت كل من وقعت عليه وجدت أن هناك شيوخاً لم يذكروا، كعادة الأئمة في الاكتفاء بجملة من المشایخ، ولذا عزمت على استخراجهم من روايته، وبما أنه ليس بین أیدینا من مسنده إلاَّ ما أورده الحافظ هنا في (المطالب)، فقد استعنت بالله وقرأت الكتاب من أوله إلى آخره، معتمداً على النسخة المحمودية فوجدت أكثر من الثلث زيادة عما جمعته سلفاً. وقبل أن أسرد أسماءهم، أود التنبيه إلى أمور: ١ - الأسماء المميزة بنجمة أمامها، هم من استخرجتهم من روايته في المطالب، ولیس لهم ذکر في مصادر ترجمته. ٢ - من لم يكن من شيوخه مذكوراً في التقريب، أشرت إلى مصدر لترجمته. ٣ - الرقم الذي أمام الترجمة، هو عبارة عن عدد أحاديثه في المطالب. وإليك الآن سرد أسمائهم هجائياً مع عدد أحاديثهم في المطالب - إن وجد - : * إبراهيم بن عيينة، الهلالي مولاهم الكوفي ٢ أحمد بن منيع البغوي، نزيل بغداد * ١ (١) انظر: التهذيب (٢٠٠/٥). ١٥٨ ٢٥ - إسماعيل بن علية، الأسدي مولاهم، البصري إسماعيل بن عياش، العنسي، الحمصي ١ - أمية بن خالد، القيسي، البصري ٦ * أوس بن عبد الله، السلولي، البصري(١) ١ - بشر بن المفضل، الرقاشي، البصري ١٦ ١ ٢ - الجراح بن مليح الرؤاسي، الكوفي - جعفر بن سليمان الضبعي، البصري - جويرية بن أسماء الضبعي، البصري - الحارث بن عبيد، الإِيادي، البصري * حرب بن أبي العالية، البصري ١ - حصين بن نمير الواسطي ٢ * حفص بن سليمان، الأسدي الكوفي ١ * حفص بن غياث، النخعي، الكوفي ١٧ * حماد بن أسامة القرشي، الكوفي ١ - حماد بن زيد، الأزدي، البصري ٥٥ - حميد بن الأسود، أبو الأسود البصري ١ خاقان بن عبد الله بن الأهتم المنقري (٢) * ١ - خالد بن الحارث، الهجيمي، البصري - خالد بن زياد، الزيات(٣) ١ - خالد بن عبد الله، الواسطي ٢٩ (١) الجرح والتعديل (٣٠٥/٢)؛ وتعجيل المنفعة (ص ٤٣: ٧٠). (٢) الجرح والتعديل (٤٠٥/٣). (٣) تاريخ بغداد (٣٠٨/٨: ٤٤٠٧). ١٥٩ ٣ * خالد بن عمرو بن يحيى ١ ٢ - درست بن زياد العنبري البصري - ربعي بن عبد الله بن الجارود، البصري - روح بن عبادة، القيسي، البصري ١ * سعيد بن إياس، الجريري، البصري ٣٥ ـ سفيان بن عيينة، الهلالي، الكوفي، ثم المكي ١١ - سلام بن سليم، أبو الأحوص، الكوفي ٤ - سلام بن أبي مطيع، البصري ٢ * سليم بن أخضر، البصري * شريك بن عبد الله، النخعي، الكوفي ٢ - عباد بن عباد، المهلبي، البصري ٢ ١ عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد البصري ١ * عبد الرحيم بن سليمان، الكناني، نزيل الكوفة ١ - عبد العزيز بن عبد الصمد، العمي، البصري ١ - عبد العزيز بن المختار، البصري ٤١ - عبد الله بن داود، الخريبي، البصري ٣ * عبد الله بن المبارك، المروزي ١ - عبد الله بن یحیی بن أبي کثیر، اليمامي * عبد المؤمن بن عبيد الله، أبو عبيدة البصري ١ - عبد الواحد بن زياد، العبدي مولاهم، البصري ١٤ - عبد الوارث بن سعيد، التنوري، البصري ٢١ - عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، البصري ١ * عبيد الله بن موسى، العبسي، الكوفي ٣ ١٦٠