النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤٠ ١٣- اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى الْمُقَدِّمَةُ صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((لا وُضُوءَ إلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ)). فأوضَحَ أبو حاتم الرازيُّ وَهَمَ شُعْبة في هذا الحديث، فقال: ((هذا وَهَمٌ؛ اختصَرَ شُعْبةُ متنَ هذا الحديث، فقال: ((لا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيح))، ورواه أَصْحَابُ سُهَيْل، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ◌ََّ قال: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ، فَوَجَدَ رِيحًا مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَخْرُجَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ ڕِیحًا)))). وبهذا أعلَّه أيضًا ابنُ خُزَيْمة(١)، والبيهقي(٢). ومِثْلُهُ: ما أخرجه النَّسَائِيُّ(٣)، وابن حِبَّان(٤) عن شُعْبة، عن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ابنِ عُلَيَّة، عن عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس ابن مالك ◌َُّه: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نهى عن التَّزَعْفُرِ. وأخرجه مسلم من طريق أبي بكر بن أبي شَيْبة، وعَمْرٍو الناقدِ، وزُهَيْرِ بنِ حَرْب، وابن نُمَيْر، وأبي كُرَيْبٍ، جميعهم عن إسماعيل بن عُلَيَّة، به بلفظ: نَهَى رسولُ اللهِ وَلَهِ أن يتزَعْفَرَ الرَّجُلُ. (١) في "صحيحه" (١٨/١). (٢) في "السنن" (١١٧/١). (٣) في "الكبرى" (٣٦٨٧). (٤) في "صحيحه" (٥٤٦٤). ١٤١ الْمُقَدِّمَةُ ١٣ - اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وكذا رواه البخاريُّ(١)، من طريق عبدالوارث، ومسلمٌ (٢) من طريقِ حمادِ بنِ زَيْد، كلاهما عن عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس. وأخرجه الطحاويُّ(٣) من طريقِ ابنِ أبي عِمْران، عن علي بن الجَعْد، عن شُعْبة، وفيه قال علي: ((ثم لَقِيتُ إسماعيلَ، فسألتُهُ عنه، وحدَّثته أنَّ شُعْبَةَ حدَّثنا به عنه، فقال: ليس هكذا حَدَّثْتُهُ، وإنما حَدَّثْتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهُ نهى أن يتزَعْفَرَ الرجلُ. قال ابن أبي عِمْران: ((وهما مختلفان، أمَّا قوله: أن يَتَزَعْفَرَ الرجلُ: فإنَّما دخَلَ في نهيه الرجالُ دون النساء، وأما قوله: نَهَى عن التزعفُرِ: فأدخَلَ فيه الرجالَ والنساءَ)). ثم قال الطحاوي: ((وقد رواه سائرُ أَضْحَابِ عبدالعزيز، عن عبدالعزيز بالنَّهْىِ أن يَتَزَغْفَرَ الرجلُ)). وروى الرَّامَهُرْمُزِيُّ(٤) عن أبي يحيى العَظَّار؛ قال: سمعتُ إسماعيل بن عُلَيَّة يقول: ((روى عني شُعْبة حديثًا واحدًا فأوهَمَ فيه؛ حَدَّثْتُهُ عن عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس: أنَّ النَّبِيَّ وَِّ نهى أنْ يتزعفَرَ الرجلُ، فقال شُعْبة: إنَّ النَّبِيَّ وَهَ نَهَى عن التزعقُرِ)). قال الرامهر مزيُّ: ((وكان شُعْبةُ حَفِظَ عن إسماعيل، فأنكَرَ إسماعيلُ (٢) في الموضع السابق. (١) في "صحيحه" (٥٨٤٦). (٣) في "مشكل الآثار" (٥٠٩/١٢-٥١٠). (٤) في "المحدث الفاصل" (ص٣٨٩ -٣٩٠)، ومن طريقه رواه الخطيب في "الكفاية" (١/ ٤٩٢-٤٩٤). ١٤٢ ١٣- اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى الْمُقَدِّمَةُ لَفْظَ التزعفر؛ لأنه لفظُ العموم، وإنما المنهيُّ عنه: الرجالُ، وأحسَبُ شُعْبَةَ قَصَدَ المعنى، ولم يَفْطَنْ لما فَطِنَ له إسماعيلُ، وشُعْبةُ شُعْبَةُ !! )). ولم يقفِ الحافظُ ابن حجر على إنكارٍ إسماعيل على شُعْبة، فقال(١): ((ورواه شُعْبة عن ابنِ عُلَيَّة عند النَّسَائي مطلقًا، فقال: نهى عن التزعفُرٍ، وكأنَّه اختصره، وإلا فقد رواه عن إسماعيل فوق العَشَرة من الحفاظِ مقيَّدًا بالرجل، ويَحْتمِلُ أن يكونَ إسماعيلُ اختصَرَهُ لَمَّا حدَّث به شُعْبةُ، والمطلَقُ محمولٌ على المقيَّد، وروايةُ شُعْبةً عن إسماعيلَ من رواية الأكابر عن الأصاغر)). وَبَيْنَ أهلِ العلم خلافٌ طويلٌ في جواز اختصارِ الحديث وروايتِهِ بالمعنى (٢)، فذهَبَ بعضهم إلى المَنْع من ذلك، وجوَّزه بعضهم بشروطٍ اختُلِف فيها أيضًا، والراجحُ الجوازُ بشروطٍ من أهمِّها: أن يكونَ عالِمًا بمدلولاتِ الألفاظ، وما يُحِيلُ المعانيَ منها؛ لأنه جُرِّبَ على بعض الرواة الخطّأَّ في معرفةِ معاني بعضٍ الأحاديث؛ فعدَّهُ الأئمَّةُ من تصحيفِ المعنى؛ كما في قول أبي موسى العَنَزِيِّ محمَّد بن المثنَّى المعروفِ بالزَّمِنِ حين قال: نَحْنُ قومٌ لنا شَرَفٌ؛ صلَّى إلينا رسولُ اللهِ (١) في "فتح الباري" (٣٠٤/١٠). (٢) انظر تفصيله في "الرسالة" للإمام الشافعي (ص٢٧١ -٢٧٥)، و "مشكل الآثار" للطحاوي (٥٠٨/١٢ - ٥١٠)، و"المحدث الفاصل" للرامهرمزي (ص٥٢٩- ٥٤٣)، و "الكفاية" للخطيب البغدادي (٤٩١/١-٤٩٤ و٥٦٠-٥٨٥) و(٧/٢- ٢٦)، و"جامع بيان العلم" لابن عبد البر (٣٣٩/١-٣٥٣)، و "فتح المغيث" للسخاوي (١٣٧/٣-١٥٨)، وغيرها من كتب علوم الحديث. ١٤٣ الْمُقَدِّمَةُ ١٣- اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وَّه، يعني: حديثَ النَّبِيِّ وَّهِ أنه صلَّى إلى عَنَزَةٍ (١)، وهي الحَرْبَةُ الصغيرةُ تُغْرَزُ بين يَدَيْهِ وَلَه لِيَتَّخِذَهَا سُتْرَةً في الصلاة، فظنَّ أبو موسى أنه وَّهِ صلَّى إلى قبيلتِهِ عَنَزَةَ، وعَدَّ ذلك شرفًا لهم(٢) !. وكان بعضُ العلماء بارعًا في معرفة معاني الأحاديث، وروايتها بالمعنى، واختصارِهَا، حتى إنَّ كبارَ الأئمَّةِ ليتعلَّمون منه ذلك؛ كسفيانَ الثَّوْريِّ الذي يقولُ عنه الخطيبُ البغدادي(٣): ((وقد كان سُفْيان الثوريُّ يروي الأحاديثَ على الاختصار لمن قد رواها له على التَّمَام؛ لأنَّه كان يَعْلَمُ منهم الحِفْظَ لها والمعرفةَ بها ... ))، ثم روى عن عبدالعزيز بن أَبَانَ أنه قال: ((علَّمنا سفيانُ الثَّوْرِيُّ اختصارَ الحدیث))، ويقولُ عبدالله بن المبارك: ((علَّمنا سفيانُ اختصارَ الحديث))(٤). أمَّا اختصارُ الحديث: فجوَّزوه لِمَنْ كان عالمًا بتمام معناه؛ على أن يكونَ ما اختصَرَهُ منفصلاً عن القَدْرِ الذي ذكره منه، غيرَ مُتَعَلِّقٍ به؛ ولا يَخْتَلُّ معه البَيَان، ولا تَخْتلِفُ الدَّلَالةُ فيما نقله بِتَرْكِ ما حَذَفَهُ؛ (١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٨٧ و٣٧٦ و٤٩٥ و٤٩٩)، ومسلم (٥٠٣). (٢) روى هذه القصة الدارقطني في "سؤالات السلمي له" (٣٦٦)، والخطيب في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٦٣٤)، وذكرها ابن الصلاح في "مقدِّمته" (ص٢٨٠)، والسخاوي في "فتح المغيث" (٧٨/٣)، وذكرها أيضًا الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٣١٨/١٩) بصيغة التمريض، ثم قال: ((فما أدري: هَلْ فَهِمَ معكوسًا، أو أنه قال ذلك مزاحًا؟)). اهـ. (٣) في "الكفاية" (ص١٩٣). (٤) أخرجه البغوي في "الجعديات" (١٨٢٣)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص٥٤٣). ١٤٤ ١٣- اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى الْمُقَدِّمَةُ كالاستثناءِ، مِثْلُ قوله وَله: ((لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، إلا سواءً بسواء))(١)، فلا يجوزُ اختصارُ الاستثناءِ هنا، وهو قوله وَله: ((إلا سَوَاءً بسواء)). ومن أمثلة ما أخطَأَ الرواةُ فيه بسببٍ روايتِهِ بالمعنى واختصارِهِ: ما أخرجه أبو داود(٢)، من طريق مَرْوان بن معاوية الفَزَاري، عن أبي حَيَّان يحيى بن سعيد التَّيْمي، عن أبي زُرْعة بنِ عمرو بن جَرِير، عن أبي هريرة حظوته: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه كان يُسَمِّي الأُنْثَى من الخيل: فَرَسًا . وليس هناك روايةٌ بهذه الصفةِ التي رواها مَرْوان الفَزَاري، ولكنه شيءٌ فَهِمَهُ من الحديث الذي أخرجه البخاريُّ(٣) مِنْ طريق يحيى بن سَعِيد القَطَّان، ومسلم (٤) مِنْ طريق إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ابنِ عُلَيَّة، وعبدِ الرحيمِ بنِ سُلَيْمان، وجريرِ بنِ عبدالحَمِيد، وأيوبَ السَّخْتِياني، جميعهم عن أبي حَيَّن التَّيْمي، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النَّبِيِّ وَله بالحديثِ الطويل في عُقُوبة الغلول(٥)، وفيه يقولُ وَّه : ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ))، (١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢١٧٥ و٢١٨٢)، ومسلم (١٥٩٠) من حديث أبي بكرة رُه، واللفظ للبخاري. (٢) في "سننه" (٢٥٤٦)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٤٦٨٠). (٤) في "صحيحه" (١٨٣١). (٣) في "صحيحه" (٣٠٧٣). (٥) الغلول: هو الخيانة في الْمَغْنَم، والسَّرِقَةُ من الغنيمة قبل القِسْمة. انظر "النهاية" لابن الأثير (٣٨٠/٣). ١٤٥ الْمُقَدِّمَةُ ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّیوخِ بِسِیَاقٍ وَاحِدٍ ورواه أبو عَوَانة من طريق أبي أُسَامة حمَّاد بن أُسَامة، عن أبي حَيَّان، به بلفظ: ((على رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لها حَمْحَمَةٌ))، فالظاهرُ أنَّ ضميرَ التأنيثِ في بعض ألفاظ الحديثِ جعَلَ مَرْوانَ بنَ معاوية يعبِّر بما فهمه من الرواية، وقد ذكَرَ هذا الإعلالَ عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم الرازي(١)، عن أبيه أنه قال: ((هذا حديثٌ مشهورٌ، رواه جماعةٌ عن أبي حَيَّان، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَّ: أنه ذكَرَ الغُلُولَ فقال: ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ فَرَسٌ))، فاختصَرَ مَرْوانُ هذا الحديثَ لَمَّا قال: ((يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ))، أي : جعل الفرَسَ أنثى حين قال: يَحْمِلها، ولم يقلْ: يَحْمِلُهُ))(٢). ١٤) جَمْعُ حَدِيثِ الشُّیوخِ بِسِیَاقٍ وَاحِدٍ : الأصلُ في روايةِ الحديث: أنْ يُؤَدِّيَ الراوي الحديثَ كما سَمِعَهُ مِنْ غيرِ زيادةٍ أو نقصٍ أو تغيير، وأنْ يَفْصِلَ سياقَ كلِّ راوٍ عن الآخر، لكنْ لصعوبةِ رواية الحديث بلفظه جوَّزَ العلماءُ الروايةَ بالمعنى كما تقدم، وأمَّا فصلُ سياقٍ كلِّ راوٍ عن سياق الآخر فليس متعذِّرًا، غير أنه وُجِدَ من الرواة مَنْ يَقْرِنُ الرواياتِ، ويجمعُ حديثَ الشيوخِ أحيانًا طلبًا للاختصار، دون بيانٍ لِلَفْظِ كُلِّ منهم، وقد يكونُ في حديثٍ بعضهم عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ قبوله. (١) في "العلل" (٩٠٢). (٢) انظر أمثلة أخرى لأخطاء بعض الرواة بسبب الاختصار والرواية بالمعنى في "العلل" (٤٠٥ و ٤٥٣). ١٤٦ ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّیوخِ بِسِیَاقٍ وَاحِدٍ الْمُقَدِّمَةُ قال ابن الصلاح(١): ((إذا كان الحديثُ عند الراوي عن اثنَيْنِ أو أكثَرَ، وبَيْنَ روايتهما تفاوتٌ في اللفظ، والمعنَى واحدٌ؛ كان له أن يَجْمَعَ بينهما في الإسناد، ثم يَسُوقَ الحديثَ على لفظ أحدهما خاصَّةً، ويقول: أخبرنا فلانٌ وفلانٌ، واللفظُ لفلان، أو هذا لفظُ فلان؛ قال - أو قالا -: أنا فلان، أو ما أشبه ذلك من العبارات ... ))، ثم أثنى على طريقةٍ مُسْلِم في تمييز الروايات بعضها عن بعض، وذكّرَ طريقةَ بعض المحدِّثين كأبي داود وغيره في قولهم: ((حدَّثنا فلانٌ وفلان، المعنی؛ قالا: حدَّثنا فلان))، وربَّما قالوا: ((والمعنى واحد))، فإنْ كان اللفظُ للأوَّلِ وقصَدَ أنَّ رواية الثاني بمعناه فهذا جائزٌ كما بيَّنه أوّلاً، وإنْ قصَدَ أنه رواه بالمعنَى عن كليهما: فهذا غيرُ ممتنع على مذهب مَنْ يرى جوازَ الرواية بالمعنى. ثم قال ابن الصلاح: ((وأما إذا جمَعَ بين جماعةِ رواةٍ قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أوردَهُ لفظَ كُلِّ واحدٍ منهم، وسكَتَ عن البيان لذلك، فهذا ممَّا عِيبَ به البخاريُّ - أو غيره - ولا بأس به على مقتضى مذهب تجويز الرواية بالمعنى)). وبيَّن الحافظُ ابن حجر أنَّ الإسماعيليَّ ممَّن عاب على البخاريِّ هذا الصنيعَ، فقال(٢): ((قوله: ((وقال الليثُ: حذَّثني يونس)): وصله الذُّهْلي في "الزُّهْرِيَّات"، وساقه المصنّف هنا على لفظ يونس، (١) في "مقدمته" (٧١٥/١-٧١٦). (٢) في "فتح الباري" (٢٤/٨). ١٤٧ الْمُقَدِّمَةُ ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ النُّیوخ پِسِیَاقٍ وَاحِدٍ وأورده مقرونًا بطريقِ مالك، وفيه مخالفةٌ شديدةٌ له، وسأبيِّنُ ذلك عند شرحه، وقد عابه الإسماعيليُّ وقال: قَرَنَ بين روايتَيْ مالك ويونس مع شِدَّةِ اختلافهما، ولم يبيِّن ذلك)). وما ذكره ابنُ الصلاح من الاعتذارِ للبخاريِّ هو الصحيحُ، فهو ممَّن يجوِّزُ الروايةَ بالمعنى، ولا يُشَكُّ في معرفتِهِ بما يحيل المعاني، بل هو يَعِيبُ بعضَ الرواة الذين يَجْمَعون الرواياتِ وليستْ عندهم الأهليَّةُ لذلك، ويتجنَّبُ إخراجَ حديثهم. يقولُ الحافظُ الخليلي(١): ((ذاكَرْتُ يومًا بعضَ الحفاظ، فقلت: البخاريُّ لم يخرِّجْ حمادَ بنَ سَلَمة في الصحيح وهو زاهدٌ ثقة! فقال: لأنه جمَعَ بين جماعةٍ مِنْ أَصْحَاب أنس، فيقول: حدَّثنا قتادة، وثابتٌ، وعبدالعزيز بن صُهَيْب، وربَّما يخالَفُ في بعض ذلك، فقلت: أليس ابنُ وَهْب اتفقوا عليه وهو يَجْمَعُ بين أسانيد فيقول: حدَّثنا مالكٌ، وعمرو بنُ الحارث، والليثُ بنُ سَعْد، والأوزاعيُّ؛ بأحاديث، ويجمع بين جماعةٍ غيرهم؟ فقال: ابنُ وهب أتقَنُ لِمَا يَرْوِيِه وأحفظُ له)». وذكر ابن رجب (٢) كلامَ الخَلِيليِّ السابقَ، ثم علَّق عليه بقوله: ((ومعنى هذا: أنَّ الرجُلَ إذا جمَعَ بين حديثٍ جماعة، وساق الحديثَ (١) في "الإرشاد" (٤١٧/١-٤١٨). (٢) في "شرح علل الترمذي" (٨١٦/٢). ١٤٨ ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّیوخِ بِسِیَاقٍ وَاحِدٍ الْمُقَدِّمَةُ سياقةً واحدة، فالظاهرُ أنَّ لفظهم لم يتفق، فلا يُقْبَلُ هذا الجمعُ إلا مِنْ حافظٍ مُتْقِنٍ لحديثه، يعرف اتفاقَ شيوخه واختلافهم، كما كان الزُّهْري يجمعُ بين شيوخٍ له في حديثِ الإِفْكِ وغيره. وكان الجمعُ بين الشيوخ يُنْكَرُ على الواقديِّ وغيره ممَّن لا يضبطُ هذا؛ كما أُنْكِرَ على ابن إسحاق وغيره. وقد أَنْكَرَ شعبةُ أيضًا على عَوْفٍ الأعرابي؛ قال ابن المَدِيني(١): سمعتُ يحيى(٢) قال: قال لي شُعْبة في أحاديثِ عَوْف، عن خِلَاسٍ، عن أبي هريرة، ومحمَّد(٣)، عن أبي هريرة إذا جمعهم، قال لي شُعْبة: ترى لَفْظَهُمْ واحدًا؟! قال ابن أبي حاتم (٤): أي كالْمُنْكِرِ على عَوْف. وكذلك أنكر يحيى بنُ مَعِين(٥) على عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر العُمَري أنه كان يحدِّث عن أبيه وعمِّه، ويقول: مِثْلاً بِمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، واستَدَلَّ بذلك على ضَعْفه، وعَدَم ضبطه)). انتهى كلام ابن رجب . (١) كما في "مقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (ص١٤٧). (٢) هو: ابن سعيد القطان. (٣) هو: ابن سيرين. (٤) في الموضع السابق. (٥) كما في رواية ابن طهمان لـ"كلام ابن معين في الرجال" (١٨)، و"الكامل" لابن عدي (٤/ ٢٧٦ -٢٧٧). ١ الْمُقَدِّمَةُ ١٤٩ ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّیوخِ بِسِيَاقٍ وَاحِدٍ وكان ابن رجب قد ذكَرَ(١) من ضُعِّف حديثُهُ إذا جمَعَ الشيوخَ، دون ما إذا أفردهم، وذكَرَ فيه أنَّ شُعْبة قال لابن عُلَيّة: ((إذا حدَّثَكَ عطاءُ بنُ السائب عن رجلٍ واحد، فهو ثقةٌ، وإذا جمَعَ فقال: زاذان، وميسرة، وأبو البَخْتَرِيِّ، فاتَّقِهِ؛ كان الشيخُ قد تغيّر))(٢). وذكر ابنُ رَجَبٍ أيضًا (٣) أنَّ عَطَاءَ بنَ السائب كان يَجْمَعُ بين المشايخ؛ لاختلاطِهِ، وهو لا يَشْعُرُ، وأنه كان يأتي بذلك على وجه التوهُّم. وذكَرَ (٤) بعضَ من ضُعِّف حديثُهُ لهذا السبب، وذكَرَ منهم محمَّدَ ابنَ إسحاقَ بنِ يَسَار، وحمادَ بنَ سَلَمة، فقال: ((وكذلك ذكَرَ بعضُهُمْ في ابن إسحاق؛ قال أحمد - في رواية المَرُّوذي -: ابنُ إسحاق حَسَنُ الحديث، لكنْ إذا جمَعَ بين رجلَيْن! قلتُ: كيف؟ قال: يحدِّث عن الزُّهْرِي وآخَرَ، يَحْمِلُ حديثَ هذا على هذا. وكذلك قيل في حَمَّاد بن سلمة؛ قال أحمد - في رواية الأثرم - في حديثٍ حَمَّاد بن سَلَمة، عن أيوبَ وقتادةَ، عن أبي أسماء، عن أبي ثَعْلَبة الخُشَنِيِّ، عن النَّبِّ وََّ فِي آنِيَةِ المُشْرِكين؛ قال أحمد: هذا مِنْ قِبَلِ حماد، كان لا يقومُ على مِثْلِ هذا؛ يجمعُ الرجالَ، ثم يجعله (١) في "شرح العلل" (٨١٣/٢-٨١٥). (٢) قول شعبة هذا رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣٣٨/٦). (٣) في "شرح العلل" (٨١٧/٢). (٤) في المرجع السابق (٨١٤/٢-٨١٥). ١٥٠ ١٤ - جَمْعُ حَدِيثِ الشُّيوخِ بِسِيَاقٍ وَاحِدٍ الْمُقَدِّمَةُ إسنادًا واحدًا، وهُمْ يختلفون)). ولعلَّ مِنْ أكثرِ ما يُشْكِلُ هنا: ما يقَعُ من الثقاتِ الذين لا يُشَكُّ فيهم مِنْ حملِ الأسانيدِ المعلولةِ على الأسانيدِ الصحيحة. قال ابن رجب(١): ((وقد ذكَرَ يعقوبُ بن شَيْبة أنَّ ابن عُيَيْنة كان ربَّما يحدِّث بحديثٍ واحدٍ عن اثنين، ويسوقُهُ سياقةَ واحدٍ منهما، فإذا أُفْرِدَ الحديثُ عن الآخر أرسَلَهُ، أو أوقَفُه)). وقد حمَلَ عبدُاللهِ بنُ وَهْب روايةَ الإمام مالك على رواية الليْثِ ابنِ سَعْد ويونسَ بنِ يَزِيد في حديثٍ رَوَوْهُ عن ابن شهاب الزُّهْري، عن عُرْوة بن الزُّبَيْر وعَمْرةَ بنتِ عبدالرحمن، كلاهما عن عائشة، في حين أن المعروفَ عن مالكِ أنه يحدِّث به عن ابن شهاب، عن عُرْوة، عن عَمْرة، عن عائشة(٢)! ووقع من ابن وَهْب أيضًا مِثْلُهُ في حديثٍ مخاصمة الأنصاريِّ للزُّبَيْر بن العَوَّام في شِرَاجِ الحَرَّة، انظره في "علل الترمذي)» (٣)، و "علل ابن أبي حاتم"(٤). والأمثلة على هذا كثيرة (٥). (١) في المرجع السابق (٨١٦/٢). (٢) انظر "سنن البيهقي" (٣١٥/٤). (٣) (٣٧٣). (٤) (١١٨٥). (٥) انظر بعضها في: "مسند البزار" (١٩٣٩)، و"الكامل " لابن عدي (٢٩٦/١)، = ١٥١ الْمُقَدِّمَةُ ١٥- مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ ١٥) مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَّةٍ: وهذا في الغالبِ يحصُلُ بسببٍ اتفاقٍ راويَيْنِ في الاسم واسم الأب، أو كونِ اسمَيْهِمَا على وزنٍ صَرْفِيٍّ واحدٍ، مع اتفاقِ اسمَيْ أبويهما، كما في عبدالرحمن بن يَزِيد بن تَمِيم، وعبدالرحمن بن يَزِيد ابن جابر، فالأولُ ضعيفٌ، والثاني ثقة، وكذا واصلُ بنُ حَيَّان، وصالح بن حَيَّان، فالأوَّل ثقة، والثاني ضعيف. أما عبدالرحمن بن يزيد: فقد اشتَبَهَ الضعيفُ على حسين الْجُعْفي وأبي أسامة حَمَّاد بن أُسَامة بالثقة، فحدَّثا بأحاديثَ يقولان فيها: حدَّثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جَابر، وهما لم يَسْمَعَا منه، وإنما سمعا من ابن تَمِيمِ الضعيفِ، فظنَّاه ابنَ جابر الثقة. قال عبدُالرحمن بن أبي حاتم (١): ((وسمعتُ أبي يقول: عبدالرحمن بنُ يَزِيدَ بنِ جابر لا أعلَمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العراقِ يُحَدِّثُ عنه، والذي عندي: أنَّ الذي يروي عنه أبو أسامة وحُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ = و(٣١٦/٤)، و "العلل" للدارقطني (١١١٣ و١١١٦ و١٢٩٠)، و"سنن البيهقي" (١٠٩/٧)، و(١٨٣/١٠ و٣٠٤)، و"الفصل للوصل" للخطيب (٣١٨/١ و٤٤٥ و٦٠٠)، و(٦٢٥/٢ و٨٤٦ و٨٩٩ و٩٠٣)، و"تاريخ بغداد" (٢٦٨/٦)، و"تهذيب الكمال " للمزي (٥١٢/٩)، و(٢٠٨/٣٤)، و "شرح العلل" (٨٤٠/٢)، و"التقييد والإيضاح" (٥٢٩/١)، و"فتح الباري" (٣٥/٥و١٢٠)، و(٢٣٩/٦)، و(٨/ ٤٩٣)، و(١٨٤/١٠ و٣٣٤)، و(٤٤/١١)، و(١١/١٢)، و(١٩١/١٣)، و(١٥/ ٥٩)، و"تغليق التعليق" (٢٠٢/٣)، و(١٣١/٤). (١) في "العلل" (٥٦٥). ١٥٢ ١٥- مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ الْمُقَدِّمَةُ واحدٌ، وهو عبدُالرحمنِ بنُ يَزِيدَ بنِ تَمِيم؛ لأنَّ أبا أسامة روى عن عبدالرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة خمسةَ أحاديثَ - أو ستةَ أحاديث - منكرةً، لا يَحْتمِلُ أن يُحَدِّثَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ مِثْلَهُ(١)، ولا أعلَمُ أحدًا مِنْ أهلِ الشامِ روى عن ابن جابر مِنْ هذه الأحاديث شَيْءَ(٢). وأمَّا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ: فإنه روى عن عبدالرحمن بن يزيدَ بنِ جابر، عن أبي الأَشْعَث، عن أَوْس بن أَوْس، عن النَّبِيِّ نََّ في يوم الجُمُعة أنه قال: ((أَفْضَلُ الأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعةِ، فِيهِ الصَّعْقَةُ، وفِيهِ النَّفْخَةُ»، وَفِيهِ كَذَا، وهو حديثٌ منكر، لا أعلَمُ أحَدًا رواه غَيْرَ حُسَيْن الْجُعْفِيِّ. وأمَّا عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ تَمِيم: فهو ضعيفُ الحديث، وعبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ ثقةٌ)). اهـ. قال الحافظ ابن حجر (٣): ((فإنْ أُبْدِلَ راوٍ ضعيفٌ براوٍ ثقة، وتبيَّن الوهَمُ فيه؛ استلزَمَ القدحَ في المتن أيضًا - إنْ لم يكنْ له طريقٌ أخرى صحيحة - ومِنْ أغمضٍ ذلك: أن يكونَ الضعيفُ موافقًا للثقة في نعته . ومثال ذلك : ما وقَعَ لأبي أسامة حمَّاد بن أُسَامة الكُوفي أحدٍ (١) كذا في النسخ الخطية، والجادَّة: ((مثلها)). وانظر توجيه ذلك في التعليق على المسألة نفسها من "العلل". (٢) كذا بحذف ألف تنوين النصب، وهو صحيح في العربية. انظر التعليق عليه في (٣) في "النكت" (٧٤٧/٢-٧٤٨). المسألة المذكورة. ١٥٣ الْمُقَدِّمَةُ ١٥- مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ الثقات، عن عبدالرحمن بن يزيدَ بنِ جابر، وهو مِنْ ثقات الشاميِّين قَدِمَ الكوفةَ، فكتَبَ عنه أهلها، ولم يَسْمَعْ منه أبو أسامة، ثم قَدِمَ بعد ذلك الكوفةَ عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بن تَمِيم - وهو من ضعفاء الشاميِين - فَسَمِعَ منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه، فقال : عبدالرحمن بن يزيد، فظنَّ أبو أسامة أنه ابنُ جابر، فصار يحدِّث عنه وينسُبُهُ مِنْ قِبَلِ نفسه فيقول : حدَّثنا عبدُالرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابر، فوقَعَتِ المناكيرُ في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان، فلم يَفْطَنْ لذلك إلا أهلُ النَّقْد، فميَّزوا ذلك ونصُّوا عليه؛ كالبخاريِّ وأبي حاتم وغيرٍ واحد)). وأما واصلُ بنُ حيَّان وصالحُ بنُ حَيَّان: فقد قال عبدالرحمن بن أبي حاتم(١): ((وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه زُهَيْرُ بنُ معاوية؛ قال: حدَّثنا واصلُ بن حَيَّان، عن ابن بُرَيْدة (٢)، عن أبيه، عن النَّبِيّ ◌َِّ؛ في الكَمْأَةِ والحَبَّةِ السوداءِ، وقولِ النَّبِيِّ وَّ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ))؟ فقال : أخطَأَ زُهَيْرٌ مع إتقانه، هذا هو صالحُ بنُ حَيَّان، وليس هو واصلّ(٣)، وصالحُ بنُ حَيَّانَ ليس بالقويِّ، هو شيخ، ولم يدركْ زهيرٌ واصلاً)). وفي "المراسيل "(٤) ذكَرَ عنه ابنه أنه قال: «زُهَيْرُ بن معاوية لم يدرْ واصلَ بنَ حَيَّان، وإنما هو: عن صالح بنِ حَيَّان)). (١) في "العلل" (٢١٨٢). (٢) هو: عبدالله. (٣) كذا بحذف ألف تنوين النصب على لغة ربيعة. انظر التعليق على المسألة المذكورة. (٤) (ص٦٠ رقم ٢١٢). ١٥٤ أَسْبَابٌ أُخْرَى لِلْعِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ وذكر الحافظُ العَلَائي(١) كلامَ أبي حاتم هذا، ثم قال: ((ليس هذا من المُرْسَلِ، بل هو من المعلَّل بالغَلَطِ من اسم رجلٍ إلى آخَرَ)). وقال الإمام أحمد(٢): ((انقلَبَ على زُهَيْرِ بنِ معاوية اسمُ صالح ابن حَيَّان، فقال: واصل بن حَيَّان)). وقال يحيى بن مَعِين(٣): ((سمع زُهَيْرٌ من صالح بن حَيَّان، وقلَبَ صالحَ بنَ حَيَّان، فجعلها كلَّها عن واصلٍ بِنِ حَيَّان)». وفي رواية(٤) قال: ((زهير بن معاوية الجُعْفي يُخْطِئ عن صالح بن حيان، يقول: واصلُ بنُ حَيَّان، ولم يَرَ واصلَ بنَ حَيَّان)). وكذا أبو بَلْجِ يحيى بن سُلَيْمِ الواسطيُّ كان يُخْطِئُ في اسم عمرو ابن ميمون، وإنما هو ميمونٌ أبو عبدالله مولى عبدالرحمن بن سَمُرَةَ. ومثلُهُ جَرِيرُ بن عبدالحميد اشتبَهَ عليه عاصمٌ الأحوَلُ بأشِعَثَ بنِ سَوَّار، حتى ميَّز له بَهْزُ بنُ أسد أحاديثَ كُلٍّ منهما (٥). وَبَعْدُ: فهذا ما تيسّر جمعُهُ مِنْ هذه الأسبابِ، وثَمَّةَ أسبابٌ أخرى تتعلَّقُ بالثقاتِ الذين ضُعِّفوا في بعضِ أحوالهم، والعلَّةُ مُتَعَلِّقةٌ بسبب الضَّعْفِ؛ فخرجَتْ - فيما نرى - عن كونها خَفِيَّةً، فلم نفصِّلِ الكلامَ (١) في " جامع التحصيل" (ص١٧٧ رقم ٢٠٣). (٢) كما في "الكامل" لابن عدي (٤/ ٥٣). (٣) المرجع السابق. (٤) في رواية الدوري لـ "تاريخ ابن معين" (٢١٢٧). (٥) انظر "شرح العلل" لابن رجب (٨٢١/٢-٨٢٢). ١٥٥ الْمُقَدِّمَةُ أَسْبَابٌ أُخْرَى لِلْعِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ فيها. وهذه الأسبابُ هي : ١) خِقَّةُ الضَّبْطِ وكثرةُ الوَهَم مع بقاء العدالة. ٢) قومٌ ثقاتٌ في أنفسهم، لكن حديثهم عن بعضٍ الشيوخ فيه ضَعْفٌ؛ لِعَدَمِ ضبطهم له. ٣) الاختلاط. ٤) سُوءُ الحِفْظِ آخِرَ العمر. ٥) العَمَى مع عَدَمِ الحفظ. ٦) احتراقُ الكُتُبِ أو ضياعُهَا . ٧) مَنْ كان لا يَحْفَظُ حديثَهُ، فَيُحَدِّثُ من غيرِ كتابِهِ أحيانًا، فَيَهِمُ. ٨) عدمُ اصطحابِ الكتابِ أثناءَ الرِّحْلة، فيُحَدِّثُ من حفظه، و فَهِمُ. ٩) السماعُ مِنَ الشيخ في مكانٍ دون ضَبْط، والسماعُ منه في مكانٍ آخَرَ مع الضبط. ١٠) مَنْ حَدَّثَ عن أهلِ مِصْرٍ أو إقليم فحفظَ حديثَهُمْ، وحدَّثَ عن غيرهم فلم يَحْفَظُ. ١١) مَنْ حَدَّثَ عنه أهلُ مِصْرٍ أو إقليم فحفظوا حديثَهُ، وحدَّث عنه غيرُهُمْ فلم يُقِيمُوا حديثه. ١٥٦ أَسْبَابٌ أُخْرَى لِلْعِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ ١٢) من انشغَلَ عن العلمِ بأمرٍ آخَرَ كالقضاء. ١٣) قِصَرُ صُحْبةِ الشیخ. ١٥٧ الْمُقَدِّمَةُ التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم (١) التَّعْرِيفُ بِابْنِ أبِي حَاتِم اسمُهُ ونسبُهُ وموطنُهُ: هو الإمامُ ابنُ الإمام، حافظُ الرَّيِّ وابنُ حافظها: عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتمٍ محمَّدٍ بنِ إدريسَ بنِ المُنْذِرِ بنِ داودَ بنِ مِهْرَانَ، أبو محمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الحَنْظَلِيُّ، وقيل: بل الحنظليُّ فقطْ؛ وهي نسبةٌ إلی دَرْبٍ حنظلة بالرَّيِّ، كان يَسْكُنُهُ والدُهُ(٢). ذكر أبو الفضلِ بنُ طاهر (٣) نسبةَ ((الحَنْظَلي)) فقال: ((الحنظليُّ، والحنظليُّ: الأوَّلُ منسوبٌ إلى القبيلةِ، وفيهم كثرة. الثاني منسوبٌ إلى دَرْبٍ حَنْظَلَةَ بالري، منهم أبو حاتم محمَّدُ بنُ إدريسَ بنِ المنذر الحنظليُّ، وابنه عبدالرحمن بن أبي حاتم، ودارُهُ ومسجدُهُ في هذا (١) انظر ترجمته في: "طبقات الحنابلة" (٥٥/٢)، و "سير السلف الصالحين" (٤/ ١٢٣١-١٢٤٤)، و"تاريخ دمشق" (٣٥٧/٣٥-٣٦٦)، و "الأربعين" لأبي الحسن علي بن المفضل (ص ٣٤٩-٣٥٤)، و"التقييد" (٣٣١/١-٣٣٣)، و"التدوين في أخبار قزوين" (١٥٣/٣-١٥٥)، و"سير أعلام النبلاء" (٢٦٣/١٣)، وتاريخ الإسلام" (ص٢٠٦-٢٠٩/ حوادث ٣٢١-٣٣٠)، و"تذكرة الحفاظ" (٨٢٩/٣ - ٨٣٢)، و "العبر" (٢٠٨/٢)، و"المقصد الأرشد" (١٠٥/٢-١٠٦)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (٣٢٤/٣-٣٢٨)، و "الوافي بالوفيات" (١٣٥/١٨-١٣٦)، و "فوات الوفيات" (٢٨٧/٢-٢٨٨)، و"البداية والنهاية" (١٩١/١١)، و"النجوم الزاهرة" (٢٦٥/٣)، و"طبقات الحفاظ " (ص٣٤٥-٣٤٦)، و "طبقات المفسرين" للسيوطي (ص ٦٢ -٦٤)، وللداودي (ص٦٥-٦٦)، و"شذرات الذهب" (٢/ ٢٠٨-٣٠٩). (٢) انظر "تاريخ الإسلام" (ص٢٠٦ / حوادث ٣٢١ -٣٣٠). (٣) في "المؤتلف والمختلف" (ص٥٧). ١٥٨ التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي خَاتِم الْمُقَدِّمَةُ الذَّرْبِ رأيتُهُ ودخلتُهُ. وسمعتُ أبا عليٍّ الشافعيَّ يقول: أخبرنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمَّدٍ بنِ أحمدَ البَزَّازُ في المسجدِ الحرامِ، حدَّثنا أبو الحسينِ عليٌّ بنُ إبراهيمَ الرازيُّ، سمعتُ أبا محمَّد عبدالرحمن بن أبي حاتم قال: قال أبي: نحنُ مِنْ موالي تميم بنِ حَنْظَلَةَ مِنْ غَطَفان. والاعتمادُ على هذا أولى، والله أعلم)). قال ياقوتُ الحَمَوِيُّ(١) متعقِّبًا هذا القولَ بعد أنْ حكاه: ((وهذا وَهَمِّ، ولعلَّه أراد: حنظلة بن تَمِيم، وأمَّا غَطَفان فإنه لا شَكَّ في أنه غلَطُ؛ لأنَّ حنظلة هو: حنظلةُ بنُ مالكِ بنِ زيدِ مَنَاةَ بنِ تَمِيم، وليس في ولده مَنِ اسمُهُ تَمِيمٌ، ولا في وَلَدِ غَطَفانَ بنِ سعدِ بنِ قيسٍ بِنِ عَيْلانَ مَنِ اسمُهُ تميمُ بنُ حنظلةَ البَتَّةَ، على ما أجمَعَ عليه النسَّابون؛ إلا حنظلةَ بنَ رَوَاحةَ بنِ ربيعةَ بنِ مازنِ بنِ الحارثِ بنِ قَطِيعةَ بنِ عَنْسٍ ابن بَغِيض بن رَيْث بن غَطَفان، وليس له ولَدٌ غيرُ غَطَفان، وليس في ولدِ غَطَفان مَنِ اسمُهُ تميمٌ، والله أعلم)). مولده : قال الخليلُ الحافظُ(٢): «سمعتُ القاسمَ بن عَلْقمةَ يقولُ: سَمِعْتُ ابنَ أبي حاتم يقول: وُلِدتُّ سَنَةَ أربعين ومئتين)). (١) في "معجم البلدان" (٣١١/٢). (٢) هو الخليل بن عبد الله الخليلي صاحب كتاب "الإرشاد"، وقوله هذا رواه الرافعي في "التدوين" (١٥٥/٣). ١٥٩ الْمُقَدِّمَةُ التَّعْرِیفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم نشأتُهُ وطلبُهُ للعِلْمِ وصبرُهُ فيه: كان مِنْ عادةِ سَلَفِ الأمة تربيةُ أبنائهم على تقديم القرآنِ والعنايةِ بِه قَبْلَ العلوم الأخرى، وهذا ما فعلَهُ أبو حاتم الرازيُّ بابنه عبدالرحمن؛ كما أخبَرَ هو عن نفسِهِ : قال أبو الحسنِ عليُّ بنُ إبراهيم الرازيُّ الخطيبُ - في ترجمةٍ عَمِلَها لابن أبي حاتم (١) -: سمعتُ عبدالرحمن بن أبي حاتم يقول: (لَمْ يَدَعْنِي أبي أَشْتغِلُ بالحديثِ، حتى قرأْتُ القرآنَ على الفَضْلِ بنِ شاذانَ الرازيِّ، ثم كَتَبْتُ الحديثَ)). اهـ. ثم بعد أن فرَغَ عبدُالرحمنِ مِنْ قراءةِ القرآنِ على ابن شاذان، بدأ في طلبِ الحديث، بمعونةِ أبيه وأبي زُرْعة، وكان مِنْ نِعَم اللهِ عليه أنْ رزقَهُ بهذَيْنِ الإمامَيْنِ اللَّذيْنِ عُنِيًا به، وسلَكًا به طريقَ الطلب على بصيرةٍ . قال الرافعيُّ القَزْوِينيُّ(٢): وَصَفَ الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمد الأصبهانيُّ الإمامَ أبا محمَّد، فقال: ((تربَّى بالمذاكراتِ مع أبيه وأبي زُرْعة؛ كانا يَزُقَّانِهِ كما يُزَقُّ الفَرْغُ الصغيرُ(٣)، ويُعْنَيَانِ به، ورحَلَ مع أبيه، فأدرَكَ ثقاتِ الشيوخ بالحجاز والعراق والثغور، وعرَفَ الصحيحَ (١) كما في "تاريخ دمشق" (٣٦٠/٣٥)، و "سير أعلام النبلاء" (٢٦٣/١٣). (٢) في "التدوين" (١٥٥/٣). (٣) زَقَّ الطائرُ فرخَه يَزُقُّه زَقًّا: أطعمه. "القاموس المحيط" (٢٤١/٣).