النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠ أَسْبَابُ الْعِلَّةِ فِي الحَدِيثِ الْمُقَدِّمَةُ وهذه الأوهامُ التي تقع مِنْ هؤلاءِ الثقاتِ تقعُ بأسباب؛ ستكونُ هي موضوعَ بحثنا هنا؛ لأنها هي أسبابُ وقوع العِلَّة، وهي على الإجمال : ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ. ٢- النِّسْيَانُ. ٣- التَّوَقِّي والإِحْتِرَازُ. ٤- أَخْذُ الحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ. ٥- كَسَلُ الرَّاوِي. ٦- التَّصْحِيفُ. ٧- انْتِقَالُ البَصَرِ. ٨- التَّفَرُّدُ. ٩- التّدلیسُ. ١٠- سُلُوكُ الْجَادَّةِ. ١١- التَّلْقِينُ. ١٢- الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ. ١٣ - اخْتِصَارُ الْحَدِيثِ، وَالرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى. ١٤- جَمْعُ حَدِيثِ الشُّيُوخِ بِسِیَاقٍ وَاحِدٍ . ١٥- مَنْ حَدَّثَ عَنْ ضَعِيفٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِثِقَةٍ. ٦١ الْمُقَدِّمَةُ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ وإليك تفصيلَ ما أُجْمِلَ من الأسبابِ التي هي موضوعُ حديثنا : ١) الخَطَأُ والزَّكَلُ: الثقاتُ جميعُهُمْ بَشَرٌ يُخْطِئون ويُصِيبون، وقد وقع الخطأُ مِنْ كبار الطبقة الأولى، فمِنْ باب أولى أن يَقَعَ ممَّن دونهم، فهذا سببٌ لا ينفكُ عنه بشر، وقد عقَدَ له ابنُ مُفْلِح فصلاً في "الآداب الشرعية" (١) بعنوان: ((فَصْلٌ في خطأ الثقات، وكونِهِ لا يَسْلَمُ منه بشر)»، ثم أورد تحته بعض أقوال الأئمَّة الآتية. وذكَرَ الحافظُ ابن عبدالبر (٢) حديث سهو النَّبِيّ وَّ في الصلاة، ثم قال: ((وفي هذا الحديثِ بيانُ أنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ من الوَهَمِ والنِّسْيان؛ لأنه إذا اعتَرَى ذلك الأنبياءَ، فغيرُهُمْ بذلك أحرى))(٣). وقال الإمام مالك: ((ومَنْ ذا الذي لا يُخْطِئ؟!))(٤). وقال عبدالله بن المبارك: ((مَنْ ذا يَسْلَمُ من الوَهَمِ؟!))(٥). وقال عبدالرحمن بن مهدي: ((من يُبَرِّئُ نفسَهُ من الخطأ فهو مجنون))(٦). (١) (١٤١/٢). (٢) في "الاستذكار" (٥٢١/١). (٣) سيأتي لابن عبد البر كلام جيد في ذكر وهم الزهري والإمام مالك رحمهما الله. (٤) "الآداب الشرعية" (١٤٢/٢). (٥) "شرح العلل" لابن رجب (٤٣٦/١)، و"لسان الميزان" (٢١٤/١). (٦) المرجع السابق. ٦٢ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ الْمُقَدِّمَةُ وقال البُوَيْطي: سمعتُ الشافعيَّ يقول: ((قد أَلَّفْتُ هذه الكتبَ، ولم آلُ فيها، ولا بُدَّ أنْ يوجدَ فيها الخطأُ؛ إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٨٢]، فما وَجَدتُّمْ في كتبي هذه مما يخالفُ الكتابَ والسُّنَّة، فقد رجَعْتُ عنه» (١). وكلام التافه لهذا منصب على الخطاء فى الاجتهاد لا الخطاء فى النقل. ولكن لا باس بإيراده هنا الدلالة على مطلق الخطاء وقال مُهَنَّا للإِمام أحمد: كان غُنْدَرٌ يغلطُ؟ قال: ((أليس هو من الناس ؟!))(٢). وقال حنبل: سمعتُ أبا عبدالله(٣) يقول: ((ما رأيتُ أحدًا أَقَلَّ خطأ من يحيى بن سعيد - يعني القطان - ولقد أخطأ في أحاديث)). قال أبو عبدالله: ((ومَنْ يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟!))(٤). وذكَرَ عَبَّاس الدُّوري(٥)، عن يحيى بن معين؛ أنه قال: ((مَنْ لا يخطئ في الحديث، فهو كذَّاب)). وذُكِرَ عنه أيضًا (٦) أنه قال: ((لستُ أعجَبُ ممَّن يحدِّث فيخطئ، إنما العَجَبُ ممَّن يحدِّث فيصيب)). (١) "الآداب الشرعية" (١٤١/٢). (٢) المرجع السابق. (٣) يعني: الإمام أحمد. (٤) المرجع السابق، و"تدريب الراوي" (١٩٣/٢). (٥) في "تاريخه" (٢٦٨٢). (٦) في المرجع السابق (٥٢). ٦٣ الْمُقَدِّمَةُ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ وقال التِّرْمِذي(١): ((وإنما تفاضَلَ أهلُ العلم بالحِفْظِ والإتقانِ والتثبيتِ عند السماع، مع أنه لم يَسْلَمْ من الخطأ والغلط كبيرُ أحدٍ من الأئمَّة، مع حفظهم)) . وذكَرَ الذهبيُّ(٢) خطأً وقع لعبدالله بن عثمان الملقَّب بعَبْدان، ثم قال: ((قلت: عَبْدَانُ حافظٌ صدوق، ومَنِ الذي يَسْلَمُ من الوَهَمِ؟!)). وذكَرَ في موضعٍ آخَرَ (٣) وَهَمَّا وقع للدَّارَقُظْني، وعبدالغني بن سعيد، والخطيب البغدادي، وابن ماكولا، ثم قال: ((فَبَعْدَ هؤلاءِ الأعلام من يَسْلَمُ من الوَهَمِ؟!)). ومِنَ المتفق عليه بين أهل الحديث: أنَّ ابن شهاب الزُّهْري، وسفيانَ الثَّوْري، وشعبةَ بنَ الحجّاج، والإمامَ مالك بن أنس: من أشهرِ كبارِ الحفّاظ، فإذا وقع الوَهَمُ منهم، فَمِنْ غيرهم أولى، وفيما يأتي ذكرُ بعض الأحاديث التي وَهِمَ فيها هؤلاءِ الحفاظُ : أولاً : ابنُ شهاب الزُّهْري: روى الزُّهْرِيُّ حديثَ أبي هريرة ◌َُّ في السَّهْو في الصلاة من طريقِ أشياخه: سعيد بن المسيّب، وأبي سَلَمة بن عبدالرحمن، وأبي بَكْر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هِشَام، وعُبَيْد الله بن عبدالله بن (١) في "العلل الصغير" (٤٣١/١/ شرح ابن رجب). (٢) في "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ١٧٢). (٣) من "سير أعلام النبلاء" (٢١٧/١٥). ٦٤ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ الْمُقَدِّمَةُ عُثْبة، وأبي بَكْر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمَة، كلَّهم عن أبي هريرة ◌َظُه، وفيه ألفاظٌ مُسْتَنْكَرة، جعلَتْ أهلَ العلم بالحديثِ يُعِلَّونه مِنْ طريقِ الزُّهْري، ولم يُخْرِجه الشيخان، وأخرجه النسائي(١) مبيِّنًا عِلَّته، وأخرجَهُ ابنُ خُزَيْمة في "صحيحه»(٢)، وأطال في بيان عِلَّته ومناقشتها، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(٣). وممَّن كشَفَ عِلَّةَ الحديثِ وأوضَحَهَا: الحافظُ ابنُ عبدالبَرِّ حين قال(٤): ((وأمَّا قولُ الزُّهْري في هذا الحديث: إنه ذو الشِّمَالَيْن: فلم يُتَابَعْ عليه، وحمَلَهُ الزُّهْري على أنه المقتولُ يوم بَدْر، وقد اضطُرِبَ على الزُّهْري في حديث ذي اليدَيْن اضطرابًا أوجبَ عند أهل العلم بالنقل تَرْكَهُ مِنْ روايته خاصَّة؛ لأنه مَرَّةً يرويه عن أبي بَكْر بن سليمان ابن أبي حَثْمَة؛ قال: بلغني أنَّ رسول الله وَّهِ ركَعَ ركعتين، هكذا حدَّث به عنه مالكٌ. وحدَّث به مالكٌ أيضًا عنه، عن سعيد بن المسيّب وأبي سَلَمة بِمِثْلِ حديثِهِ عن أبي بكر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمة. (١) في "الكبرى" (٥٦٤-٥٦٨و١١٥٢-١١٥٥)، و"المجتبى" (١٢٢٩-١٢٣٢). (٢) (١٠٤٠-١٠٥١). (٣) (٢٦٨٤ و ٢٦٨٥). (٤) في "التمهيد" (٣٦٤/١-٣٦٦). ٦٥ الْمُقَدِّمَةُ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ ورواه صالح بن كَيْسان عنه: أنَّ أبا بَكْر بن سليمان بن أبي حَثْمة أخبره: أنه بلغه: أنَّ رسولَ الله وَّهِ صلَّى ركعتَيْن، ثم سلَّم، وذكَرَ الحديث، وقال فيه: فَأَتَّمَّ ما بَقِيَ مِنْ صلاتِهِ، ولم يَسْجُدِ السجدتَيْنِ اللّيْنِ تُسْجَدان إذا شَكَّ الرجلُ في صلاِهِ حين لقَّنه الرجل. قال صالح: قال ابن شهاب: فأخبرني هذا الخَبَرَ سعيدُ بنُ المسيّب، عن أبي هريرة، قال: وأخبرني به أبو سَلَمة بن عبدالرحمن، وأبو بكر بن عبدالرحمن، وعُبَيْدالله بن عبدالله. ورواه ابن إسحاق، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، وعُرْوة بن الزُّبَيْر، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة؛ قال: كُلٌّ قد حدَّثني بذلك؛ قالوا: صلَّى رسولُ اللهِ بالناسِ الظهر، فسلَّم من ركعتين ... وذكر الحديث، وقال فيه الزُّهْري: ولم يُخْبِرني رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ سجَدَ سجدتي السَّهْو، فكان ابنُ شهاب يقول: إذا عَرَفَ الرجلُ ما يبني مِنْ صلاته فأتمَّها، فليس عليه سجدتا السَّهْوِ؛ لهذا الحدیثِ. وقال ابن جريج: حدَّثني ابن شهاب، عن أبي بَكْر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمة، وأبي سَلَمة بن عبدالرحمن عمَّن يَقْنَعان بحديثه: أنَّ النَّبيَّ ◌ِ لَّه صلَّى ركعتَيْنِ في صلاة الظهر - أو العصر - فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو: يا رسولَ الله، أَقَصُرَتِ الصلاةُ، أم نَسِيتَ؟ ... وذكر الحدیث. ٦٦ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ الْمُقَدِّمَةُ ورواه معمر، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمة بن عبدالرحمن، وأبي بَكْر بن سُلَيْمان ابن أبي حَثْمة، عن أبي هريرة، وهذا اضطرابٌ عظيمٌ من ابن شهاب في حديث ذي اليدَيْنِ. وقال مسلم بن الحجّاج في كتابه "التمييز "(١): قولُ ابن شهاب: إنَّ رسولَ الله لم يَسْجُدْ يومَ ذي اليدَيْنِ سجدتَي السَّهْوِ خطأٌ وغلَطٌ، وقد ثبَتَ عن النَّبِيّ عَلَّا أنه سجَدَ سجدتَي السَّهْوِ ذلك اليومَ من أحاديثِ الثقاتِ؛ ابنِ سِيرِينَ وغيره. قال أبو عمر: لا أعلَمُ أحدًا مِنْ أهل العلم والحديث المصنّفين فيه عَوَّلَ على حديث ابن شهاب في قِصَّةٍ ذي اليدين؛ لاضطرابِهِ فيه، وأنه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متنا، وإنْ كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلَطُ لا يَسْلَمُ منه أحدٌ، والكمالُ ليس لمخلوق، وكلُّ أحدٍ يؤخذُ مِنْ قولِهِ ويُتْرَك، إلا النَّبِيَّ وََّ، فليس قولُ ابن شهاب: إنه المقتولُ يومَ بَدْرٍ، حجّةً؛ لأنه قد تبيَّن غلطُه في ذلك)). ثانيًا : سُفْيان الثَّوْري: ذكر ابن أبي حاتم (٢) أنه سأل أباه وأبا زرعة عن حديثٍ رواه سُفْيان الثَّوْري، عن أبي الزِّناد، عن الْمُرَقِّع بن صَيْفِي، عن حَنْظلة الكاتب؛ قال: لمَّا خرَجَ رسولُ اللهِ وَّ في بعضٍ مَغَازِيهِ نظَرَ إلى (١) (ص١٨٣) مع بعض الاختلاف. (٢) في "العلل" (٩١٤). ٦٧ الْمُقَدِّمَةُ ١ - الخَطَأُ والزَّلَلُ امرأةٍ مقتولةٍ، فقال: ((مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ!»، فنهى عن قَتْلِ النساءِ والولدان ؟ قال: ((قال أبي وأبو زرعة: هذا خطَّأُ؛ يقال: إنَّ هذا مِنْ وَهَم الثَّوْرِي؛ إنما هو الْمُرَفِّعُ بن صَيْفي، عن جَدِّهِ رِيَاح بن الرَّبِيع أخي حنظلة، عن النَّبيّ ◌َ﴿. كذا يرويه مغيرة بن عبدالرحمن، وزياد بن سعد، وعبدالرحمن بن أبي الزِّنَاد. قال أبي: والصحيح هذا )). ونقل ابن ماجه(١) عن ابن أبي شيبة قولَهُ: (يخطئ فيه الثَّوْرِي)). وقال البخاري(٢) - بعد ذكره للاختلاف -: ((وقال الثَّوْري: عن أبي الزناد، عن مرقٌّع، عن حنظلة، وهذا وَهَمْ)). وقال أبو عيسى الترمذي(٣): ((حديثُ سُفْيان هذا خطأً؛ إنما هو: عن المرقِّع، عن رَبَاح بن الربيع أخي حنظلة الكاتب، هكذا رواه غير واحد عن أبي الزناد. وسألتُ محمَّدًا(٤) عن هذا الحديث؟ فقال: رباح بن الربيع، ومن قال : رياح بن الربيع هو وَهَمُ. (١) في "سننه" (٢٨٤٢). (٢) في "التاريخ الكبير" (٣١٤/٣). (٣) في "العلل الكبير" (٤٧١). (٤) يعني: البخاري. ٦٨ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ الْمُقَدِّمَةُ قال أبو عيسى: رَبَاح بن الربيع أَصَخُّ، وقد روى بعضُ ولد رَبَاح غيرَ هذا عن جده، وقال: رِيَاح بن الربيع، وهكذا قال عليّ بن المدیني : رِیَاح)). وقال الطحاوي(١): ((ولا نَعْلَمُ أحدًا تابَعَ الثوريَّ على روايته کذلك». ثالثًا: شُعْبة بن الحَجَّاج: أخرج مسلم(٢) حديثًا من طريق شُعْبة، عن غَيْلان بن جَرِير؛ سمع عبدالله بن مَعْبَدِ الزُّمَّاني، عن أبي قتادة الأنصاري عظ ◌ُله: أنَّ رسول الله وَهُ سُئِلَ عن صومه؟ قال: فغَضِبَ رسولُ اللهِ وَلَّ، فقال عمر رُه: رضينا بالله رَبًّا، وبالإسلام دِينًا، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ... الحديثَ، وفيه أنه وََّ سُئِلَ عن صوم يوم الإثنين؟ قال: ((ذاك يومُ وُلِدتُ فيه، ويومٌ بُعِثْتُ - أو أُنزِلَ عِليَّ - فيه))، وسُئِل عن صومِ يومٍ عَرَفَةَ؟ فقال: (يكفِّر السَّنَّةَ الماضيةَ والباقية))، قال: وسُئِلَ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: ((يُكَفِّرُ السَّنَّةَ الماضية)). قال مسلم : ((وفي هذا الحديثِ مِنْ رواية شُعْبة: قال: وسُئِلَ عن صوم يوم الإثنين والخميس ؟ فسكتنا عن ذكر الخميس؛ لما نراه وَهَمَا)). (١) في "مشكل الآثار" (٤٣٨/١٥). (٢) في "صحيحه" (١١٦٢). ٦٩ الْمُقَدِّمَةُ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ ثم أخرجه مسلم من طُرُقٍ أخرى غير طريق شُعْبة، ليس فيها ذِكْرُ الخمیس. مثال آخر: أخرَجَ الترمذي(١) حديثًا من طريق شُعْبة؛ قال: أخبرنا عبدُ رَبِّهِ بنُ سعيد؛ قال: سمعتُ أنس بن أبي أنس يحدِّث، عن عبدالله بن نافع بن العَمْياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطَّلِب: أنَّ رسولَ الله ◌ِ له قال: ((الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ في ركعتين، وتَباءَسُ، وتَمَسْكَنُ، وَتُقْنِعُ، وتقولُ: اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ، فمَنْ لم يفعَلْ ذلك فهي خداج)). ثم قال الترمذي: ((وقال اللَّيْثُ: أنا عبدُ ربِّه بن سعيد، عن عِمْران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العَمْياء، عن رَبِيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس)). قال الترمذي: ((سمعتُ محمَّد بن إسماعيل(٢) يقول: روايةُ اللَّيْث ابن سعد أَصَحُّ من حديث شُعْبة، وشُعْبةُ أخطأً في هذا الحديث في مواضع: فقال: عن أنس بن أبي أنس، وإنما هو: عِمْران بن أبي أنس، وقال: عن عبدالله بن الحارث، وإنما هو: عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، وربيعةُ بنُ الحارث هو: ابنُ المَطَّلِب، فقال هو: عن المطَّلِب، ولم يذكُرْ فيه: عن الفضل بن العباس)). (١) في "العلل الكبير" (١٢٨). (٢) هو: البخاري. ٧٠ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ الْمُقَدِّمَةُ وذكر ابن أبي حاتم(١) أنه سأل أباه عن اختلاف شُعْبة والليث في هذا الحديث؟ ثم قال: ((قال أبي : حديثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ ؛ لأنَّ أنس بن أبي أنسٍ لا يُعْرَفُ، وعبدُاللهِ بنُ الحارث ليس له معنًى ؛ إنما هو ربيعة ابن الحارث)). وقال في موضع آخر(٢): ((قال أبي: ما يقولُ اللَّيْثُ أَصَحُّ ؛ لأنه قد تابَعَ اللَّيْثَ عمرُو بنُ الحارث وابنُ لَهِيْعَة، وعمِرٌو واللَّيْثُ كانا يَكْتُبان، وشعبةُ صاحبُ حفظ)). رابعًا: الإمام مالك: قال أبو محمَّد ابن أبي حاتم (٣): ((وسُئِل أبو زرعة عن حديث مالك، عن الزُّهْري، عن عَلِيٍّ بنِ حسين، عن عُمَر بن عُثْمان بن عَفَّان، عن أسامة بن زيد؛ أنَّ رسولَ اللهِ وََّ قال: ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)) ؟ قال أبو زرعة : الرواةُ يقولون: عمرو، ومالك يقول: عمر بن عثمان. قال أبو محمَّد: أمَّا الرواةُ الذين قالوا : عمرو بن عثمان: فسفيانُ بنُ عُيَيْنَة، ويونسُ بن يزيد، عن الزُّهْري)). (١) في "العلل" (٣٢٤). (٢) في "العلل" (٣٦٥). (٣) في "العلل" (١٦٣٥). ٧١ الْمُقَدِّمَةُ ١- الخَطَأُ والزَّلَلُ وذكر ابن أبي حاتم أيضًا(١) عن عليٍّ بن المَدِيني أنه قال: ((سمعتُ يحيى بنَ سعيد يقول: قال مالكٌ في حديث ابن شِهَاب، عن علي بن حُسَيْن: عن عمر بن عثمان، يعني: عن أسامةَ بنِ زيد، عن النَّبِيِّ وَِّ: ((لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافرَ)). قال يحيى بن سعيد: فقلتُ المالك: عمرو بن عثمان، فأبى أن يَرْجِعَ، وقال: قد كان لعثمانَ ابنٌ يقال له: عُمَر، هذه داره)). وذكر ابن عبدالبر (٢) أنَّ الشافعي ويحيى القطان كانا يراجعانِهِ في هذا الحديث، فأبى أن يَرْجِعَ، وقال كما قال ليحيى بن سعيد. ثم قال ابن عبدالبر: ((ومالكٌ لا يكاد يُقَاسُ به غيرُهُ حفظًا وإتقانًا، لكنَّ الغَلَطَ لا يَسْلَمُ منه أحدٌ، وأهلُ الحديث يَأْبَوْنَ أن يكونَ في هذا الإسنادِ إلا عمرو - بالواو - وقال علي بن المَدِيني، عن سفيان بن عيينة: إنه قيل له: إنَّ مالكًا يقول - في حديث: ((لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ)) -: عمر بن عثمان، فقال سفيان: لقد سمعتُهُ من الزُّهْري كذا وكذا مَرَّةً، وتفقَّدته منه، فما قال إلا: عمرو بن عثمان)). ثم قال ابن عبدالبر: ((وممَّن تابَعَ ابنَ عيينة على قوله: عمرو بن عثمان: مَعْمَرٌ، وابنُ جريج، وعُقَيْلٌ، ويونس بن يزيد، وشُعَيْب بن أبي حمزة، والأوزاعيّ، والجماعةُ أولى أن يُسَلَّمَ لها». (١) في مقدمة "الجرح والتعديل" (٢٤١/١-٢٤٢). (٢) في "التمهيد" (١٦١/٩-١٦٢). ٧٢ ٢- النِّسْيَانُ الْمُقَدِّمَةُ ٢) النِّسْيَانُ: وهو من الأمور التي تعتري جميعَ الناس، وتقدَّم قولُ ابن عبدالبر - في حديث سَهْوِ النَّبِيّ ◌ََِّ -: ((وفي هذا الحديثِ بيانٌ أنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ من الوَهَمِ والنِّسْيان؛ لأنَّه إذا اعترَىُ ذلك الأنبياءَ، فغيْرُهُمْ بذلك أحری)». وقال الأعمش(١): ((سمعتُ مِنْ أبي صالح(٢) أَلْفَ حديثٍ، ثم مَرِضْتُ فنسيتُ بعضَها)). وقال أبو موسى محمد بن المثنَّى(٣): «سمعتُ رِيَاحَ بنَ خالد يقول لِسُفْيان بن عُيَيْنة في مسجدِ الحرام(٤) سنة إحدى وتسعين: يا أبا محمَّد، أبو معاوية(٥) يحدِّث عنك بشيءٍ ليس تحفَظُهُ، ووكيعٌ يحدِّثُ عنك بشيءٍ ليس تحفظُهُ ! فقال: صَدِّقهم؛ فإِنِّي كنتُ قبل اليومِ أحفَظَ مني اليومَ)). وكان بعضُ المحدِّثين ربَّما حدَّث بالحديث، ثم نسيه، وأنكَرَ أنْ یکونَ حدَّث به: فمن ذلك: ما أخرجه مسلم(٦)، من طريق سُفْيان بن عُيَيْنة، عن (١) "الكفاية" للخطيب (ص٣٨٣). (٣) المرجع السابق. (٢) هو: ذكوان السّمّان. (٤) كذا، بالإضافة، وهو جائزٌ، والجادّة: المسجد الحرام. انظر التعليق على المسألة (٥) هو: محمد بن خازم. رقم (٦٥٤). (٦) في "صحيحه» (٥٨٣). وأخرجه البخاري (٨٤٢) دون ذكر إنكار أبي معبد. ٧٣ الْمُقَدِّمَةُ ٢- النِّسْيَانُ عمرو بن دينار، عن أبي مَعْبَد (١) مولى ابن عباس: أنه سمعه يُخْبِرُ عن ابن عباس؛ قال: ماكُنَّا نعرفُ انقضاءَ صلاةِ رسولِ الله وَّهِ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرتُ ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدِّثْكَ بهذا. قال عمرو: وقد أخبرَنیهِ قبل ذلك. وربَّما صاحَبَ إنكارَ الشيخ خشونةُ لفظٍ الراوي عنه في مقابل إنكارٍ شيخه؛ كما حصَلَ من الأعمش مع حصين بن عبدالرحمن السُّلَمي: فقد أخرَجَ الخَطِيب(٢)، من طريق أبي بَكْر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن حُصَيْن بن عبدالرحمن، عن عبيدالله بن عبدالله بن عُثْبة ابن مسعود؛ قال: استدانَتْ ميمونةُ زَوْجُ النَّبِيِّ وَ﴿ ثلاثَ مِئَةِ درهم ليس عندها وفاؤها، فنهيتُها عن ذلك ! فقالتْ: إني سمعتُ رسولَ الله وَلِ﴿ يقول: ((مَنِ ادَّانَ دَيْنَا يريدُ أداءَهُ؛ أعانَهُ اللهُ عليه)). قال أبو بكر: ((أتيتُ حُصَيْنًا أسمَعُ هذا منه، فقال: أنا لم أحدِّثِ الأعمشَ بهذا، فرجعتُ إلى الأعمشِ فأخبرتُهُ، فقال: كَذَبَ(٣) واللهِ ! لقد حدثني)). (١) اسمه: نافذ. (٢) في "الكفاية" (ص١٣٨). (٣) أي: أخطأ، وهي لغة أهل الحجاز. انظر "لسان العرب" (٧٠٩/١)، و"فتح الباري" (٤٩٠/٢). ٧٤ ٢- النِّسْيَانُ الْمُقَدِّمَةُ وربَّما نَسِيَ الشيخُ الحديثَ، ثم ذهَبَ يحدِّث به عن الراوي عنه، كما حصَلَ من سُهَيْل بن أبي صالح: قال الإمام الشافعي(١): أخبرنا عبدالعزيز بن محمَّد الدَّرَاوَرْدي، عن رَبِيعة بن أبي عبدالرحمن، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَ له قضَى باليمين مع الشاهد. قال عبدالعزيز: فذكَرْتُ ذلك لسهيل، فقال: أخبَرَنِي ربيعةُ، عنِّي - وهو ثقة - أني حدَّثتُهُ إِيَّاه، ولا أحفظه. قال عبدالعزيز: وكان أصابَ سُهَيْلاً عِلَّةٌ أذهبَتْ بعضَ عَقْله، ونَسِيَ بعضَ حديثه، وكان سُهَيْلٌ يحدِّثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه. وأخرجه أبو داود(٢)، من طريق سُلَيْمان بن بِلَال التَّيْمي، عن ربيعة، وفيه يقولُ سليمان: فَلَقِيتُ سهيلاً، فسألتُهُ عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفُهُ، فقلتُ له: إنَّ ربيعة أخبرني به عنك! قال: فإنْ كان ربيعةُ أخبرَكَ عني، فحدِّثْ به عن ربيعة، عنِّي. وقال ابن أبي حاتم(٣): ((قيل لأبي: يَصِحُ حديثُ أبي هريرة، عن النَّبِيّ وَّوَ في اليمين مع الشاهد؟ فوقَفَ وقفة، فقال: ترى الدَّرَاوَرْدِيَّ ما يقول؟ يعني: قوله: قلتُ لسهيلٍ، فلم يعرفه. (١) في "الأم" (٢٥٥/٦). (٢) في "سننه" (٣٦١١). (٣) في "العلل" المسألة رقم (١٣٩٢/أ). ٧٥ الْمُقَدِّمَةُ ٣- التَّوَقِّ وَالإِحْتِيَاطُ وَالاخْتِرَازُ قلت: فليس نِسْيَانُ سُهَيْلٍ دافعَ(١) لِمَا حَكَىْ عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثقة، والرجلُ يُحَدِّث بالحدیثِ وینسی. قال: أجلْ هكذا هو، ولكنْ لم نَرَ أنْ يَتْبَعَهُ متابعٌ على روايته، وقد روى عن سُهَيْل جماعةٌ كثيرة، ليس عند أحدٍ منهم هذا الحديثُ)). وأعجبُ منه: أن ينسى الشيخُ والتلميذُ، فيعودُ الشيخُ فيذكِّرُ التلميذَ بالحديث؛ كما حصَلَ لمعتمر بن سليمان مع شيخه منقذ: قال عَبَّاس الدُّوري(٢): حدَّثنا يحيى(٣)؛ قال: حدَّثنا معتمر بن سليمان؛ قال: حدَّثني مُنْقِذٌ؛ قال: حدَّثْتَنِي أنتَ، عنِّ، عن أيوب، عن الحسن ؛ قال : ((وَيْحُ كلمةُ رحمةٍ)) !!. ٣) التَّوَقِّ وَالإِحْتِيَاطُ وَالاخْتِرَازُ: عُرِفَ عن بعض الأئمّة - رحمهم الله - شِدَّةُ التوقِّي والاحتراز في الرواية؛ فإذا ما شكّ في شيء تَرَكَهُ، فإنْ شَكَّ في رفع الحديثِ وقَفَهُ، (١) كذا، وهو على لغة ربيعة. وانظر تعليقنا عليها في موضعها من "العلل"، وفي المسألة رقم (٣٤). (٢) في "تاريخه" (٤٢٢٦). وفي هذه الرواية اختلاف عن ابن معين، وعن معتمر بن سليمان، فانظره - إن شئت - في "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (ص٧٧)، و "الثقات" لابن حبان (١٩٧/٩)، و"المجالسة" للدينوري (١٤٣٤)، و "التمهيد" لابن عبد البر (١٤١/٢)، و"مقدمة ابن الصلاح" (ص٣١٣)، و "فتح الباري" لابن حجر (٥٥٣/١٠)، و "تذكرة المؤتسي" (٢٩)، و"تدريب الراوي" (٢٥٤/٢) كلاهما للسيوطي. (٣) هو: ابن معين. ٧٦ ٣- التَّوَقِّ وَالإِحْتِيَاطُ وَالاخْتِرَازُ الْمُقَدِّمَةُ وإِنْ شَكَّ في وصلِهِ أرسلَهُ، وهكذا. وربَّما كان هذا الشَّكُّ مرجوحًا، والّنُّ الغالبُ رَفْعَ الحديث ووَصْلَهُ، ولكنْ هكذا صنَعَ هؤلاءِ الذين ذُكِروا بهذا، وأكثرُهُمْ من أهل البَصْرة؛ مثل محمَّد بن سِيرين، وأيوب السَّخْتِياني، وعبدالله بن عَوْن، وحمَّاد بن زيد. قال الدار قطني(١): ((وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - مِنْ تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يُصَرِّحُ بالرَّفْع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقّف؛ على حسب نشاطِهِ في الحال)). وذكَرَ حديثًا اختُلِفَ في رفعه ووقفه، ثم قال(٢): ((ورَفْعُهُ صَحيحٌ، وقد عرفت عادة ابن سيرين: أنه ربَّما توقَّف عن رفع الحديث توقًّا)). وقال أيضًا(٣): ((ورَفْعُهُ صَحيحٌ؛ لأنَّ ابن سيرين كان شديدَ [التوقِّي](٤) في رفع الحدیث)). وقال في موضع آخر(٥): ((فرَفْعُهُ صَحيحٌ، ومَنْ وقفه فقد أصاب؛ لأنَّ ابن سيرين كان يفعَلُ مثلَ هذا؛ يَرْفَعُ مرةً، ويُوقِفُ أخرى)). وقال ابن رجب(٦): ((وليس وَقْفُ هذا الحديثِ مما يَضُرُّ؛ فإنَّ ابن (١) في "العلل" (٢٥/١٠). (٢) في الموضع السابق (٢٩/١٠). (٣) في الموضع السابق (٢٧/١٠). (٤) في الأصل: ((العوا))، والمثبت بالاجتهاد بدلالة ما سبق عن ابن سيرين. (٥) في الموضع السابق (٣٠/١٠). (٦) في "شرح العلل" (٢/ ٧٠٠). ٧٧ الْمُقَدِّمَةُ ٣- التَّوَقِّي وَالإِحْتِيَاطُ وَالاخْتِرَازُ سِيرِينَ كان يقفُ الأحاديثَ كثيرًا ولا يَرْفَعها، والناسُ كلَّهم يخالفونه ویرفعونها)). وفي أسئلة المروزيِّ للإمام أحمد، قال المروزي(١): ((سألته عن هشام بن حَسَّان؟ فقال: أيوبُ وابنُ عَوْن أحبُّ إليّ، وحسَّن أَمْرَ هشام، وقال: قد روى أحاديثَ رَفَعها أَوْقَفوها، وقد كان مذهبهم أنْ يقصِّروا بالحديث ويُوقِفوه)). وقال الدار قطني(٢): ((وكان ابنُ عَوْن ربَّما وقَفَ المرفوعَ)). وقال يعقوب بن شَيْبة(٣): ((حمَّادُ بنُ زَيْد أُثبَتُ من ابن سلمة، وكُلُّ ثقةٌ، غيرَ أنَّ ابنَ زيد معروفٌ بأنه يقصِّر في الأسانيد، ويُوقِفُ المرفوعَ، وكثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلاً لم يكنْ له كتابٌ يَرْجعُ إليه، فكان أحيانًا يذكُرُ فيرفَعُ الحديثَ، وأحيانًا يهابُ الحديثَ ولا یَرْفعه». ومِنْ جملة مَنْ عُرِفَ عنه هذا وليس من البَصْريين: الإمامُ مالك، يقولُ الدار قطني(٤): ((ومِنْ عادَةِ مالكِ إرسالُ الأحاديثِ، وإسقاط رجل)). (١) في "علل الحديث" (٧٢). (٢) في "العلل" (١٤/١٠). (٣) كما في "تهذيب التهذيب" (١٠/٣). (٤) في "العلل" (٦/ ٦٣ رقم ٩٨٠). ٧٨ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ الْمُقَدِّمَةُ ٤) أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ: كان المحدِّثون يَحُثُّون على مذاكرةِ الحديثِ ويَحْرِصون عليها حِرْصًا شديدًا؛ لِمَا وَجَدوا فيها من الفوائد؛ كاستذكارِ الحديثِ وتحقُّظه، واستدراكِ ما فاتَهُمْ من الأحاديثِ في البابِ الذي يذاكرون فيه، وكَشْفِ الخَلَلِ والعِلَلِ في الأحاديثِ التي يَحْفَظونها، وكَشْفٍ الضعفاءِ والكذابين من الرواة. وعُنِيَ بها جميعُ مَنْ أَلَّف في علومِ الحديث، بل أفرَدَ لها عددٌ من الأئمّة بابًا في مؤلَّفاتهم، منهم : أبو بكر بن أبي شَيْبة في "المصنَّف"(١)، والدارمي في "مسنده"(٢)، والرَّامَهُرْمزي في "المحدِّث الفاصل"(٣)، وعدَّها أبو عبدِالله الحاكمُ(٤) نوعًا من أنواع علومِ الحديث، وأطالَ فيها الخطيبُ البغداديُّ في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع "(٥)، فعقَدَ لها بابًا بعنوان: ((مذاكرة الحديثِ مع عامَّة الناس))، ثم أتبَعَهُ بابًا بعنوان: ((المذاكرة مَعَ الأتباعِ والأَصْحَاب))، ثم بابًا بعنوان: ((المذاكرة مَعَ الأقرانِ والأتراب))، ثم ختمها بباب: ((المذاكرة مَعَ الشُّيُوخ وذوي الأسنان))، وكان قد عقَدَ بابًا قبل ذلك(٦) بعنوان: ((الكتابة عن المحدِّث في المذاكرة)). (١) (٢٨٧/٥). (٢) (٤٧٧/١-٤٨٩). (٣) (ص٥٤٥-٥٤٨). (٤) في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٤٠-١٤٦). (٥) (٤٠٤/٢-٤٢١). (٦) في (٢٨/٢). ٧٩ الْمُقَدِّمَةُ ٤- أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ وأورَدَ هؤلاءِ المحدِّثون في هذه الأبواب وغَيْرِهَا أقوالاً كثيرةً في الحَثِّ عليها، وذِكْرٍ فوائدها، وآدابِهَا، فَمِنْ ذلك: قولُ عليٍّ بنِ أبي طالب نَظُه: (تَزَاوَرُوا وَتَذَاكَرُوا الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تَفْعَلوا يَدْرُسْ))(١). وقال أبو سعيدِ الخُدْرِيُّ ◌َظُله: ((تحدَّثوا؛ فإنَّ الحديثَ يُهَيِّجُ الحدیثَ))(٢). وفي لفظ: ((تَذَاكَرُوا؛ فإنَّ الحديثَ يُذْكِرُ الحديثَ))(٣). وقال عَلْقمة: ((تَذَاكروا الحديثَ؛ فإنَّ حياتَهُ ذِكْرُهُ))(٤). وقال إبراهيمُ النَّخَعي: ((مَنْ سَرَّهُ أنْ يَحْفَظَ الحديثَ، فَلْيُحَدِّثْ به، ولو أنْ يُحَدِّثَ به مَنْ لا يشتهيه؛ فإنَّه إذا فعَلَ ذلك كان كالكتابِ في صَدْرِهِ)(٥). (١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦١٢٥)، والدارمي في "مسنده" (٦٥٠)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٧٢١)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم" (٦٢٣ و٦٢٤)) (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف» (٢٦١٢٤)، والدارمي " (٦١٧ - ٦٢٢)، والرامهرمزي (٧٢٣)، والخطيب في "الجامع" (١٨٨٢)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم" (٦٢٦ و٧٠٦). (٣) أخرجه الرامهرمزي (٧٢٢)، والخطيب في "الجامع" (١٨٨٣). (٤) أخرجه الدارمي (٦٢٧)، والخطيب في "الجامع" (١٨٨٤). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف» (٢٦١٢٨)، والدارمي (٦٣٠)، والخطيب في المرجع السابق (١٨٨٥).