النص المفهرس

صفحات 921-940

٩٢١
هدي الساري
حديث ابن مسعود: (أن رجلاً سأل النبي وَ ليل أي العمل أفضل)(١) السائل هو ابن مسعود
الراوي كما ثبت عند المصنف في الصلاة(٢) وغيرها.
حديث ابن عمر: (أتي النبي وَلّه برجل وامرأة من اليهود زنيا)(٣) تقدم مرارًا أن الرجل لم
يسم، وأن المرأة اسمها بسرة، وفيه: (فقالوا لرجل ممن يرضون يا أعور اقرأ) هو عبد الله بن
صوريا، وفيه: (فقال: ارفع يدك، الذي قال له ارفع يدك) هو عبد الله بن سلام صرح به
المؤلف (٤) في باب الرجم في البلاط(٥) .
حديث عائشة (في الإفك)(٦) تقدم مرارًا أن أصحاب الإفك عبد الله بن أبيّ بن سلول،
وحسانبن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
حديث علي: (أن النبي ◌َلّكان في جنازة فقال: ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار أو
من الجنة. فقالوا: ألا نتكل)(٧) الحديث. صاحب الجنازة لم يسم، والسائل عن ذلك جماعة
سمى منهم عمران بن حصين، وأبو بكر، وعمر، وسراقة بن جعشم، وقد تقدم قريبًا في
القدر (٨).
(حدثنا محمد بن أبي غالب) (٩) هو القومسي وهو أصغر من البخاري، (حدثنا محمد بن
إسماعيل) هو ابن أبي سمينة (١٠) البصري.
حديث (زهدم)(١١) هو الجرمي (كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ود وإخاء،
فكنا عند أبي موسى الأشعري فقرب إليه طعام فيه لحم دجاج وعنده رجل من بني تيم الله) كأنه من
(١) رقم (٧٥٣٤).
(٢) رقم (٥٣٧).
(٣) رقم (٧٥٤٣).
(٤) ب ((المصنف)).
(٥) رقم (٦٨١٩).
(٦) رقم (٧٥٤٥).
(٧) رقم (٧٥٥٢).
(٨) رقم (٦٦٠٥).
(٩) رقم(٧٥٥٤).
(١٠) في (د) ((سمية))، وهو خطأ.
(١١) رقم(٧٥٥٥).

٩٢٢
هدي الساري
الموالي لم يسم هذا الرجل، وفي سياق الترمذي(١) أنه هو زهدم، وكذا عند أبي عوانة في
صحيحه(٢)، ويحتمل أن يكون كل من زهدم، والأحمر امتنعا من الأكل.
حديث عائشة(٣): (سأل أناس النبي ◌ِّر عن الكهان(٤)) وهم ربيعة بن كعب الأسلمي
وقومه، کما ثبت ذلك في صحيح مسلم.
وإلى هنا انتهى الكلام على تعيين المهمل وتسمية المبهم، لماحصل(٥) الوقوف عليه مما
في الجامع الصحيح، نفع الله بجميع ذلك بمنه وكرمه آمين.
*
(١) (٢٧١/٤، ح ١٨٢٧).
(٢) (٣٢/٤، ح ٥٩٢٦).
رقم (٧٥٦١).
(٣)
(٤) في (د) ((الكهانة)) .
(٥) ب((بما حصل))، د(«مما حصل)).

٩٢٣
هدي الساري
/الفصل الثامن
م
٣٤٦
في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدار قطني
وغيره من النقاد، وإيرادها حديثاً حديثاً على سياق الكتاب، وسياق ما حضر
من الجواب عن ذلك
وقبل الخوض فيه ينبغي : لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح
في أصل موضوع الكتاب، فإن جميعها وارد من جهة أخرى، وهي: ما ادعاه الإمام أبو عمرو
ابن الصلاح(١) وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه،
فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد
تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله: ((إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدار قطني وغيره))، وقال
في مقدمة شرح مسلم(٢) له: ((ما أخذ عليهما -يعني على البخاري ومسلم -وقدح فيه معتمد من
الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول)) انتهى. وهو احتراز(٣)
حسن .
واختلف كلام الشيخ محيي الدين في هذه المواضع فقال في مقدمة شرح مسلم(٤) ما
نصه: (((فصل) قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطهما، ونزلت
عن درجة ما التزماه، وقد ألف الدارقطني في ذلك، ولأبي مسعود الدمشقي أيضًا عليهما
استدراك، ولأبي علي الغساني في جزء العلل من ((التقييد)» استدراك عليهما، وقد أجيب عن
ذلك أو أکثره)) انتهى .
وقال في مقدمة شرح البخاري: (((فصل) قد استدرك الدار قطني على البخاري ومسلم
أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدًا مخالفة
لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغیرهم فلا تغتربذلك))انتهى كلامه.
وسيظهر من سياقها والبحث فيها على التفصيل أنها ليست كلها كذلك، وقوله في شرح
(١) علوم الحديث(ص: ٢٨).
(٢) المنهاج (١/ ١٣٤).
(٣) د((کلام) بدل (احتراز)).
(٤) المنهاج (١٤٦/١).

٩٢٤
هدي الساري
مسلم: وقد أجيب عن ذلك أو أكثره هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض كما
سيأتي، ولو لم يكن في ذلك إلا الأحاديث المعلقة التي لم تتصل في كتاب البخاري من وجه
آخر، ولاسيما إن كان في بعض الرجال الذين أبرزهم فيه من فيه مقال كما تقدم تفصيله، فقد (١)
قال ابن الصلاح: إن حديث بهز بن حكيم المذكور وأمثاله ليس من شرطه قطعًا، وكذا ما في
مسلم من ذلك إلا أن الجواب عما يتعلق بالمعلق سهل لأن موضوع(٢) الكتابين إنما هو
للمسندات(٣) والمعلق ليس بمسند، ولهذا لم يتعرض الدار قطني فيما تتبعه على الصحيحين
إلى الأحاديث المعلقة، التي لم توصل في موضع آخر؛ لعلمه بأنها ليست من موضوع
الكتاب، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا، والله أعلم.
وقد ذكرنا الأسباب الحاملة للمصنف على تخريج ذلك التعليق، وأن مراده بذلك أن
يكون الكتاب جامعًا لأكثر الأحاديث التي يحتج بها، إلا أن منها ما هو على شرطه فساقه سياق
أصل الكتاب، ومنها ما هو على غير شرطه، فغاير السياق في إيراده (٤) ليمتاز فانتفى إيراد
المعلقات، وبقي الكلام فيما عُلِّل من الأحاديث المسندات، وعدّة ما اجتمع لنا من ذلك مما
في كتاب البخاري، وإن شاركه مسلم في بعضه مائة وعشرة أحاديث، منها ما وافقه مسلم على
تخريجه، وهو اثنان وثلاثون حديثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه، وهو ثمانية وسبعون حديثاً،
والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل
- عصرهما، ومن بعده / من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل (٥)، فإنهم لا يختلفون في
أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول:
((ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني)) (٦)، ومع ذلك فكان علي بن المديني
إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: ((دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه))، وكان محمد بن يحيى
الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشیخان جميعًا، وروى
الفربري عن البخاري قال: ((ما أدخلت في الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى
٢
٣٤٧
(١) د(وقد)) بالواو.
(٢) د((موضع)).
(٣) ب ((من المسندات)).
(٤) د((إسناده)).
(٥) ب ((العلل)).
(٦) تقييد المهمل (١/ ٢١).

٩٢٥
هدي الساري
وتیقنت صحته))(١) .
وقال مكي بن عبدان: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: ((عرضت كتابي هذا على
أبي زرعة الرازي، فكلّ ما أشار أن له علة تركته)) (٢)، فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من
الحديث إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد
عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما؛
فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما
تنقسم أقسامًا :
القسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج
صاحب الصحيح الطريق المزيدة وعلّله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود، كما صرح
به الدار قطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه
فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه
في الطريق الناقصة فهو منقطع، والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيف لا يعل الصحيح،
وستأتي أمثلة ذلك في الحديث الثاني والثامن وغيرهما، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق
الناقصة وعلّله الناقد بالطريق المزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف
فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح
بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد
وكان الانقطاع فيه ظاهرًا، فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في
باب ما له متابع وعاضد أو ما حفّته قرينةٌ في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث
المجموع، كما سنوضح ذلك في الكلام على الحديث الرابع والعشرين من هذه الأحاديث
وغيره، وربما علل بعض النقاد أحاديث ادّعي فيها الانقطاع، لكونها غير مسموعة كما في
الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية
بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده،
وقد أشرنا إلى ذلك في الحديث السادس والثلاثين وغيره.
(١) تقييد المهمل (١/ ١٤).
(٢) تقييد المهمل (١/ ٦٧).

٩٢٦ -
هدي الساري
القسم الثاني منها: ما تختلف الرواة فیه بتغییر رجال بعض الإسناد(١) فالجواب عنه إن
أمکن الجمع، بأن یکون الحدیث عند ذلك الراوي على الوجهين جمیعًا فأخرجهما المصنف
ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد كما في
الحديث الثامن والأربعين وغيره، وإن امتنع بأن (٢) يكون المختلفون غير متعادلين بل
متقاربين(٣) في الحفظ والعدد فيخرج المصنف الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق
المرجوحة أو يشير إليها، كما في الحديث السابع عشر، فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد
الاختلاف غير قادح، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي (٤)
الإعراض أيضًا عما هذا سبيله. والله أعلم.
القسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم
يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت
الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن
تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر كما في
الحديث الرابع والثلاثين .
م
٣٤٨
القسم الرابع منها: ما تفرد به بعض الرواة ممن / ضعف من الرواة، وليس في هذا الصحيح
من هذا القبيل غير حديثين وهما: السابع والثلاثون، والثالث والأربعون، كما سيأتي الكلام
علیهما، وتبیین أن كلاً منهما قد توبع .
القسم الخامس منها : ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا،
ومنهما لا يؤثر كما سيأتي تفصيله.
القسم السادس منها: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه
قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو(٥) الترجيح على أن الدار قطني وغيره من أئمة
النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد، فمما لم يتعرضوا
(١) د((الأسانيد)).
(٢) د((أويكون) بدل ((أنيكون)).
(٣) ب، د((متفاوتين)).
(٤) ب ((فينتفي)).
(٥) دبالواو، بدل ((أو)).

٩٢٧
هدي الساري
له من ذلك حديث جابر في قصة الجمل(١)، وحديثه في وفاء دين أبيه(٢)، وحديث رافع بن
خديج في المخابرة(٣)، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين(٤)، وحديث سهل بن سعد في
قصة الواهبة نفسها(٥)، وحديث أنس في افتتاح القراءة(٦) بالحمد لله رب العالمين(٧)،
وحديث ابن عباس في قصة السائلة عن نذر أمها وأختها (٨)، وغير ذلك مما سنأتي إن شاء الله
تعالى على بيانه عند شرحه في أماكنه، فهذه(٩) جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وقد
حررتها وحققتها وقسمتها وفصلتها لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا
النادر، وهذا حين الشروع في إيرادها على ترتيب ما وقع في الأصل لتسهل مراجعتها إن شاء الله
تعالی.
من كتاب الطهارة
الحديث الأول: قال الدار قطني (١٠): أخرج البخاري(١١) عن أبي نعيم عن زهير عن أبي
إسحاق قال: ليس أبو عبيده ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله قال:
أتيت النبي وَيقوم بحجرين وروثة، الحديث في الاستجمار. قال: فقال(١٢) إبراهيم بن يوسف
عن أبيه عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه بهذا. انتهى.
ثم ساق الدار قطني وجوه الاختلاف فيه على أبي إسحاق، فمنها: رواية إسرائيل عنه عن
أبي عبيدة عن أبيه، ومنها: رواية مالك بن مغول وغيره عنه عن الأسود عن عبد الله من غير ذکر
(١) رقم (٢٠٩٧).
(٢) رقم (٢١٢٧).
(٣) رقم (٢٢٨٦).
(٤) رقم (٧١٤).
(٥) رقم (٢٣١١).
(٦) ب ((القارئ)).
(٧) رقم (٧٤٣).
(٨) رقم (١٩٥٣).
(٩) ب بزيادة ((في)).
(١٠) التتبع (ص: ٢٢٧، ح ٩٤).
(١١) رقم (١٥٦).
(١٢) د((وقال))، وهذا لفظ الدار قطني.

٩٢٨ -
هدي الساري
عبد الرحمن، ومنها: رواية زكريا بن أبي زائدة عنه عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود،
ومنها: رواية معمر عنه عن علقمة عن عبد الله، ومنها: رواية يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن
أبي الأحوص عن عبد الله. قال الدار قطني: وأحسنها سياقًا الطريق الأولى التي أخرجها
البخاري، ولكن في النفس منها شيء لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق. انتهى.
وأخرج الترمذي في جامعه(١) حدیث إسرائیل المذكور، وحکی بعض الخلاف فيه، ثم
قال: هذا حديث فيه اضطراب، وسألت عبد الله بن عبد الرحمن - يعني الدارمي-عنه فلم يقض
فيه بشيء، وسألت محمدًا-يعني البخاري-عنه فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأی حدیث زهير
أشبه، ووضعه في الجامع، قال الترمذي: والأصح عندي حدیث إسرائيل، وقد تابعه قیس بن
الربيع، قال الترمذي: وزهير إنما سمع من أبي إسحاق بآخرة. انتهى.
وحكى ابن أبي حاتم (٢) عن أبيه، وأبي زرعة، أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي
تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع
كلام(٣) الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة عن
أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فيكون الإسناد منقطعًا، أو رواية زهير، وهي عن عبد
الرحمن ابن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متصلاً، وهو تصرف صحيح لأن الأسانيد
فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في
هذا الحديث منتفية لأن الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا
بشرطين :
م
٣٤٩
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، / فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح
بالمرجوح.
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين و(٤) يغلب على الظن أن ذلك
الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب،
ويتوقف عن (٥) الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك.
(١) (٢٥/١، ح ١٧).
-
(٢) العلل (٤٢/١، رقم ٩٠).
(٣) د((هؤلاء)).
(٤) ب(أو)) بدل الواو.
(٥) د((على) بدل ((عن)).

٩٢٩
هدي الساري
وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه
لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنه يمكن
رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير لأن يوسف بن إسحاق
ابن أبي إسحاق قد تابع زهيرًا، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير(١) من رواية يحيى بن أبي
زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٢) من طريق
ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي
إسحاق وليث، وإن كان ضعيف الحفظ(٣) فإنه يعتبر به ويستشهد، فيعرف أن له من رواية
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلاً، ثم إن ظاهر سياق زهير يشعر بأن أبا إسحاق كان يرويه
أولاً عن أبي عبيدة عن أبيه ثم رجع عن ذلك وصيره عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فهذا
صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضرًا للسندين جميعًا عند إرادة التحديث ثم اختار طريق
عبد الرحمن، وأضرب عن طريق أبي عبيدة، فإما أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة أو
كان سمعه منه وحدث به عنه، ثم عرف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعًا
فأعلمهم أن عنده فیه إسنادًا متصلاً، أو كان حدث به عن أبي عبيدة مدلسًا له، ولم يكن سمعه
منه، فإن قيل : إذا كان أبو إسحاق مدلسًا عندكم فلم تحكمون لطريق عبد الرحمن بن الأسود
بالاتصال مع إمكان أن یکون دلسه عنه أيضًا، وقد صرح بذلك أبو أيوب سليمان بن داود
الشاذكوني فيما حكاه الحاكم في ((علوم الحديث))(٤) عنه قال في قول أبي إسحاق: ليس أبو
عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن عن أبيه، ولم يقل حدثني عبد الرحمن، وأوهم أنه سمعه منه
تدلیس وماسمعت بتدلیس أعجب من هذا، انتهى كلامه.
فالجواب: أن هذا هو السبب الحامل لسياق البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف
ابن إسحاق بن أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق: حدثني عبد الرحمن. فانتفت ريبة
التدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث، وبيّن حفيده عنه أنه صرّح عن عبد الرحمن
بالتحديث، ويتأيد ذلك بأن الإسماعيلي لما أخرج هذا الحديث في مستخرجه على الصحيح
(١) (٧٤/١٠، ح ٩٩٥٥).
٠٠٠
(٢) (١٥٥/١).
(٣) قال فى التقريب (ص: ٤٦٤): ((صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك)).
(٤) (ص: ٣٥٠).

٩٣٠
-
هدي الساري
من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن زهير استدل بذلك على أن هذا مما لم يدلس فيه أبو
إسحاق قال: لأن يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لشيخه و کأنه عرف
هذا بالاستقراء من حال يحيى والله أعلم.
وإذا تقرر ذلك لم يبق لدعوى التعلیل علیه مجال لأن روايتي : إسرائیل وزهير، لا تعارض
بينهما إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنها اقتضت الاضطراب(١) عن رواية إسرائيل، ولم تقتض
ذلك روایة إسرائیل فترجحت روایة زهیر ، وأما متابعة قیس بن الربیع لروایة إسرائیل فإنشریگًا
القاضي تابع زهيرًا، وشريك أوثق من قيس على أن الذي حررناه لا يرد شيئًا من الطريقين إلا أن
يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها، وبه يظهر نفوذ رأي
البخاري وثقوب ذهنه. والله أعلم.
وقد أخرج البخاري(٢) من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود فاز داد قوة
بذلك، فانظر إلى هذا الحديث كيف حكم عليه بالمرجوحية مثل أبي حاتم وأبي زرعة وهما
إماما التعليل، وتبعهما الترمذي وتوقف الدارمي، وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع
أبو أيوب الشاذكوني، ومع ذلك فتبين بالتنقيب والتتبع التام أن الصواب في الحكم له
بالراجحية، فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النقاد(٣) من العلل (٤) هل يسوغ أن
يقبل منهم / في حق مثل هذا الإمام مسلمًا؟ كلا والله. والله الموفق(٥).
الحديث الثاني: قال الدار قطني(٦): وأخرجا جميعًا - يعني البخاري(٧) ومسلمًا (٨).
حديث الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس-يعني في قصة القبرين وأن أحدهما
كان لا يستبرئ من بوله-قال: وقد خالفه منصور، فقال: عن مجاهد، عن ابن عباس، وأخرج
البخاري حديث منصور على إسقاطه طاوسًا. انتهى.
٣٥٠
(١) د((الإضراب)).
(٢) رقم (١٦١).
(٣) د((الثقات)).
(٤) ب ((التعليل).
ب «أعلم)) بدل ((الموفق)).
(٥)
التتبع (ص: ٣٣٤، ح١٧٨).
(٦)
رقم (٢١٨).
(٧)
(٨) رقم (٢٩٢).

٩٣١
هدي الساري
وهذا الحديث أخرجه البخاري في الطهارة(١) عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، وفي
الأدب(٢) عن محمد بن سلام، عن عبيدة بن حميد، كلاهما عن منصور به، ورواه من طريق
أخرى من حديث الأعمش (٣)، وأخرجه باقي الأئمة الستة من حديث الأعمش أيضًا، وأخرجه
أبو داود(٤) أيضًا، والنسائي(٥)، وابن خزيمة في صحيحه(٦) من حديث منصور أيضًا. وقال
الترمذي (٧) بعد أن أخرجه: رواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس. وحديث الأعمش أصح
يعني المتضمن للزيادة. قلت: وهذا في التحقيق ليس بعلة لأن مجاهدًا لم يوصف بالتدليس
وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة من الأحاديث، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش مع
أن الأعمش أيضًا من الحفاظ، فالحديث كيفما دار، دار على ثقة والإسناد كيفما دار كان
متصلاً فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث إذا لم يكن راويه مدلسًا، وقد أكثر الشيخان من
تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدار قطني انتقاده. والله الموفق(٨).
الحديث الثالث: قال الدار قطني (٩) فيما قرأت بخطه: وأخرج البخاري(١٠) عن أبي معمر
عن عبد الوارث عن الحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن
زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع أهله ولا يمني، فقال عثمان:
يتوضأ ويغسل ذكره سمعته من رسول الله آقال: وسألت عن ذلك عليًا والزبير وطلحة وأبي بن
كعب فأمروه (١١) بذلك. قال يحيى بن أبي كثير: وأخبرني أبو سلمة أيضًا أن عروة أخبره أن أبا
أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله وَّ ر. قال الدار قطني رحمه الله: وهذا وهم وهو قوله إن
(١) رقم (٢١٦).
(٢) رقم (٦٠٥٥).
(٣) رقم (٦٠٥٢).
(٤) (٢٦/١، ح٢١).
(٥) المجتبى (٤ /١٠٦، ح٢٠٦٩).
(٦) (٣٢/١، ٥٥).
(٧) (١٠٣/١، ح ٧٠).
(٨) د («أعلم)).
(٩) العلل (٣١/٣، س٢٦٧).
(١٠) رقم (١٧٩).
(١١) د((فأمروا)).
.

٩٣٢ -
هدي الساري
أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك(١) من رسول الله ◌َ له؛ لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله (٢) خلّ
وإنما سمعه من أبيٍّ بن كعب، كذلك رواه هشام بن عروة عن أبيه، وقد أخرجه البخاري(٣) من
حدیث هشام على الصواب. انتهى.
وقد وافق البخاريَّ مسلمٌ على تخريجه على الوجهين (٤)، وقال الخطيب: قوله إن أبا
أيوب سمع ذلك من النبي ◌َّ خطأ فإن جماعة من الحفاظ رووه عن: هشام، عن أبيه، عن أبي
أيوب، عن أبيٍّ بن كعب. قلت: وغاية ما في هذا أن أبا سلمة وهشامًا اختلفا، فزاد هشام فيه
ذكر أبيٍّ بن كعب ولا يمنع ذلك أن يكون أبو أيوب سمعه من رسول الله وَ ل، وسمعه أيضًا من
أبيٍّ بن كعب عن النبي ◌ََّ، مع أن أبا سلمة أجل وأسن وأتقن من هشام، بل هو من أقران عروة
والدهشام، فكيف يقضى لهشام عليه، بل الصواب أن الطريقين صحيحان، ويحتمل أن يكون
اللفظ الذي سمعه أبو أيوب من أبيٍّ بن كعب غير اللفظ الذي سمعه من النبي وَّر، لأن سياق
حديث أبيٍّ بن كعب عند البخاري يقتضي أنه هو الذي سأل النبي و له عن هذه المسألة فتضمن
زيادة فائدة. وحديث أبي أيوب عنده لم يسق لفظه بل أحال به على حديث عثمان كما ترى،
وعلى تقدير أن يكون أبو أيوب في نفس الأمر لم يسمعه إلا من أبيٍّ بن كعب فهو مرسل
صحابي، وقد اتفق المحدثون على أنه في حكم الموصول، وقد أخرج مسلم(٥) في صحيحه
شبيهًا به، ولم يتعقبه الدار قطني وهو حديث ابن عباس في قصة إرسال معاذ بن جبل إلى
اليمن، فإن في بعض الروايات عن ابن عباس عن معاذ، وفي بعضها عن ابن عباس قال : أرسل
النبي ◌َّ* معاذًا.
وتعقب القاضي أبو بكربن العربي(٦) حديث زيد بن خالد، وزعم أن فيه ثلاث علل فقال:
/ الأولى: أن مداره على حسين بن ذكوان المعلم ولم يصرح بسماعه له من يحيى بن أبي
کثیر، وإنما جاءعن حسین قال: قالیحیی بن أبي کثیر.
٣٥١
الثانية: أنه خولف فيه فرواه غيره عن يحيى بن أبي كثير موقوفًا غير مرفوع.
(١) د(اسمعه) بدل ((سمع ذلك)).
(٢) ب ((النبي)).
(٤) رقم (٨٦ /٣٤٧) من طريق زيد بن خالد. وفي (١/ ٢٧١، بدون رقم) من طريق عروة.
(٣)
رقم (٢٩٣).
(٥) (٥٠/١، رقم١٩/٢٩).
(٦) عارضة الأحوذي (١/ ١٧٠).

٩٣٣
هدي الساري
الثالثة: أن أبا سلمة أيضًا قد خولف فيه فرواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن زيد بن
خالد موقوفًا عن جماعة من الصحابة.
قلت: والجواب عن الأولى: أن ابن خزيمة(١) والسراج(٢) والإسماعيلي وغيرهم رووا
الحديث من طريق حسين المعلم وصرحوا(٣) فيه بالإخبار، ولفظ السراج (٤) بسنده إلى حسين
أخبرنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه ... إلخ.
وأما الجواب عن الثانية، والثالثة: فالتعليل المذكور بهما غير قادح لأن رواية حسين
مشتملة على الرفع والوقف معًا، فإذا اشتمل غيرها على الموقوف فقط كانت هي مشتملة على
زيادة لا تنافي الرواية الأخرى، فتقبل من الحافظ وهو كذلك، فتبين أن التعليل بذلك ليس (٥)
بقادح. والله أعلم.
من كتاب الصلاة
الحديث الرابع: قال البخاري باب الخوخة الممر في المسجد(٦): حدثنا محمد بن
سنان، حدثنا فلیح، هو ابن سلیمان، حدثنا أبو النضر، عن عبيد بن حنین، عن بسر بن سعيد،
عن أبي سعيد الخدري، قال: خطب النبي ◌َّ- فقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده
فاختار ما عنده. الحديث.
قال الدار قطني: هذا السياق غير محفوظ، واختلف فيه على فليح فرواه محمد بن سنان
هكذا وتابعه المعافى بن سليمان الحراني، ورواه سعيد بن منصور ويونس بن محمد المؤذن
وأبو داود الطيالسي عن فليح عن أبي النضر عن عبيد بن حنين وبسر(٧) بن سعيد جميعًا عن
أبي سعيد.
(١) (١١٢/١، ح ٢٢٤).
(٢) حديث السراج (٢/ ٢٥٥، ح ١٠٥٨)، و(٣٣٤/٢، ح ١٣٧٢).
(٣) ب، د((فصر حوا)).
(٤) (٣٣٤/٢، ح ١٣٧٢).
(٥) د((غير قادح)).
(٦) رقم (٤٦٦).
(٧) ب (بشر)) بالمعجمة في الموضعين وهو خطأ.

٩٣٤
هدي الساري
قلت: أخرجه مسلم عن سعيد(١)، وأبو بكر بن أبي شيبة(٢) عن يونس، وابن حبان في
صحيحه(٣) من حديث الطيالسي، ورواه أبو عامر العقدي عن فليح عن أبي النضر عن بسر (٤)
ابن سعيد عن أبي سعيد ولم يذكر عبيد بن حنين، أخرجهما البخاري في مناقب أبي بكر (6) فهذه
ثلاثة أوجه مختلفة.
فأما رواية أبي عارم فيمكن ردها إلى رواية سعيد بن منصور، بأن يكون اقتصر فيها على
أحد شيخي أبي النضر دون الآخر، وقدرواه مالك عن أبي النضر عنهما جميعًا حدث به القعنبي
في الموطأ عنه، وتابعه جماعة من مالك خارج الموطأ وأخرجه البخاري (٦) أيضًا عن ابن أبي
أويس عن مالك في الهجرة، لكنه اقتصر فیه علی عبيدبن حنین حسب .
وأما رواية محمد بن سنان فوهم؛ لأنه صيّر بسرَ بن سعيد شيخًا لعبيد بن حنين، وإنما هو
رفيقه في رواية هذا الحديث، ويمكن أن تكون الواو سقطت قبل قوله عن بسر، وقد صرح
بذلك البخاري فيما رواه أبو علي بن السكن الحافظ في زوائده في الصحيح (٧) قال: أنبأنا(٨)
الفربري قال : قال البخاري: هکذا رواه محمدبن سنان عن فلیح، وإنما هو عن عبيد بن حنین،
وعن بسربن سعيد يعني بواو العطف، فقد أفصح البخاري بأن شيخه سقطت عليه الواو من هذا
السياق وأن من إسقاطها نشأ هذا الوهم، وإذا رجعنا إلى الإنصاف لم تكن هذه علة قادحة مع
هذا الإيضاح. والله أعلم.
الحديث الخامس: قال الدار قطني(٩): أخرجا جميعًا (١٠) حديث مالك عن الزهري عن
أنس قال: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة وهذا مما
(١) (١٨٥٥/٤، بدون رقم).
(٢) (١٨٥٦/٤، ح٢٣٨٣/٧).
الإحسان(١٤ / ٥٥٨، ح ٤ ٦٥٩).
(٣)
(٤) ب (بشر)) بالمعجمة في الموضعين وهو خطأ.
(٥) رقم (٣٦٥٤).
(٦) رقم (٣٩٠٤).
(٧) تقييد المهمل (٢/ ٥٨٣).
(٨) د («أخبرنا)).
(٩) التتبع (ص: ٣٠٨، ح ١٥٦).
(١٠) البخاري رقم (٥٥١)، ومسلم (٤٣٤/١).

٩٣٥
هدي الساري
ينتقد (١) به على مالك لأنه رفعه، وقال فيه: ((إلى قباء)) وخالفه عدد كثير منهم: شعيب بن أبي
حمزة وصالح بن کیسان وعمرو بن الحارث ویونس بن یزید، ومعمر واللیث / بن سعد وابن
أبي ذئب وآخرون. انتهى. وقد تعقب النسائي أيضًا على مالك، وموضع التعقب منه قوله:
((إلى قباء)) والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي، ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في
صحة الحديث، لاسيما وقد أخرجاالرواية المحفوظة. والله أعلم.
٣٥٢
٢
الحديث السادس: روى البخاري(٢) من طريق شعبة قال: أخبرني سعد بن إبراهيم،
سمعت حفص بن عاصم قال: سمعت رجلاً من الأزد يقال له مالك ابن بحينة، أن رسول اله الفقه
رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله وَل لاث به الناس، فقال
له رسول الله وَله: الصبح أربعًا الصبح أربعًا، وقال حماد: عن سعد، عن حفص، عن مالك،
وقال ابن إسحاق عن سعد عن حفص عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، ورواه قبل ذلك عن عبد
العزيز عن(٣) إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حفص عن عبد الله بن مالك به (٤)، قال أبو مسعود
الدمشقي(٥) أهل العراق منهم شعبة وحماد وأبو عوانة يقولون: مالك ابن بحينة، وأهل
الحجاز يقولون: عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو الصواب. وذكر البخاري في تاريخه(٦)
ترجمة عبد الله بن مالك بن بحينة ثم قال: وقال بعضهم مالك ابن بحينة والأول أصح.
قلت: وهذا لا يعل هذا الخبر لأن أهل النقد اتفقوا على أن رواية أهل العراق له عن سعد
فيها وهم، والظاهر أن ذلك من سعد بن إبراهيم إذ حدث به بالعراق، وقد اغتر ابن عبد البر (٧)
بظاهر هذا الإسناد فقال لعبد الله ابن بحينة، ولأبيه مالك صحبة. والله أعلم.
الحديث السابع: قال الدارقطني(٨): أخرج البخاري(٩) أحاديث للحسن عن أبي بكرة
(١) ب، د((يعتد))، وكذا في التتبع، وفي الهامش في (ز) ((مما ينتقد)).
(٢) رقم (٦٦٣).
(٣) د(ابن)) بدل ((عن)).
(٤) دبزيادةالواو ((وقال)).
الأجوبة(ص: ٣١٩_٣٢٥).
(٥)
(١٠/٥، ١١، ت١٧).
(٦)
التمهيد (١٠/ ١٨٣).
(٧)
(٨) التتبع (ص: ٢٢٢، رقم٨٨).
(٩) رقم (٧٨٣).

٩٣٦
هدي الساري
منها حديث: زادك الله حرصًا ولا تعد، والحسن إنما يروي عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة،
يعني فيكون الحديث منقطعًا، وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا في الكسوف، إن شاء الله تعالى.
الحديث الثامن: قال الدار قطني(١): وأخرجا (٢) جميعًا حديث يحيى بن سعيد القطان،
عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة
المسيء صلاته وقول النبي ◌ّ له: ارجع فصل فإنك لم تصل. وقد خالف يحيى القطان
أصحاب عبيد الله كلهم منهم: أبو أسامة وعبد الله بن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم، فروره
عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة لم يذكروا أباه، ويحيى حافظ، ويشبه أن يكون عبيد الله
حدث به على الوجهين والله أعلم. قلت: ورجح الترمذي(٣) رواية يحيى القطان وهذا من قبيل
الحديث الثاني، وقد أوضحنا الجواب عن مثل ذلك هناك.
الحديث التاسع: قال الدارقطني (٤): وأخرج البخاري(٥)، عن آدم، عن ابن أبي ذئب،
عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن(٦) وديعة، عن سلمان، عن النبي ◌ّ في غسل الجمعة،
وقد اختلف فيه على المقبري، فقال ابن عجلان عنه عن أبيه عن ابن وديعة عن أبي ذر، وأرسله
أبو معشر عنه فلم يذكر أبا ذر ولا سلمان، ورواه الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن المقبري
عن النبي وّل ولم يذكر بينهما أحدًا، وقال عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة. انتهى.
ورواه البخاري (٧) أيضًا من حديث ابن المبارك عن ابن أبي ذئب به، وقد اختلف فيه على
ابن أبي ذئب أيضًا، فقال أبو علي الحنفي فيما رويناه في مسند الدارمي(٨) عنه مثل رواية آدم،
وكذا رويناه في صحيح ابن حبان (٩) من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب، ورواه أحمد في
التتبع (ص: ١٣١، رقم٩).
(١)
(٢) البخاري رقم (٧٥٧)، ومسلم (٢٩٨/١، ح٤٥/ ٣٩٧).
(٣) (١٠٣/٢، ح٣٠٣).
التتبع (ص: ٢٠٦، ح٧٥).
(٤)
(٥)
رقم (٨٨٣).
(٦) د((أبي)).
رقم (٩١٠).
(٧)
(٩٦٥/٢، ح ١٥٨٢).
(٨)
(٩) الإحسان (١٤/٧، ح ٢٧٧٦).

٩٣٧
هدي الساري
٣٥٣
مسنده عن أبي النضر(١) وحجاج بن محمد(٢) جميعًا / عن ابن أبي ذئب كذلك، وقال أبو داود
الطيالسي في مسنده(٣) عن ابن أبي ذئب عن سعید عن أبيه عن عبيد الله بن عديبن الخیار، عن
سلمان، وهذه رواية شاذة؛ لأن الجماعة خالفوه ولأن الحديث محفوظ لعبد الله بن وديعة لا
لعبيد الله بن عدي، وأما ابن عجلان فلا يقارب ابن أبي ذئب في الحفظ ولا تعلل رواية ابن أبي
ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلان مع سوء حفظه، ولو كان ابن عجلان حافظًا لأمكن
أن يكون ابن وديعة سمعه من سلمان ومن أبي ذر، فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا، وقد
اختار ابن خزيمة في صحيحه هذا الجمع وأخرج الطريقين معًا (٤): طريق ابن أبي ذئب من مسند
سلمان(٥)، وطريق ابن عجلان من مسند أبي ذر (٦) رضي الله عنهما.
وأما أبو معشر(٧) فضعيف لا معنى للتعلیل بروايته، وأما رواية عبيد الله بن عمر، فهو من
الحفاظ إلا أنه اختلف علیه كما ترى، فرواية الدراوردي لا تنافي(٨) رواية ابن أبي ذئب؛ لأنها
قصرت عنها، فدل على أنه لم يضبط إسناده فأرسله، ورواية عبد الله بن رجاء إن كانت محفوظة
فقد(٩) سلك الجادة في أحاديث المقبري فقال: عن أبي هريرة، فيجوز أن يكون للمقبري فيه
إسناد آخر، وقد(١٠) وجدته في صحيح ابن خزيمة(١١) من رواية صالح بن كيسان عن سعيد
المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، وإذا تقرر ذلك عرف أن الرواية التي صححها البخاري أتقن
الروايات، والله أعلم.
(١) المسند (١٢٩/٣٩، ح٢٣٧٢٥).
(٢) المسند (١١٣/٣٩، ح ٢٣٧١٠).
(٣) (٤٨/٢، ح٦٩٤) ومن طريقه ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٠٢) وقال أبو حاتم: أخطأ أبو داود، ثم
ساق الحديث من طريق آدم وغير واحد عن ابن أبي ذئب على الجادة.
(٤) د((مع)).
لم يخرجه ابن خزيمة من حدیث سلمان کما لم يرمز له ابن حجر في الإتحاف (٥/ ٥٥٤ ، ح ٥٩٢٤) لابن
(٥)
خزيمة .
(١٣١/٣، ح ١٧٦٣).
(٦)
هو نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، قال في التقريب (ص: ٥٥٩): ((ضعيف، أسنّ واختلط)).
(٧)
(٨) د((لا تخالف)).
(٩) د((وما)) بدل ((فقد)).
(١٠) ب، د((فقد».
(١١) (١٥٢/٣، ح١٨٠١).

٩٣٨ -
-
هدي الساري
الحديث العاشر: قال الدار قطني(١): وأخرج البخاري(٢)، عن محمد بن عبد الرحيم،
عن سعيد بن سليمان، عن هشيم، عن(٣) عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، أن النبي وَّ كان لا
يغدو يوم الفطر حتى يأكر تمرات قال: وقد أنكر أحمد بن حنبل (٤) هذا من حديث هشيم، عن
عبيد الله بن أبي بكر، وقال: إنما رواه هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله،
عن أنس، وقيل : إن هشيمًا كان يدلسه عن عبيد الله بن أبي بكر، وقد رواه مسعر ومرجأ بن رجاء
وعلي بن عاصم عن عبيد الله ولا يثبت منها شيء. انتھی کلامه.
وأحمد بن حنبل إنما استنكره لأنه لم يعرفه من حديث هشيم؛ لأن هشيما كان يحدث به
قدیمًا هكذا، ثم صار بعد لا يحدث به إلا عن محمد بن إسحاق، ولهذا لم یسمعه منه إلا کبار
أصحابه، وأما قوله إن هشيمًا كان يدلس فيه فمردود، فرواية البخاري نفسها(٥) عن هشيم
قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر(٦) فذكرها، والعجب من الإسماعيلي أيضًا فإنه أخرجه من
رواية أبي الربيع الزهراني عن هشيم عن عبيد الله، ثم قال: هشيم يدلس، وكأنه لما رواه عنه
معنعنّا ظن أن هشيمًا دلسه، ومن هنا يظهر شفوف نظر البخاري على غيره، وأما رواية مرجأ بن
رجاء فعلقها البخاري في الباب، ووصلها أحمد بن حنبل(٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٨)،
والإسماعيلي، ولا أدري ما معنى قول الدار قطني لا يثبت منها شيء وقد رواه غير من ذكر،
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٩)، والإسماعيلي في مستخرجه، والحاكم في مستدركه(١٠) من
طريق عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر نحوه، نعم رواية مسعر لا يصح إسنادها عنه وعلي
ابن عاصم ضعيف (١١). وأما الطريق التي ذكرها عن هشيم عن محمد بن إسحاق، فرواها
(١)
التتبع (ص: ٣٥٧، ح ١٩٧).
(٢) رقم (٩٥٣).
(٣) د ((ابن)) بدل ((عن)).
(٤) العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٢٧٢، ف٢٢٢٦).
(٥) ب، د((نصها)).
(٦) رقم (٩٥٣).
(٧) (٢٨٧/١٩، ح ١٢٢٦٨).
(٨) (٣٤٢/٢، ح ١٤٢٩).
(٩) الإحسان (٧/ ٥٣، ح ٢٨١٤).
(١٠) (٢٩٤/١).
(١١) قال في التقريب (ص: ٤٠٣): ((صدوق يخطئ ويصرّ، ورمي بالتشيع)).

٩٣٩
هدي الساري
أحمد بن منيع في مسنده(١) والترمذي في جامعه(٢) والإسماعيلي في مستخرجه من طريق
هشيم [به](٣)، وقد ظهر بما قررناه أن إحدى الطريقين لا تعل الأخرى. والله أعلم.
الحديث الحادي عشر: قال البخاري(٤): حدثنا محمد، حدثنا أبو تميلة يحيى بن
واضح، عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
قال: كان النبي {₪ إذا كان يوم عيد خالف الطريق، تابعه يونس بن محمد عن فلیح، وحديث
جابر أصح. هكذا في جميع الروايات التي وقعت لنا عن البخاري إلا أن في رواية أبي علي / بن ؟
السكن: ((تابعه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة، وحديث جابر أصحّ)) كذا ٣٥٤
وقع عنده، [و](٥) قال أبو علي الجياني(٦) والظاهر أن هذا الإصلاح من قبله.
قلت: و[التخبيط](٧) فيه ممن دون البخاري، وقد ذكره أبو مسعود الدمشقي في الأطراف
محررا. فذكر حديث أبي تمیلة وبعده تابعه يونس بن محمد عن فلیح، وقال محمد بن الصلت
عن فليح عن سعيد (٨) عن أبي هريرة، قال البخاري. وحديث جابر أصحّ(٩)، وكذا حكاه
أبو نعيم في مستخرجه، وحكى البرقاني نحوه ثم قال أبو مسعود متعقبًا علیه: إنما رواه يونس
ابن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة لا عن جابر، قال: وكذا رواه الهيثم بن جمیل عن
فليح. قلت: ولم يصب أبو مسعود في دعواه أن رواية يونس بن محمد إنما هي من مسند(١٠).
أبي هريرة فقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن يونس بن محمد من مسند جابر كما قال
البخاري(١١) ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي، وكذا رواه أبو جعفر العقيلي في مصنفه (١٢) من
(١) ب ((مستدركه)).
(٢) رقم(٢/ ٤٢٧ ، ح٥٤٣) وقال : هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٣) الزيادة من: ب، د.
(٤)
رقم (٩٨٦).
(٥)
الزيادة من: ب.
تقبیدالمهمل (٢/ ٥٩٣).
(٦)
في المطبوع ((التخليط)) والتصويب من: ب، د.
(٧)
(٨) ب ((شعبة)).
(٩) كلام أبي مسعود نقله الجياني في التقييد (٢/ ٥٩٤) وقد نقله الحافظ منه.
(١٠) د((رواية)).
(١١) رقم (٩٨٦).
(١٢) الضعفاء الكبير (٣١٩/٣) من غير حديث أبي هريرة، ثم أشار إلى هذه الطريق.

٩٤٠
هدي الساري
حديث يونس، وكذا قال الترمذي(١) إن أبا تميلة ويونس بن محمد روياه عن فليح عن سعيد عن
جابر، نعم رويناه من طريق محمد بن عبيد الله بن المنادي، وأحمد بن الأزهر، وعلي بن معبد،
ثلاثتهم عن يونس بن محمد، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة كما قال أبو مسعود، وقوي
بهذا أن لسعيد بن الحارث فيه شيخين، وقد ذكر أبو مسعود أيضًا أن محمد بن حميد رواه عن
أبي تميلة، فصيّره من مسند أبي هريرة، ولكن محمد بن حميد لا يحتج به (٢)، ورواية محمد بن
الصلت قد ذكرت من وصلها في فصل التعليق، ولله الحمد(٣).
الحديث الثاني عشر: قال الدار قطني (٤): أخرج البخاري أحاديث للحسن عن أبي بكرة
منها حديث الكسوف(٥)، والحسن إنما يروي عن الأحنف عن أبي بكرة. قلت: البخاري
معروف أنه كان ممن يشدد في مثل هذا، وقد أخرج البخاري حديث الكسوف من طرق(٦) عن
الحسن علق بعضها، ومن جملة ما علقه فيه (٧) رواية موسى بن إسماعيل عن مبارك بن فضالة
عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة، فهذا معتمده في إخراج حديث الحسن وردّه على من نفى
أنه سمع من أبي بكرة باعتماده على إثبات من أثبته، وسيأتي مزيد بذلك في فضل الحسن
ابن علي بن أبي طالب إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث عشر: قال الدار قطني (٨): أخرجا(٩) جميعًا حديث(١٠) ابن أبي ذئب، عن
سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ◌َّ قال: لا يحل لا مرأة تسافر
وليس معها محرم. قال الدار قطني: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل عن سعيد عن
أبي هريرة يعني لم يقولوا عن أبيه .
(١) (٤٢٥/٢) عقب حديث رقم (٥٤١).
(٢) قال في التقريب (ص: ٤٧٥): ((حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه)).
ب زيادة «من قصر الصلاة)).
(٣)
(٤)
التتبع (ص: ٢٢٢، ح٨٨).
(٥) رقم (١٠٤٠).
(٦) وأرقامها (١٠٦٢، ١٠٦٣، ٥٧٨٥).
(٧) عقب حديث رقم (١٠٤٨).
التتبع (ص: ١٣٤، ح١٢).
(٨)
(٩) البخاري رقم (١٠٨٨)، ومسلم (٩٧٧/٢، ح ١٣٣٩/٤٢٠).
(١٠) ب ((أحاديث)).