النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
هدي الساري
أن يكون غيره ومحل(١) تفضيلهما واحد، ومن ذلك قول مسلمة بن قاسم القرطبي وهو من
أقران الدار قطني لما ذكر في ((تاريخه)) صحيح مسلم قال: ((لم يضع أحد مثله)) فهذا محمول
على حسن الوضع وجودة الترتيب، وقد رأيت كثيرًا من المغاربة ممن صنف في الأحكام
بحذف الأسانيد، كعبد الحق في أحكامه وجمعه يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون
وسياقها دون البخاري لوجودها عند مسلم تامة وتقطيع البخاري لها، فهذه جهة أخرى من
التفضيل لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس الصحيح والله أعلم.
وإذا تقرر ذلك فليقابل هذا التفضيل بجهة أخرى من وجوه التفضيل غير ما يرجع إلى نفس
الصحيح وهي(٢) ما ذكره الإمام القدوة أبو محمد بن أبي جمرة في اختصاره للبخاري(٣)،
قال: قال لي من لقيته من العارفين(٤) عمن لقي من السادة المقر لهم بالفضل أن صحيح
البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت ولا ركب به في مركب فغرق، قال: وكان مجاب الدعوة
وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالی.
وكذلك الجهة العظمى الموجبة لتقديمه وهي(٥) ما ضمنه أبوابه من التراجم التي
حيرت(٦) الأفكار وأدهشت العقول والأبصار، وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الحظوة
لسبب عظيم أوجب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي (٧) عن عبد القدوس بن همام قال:
شهدت(٨) عدة مشايخ يقولون: ((حول البخاري تراجم جامعه - يعني بيضها بين قبر النبي وَيّ
ومنبره و کان یصلي لکل ترجمة رکیتین)).
ولنشرع الآن في الكلام عليها، ونبين ما خفي على بعض من لم يمعن النظر فاعترض عليه
اعتراض شاب غر على شيخ مجرب أو مكتهل وأوردها إيراد سعد وسعد مشتمل ((ماهكذا تورد
يا سعد الإبل» وأول شيء وقع الكلام معه فیه من هذه المادة أول حدیث بدأ به کتابه واستفتح به
(١) ج ((محمل)).
(٢) ب، د((هو)).
المختصر مع شرحه للمؤلف (٦/١).
(٣)
عند ابن أبي جمرة: «من القضاة الذين كانت لهم المعرفة والرحلة».
(٤)
(٥)
ب (هو )).
(٦) ج ((حارت فيها الأفكار)).
(٧) التعديل والتجريح (٣١٠/١)، وأسامي من روى عنهم البخاري (ص: ٥١، ٥٢).
(٨) ب، ج، د((سمعت)) وكذا عندابن عدي.

-٢٢ -
هدي الساري
خطابه، فرد كثير من هؤلاء نحوه سهام اللوم، وانتصر بعض وبعض لزم من التسليم طريق
القوم.
ولنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه وهي ظاهرة وخفية، أما الظاهرة فليس
ذكرها من غرضنا هنا وهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها (١) وإنما
فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة کأنه یقول هذا الباب
الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلاً، وقد تكون الترجمة بلفظ
المترجم له أو بعضه (٢) أو بمعناه، وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في (٣) لفظ
الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد فيعين أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث، وقد
يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة،
والترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه، مثلاً المراد بهذا الحديث العام
الخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعارًا بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو أن
ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهر بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في
المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام، وكذا في شرح المشكل، وتفسير الغامض،
وتأويل الظاهر، وتفصيل المجمل.
وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا(٤) اشتهر من قول جمع
من الفضلاء فقه البخاري في تراجمه، وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثاً على شرطه في
الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم(٥) به ويستنبط (٦) الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض
- شحذ / الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه، وكثيرًا ما يفعل ذلك - أي هذا الأخير -
حيث يذكر الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه یحیل علیه ویومی
بالرمز والإشارة إليه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله ((باب هل يكون كذا أو من قال (٧)
ـه
١٤
(١) د((ضمنها)).
د «ببعضه)) .
(٢)
ج، دزیادة «معنی)» .
(٣)
(٤) ب، د((فلهذا))، ج ((فهذا)).
(٥) ب (يترجم)).
(٦) د(«فيستنبط)».
(٧) د(«يقول».

٢٣
هدي الساري
كذا)) و(١) نحو ذلك، وذلك حيث لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين وغرضه بيان هل يثبت ذلك
الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم ومراده ما يتفسر بعد من إثباته أو نفيه أو أنه محتمل لهما
وربما كان أحد المحتملين أظهر، وغرضه أن يبقى للنظر مجالاً وينبه على أن هناك احتمالاً أو
تعارضًا يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالاً، أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال (٢)
به، وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهره(٣) قليل الجدوى لكنه إذا حققه المتأمل أجدى، كقوله ((باب
قول الرجل ما صلينا)) فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله ((باب قول الرجل فاتتنا
الصلاة)) وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا اللفظ، وكثيرًا ما يترجم بأمر مختص
ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي كقوله ((باب استياك الإمام بحضرة رعيته)) فإنه (٤) لما كان
الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة فلعل بعض الناس(٥) يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة
للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي وقال# استاك بحضرة الناس دل على أنه من باب التطيب لا
من الباب الآخر، نبه على ذلك ابن دقيق العيد(٦)(٧).
وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث
الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر
وتارة بأمر خفي، من ذلك قوله ((باب الأمراء من قريش))(٨) وهذا لفظ حديث يروى(٩) عن علي
رضي الله عنه وليس على شرط البخاري، وأورد فيه حديث ((لا يزال وال من قريش)) ومنها قوله
((باب اثنان فما(١٠) فوقهما جماعة))(١١) وهذا حديث يروى عن أبي موسى الأشعري(١٢) وليس
(١) ج ((أو)) بدل الواو.
(٢) ج ((الاستدراك)).
(٣) د((ظاهر)).
ج («وذلك أن)) بدل «فإنه لما كان)».
(٤)
ج (متوهما)) بدل ((بعض الناس)).
(٥)
إحكام الأحكام (١/ ١١٢).
(٦)
(ب) زيادة: ((ولم أجد في البخاري، فكأنه ذكره على سبيل المثال)».
(٧)
كتاب الأحكام، باب ٢، انظر: تغليق التعليق (٢٨٥/٥).
(٨)
(٩) دامروي)).
(١٠) د((وما)) بدل (فما)).
(١١) كتاب الأذان، باب٣٥.
(١٢) ج زيادة ((رضي الله عنه)).

٢٤ -
هدي الساري
على شرط البخاري وأورد فيه ((فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما)) وربما اكتفى أحيانًا بلفظ
الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول لم يصح
في الباب شيء على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك
الكتاب بلا تبييض، ومن تأمَّل ظَفَر ومن جَدَّ وَجَدَ .
وقد جمع(١) العلامة ناصر الدين أحمد بن المنير خطيب الإسكندرية من ذلك أربعمائة
ترجمة وتكلم (٢) عليها، ولخصها القاضي بدر الدين بن جماعة(٣) وزاد عليها أشياء(٤)،
وتكلم على ذلك أيضًا بعض المغاربة وهو محمد بن منصور بن حمامة السجلماسي ولم يكثر
(١) كتابه هو: ((المتواري على أبواب البخاري)) له طبعتان: إحداهما: بتحقيق: صلاح الدين مقبول
أحمد، الكويت، مطبعة المعلا، عام ١٤٠٧ هـ، في (٤٥٧) صفحة، والثانية: بتحقيق: علي حسن
عبد الحميد، المكتب الإسلامي، بيروت، ودار عمار، الأردن، عام ١٤١١ هـ، في (٤٩١) صفحة .
(٢) د«فتكلم)».
(٣) هو: بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة، المتوفى سنة (٧٣٣هـ)، وكتابه: ((تراجم البخاري)) طبع
بتحقيق : الدكتور علي بن عبد الله الزبن، عام ١٤١٢ هـ، طبعة دار هجر، القاهرة.
(٤) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٥٨/١١): ((إن ابن جماعة أخذ كلام ابن بطال جازمًا به، واختصره
وزاد علیه».
وقد علق ابن حجر أيضًا في النسخة الحلبية من كتاب ابن جماعة (ق٢ / أ) بقوله: ((تأملت المتواري في
تراجم البخاري لابن المنير فوجدت القاضي بدر الدين قد لخص كتابه هذا منه، ودلني على ذلك أنه تبعه
في من نقص من ثلثه من أواخر هذا الجزء، فإنه كان غير مرتب أبواب البخاري تبعًا لابن بطال، وأخل
بعدة كتب منها: التفسير، وبدء الخلق، والسيرة النبوية، والمغازي، وأحاديث الأنبياء وغير ذلك ...
كتبه: أحمد بن علي بن حجر)).
وعلق على النسخة المصرية من كتاب ابن جماعة (ق ٧٧ / أضمن المجموع) بقوله: ((يقول أحمد بن
علي بن حجر أن جامعه مشى فيه على كتاب المتواري في تراجم البخاري لابن المنير وعلى ما في
حواشيه على ابن بطال، ومن أدل دليل على أخذه كلام ابن المنير أنه أسقط من أصل البخاري نحو الربع:
من أول بدء الخلق إلى آخر تفسير القرآن وذلك جميعه ساقط من كلام ابن المنير تبعًا لابن بطال لكونه لم
يشرحه ... )).
وقال علي بن عبد الله الزبن في دراسته لكتاب ابن جماعة (ص: ٦٨):
((قلت: وعدد تراجم ابن المنير (٣٦٩)، وعدد تراجم ابن جماعة في النسخة الحلبية (٢٥٦)، وفي
النسخة المصرية تزيد بعشر تراجم، اتفقوا في ما يقارب (٢٥٢) ترجمة، وحذف الباقي، وزاد ابن
جماعة(٥) تراجم)).

٢٥
هدي الساري
من ذلك بل جملة ما في كتابه نحو مائة ترجمة، وسماه «فك أغراض البخاري المبهمة في
الجمع بين الحديث والترجمة))(١)، وتكلم أيضًا على ذلك زين الدين علي بن المنير(٢) أخو
العلامة ناصر الدين في شرحه على البخاري وأمعن في ذلك، ووقفتعلى مجلدمن كتاب اسمه :
(ترجمان التراجم)) لأبي عبد الله بن رُشَيد السبتي يشتمل على هذا المقصد وصل فيه إلى كتاب
الصيام ولو تم لكان في غاية الإفادة، وإنه لكثير الفائدة مع نقصه. والله تعالى(٣) الموفق.
(١) ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٥٥١): تحت عنوان: ((أغراض البخاري المبهمة في الجمع
بین الحدیث والترجمة» .
(٢) هو: زين الدين أبو الحسن علي بن محمد بن منصور بن القاسم بن المختار الجذامي، الجروي،
الأسكندري الأبياري، المالكي، المعروف بابن المنير (ت ٦٩٥هـ)، واسم كتابه: ((شرح الجامع
الصحيح للبخاري)) في عدة أسفار، لم يعمل عليه مثله، يذكر الترجمة، ويورد عليها أسئلة مشكلة،
حتى يقال: لا يمكن الانفصال عنها، ثم يجيب على ذلك، ثم يتكلم على فقه الحديث، ومذاهب
العلماء، ثم يرجح المذهب، ويفرع. إتحاف القاري (ص: ٢١٠) نقلاً عن شجرة النور الزكية،
والديباج المذهب، وهدية العارفين.
(٣) ج ((والله الهادي للصواب)) وفي: د ((إلى الصواب)).

١٥
٢٦
هدي الساري
/الفصل الثالث
في بیان تقطيعه للحديث واختصاره وفائدة
إعادته له(١) في الأبواب وتكراره
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي فيما رويناه عنه في جزء سماه ((جواب
المتعنت))(٢): اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في
كل باب بإسناد آخر ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي
أخرجه فيه، وقلما يورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق
أخرى لمعان نذكرها والله أعلم بمراده منها .
فمنها: أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، والمقصود منه أن يخرج
الحديث عن حد الغرابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرًا إلى مشايخه فيعتقد
من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة.
ومنها: أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة، يشتمل كل حديث منها على معان متغايرة
فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى(٣).
ومنها: أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت
ليزيل الشبهة عن ناقليها .
ومنها: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى،
وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر فيورده بطرقه إذا
صحت على شرطه، ويفرد لكل لفظة بابًا مفردًا .
ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ورجح عنده الوصل فاعتمده وأورد
الإرسال منبهًا على أنه لا تأثير له عنده في الموصول (٤).
ومنها: أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحکم فيها كذلك.
(١) ج ((لها)).
(٢) د((التعنت)).
(٣) ب ((الأول))
(٤) ج زيادة ((قطعًا)) .

٢٧
هدي الساري
ومنها: أحاديث زاد فيها بعض الرواة(١) رجلاً في الإسناد(٢) ونقصه بعضهم فيوردها على
الوجهين حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ثم لقي الآخر فحدثه به
فکان یرویه علی الوجهین .
ومنها: أنه ربما أورد حديثاً عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحًا فيها بالسماع على
ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في(٣) المعنعن، فهذا جميعه (٤) فيما يتعلق بإعادة
المتن الواحد في موضع آخر أو أكثر.
وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان
المتن قصیرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حکمین فصاعدًا، فإنه يعيدهبحسب ذلك
مراعيًا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه
عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله فتستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه
مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولاً
وفي موضع معلقًا، ويورده تارة تامًا وتارة مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب،
فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة منها
في باب مستقل فرارًا من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه - فهذا كله في التقطيع، وقد حكى
بعض شراح البخاري أنه وقع في أثناء الحج في بعض النسخ بعد باب قصر الخطبة بعرفة(٥) باب
تعجيل الوقوف(٦)، قال (٧) أبو عبد الله: يزاد في هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب ولكني
لا أريد أن أدخل فيه / معادًا. انتهى، وهو يقتضي أنه لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثاً معادًاً م
بجمیع إسناده ومتنه وإن کان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد وهو قليل جدًا سأنبه على
١٦
مواضعه(٨) من الشرح حيث أصل إليها إن شاء الله تعالى.
[
(١) د((رواتها)).
(٢) ج زيادة ((فيها بعض رواتها في إسنادها رجل واحد)).
جزیادة «الإسناد)» .
(٣)
ج، د«کله)).
(٤)
د («بعرفات)» .
(٥)
ب (إلى الوقف))، د((التعجيل إلى الموقف)».
(٦)
(٧) د((فقال)).
(٨) د(«سأبينه في موضعه)).

٢٨
هدي الساري
وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في
الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصحابي، وفيه شيء قد یحکم برفعه فيقتصر
على(١) الجملة التي یحکم لها بالرفع ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه كما وقع له
في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أهل الإسلام لا
يسيبون وإن(٢) أهل الجاهلية كانوا يسيبون، هكذا أورده(٣)، وهو مختصر من حديث موقوف
أوله (٤): جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني أعتقت عبدًا لي سائبة فمات وترك مالاً ولم
يدع وارثًا. فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ولي
نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت وتحرجت في(٥) شيء فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال،
فاقتصر البخاري على ما يعطى حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف وهو قوله: إن أهل
الإسلام لا يسيبون لأنه يستدعي بعمومه النقل عن صاحب الشرع لذلك الحكم واختصر الباقي
لأنه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى المواضع التي(٦) وقعت له من هذا الجنس،
وإذا (٧) تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة حتى (٨) لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد
ولا من جهة المتن لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم التي تشتمل عليه الترجمة الثانية
موجبًا لئلا يعد مكررًا(٩) بلا فائدة، كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية وهي إخراجه
للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك على ما سبق تفصيله، وهذا بين لمن استقرأ
كتابه وأنصف من نفسه. والله الموفق(١٠) لا إله غيره.
(١) ج زيادة ((تلك)).
(٢) د((فإن)).
(٣) (٤٠/١٢، كتاب الفرائض، باب ٢٠، ح ٦٧٥٣).
(٤) أخرجه الإسماعيلي كما عزاه إليه في الفتح (٤٠/١٢).
ج ((من)) بدل ((في)».
(٥)
أ، ج، د((الذي)) بدل ((التي)).
(٦)
(٧) د(«فإذا)).
(٨) ب، ج، د((حتى ولو لم تظهر)) بزيادة الواو.
(٩) د((تكرارًا)).
(١٠) دزيادة ((الهادي)).

٢٩
هدي الساري
م
١٧
/الفصل الرابع
في بيان السبب في إيراده للأحاديث(١) المعلقة:
مرفوعة وموقوفة، وشرح أحكام ذلك
والمراد بالتعليق ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ولو إلى آخر الإسناد، وتارة يجزم به
كـ ((قال)): وتارة لا يجزم به كـ((يذكر))، فأما المعلق من المرفوعات فعلى قسمين، أحدهما: ما
يوجد في موضع آخر من كتابه هذا موصولاً، وثانيهما: ما لا يوجد فيه إلا معلقًا(٢)، فالأول قد
بينا السبب فيه في (٣) الفصل الذي قبل هذا، وأنه يورده معلقًا حيث يضيق مخرج الحديث، إذ
من قاعدته أنه (٤) لا يكرر إلا لفائدة، فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام فاحتاج
إلى تكريره فإنه يتصرف في الإسناد بالاختصار خشية التطويل.
والثاني - وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقًا-فإنه على صورتين؛ إما أن يورده بصيغة الجزم وإما
أن يورده بصيغة التمريض. فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه (٥) لكن يبقى
النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق، أما ما يلتحق
فالسبب في كونه لم يوصل إسناده إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى
السياق ولم يهمله بل أورده بصيغة التعليق طلبًا للاختصار، وإما لكونه لم يحصل عنده
مسموعًا أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه أو سمعه من شيخه مذاكرة فما رأى أنه يسوقه
مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه، فمن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة(٦):
قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
وكلني رسول الله وَل بزكاة رمضان ... الحديث بطوله. وأورده في مواضع أخرى (٧)
(١) ج ((الأحاديث)).
(٢)
ب («تعليقًا)».
جزیادة «هذا».
(٣)
(٤)
ج، د((أن)».
ج «أن من عّق عنه ثقة)».
(٥)
(٩٨/٦، كتاب الوكالة، باب ١٠، ح ٢٣١١).
(٦)
(٧) ب، د(«أُخر)).

٣٠
هدي الساري
منها في فضائل القرآن(١) وفي ذكر إبليس(٢)، ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان، فالظاهر
أنه لم یسمعه منه .
وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث فيوردها
عنهم بصيغة قال فلان، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم، وسيأتي لذلك أمثلة
كثيرة في مواضعها(٣)، فقال (٤) في التاريخ(٥): قال إبراهيم بن موسى : حدثنا هشام بن يوسف
فذكر حديثاً. ثم قال: حدثوني بهذا عن إبراهيم، ولكن ليس ذلك مطردًا في كل ما أورده بهذه
الصيغة لكن مع هذا الاحتمال لا يحمل(٦) حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك
من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلسًا عنهم فقد صرح الخطيب وغيره بأن لفظ ((قال)) لا
يحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع فاقتضى ذلك أن من
لم يعرف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال والله تعالى أعلم .
وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحًا على شرط(٧) غيره، وقد يكون حسنًا صالحًا
للحجة، وقد يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع یسیر في إسناده، قال
الإسماعيلي: قد يصنع البخاري ذلك إما لأنه سمعه من(٨) ذلك الشيخ بواسطة من يثق به عنه
وهو معروف مشهور عن ذلك الشیخ، أو لأنه سمعه ممن ليس من شرط الكتاب فنبه على ذلك
الحديث بتسمية من حدث به لا على جهة التحديث به عنه. قلت: والسبب(٩) فيه أنه أراد أن لا
يسوقه مساق الأصل.
فمثال ما هو صحيح على شرط غيره قوله في الطهارة (١٠): وقالت عائشة (١١): كان النبي ◌َّال
(١) (٢٣٦/١١، كتاب فضائل القرآن، باب ١٠، ح ٥٠١٠).
(٢) (٥٦١/٧، كتاب بدء الخلق، باب ١١، صفة إبليس وجنوده، ح٣٢٧٥).
(٣) دزيادة ((إن شاء الله تعالى)).
(٤) ج (وقال)).
(٥) التاريخ الكبير (٣٢٧/٧، ترجمة: ١٤٠٥).
(٦) د((لا يحلّ)).
(٧) د((على شرطه)).
(٨) ج، د((عن)).
(٩) د((و سببه)).
(١٠) (٤٥٢/٢، كتاب الأذان، باب١٩).
(١١) ج، دزيادة ((رضي الله عنها)).

٣١
ء
١٨
هدي الساري
يذكر الله على كل أحيانه. وهو حديث صحيح على شرط مسلم / وقد أخرجه في صحيحه(١).
كما سيأتي بيانه.
ومثال ما هو حسن صالح للحجة قوله فيه (٢): وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: الله
أحق أن يستحيا منه من الناس، وهو حديث حسن مشهور عن بهز، أخرجه أصحاب السنن(٣)
كماسيأتي.
ومثال ما هو ضعيف بسبب الانقطاع لكنه منجبر بأمر آخر قوله في كتاب الزكاة (٤): وقال
طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان
الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب محمد ◌َلي(٥)، فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن
طاوسًا لم يسمع من معاذ.
فأما ما اعترض به بعض المتأخرين بنقضه هذا الحكم في صيغة الجزم وأنها لا تفيد الصحة
إلى من علق عنه بأن المصنف أخرج حديثاً قال فيه (٦): قال عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن
أبي هريرة (٧) عن النبي وَ لإ قال: لا تفاضلوا بين الأنبياء ... الحديث. فإن أبا مسعود الدمشقي
جزم بأن هذا ليس بصحيح لأن عبد الله بن الفضل إنما رواه عن الأعرج عن أبي هريرة لا عن أبي
سلمة، ثم قوى ذلك بأن المصنف أخرجه في موضع آخر موصولاً فقال(٨): عن عبد الله بن
الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة. انتهى - فهو اعتراض مردود والقاعدة صحيحة لا تنتقض
بهذا الإيراد الواهي، وقدروى الحديث المذكور أبو داود الطيالسي في مسنده (٩) عن عبد الله بن
الفضل عن أبي سلمة (١٠) عن أبي هريرة(١١)، كما علقه البخاري سواء، فبطل ما ادعاه أبو مسعود
(١) (٢٨٢/١، ح ١١٧/ ٣٧٣).
(٢) (٦٥٤/١، كتاب الغسل، باب ٢٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٧٦٩، و٢٧٩٤)، وأبو داود (٤٠١٧)، وابن ماجه (١٩٢٠).
(٢٨٠/٤، كتاب الزكاة، باب ٣٣).
(٤)
(٥)
زاد في البخاري ((بالمدينة)) .
(٣٩٢/١٧، کتاب التوحید، باب ٢٢ ، ح٧٤٢٨).
(٦)
جزیادة (رضي الله عنه)).
(٧)
(٨) (٢١/٨، كتاب أحاديث الأنبياء، باب٣٥، ح ٣٤١٤).
(٩) (١٢١/٤، ح ٢٤٨٧).
(١٠) ب ((الأعرج) بدل ((أبي سلمة)).
(١١) بزيادة(انتھی)).

٣٢ -
هدي الساري
من أن عبد الله بن الفضل لم يروه إلا عن الأعرج، وثبت أن لعبد الله بن الفضل فيه شيخين
وسنزيد ذلك بيانًا في موضعه إن شاء الله تعالى .
والصيغة الثانية: وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن (١) فيه
ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبينه، فأما ما هو صحيح فلم نجد فيه ما هو على
شرطه إلا مواضع يسيرة جدًا ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق
بالمعنى كقوله في الطب(٢): ويذكر عن ابن عباس(٣) عن النبي ◌َّل في الرقى بفاتحة الكتاب،
فإنه أسنده في موضع آخر (٤) من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن نفرًا من أصحاب النبي ◌َّ مروا بحي فيهم(٥) لديغ، فذكر الحديث في
رقيتهم للرجل(٦) بفاتحة الكتاب، وفيه قول النبي ◌َليل لما أخبروه بذلك أن أحق ما أخذتم عليه
أجرًا كتاب الله، فهذا كما ترى لما أورده بالمعنى لم يجزم به إذليس في الموصول أنه (٧) فَ ل # ذكر
الرقية بفاتحة الكتاب إنما فيه أنه لم ينههم عن فعلهم فاستفيد ذلك من تقريره(٨).
وأما ما لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على
شرطه، ومنه ما هو حسن، ومنه ماهو ضعيف فرد، إلا أن العمل على موافقته، ومنه ماهو
ضعيف فرد لا جابر له، فمثال الأول: أنه قال في الصلاة(٩): ويذكر عن عبد الله بن السائب
قال: قرأ النبي ◌ّية المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى
أخذته سعلة فركع، وهو حديث صحيح على شرط مسلم أخرجه في صحيحه (١٠) إلا أن
البخاري لم يخرج لبعض رواته.
(١) ج((لأن)).
(٢) (١٥٩/١٣، كتاب الطب، باب ٣٣).
ج زيادة «رضي الله عنهما)).
(٣)
(١٣/ ١٦٠، كتاب الطب، باب ٣٤، ح ٥٧٣٧).
(٤)
ب، چزیادة (فیه)) .
(٥)
ج((الرجل)).
(٦)
جزیادة (النبي)).
(٧)
ج زيادة (ملت)).
(٨)
(٩) (٢/ ٦٨١، كتاب الأذان، باب ١٠٦).
(١٠) (٣٣٦/١، ح ٤٥٥/١٦٣).

٣٣
هدي الساري
وقال في الصيام(١): ويذكر عن أبي خالد عن الأعمش عن الحكم ومسلم البطين وسلمة
ابن كهيل عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد عن ابن عباس (٢) قال: قالت امرأة للنبي وَلاتر: إن
أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين ... الحديث. ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح
إلا أن فيه اختلافًا كثيرًا في إسناده، وقد تفرد أبو خالد(٣) سليمان بن حيان الأحمر بهذا السياق
وخالف(٤) فيه الحفاظ من أصحاب الأعمش كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ومثال الثاني: وهو الحسن قوله في البيوع(٥): ويذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن
النبي ◌َّم قال له: إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل. وهذا الحديث قد رواه الدار قطني(٦) من
طريق عبيد الله (٧) بن المغيرة وهو ((صدوق)) عن منقذ مولى عثمان وقد وثق(٨) عن عثمان به
وتابعه عليه سعيد بن المسيب، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند(٩) إلا أن في إسناده / ابن
لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠) من حديث عطاء عن عثمان وفيه انقطاع، فالحديث ١٩
حسن لما عضده من ذلك .
ومثال الثالث: وهو الضعيف الذي لا عاضد له إلا أنه على وفق العمل قوله في
الوصايا (١١): ويذكر عن النبي ◌َليل أنه قضى بالدين قبل الوصية. وقد رواه الترمذي(١٢)
(١) (٣٥٣/٥، كتاب الصوم، باب٤٢، بعد حديث ١٩٥٣).
(٢) ج زيادة ((رضي الله عنهما)).
(٣)
ب، ج، دزیادة (وهو )).
(٤) ج ((خالفه)).
(٥٨٩/٥، كتاب البيوع، باب ٥١).
(٥)
(٦) السنن (٨/٣، رقم ٢٣).
(٧) أ، ج ((عبد الله)) وهو خطأ، قال الحافظ في التقريب (ت٤٣٤٢): عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة
الكناني، وقد ينسب إلى جده، ويقال له: عبد الله مكبر أيضًا، مقبول من الرابعة.
(٨) ذكره ابن حبان في الثقات (٣١٧/١٠)، وقال ابن حجر في التقريب (٦٩١٤): مقبول، وقال في النكت
على كتاب ابن الصلاح (٣٣٩/١): مستور، ولم يضعفه أحد، عن عثمان رضي الله عنه، وقال في
التغليق (٢٣٩/٣): منقذ مجهول الحال، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
(٩) المسند (٤٩٧/١، ح ٤٤٤)، ونقل الحافظ ابن حجر في التغليق (٢٤٠/٣) عن الإمام أحمد وغيره: أن
حديث ابن لهيعة القديم صحيح.
(١٠) المصنف (٣٦٣/٦، رقم ١٣٥٩).
(١١) (٦/ ٦٩٢، كتاب الوصية، باب٨).
(١٢) (٤١٦/٤، ح ٢٠٩٤).

٣٤.
هدي الساري
موصولاً من حديث أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن علي (١)، والحارث
ضعيف (٢) وقد استغربه الترمذي. ثم حكى إجماع أهل العلم على القول به.
ومثال الرابع: وهو الضعيف الذي لا عاضد له وهو في الكتاب قليل جدًا وحيث يقع ذلك
فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله، فمن أمثلته قوله في كتاب الصلاة (٣) ويذكر عن
أبي هريرة رفعه لا يتطوع الإمام في مكانه ولم يصح، وهو حديث أخرجه أبو داود (٤) من طريق
ليث بن أبي سليم عن الحجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة(٥)، وليث بن أبي
سلیم ضعیف وشیخ شیخه لا یعرف وقد اختلف علیه فيه.
فهذا حكم جميع ما في الكتاب من التعاليق المرفوعة بصيغتي الجزم والتمريض، وهاتان
الصيغتان قد نقل النووي اتفاق محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما وأنه لا ينبغي الجزم
بشيء ضعيف لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح،
قال: وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم، واشتد إنكار البيهقي على من
خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدًا من فاعله، إذ يقول في الصحيح ((يذكر ویروی)) وفي
الضعيف ((قال وروى)) وهذا قلب للمعاني(٦) وحَيْد عن الصواب.
قال: وقد اعتنى البخاري رحمه الله باعتبار هاتين الصيغتين وإعطائهما حكمهما في
صحيحه، فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه بجزم مراعيًا ما ذكرنا،
وهذا مشعر بتحريه وورعه وعلى هذا فيحمل قوله: ما أدخلت في الجامع (٧) إلا ما صح، أي
مما سقت إسناده. والله تعالى أعلم. انتھی کلامه.
وقد تبين مما فصلنا به أقسام تعاليقه أنه لا يفتقر إلى هذا الحمل و(٨) أن جميع ما فيه صحيح
ج زیادة (رضي الله عنه)).
(١)
راجع قول الحافظ ابن حجر في الحارث الأعور في كتابه نتائج الأفكار (١ /٤٠٨) فإنه مفيد جدًا.
(٢)
(٣)
(٨٩/٣، كتاب الأذان، باب ١٥٧).
(٤) (١/ ٦١١، ح ١٠٠٦).
ج زيادة «رضي الله عنه)).
(٥)
ج «المعاني)).
(٦)
دزيادة ((الصحيح)).
(٧)
(٨) د («فإن)) بالفاء.

٣٥
هدي الساري
باعتبار أنه كله مقبول ليس فيه ما (١) يرد مطلقًا إلا النادر فهذا حكم المرفوعات.
وأما الموقوفات فإنه يجزم منها بما صح عنده ولو لم يكن على شرطه ولا يجزم بماكان في
إسناده ضعف أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرًا إما بمجيئه من وجه آخر وإما بشهرته عمن قاله،
وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين ومن تفاسيرهم لكثير من
الآيات على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف
بين الأئمة، فحينئذ ينبغي أن يقال جميع ما يورد فيه إما أن يكون مما ترجم (٢) به أو مما ترجم
له، فالمقصود في هذا التصنيف بالذات هو الأحاديث الصحيحة المسندة وهي التي ترجم لها،
والمذكور بالعرض والتبع الآثار الموقوفة والأحاديث المعلقة نعم والآيات المكرمة، فجميع
ذلك مترجم به إلا أنها إذا اعتبرت بعضها مع بعض واعتبرت أيضًا بالنسبة إلى الحديث يكون
بعضها مع بعض منها مُفسِّرٌ ومنها مُفَسَّرٌ، فيكون بعضها كالمترجم (٣) له باعتبار ولكن المقصود
بالذات هو الأصل فافهم هذا فإنه مخلص حسن يندفع به اعتراض كثير عما أورده المؤلف من
هذا القبيل والله الموفق.
وهذا حين الشروع في سياق تعاليقه المرفوعة (٤)، والإشارة إلى من وصلها وأضفت إلى ذلك
المتابعات لالتحاقها بها في الحكم، وقد بسطت ذلك جميعه في تصنيف كبير سميته ((تغليق
التعليق)) ذكرت فيه جميع أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة، وذكرت من وصلها بأسانيدي إلى
المكان المعلق، فجاء كتاباً حافلاً وجامعًا كاملاً لم يفرده أحد بالتصنيف، وقد صرح بذلك الحافظ
أبو عبد الله(٥) بن رشيد في كتاب / ترجمان التراجم له فقال: وهو - أي التعليق(٦) - مفتقر إلى أن٢
٢٠
(٧) الحسن، أو غير
يصنف فيه كتاب يخصه، تسند فيه تلك المعلقات وتبين درجتها من الصحة و
ذلك من الدرجات، وما علمت أحدًا تعرض لتصنيف في ذلك وإنه لمهم لا(٨) سيما لمن له عناية
(١) ب((حما)) بدل ((ما)).
(٢) ب ((يترجم)).
ج «کالترجمة لها باعتناء)».
(٣)
د ((المرفوعات)).
(٤)
دزیادة (محمد)) .
(٥)
(٦) ج((هذا التعليق)).
(٧) د((أو)).
(٨) د((ولا)) بزيادة الواو.

٣٦
هدي الساري
بكتاب البخاري(١).
(١) من بدء الوحي إلى رسول الله وَ ل
متابعة عبد الله بن يوسف عن الليث وصلها المؤلف في الأنبياء وفي التفسير.
ومتابعة أبي صالح عنه وصلها يعقوب بن سفيان في تاريخهعنه .
ومتابعة هلال بن ردَّاد عن الزهري وصلها الذهلي في الزهريات.
ومتابعة يونس عنه وصلها المؤلف في التفسير.
ومتابعة معمر وصلها المؤلف في تعبير الرؤيا.
حديث أبي سفيان(٢) في شأن هرقل، متابعة صالح - وهو ابن كيسان - وصلها المؤلف في
الجهاد .
ومتابعة يونس وصلها فى الجزية والاستئذان .
ومتابعة معمر وصلها في التفسير.
(٢) الإيمان
حديث عبد الله بن عمرو: المسلم من سلم. الحديث. رواية أبي معاوية فيه(٣) وصلها
إسحاق بن راهويه في مسنده عنه ووصلها ابن حبان في صحيحه.
ورواية عبد الأعلى وصلها عثمان بن أبي شيبة في مسنده عنه .
حديث أبي سعيد: أخرجوا من النار. الحديث. رواية وهيب عن عمرو - وهو ابن
يحيى المازني - شيخ مالك في قوله من خردل من خير وغير ذلك، وصلها مسلم بالإسناد
ولم يسق لفظها بل أحال بها على حديث مالك، وهو (٤) في مسند أبي بكر بن أبي شيبة
موافق(٥) لما علق البخاري، ووصله (٦) البخاري من حديث وهيب لكن بلفظ مالك.
جزیادة «والحمد لله وحده)» .
(١)
ج زيادة ((رضي الله عنه)).
(٢)
(٣) د (عنه)) بدل (فيه)) .
ج («وهي)».
(٤)
(٥) د ((موافقه)).
(٦) د ((وصلها)).

٣٧
هدي الساري
حديث سعد بن أبي وقاص: أعطى رهطًا وفيهم سعد. الحديث، رواية يونس عن الزهري
وصلها عبد الرحمن بن عمر الزهري الملقب رسته في كتاب الإيمان له.
ورواية صالح وصلها البخاري في الزكاة .
ورواية معمر وصلها عبد بن حميد وابن أبي عمر العدني والحميدي وغيرهم في
مسانيدهم، ووقع لمسلم في إسناده (١) وهم بينته في تغليق التعليق(٢).
ورواية ابن أخي الزهري وصلها الإسماعيلي.
حديث عبد الله بن عمرو: أربع من كن فيه. الحديث، متابعة شعبة عن الأعمش وصلها
المؤلف في كتاب المظالم.
(٢٩) باب قول النبي ◌َّلل: أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة
هذا الحديث(٣) لم يذكره إلا هنا(٤)، ولم يسق له إسنادًا، وقد وصله المؤلف في كتاب
الأدب المفرد، وأحمد في مسنده من حديث عكرمة عن ابن عباس(٥) وله شاهد مرسل في
طبقات ابن سعد، وفي الباب عن أبيّ بن كعب وجابر وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة
وغيرهم.
(٢١) باب كفران العشير
فيه عن أبي سعيد وصله في كتاب العيدين ولم يسق لفظ ((كفران العشير)) وهو مذكور في
كتاب الحيض.
حديث أبي سعيد: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه الحديث. لم يسنده المؤلف، وقد وصله
أبو ذر الهروي في روايته ولم يسق لفظه، ووصله النسائي في السنن والحسن بن سفيان في
مسنده والإسماعيلي عنه والدارقطني في غرائب مالك وسمويه في فوائده وغيرهم، وقد
سقته (٦) من طريق عشرة أنفس عن مالك بسنده.
(١) (٧٣٣/٢، كتاب الزكاة، باب ٤٥، بدون رقم).
(٢) (٣٥/٢).
ج «الحدیث هذا».
(٣)
(٤) أ((هاهنا)).
ج زيادة «رضي الله عنهما)» .
(٥)
(٦) تغليق التعليق (٢ /٤٤-٤٨) وزاد: فاتفق هؤلاء وهم عشرة على هذا الإسناد، وخالفهم معن بن عيسى، =

٣٨
هدي الساري
حديث أنس: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، رواية أبان بن يزيد العطار وصلها
الحاكم في الأربعين له والبيهقي في كتاب الاعتقاد.
حديث أبي هريرة: من اتبع جنازة مسلم، متابعة عثمان بن أبي(١) الهيثم وصلها أبو نعيم
في المستخرج.
(٤١) باب ما جاء أن الأعمال بالنية
وقال النبي ◌َّالر: ولكن جهادونية. وصله المؤلف في الجهاد من حديث ابن عباس.
/ (٣٧) باب ما بين وَلآه لعبد القيس
م
٢١
وصله في مواضع في كتاب الإيمان هذا وغيره.
(٤٢) باب قول النبي وَطل: الدين النصيحة لله ولرسوله الحديث
هذا الحدیث لم یذکره إلا هنا ولم یسق له إسنادًا وقد وصله مسلم وأبو داود وأحمد بن
حنبل وغيرهم من حديث تميم الداري(٢) ووقع لنا عاليًا في جزء الأنصاري وفي مسند
الدارمي، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس(٣).
(٣) العلم (٤)
حديث ابن مسعود حدثنا رسول الله وَّه وهو الصادق المصدوق، وصله في بدء الخلق
وفي القدر وغير ذلك.
حديث شقيق عن عبد الله سمعت من النبي (٥) بَ ل في كلمة، وصله في الجنائز والتوحيد وغير
=
عن مالك فجعله عن أبي هريرة، لكن الراوي له عن معن بن عيسى : ضعيف، وخالف مالكًا: سفيان بن
عيينة فأرسله، لم يذكر فيه أبا سعيد، ولا أباهريرة، ثم ساق حديث سفيان بإسناده، وقال: وهكذا رواه
الشافعي وغيره عن ابن عيينة، وهذا الإرسال ليس بعلة قادحة؛ لأن مالكًا أحفظ لحديث أهل المدينة من
غيره، فقوله أولى. والله أعلم.
(١)
ج، د («ابن الهيثم)).
ج «الذي» بدل («الداري)).
(٢)
ج زيادة "رضي الله عنهم)).
(٣)
جزیادة«کتاب)).
(٤)
ج "رسول الله)).
(٥)

٣٩
هدي الساري
ذلك. حديث حذيفة وصله في التوحيد وغيره.
حديث(١) ابن عباس في التوحيد أيضًا، وحديث أنس كذلك وأوله: إذا تقرب العبد مني
شبرًا، وكذا حديث أبي هريرة وأوله: لكل عمل كفارة.
قوله واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة، وفي آخره: فهذه قراءة
عن(٢) النبي ◌َّل أخبر ضمام قومه بذلك وقد وصله أبو داود من حديث ابن عباس في قصة ضمام
وفي آخرها: إن(٣) ضمامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: إن الله (٤) قد بعث رسولاً، الحديث.
وأصل قصة ضمام وصله المؤلف من حديث شريك عن أنس .
حديث أنس: نسخ عثمان المصاحف، وصله في فضائل القرآن وغيره.
حديث وفد عبد القيس تقدم.
حديث مالك بن الحويرث وصله في باب خبر الواحد بتمامه.
(٢٧) باب التناوب في العلم
حديث ابن وهب وصله ابن حبان في صحيحه وأبو نعيم في المستخرج، وحمل البخاري
رواية ابن وهب عن يونس على رواية أبي اليمان عن شعيب، وفي رواية شعيب زيادة ليست عند
یونس .
قوله: واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ◌ّ له حيث كتب لأمير السرية
الحديث. رواه(٥) ابن إسحاق في المغازي مرسلاً، وقد وصله الطبراني من طريق أخرى من
حدیث جندب بن عبد الله وإسناده حسن .
حديث من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم، رواه ابن أبي عاصم في
كتاب العلم له من حديث معاوية بهاتين الجملتين، وقد وصل المؤلف الجملة الأولى فقط.
حديث جابر بن عبد الله في رحلته إلى عبد الله بن أنيس هو حديث عبد الله بن أنيس المذكور
في التوحيد، وسيأتي ذكر من وصله إن شاء الله تعالى.
قوله: (٢٠) في باب فضل من علم وعلم، قال إسحاق: وكان منها طائفة قبلت الماء،
(١) ب، دبزيادة الواو ((وحديث)).
ج، د«علی)بدل (عن)).
(٢)
ج بزیادة الواو .
(٣)
جزیادة(تعالی)».
(٤)
ج بزيادةالواو .
(٥)

٤٠
هدي الساري
وفي رواية أخرى: قال ابن إسحاق، وفي رواية أخرى: قال أبو إسحاق. وقد رواه عن أبي
أسامة إسحاق ابن راهويه في مسنده فكأنه المراد، ورويناه أيضًا في الأمثال للرامهر مزي من
حديث أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري(١)، وأما ابن إسحاق فلا يعرف من حديثه.
حديث: ألا وقول الزور، فما زال يكررها، وصله المؤلف في الشهادات والديات من
حديث أبي بكرة.
حديث ابن عمر قال النبي وَله: ألا هل بلغت، وصله أيضًا في الحدود.
حديث(٢) إسماعيل عن أيوب وصله المؤلف في الزكاة .
قوله: (٣٧) باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، قاله ابن عباس عن النبي ◌ّ، وصله المؤلف
في الحج بلفظ: ليبلغ الشاهد الغائب وكأنه ذكره هنا بالمعنى.
متابعة معمر عن همام وصلها أبو بكر المروزي في كتاب العلم له، والبغوي في شرح
-/ السنة .
٢٢
قول عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، هو طرف من
حديث طويل وصله ابن خزيمة في صحيحه، والمرفوع منه عند مسلم وغيره.
(٤) الطهارة
قوله: وبين النبي وقليل أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضًا مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا
ولم يزد على ثلاث، فحديث الوضوء مرة مرة وصله من حديث ابن عباس، وحديث الوضوء
مرتین مرتین وصله من حديث عبد الله بن زید، وحديث الوضوء ثلاثًا ثلاثًا وصله من حديث
عثمانبنعفان .
وقوله: ولم يزد، يريد(٣) لم يزد ما يدل على الزيادة على الثلاث، ولعله يشير إلى حديث
عبد الله بن عمرو الذي فيه: من زاد فقد أساء وظلم، وهو عند ابن خزيمة وأبي داود وغيرهما.
قوله: وأن يجاوزوا فعل النبي وَّل، يشير إلى ما تقدم وإلى ما يأتي في باب الوضوء بالمد.
متابعة محمد بن عرعرة عن شعبة وصلها المؤلف في الدعوات .
(١) في هامش (د) زيادة ((عن أبي أسامة)).
(٢) دبزيادةالواو ((وحديث)).
(٣) جبزيادة الواو ((ولم يزد)).