النص المفهرس

صفحات 401-420

( وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم ، وقتل مدبرهم وجريحهم )
لقول مروان ((صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف
على جريح ، ولا يهتك ستر ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن ألقى
السلاح فهو آمن)) (١) رواه سعيد. وعن عمار نحوه . وروى ابن
مسعود (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال: يا ابن أم عبد: ما حكم
من بغى على أمتي ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم . فقال : لا يقتل مدبرهم،
ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم)) (٢) وعن
أبي أمامة قال ((شهدت صفين ، فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يطلبون
مولياً، ولا يسلبون قتيلاً)) ولأن المقصود دفعهم فإذا حصل لم يجز
قتلهم كالصائل .
( ولا يغنم مالهم ، ولا تسبى ذراريهم ) لا نعلم في ذلك خلافاً بين
أهل العلم ، لأن مالهم مال معصوم ، وذريتهم معصومون لا قتال منهم
ولا بغي .
( ويجب رد ذلك إليهم ) لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين ،
وإِنما أبيح قتالهم للرد إلى الطاعة . وعن علي (( أنه قال يوم الجمل : من
عرف شيئاً من ماله مع أحد فليأخذه ، فعرف بعضهم قدراً مع أصحاب
(١) قوله : ولا يذفف : بالذال المفتوحة، بعده فاء مشددة ، ثم فاء
مخفضة على صيغة البناء للمجهول ، وهو في معنى : يجهز . قال في
القاموس : ذف على الجريح : أجهز . وقال أيضاً في مادة جهاز ، وجهز
على الجريح : كمنع ، وأجهز : أثبت قتله وأسرعه وتمم عليه .
(٢) قال صاحب اللسان : أجاز أمره يجيزه إذا أمضاه ، وجعله جائزاً .
وفي حديث أبي ذر، رضي الله عنه ((قبل أن تجيزوا علي)) أي : قبل أن
تقتلوني ، وتنفذوا في أمركم .
- ٤٠١ -
ت (٢٦)

علي وهو يطبخ فيها ، فسأله إِمهاله حتى ينطبخ الطبيخ فأبى ، وكبه
وأخذها)).
( ولا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب) كما لا يضمن أهل العدل
ما أتلفوه للبغاة حال الحرب ((لأن علياً لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال
الحرب من نفس ومال)) وقال الزهري (( هاجت الفتنة وأصحاب رسول
الله ، صلى الله عليه وسلم ، متوافرون وفيهم البدريون ، فأجمعوا أنه
لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه))
ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجاً به . وإن استولوا على بلد فأقاموا
الحدود، وأخذوا الزكاة والخراج والجزية احتسب به (( لأن علياً ،
رضي الله عنه، لم يتبع ما فعله أهل البصرة، ولم يطالبهم بشيء مما جباه
البغاة)) ((ولأن ابن عمر، وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري
فيدفعون إِليه زكاتهم)) ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضرراً عظيماً
على الرعايا .
( وهم في شهادتهم ، وإمضاء حكم حاكمهم كاهل العدل ) لأن التأويل
السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه ، أشبه المخطىء من الفقهاء
في فرع ، فيقضى بشهادة عدولهم ، ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ماخالف
نص كتاب أو سنة أو إجماعاً . وإِن أظهر قوم رأي الخوارج : كنكفير
مرتكب الكبيرة ، وسب الصحابة ، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام : لم
يتعرض لهم ، لأن علياً ((سمع رجلاً يقول: لا حكم إلا الله - تعريضاً
بالرد عليه في التحكيم - فقال علي : كلمة حق أريد بها باطل ، ثم قال :
لكم علينا ثلاث : لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ،
---
- ٤٠٢ -

ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال)» وإِن عرضوا
بسبب الإمام أو غيره من أهل العدل : عزروا كيلا يصرحوا ، ويخرقوا
الهيبة . والوجه الثاني: لا يعزرون، لما روي (( أن علياً كان في صلاة
الفجر ، فناداه رجل من الخوارج ( .. لَئِنْ أَشْرَ كْتَ لَيَحْبَطَنَّ ◌َمَلُكَ .. )(١)
فأجابه علي، رضي الله عنه ( ... فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٍّ)(٢)
ولم يعزره ))
ومن كفر أهل الحق والصحابة ، واستحل دماء المسلمين بتأويل :
فهم خوارج فسقة، لأن علياً قال في الحرورية ((لا تبدأوهم بقتال))
وأجراهم مجرى البغاة ، وكذلك عمر بن عبد العزيز . وذهب طائفة من
أهل الحديث إلى أنهم كفار حكمهم حكم المرتدين ، لحديث أبي سعيد
مرفوعاً، وفيه (( .. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ،
فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإِن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) (٣)
رواه البخاري . وفي لفظ (( لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، لئن أدركتهم
لأقتلنهم قتل عاد)) فعلى هذا يجوز قتلهم ابتداء ، وقتل أسراهم ، وإتباع
مدبرهم . ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد ، فإن تاب وإلا قتل .
قاله في الكافي . وقال الشيخ تقي الدين : الخوارج يقتلون ابتداء ،
ويجهز على جريحهم . وقال جمهور العلماء : يفرقون بينهم وبين البغاة
المتأولين ، وهو المعروف عن الصحابة ، وعليه عامة الفقهاء .
(١) الزمر من الآية / ٩٥ .
(٢) الروم من الآية / ٦٠.
(٣) الرمية : بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الباء ، أي : الشيء الذي
يرمي به .
- ٤٠٣ -

٫٠٠
بَابُ حكم المرتّة
( وهو : من كفر بعد إسلامه ) وأجمعوا على وجوب قتله إِن لم يتب،
لحديث ابن عباس مرفوعاً (( من بدل دينه فاقتلوه )) رواه الجماعة إِلا
مسلماً . وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وخالد
بن الوليد وغيرهم . وسواء الرجل والمرأة ، لعموم الخبر . وروى
الدارقطني ((أن امرأة - يقال لها : أم مروان ــ ارتدت عن الإسلام،
فبلغ أمرها إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأمر أن تستتاب ، فإِن
تابت وإلا قتلت)).
( ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور : )
(١ - بالقول : كسب الله تعالى، أو رسوله ، أو ملائكته ) لأنه لا يسبه
إلا وهو جاحد به .
( أو ادعى النبوة ) أو تصديق من ادعاها ، لأن ذلك تكذيب لله
تعالى في قوله ( .. وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ اُلْنِدِينِ) (١) ولحديث
« لا نبي بعدي )) ونحوه .
(٢ - أو الشركة له تعالى) لقوله تعالى ( إنّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أُنْ
يُشْرَكَ بِهِ. ) (٢) وقال الشيخ تقي الدين : أو كان مبغضاً لرسوله ، أو
(١) الأحزاب من الآية / ٤٠.
(٢) النساء من الآية / ٤٨ .
- ٤٠٤ -

لما جاء به اتفاقاً ، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ، ويدعوهم
ويسألهم : كفر إجماعاً .
(٣ - بالفعل: كالسجود للصنم ونحوه) كشمس وقمر وشجر وحجر
وقبر ، لأنه إِشراك بالله تعالى .
( وكإلقاء المصحف في قاذورة ) أو ادعى اختلافه ، أو القدرة على
مثله ، لأن ذلك تكذيب له .
(٤ - بالاعتقاد : كاعتقاد الشريك له تعالى ) أو الصاحبة ، أو الولد،
اتموله تعالى ( .. مَا أُتَخذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ من إٍِ .. ) الآية (١)
( أو أن الزنى والخمر حلال ، أو أن الخبز حرام، ونحو ذلك مما أجمع
عليه إجماعاً قطعياً ) لأن ذلك معاندة للإِسلام ، وامتناع من قبول
أحكامه ، ومخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة .
( وبالشك في شيء من ذلك ) أي : في تحريم الزنى والخمر، أو في
حل الخبز ونحوه ، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين . وإِن كان
يجهله مثله ، لحداثة عهده بالإِسلام أو الإفاقة من جنون ونحوه : لم
يكفر ، وعرف حكمه ودليله ، فإن أصر عليه كفر ، لأن أدلة هذه الأمور
ظاهرة من كتاب الله وسنة رسوله ، ولا يصدر إِنكارها إلا من مكذب
لكتاب الله وسنة رسوله . قاله في الكافي .
( فمن أرتد ، وهو مكلف مختار استتيب ثلاثة أيام ) وجوباً ، لما روى
مالك والشافعي (( أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى ، فقال له
عمر : هل كان من معربة خبر ؟ قال : نعم ، رجل كفر بعد إِسلامه، فقال :
ما فعلتم به ؟ قال : قربناه فضربنا عنقه ، قال عمر : فهلا حبستموه ثلاثاً ،
(١) المؤمنون من الآية / ٩٢.
- ٤٠٥ -

وأطعمتموه كل يوم رغيفاً ، واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله .
اللهم إني لم أحضر ، ولم أرض إِذ بلغني)) فلو لا وجوب الاستتابة لما
برىء من فعلهم . وأحاديث الأمر بقتله تحمل على ذلك جمعاً بين الأخبار.
( فإن تاب فلا شيء عليه، ولا يحبط عمله) لقوله تعالى ( وَاُلَّذِينَ
لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهَا آخَرَ ... ) إلى قوله (إِلاَّ مَنْ تابَ .. )
الآية(١) والمفهوم قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِنِهُ فَيَمُتْ وَهُوَ
كَافِرْ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)(٣) وعن أنس مرفوعاً ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فإذا قالوها
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها )) ولأن النبي ، صلى الله عليه
وسلم (( كف عن المنافقين حين أظهروا الإسلام)).
( وإن أصر قتل بالسيف) لما تقدم، ولحديث ((إن الله كتب الإحسان
على كل شيء، فإِذا قتلتم فأحسنوا القتلة)) وحديث (( من بدل دينه
فاقتلوه ، ولا تعذبوابعذاب الله، يعني: النار)) رواه البخاري وأبوداود.
( ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه) لأنه قتل لحق الله تعالى ، فكان إِلى
الإمام ، كرجم الزاني المحصن .
( فإِن قتله غيرهما أساء وعزر ) لافتئاته على ولي الأمر .
1
( ولا ضمان ) بقتل مرتد ،
( ولو كان قبل استتابته )لأنه مهدر الدم بالردة في الجملة، ولا يلزم
من تحريم القتل الضمان ، بدليل نساء الحرب وذريتهم .
(١) الفرقان من الآية / ٦٨.
(٢) البقرة من الآية / ٢١٧ .
- ٤٠٦ -

(ويصح إسلام المميز) ذكراً أو أنثى إِذا عقله ((لأن علياً ، رضي
الله عنه، أسلم وهو ابن ثمان سنين)) رواه البخاري في تاريخه . فصح
إسلامه ، وثبت إيمانه ، وعد بذلك سابقاً . وروي عنه قوله :
سبقتكموا إلى الإِسلام طراً صبياً ما بلغت أوان حلمي
( وردته ) أي : المميز ، لأن من صح إسلامه صحت ردته كسائر
الناس .
( لكن لا يقتل حتى يستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام ) لأن بلوغه أول زمن
صار فيه أهل العقوبة، لحديث ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) وتقدم .
فصل
( وتوبة المرتد ، وكل كافر : إِنيانه بالشهادتين ) لحديث ابن مسعود
(( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، دخل الكنيسة ، فإذا هو بيهودي
يقرأ عليهم التوراة، فقرأ .. حتى إذا أتى على صفة النبي ، صلى الله
عليه وسلم ، وأمته ، فقال : هذه صفتك وصفة أمتك ، أشهد أن لا إله
إلا الله ، وأنك رسول الله ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : لوا أخاكم))
رواه أحمد. وعن أنس (( أن يهودياً قال للنبي ، صلى الله عليه وسلم :
أشهد أنك رسول الله ، ثم مات ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم:
صلوا على صاحبكم)) احتج به أحمد في رواية مهنا .
( مع رجوعه عما کفر به ) لأنه کذب الله ورسوله بما اعتقد ، فلا بد
من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه .
- ٤٠٧ -

( ولا يغني قوله: محمد رسول الله ، عن كلمة التوحيد ) لأنهغير موحد،
فلا يحكم بإسلامه حتى يوحد الله ، ويقر بما كان يجحده .
( وقوله : أنا مسلم توبة ) لأنه يتضمن الشهادتين . وعن المقداد
(( أنه قال : يا رسول الله: أرأيت إِن لقيت رجلاً من الكفار ، فقاتلني ،
فضرب إِحدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذمني بشجرة ، فقال : أسلمت
أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال : لا تقتله، فإن قتلته فإِنه بمنزلتك
قبل أن تقتله ، وإِنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها )) وعن عمران
بن حصين (( قال أصاب المسلمون رجلاً من بني عقيل ، فأتوا به النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد : إِني مسلم ، فقال رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم : لو كنت قلت ، وأنت تملك أمرك أفلحت كل
الفلاح)) رواهما مسلم . قال في المغني : ويحتمل أن هذا في الكافر
الأصلي ، أو من جحد الوحدانية ، وأما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو
فريضة ونحو هذا : فلا يصير مسلماً بذلك ، لأنه ربما اعتقد أن الإسلام
ماهو عليه ، فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون ، ومنهم
من هو كافر .
( وإن كتب كافر الشهادتين صار مسلماً الأن الخط كاللفظ .
( وإن قال : أسلمت، أو: أنا مسلم ، أو : أنا مؤمن : صار مسلماً)
بذلك وإن لم يتلفظ بالشهادتين ، لما تقدم .
( ولا يقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبة زنديق ، وهو : المنافق الذي
يظهر الإسلام، ويخفي الكفر) لقوله تعالى ( .. إلَّ اُلَّينَ تابوا
وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنَوا .. ) (١) والزنديق: لا يعلم تبيين رجوعه ، وتوبته ،
(١) البقرة من الآية / ١٦٠.
- ٤٠٨ -

لأنه لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه ، فإِنه كان ينفي الكفر عن
نفسه قبل ذلك ، وقلبه لا يطلع عليه .
( ولا من تكررت ردته) لقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنو ثُمَّ أَفَرُوا ثُمَّ
آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ أَزْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا
لِيَهْدِيهِمْ سَبِيلاً)(١) وقوله (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ أَزْدادوا
كُفْرَاً لَنْ نَقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) (٢) ولأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته ،
وقلة مبالاته بالإسلام .
( أو سب الله تعالى ، أو رسوله ، أو ملكاً له) لعظم ذنبه جداً فيدل
على فساد عقيدته . قال أحمد : لا تقبل توبة من سب النبي ، صلى الله
عليه وسلم .
( وكذا من قذف نبياً أو أمه ) لما في ذلك من التعرض للقدح في
النبوة الموجب للكفر .
( ويقتل ، حتى ولو كان كافراً فأسلم ) لأن قتله حد قذفه فلا يسقط.
بالتوبة ، كقذف غيرهما. ومن قذف عائشة بما برأها الله منه كفر
بلا خلاف .
(١) النساء / ١٣٧ .
(٢) آل عمران من الآية / ٩٠.
- ٤٠٩ -

كتاب الأطعمة
الأصل فيها الحل ، لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اْأَرْضِ
جَمِيعاً)(١) وَقوله (كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً)(٢) وقوله (قُلْ
أَحِلَّ لَكُمُ اُلْطَّيِّبَاتُ )(٢)
( يباح كل طعام طاهر لا مضرة فيه ) لما تقدم . ويحرم مضر : كسم،
لقوله تعالى ( .. وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيَكُمْ إِلى النَّهْلُكَةِ )(٤) والسم مما يقتل غالباً .
( حتى المسك ونحوه) مما لا يؤكل عادة : كفشر بيض ، وقرن
حيوان مذكى إِذا دقا . وسأله الشالنجي عن المسك يجعل في الدواء
ويشرب ، قال : لا بأس به .
( ويحرم النجس : كالميتة ، والدم، ولحم الخنزير ) لقوله تعالى
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْسَيْنَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ)(٥) وقوله ، صلى الله عليه
وسلم، في الحمر (( أكفئوها فإنها رجس)).
( والبول ، والروث، ولو طاهرين ) لاستقذارهما ، فإن اضطر إليهما
أو إِلى أحدهما أبيحا، لقصة العرنيين .
(١) البقرة من الآية / ٢٩ .
(٢) البقرة من الآية / ١٦٨ .
(٣) المائدة من الآية / ٥ .
(٤) البقرة من الآية / ١٩٥.
(٥) المائدة من الآية / ٤ .
- ٤١٠ -

( ويحرم من حيوان البر: الحمر الأهلية ) لحديث جابر أن النبي ،
صلى الله عليه وسلم (( نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في
لحوم الخيل )) متفق عليه . قال أحمد : خمسة وعشرون من الصحابة
كرهوها . وقال ابن عبد البر : لا خلاف اليوم في تحريمها . قال في
الشرح : وألبان الحمر محرمة في قول الأكثر ، ورخص فيها عطاء
وطاووس . وأما الفيل : فقال أحمد ، ليس هو من طعام المسلمين .
وقال الحسن : هو مسخ ، ولأنه مستخبث ، وذو ناب من السباع .
( وما يفترس بنابه : كاسد ونمر وذئب وفهد وكلب ) لحديث أبي ثعلبة
الخشني ( نهى رسول الله ، صلی الله عليه وسلم ، عن أکل کل ذي ناب
من السباع)) متفق عليه . وعن أبي ذر مرفوعاً (( كل ذي ناب حرام))
رواه مسلم . قال ابن عبد البر: هذا نص صحيح صريح يخص العموم.
( وقرد) لأن له ناباً ، وهو مسخ ، فهو من الخبائث . قال ابن عبد
البر : لا أعلم خلافاً في أن الفرد لا يؤكل ، ولا يجوز بيعه . ذكره في
الشرح .
( ودب ، ونمس ، وابن آوى ) شبه الثعلب ، ورائحته كريحة .
(وابن عرس، وسنور ولو برياً) ((لنهيه، صلى الله عليه وسلم،
عن أكل الهر وأكل ثمنها )) رواه أبو داود ، وابن ماجه :
( وثعلب ) على الأصح ،
( وسنجاب ، وسمور )لأنها من السباع ، فتدخل في العموم .
(ويحرم من الطير ما يصيد بمخلبه) في قول الأكثر.
( كعقاب ، وباز ، وصقر ، وباشق ، وحداة ، وبومة ) لحديث ابن عباس
- ٤١١ -

(( نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن أكل كل ذي ناب من
السباع، وكل ذي مخلب من الطير)) رواه الجماعة، إِلا البخاري
والترمذي .
( وما يأكل الجيف : كنسر ، ورخم ، وقاق ) وهو العقعق : طائر نحو
الحمامة طويل الذنب ، فيه بياض وسواد ، نوع من الغربان .
( ولقاق ) طائر نحو الأوزة ، طويل العنق ، يأكل الحيات .
( وغراب) بين وأبقع. (١) مقال عروة ((ومن يأكل الغراب، وقد
سماه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فاسقاً ؟! والله ما هو من الطيبات))
ولإباحة قتله في الحل والحرم ، ولأن هذه مستخبئة لأكلها الخبائث .
( وخفاش) وهو : الوطواط . قال أحمد: ومن يأكل الخفاش !!
(وفأر) نص عليه، لكونها فويسقة ((ولأنه ، صلى الله عليه وسلم،
أمر بقتله في الحرم )) ولا يجوز فيه قتل صيد مأكول .
( وزنبور ، ونحل ، وذباب )لأنها مستخبئة غير مستطابة .
(وهدهد، وخطاف) لحديث ابن عباس ((نهى رسول الله ، صلى
الله عليه وسلم ، عن قتل أربع من الدواب : النملة، والنحلة ، والهدهد ،
والصرد)) (٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. ((ونهى، صلى الله
عليه وسلم ، عن قتل الخطاطيف)) رواه البيهقي مرسلاً .
(وقنفذ، ونيص) نص عليه، لحديث أبي هريرة ((ذكر القنفذ
(١) الغراب الأبقع : الذي فيه سواد وبياض .
(٢) الضُّرَد : طائر ضخم الرأس ، أبيض البطن ، أخضر الظهر ، يصطاد
صغار الطير . وهو بتشديد الصاد المضمومة .
- ٤١٢ -

لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: هو خبيثة من الخبائث))
رواه أبو داود . والنيص مثله ، لأنه يقال : هو عظيم القنافذ .
( وحية ) لأن لها ناباً من السباع . نص عليه .
( وحشرات ) كديدان ، وجعلان ، وبنات وردان ، (١) وخنافس ،
ووزغ وحرباء ، وورل ، (٢) وعقرب، وصراصر، وجرذان ، وبراغيث ،
وقمل ، وأشباهها ، لأنها مستخبئة ، فيعمها قوله تعالى ( وَيَحَرِّمُ عليهِمُ
/٠٠
(أْخَبَائِثَ) (٣)
( ويؤكل ما تولد من مأكول طاهر : كذباب الباقلاء، ودود الخل والجبن،
تبعاً لا انفراداً) قال أحمد في الباقلاء المدودة : تجنبه أحب إِلي ، وإِن
لم يتقذره ، فأرجو. وقال عن تفتيش التمر المدود : لا بأس به إِذا علمه.
فصل
( ويباح ما عدا هذا : كبهيمة الأنعام ) من إِبل ، وبقر ، وغنم لقوله
تعالى (أُحِلْتْ لَكُمْ بَهِيمَةَ الْأَنْعامِ )(٤)
( والخيل ) كلها . نص عليه . وروي عن ابن الزبير ، لحديث جابر ،
وتقدم . وقالت أسماء ((تحرنا فرساً على عهد رسول الله ، صلى الله
عليه وسلم ، فأكلناه ونحن بالمدينة )) متفق عليه .
(١) بنت وردان: دويبة كريهة الريح، تألف الأماكن القذرة في البيوت،
وهي ذات ألوان مختلفة .
(٢) الورل : هو دابة على خلقة الضب أعظم منه ، طويل الذنب دقيقه .
(٣) الأعراف من الآية / ١٥٦ .
(٤) المائدة من الآية / ٢.
- ٤١٣ -

( وباقي الوحش : كضبع ) رخص فيه: سعد، وابن عمر، وأبوهريرة.
وقال عروة بن الزبير : ما زالت العرب تأكل الضبع ، لا ترى بأكله بأساً.
وقال عبد الرحمن (( قلت لجابر : الضبع : صيدهي ? قال : نعم ، قلت :
آكلها ؟ قال: نعم ، قلت : أقاله رسول الله ، صلى الله عليه وسلم? قال:
نعم)) رواه الخمسة ، وصححه الترمذي . وهذا يخصص النهي عن كل
ذي ناب من السباع جمعاً بين الأخبار . وفي الروضة : لكن إِن عرف
بأكل الميتة فكالجلالة (١) .
( وزرافة ) نص عليه ، لأنها من الطيبات .
-
( وأرنب ) رخص فيها أبو سعيد ، وأكلها سعد بن أبي وقاص .
وقال أنس ((أنفجنا أرنباً ، فسعى القوم فلغبوا ، فأخذتها ، فجئت إِلى
أبي طلحة فذبحها ، وبعث بوركها ، أو قال : فخذها إلى النبي ، صلى
الله عليه وسلم ، فقبله (٢) متفق عليه. وعن محمد بن صفوان (( أنه
صاد أرنبين ، فذبحهما بمروتين ، فأتى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،
فأمره بأكلهما )) رواه أحمد والنسائي ، وابن ماجه .
(ووبر ، ويربوع، وبقر وحش، وحمره) على اختلاف أنواعها ،
لأنها مستطابة . قضت الصحابة فيها بالجزاء على المحرم .
( وضب ) وإِباحته : قول عمر، وابن عباس ، وغيرهما من الصحابة.
ولم يعرف عن صحابي خلافه ، فيكون إِجماعاً . قاله في الشرح . وقال
(١) الجلالة: بفتح الجيم وتشديد اللام المفتوحة: البهيمة التي تأكل
العذرة .
(٢) أنفج الأرنب : أثارها من مجثمها . ومعنى فلغبوا أي : تعبوا من
السير خلفها .
- ٤١٤ -

أبو سعيد ( كنا معشر أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لأن
يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة)) ((وأكله خالد بن الوليد
ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ينظر)) متفق عليه .
( وظباء) وهي : الغزلان ، على اختلاف أنواعها ، لأنها مستطابة
تقدى في الإحرام والحرم .
( وباقي الطير: كنعام، ودجاج) لقول أبي موسى ((رأيت النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، يأكل الدجاج)) متفق عليه.
( وطاوس، وببغاء) وهي : الدرة .
( وزاغ ) طائر صغير أغبر .
(وغراب زرع) وهو أسود كبير أحمر المنقار. والرجل يأكل الزرع،
ويطير مع الزاغ . وکحمام بأنواعه ، وعصافير وقنابر ، و کر کی و کروان،
وبط وأوز ، وأشباهها مما يلتقط الحب ، ويفدى في الإحرام ، لأنه
مستطاب ، فيتناوله عموم قوله تعالى ( .. وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ .. )(١)
وعن سفينة قال (( أكلت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لحم
حبارى )) (٢) رواه أبو داود .
(ويحل كل ما في البحر ) لقوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
وَطَعامُهُ .. )(٣) وقوله، صلى الله عليه وسلم ، في البحر
(( هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته)) صححه الترمذي .
(١) الأعراف من الآية / ١٥٦ .
(٢) الحبارى : طائر أكبر من الدجاج الأهلي وأطول عنقاً يضرب به
المثل في البلاهة .
(٣) المائدة من الآية / ٩٩ .
- ٤١٥ -

( غير ضفدع ) فيحرم . نص عليه ، واحتج بالنهي عن قتله .
( وحية ) لأنها من المستخبئات .
( وتمساح ) نص علیه ، لأن له ناباً يفترس به . واختار ابن حامد
والقاضي : يحرم الكوسج ، لأنهذو ناب ، وهو : سمكة لها خرطوم
كالمنشار ، وتسمى: القرش . والأشهر أنه مباح: كخنزير الماء وكانبه
وإِنسانه ، لعموم الآية والأخبار . وروى البخاري ((أن الحسن بن علي
ركب على سرج عليه من جلود كلاب الماء )) .
( وتحرم الجلالة : وهي التي أكثر علفها النجاسة ، ولبنها وبيضها )
لحديث ابن عمر (( نهى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن أكل الجلالة
وألبانها)) رواه أحمد وأبو داود . وفي رواية له ((نهى عن ركوب
جلالة الإبل)) وعن ابن عباس (( نهى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن
شرب لبن الجلالة )) رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وصححه .
وبيضها كلبنها ، لأنه متولد منها .
( حتى تحبس ثلاثاً، وتطعم الطاهر) لأن ابن عمر (( كان إذا أراد
أكلها حبسها ثلاثاً)) وقال مالك : تحبس الناقة ، والبقرة أربعين يوماً.
وقدمه في الكافي ، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ((نهى النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، عن الإِبل الجلالة أن لا يؤكل لحمها ، ولا يشرب
لبنها ، ولا يحمل عليها إلا الأدم ، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين
ليلة)) رواه الخلال . والبقرة في معناها. ويحبس الطائر ثلاثاً، لفعل
ابن عمر . والأول : المذهب. ويحرم ما سقي من الزرع والثمار ، أو
سمد بنجس . نص عليه ، لأنه يتغذى بالنجاسات كالجلالة إِذا حبست
- ٤١٦ -

٠٠٠
وأطعمت الطاهر . وعن ابن عباس، قال (( كنا نكري أراضي رسول اللّه،
صلى الله عليه وسلم ، ونشترط عليهم أن لا يدحلوها بعذرة الناس))
ولو لا تأثير ذلك لما اشترط عليهم تركه .
( ويكره أكل تراب، وفحم وطين) لضرره . نص عليه. وغدة (١).
( وأذن قلب ) نص عليه . قاله في رواية عبد الله ((كره النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، أكل الغدة)) ونقل أبو طالب (( نهى النبي ، صلى
الله عليه وسلم ، عن أذن القلب)).
( وبصل ، وثوم ، ونحوهما ) ككراث ، وفجل . صرح أحمد بأنه
كرهه لمكان الصلاة . وعن جابر مرفوعاً ((من أكل الثوم والبصل
والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى ممايتأذى منه بنوآدم)»
متفق عليه .
( ما لم ينضج بطبخ) (( لحديث أبي أيوب في الطعام الذي فيه الثوم،
قال فيه : أحرام هو يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكني أكرهه من أجل
ريحه)) حسنه الترمذي . وعن علي ، رضي الله عنه ، مرفوعاً وموقوفاً
(( النهي عن أكل الثوم إِلا مطبوخاً)) رواه الترمذي . وعن عائشة قالت
( إِن آخر طعام أكله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه بصل))
رواه أبو داود . وقال عمر في خطبته في البصل والثوم ((فمن أكلهما
فليمتهما طبخاً)) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه.
(١) الغدة: لحم يحدث من داء بين الجلد واللحم ، يتحرك بالتحريك.
ت (٢٧)
- ٤١٧ -

2ے
فصل
ے
( ومن اضطر جاز له أن يأكل من المحرم ما يسد رمقه فقط ) لقوله تعالى
(فَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عَادٍ فَلاَ إِنْمَ عَلَيْهِ)(١) وقوله (فَمَنِ اضْطُرَ فِي ◌َخْمَصَةِ
غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِنْمِ فَإِنَّ اللّهَغَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢) وقوله (إِلَّمَا أَضْطُرِ زْمْ إِلَيْهِ)(٣)
فإذا أكل ما يسد رمقه ، زالت الضرورة ، فتزول الإباحة . وهو اختيار:
الخرقي ، وعنه : له الشبع . اختاره أبو بكر ، لأنه طعام أبيح له أكله ،
فجاز له الشبع منه كالحلال . ويجب الأكل . نص عليه ، لقوله تعالى
(وَلَا تَقْتُوا أَنْفُسَكُمْ) (٤) وقوله (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى اُلَّهْلُكَةِ) (٥)
قال مسروق : من اضطر ، فلم يأكل ولم يشرب فمات : دخل النار .
وقيل : لا يجب . لما روي عن عبد الله بن حذافة صاحب رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم (( أن ملك الروم حبسه ، ومعه لحم خنزير مشوي ،
وماء ممزوج بخمر ثلاثة أيام ، فأبى أن يأكله ، وقال : لقد أحله الله لي ،
ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام)» ويجب تقديم السؤال على أكل
المحرم . نص عليه . وقال لسائل: قم قائماً ليكون لك عذر عند الله.
(١) البقرة من الآية / ١٧٣ .
(٢) المائدة من الآية / ٤ .
(٣) الأنعام من الآية / ١١٩ .
(٤) النساء من الآية / ٢٨ .
(٥) البقرة من الآية / ١٩٥ .
- ٤١٨ -

( ومن لم يجد إلا آدمياً مباح الدم : كحربي ، وزان محصن : فله قتله
وأكله ) لأنه لا حرمة له ، أشبه السباع .
( ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عینه ) کثیاب لدفع برد، ودلو،
وحبل لاستقاء ماء
( وجب على ربه بذله مجاناً ) بلا عوض ، لأنه تعالى ذم على منعه
بقوله ( وَيَمْنَعُونَ الماءُونَ)(١) فإن احتاج ربه إِليه، فهو أحق به
من غيره لتميزه بالملك .
( ومن مر بثمر بستان لا حائط عليه ولا ناظر : فله من غير أن يصعد
على شجرة أو يرميه بحجر أن يأكل ولا يحمل ) لقول أبي زينب التميمي
(« سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة ، وأبي برزة ،
فكانوا يمرون بالثمار ، فيأكلون في أفواههم )) وهو قول : عمر ، وابن
عباس . قال عمر (( يأكل ولا يتخذ خبنة)) (٢) وكون سعد أبى الأكل
لا يدل على تحريمه ، لأن الإنسان قد يترك المباح غناء عنه ، أو تورعاً .
وعن رافع (( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال: لا ترم ، وكل
ما وقع ، أشبعك الله وأرواك)) صححه الترمذي .
وعنه : له الأكل إِن كان جائعاً فقط ، لحديث عمر ، وابن شعيب عن
أبيه عن جده (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، سئل عن الثمر المعلق،
فقال : ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ، ومن
(١) الماعون من الآية / ٧ .
(٢) أخبن الطعام : أخبأه في خبنة ثيابه، أي : ثنيها ، والخبنة : ما يحمل
في الخبنة من الطعام . والمراد هنا أن يأكل ولا يحمل معه في ثيابه .
- ٤١٩ -

أخذ منه من غير حاجة ، فعليه غرامة مثليه: والعقوبة )) قال في الشرح :
وعليه أكثر الفقهاء . ولنا قول من سمينا من الصحابة ، ولم يعرف لهم
مخالف منهم . فإن كانت محوطة ، لم يجز الدخول . قال ابن عباس
(( إِن كان عليها حائط فهو حريم، فلا تأكل (١). انتهى. وكذا إِن كان
ثم حارس ، لدلالة ذلك على شح صاحبه به ، وعدم المسامحة .
( وكذا الباقلاء، والحمص ) وشبههما مما يؤكل رطباً. وفي الزرع،
وشرب لبن الماشية روايتان : إحداهما : يجوز ، لحديث سمرة في الماشية
صححه الترمذي ، وقال : العمل عليه عند بعض أهل العلم . والثانية :
لا يجوز، لحديث ابن عمر (( لا يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه .. ))
الحديث ، متفق عليه .
( وتجب ضيافة المسلم على المسلم في القرى دون الأمصار يوماً وليلة،
وتستحب ثلاثاً ياً لقوله، صلى الله عليه وسلم ((من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته . قالوا : وما جائزته يارسول الله !
قال : يومه ، وليلته)) والضيافة ثلاثة أيام ، وما زاد على ذلك فهو صدقة.
ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه (( قيل: يا رسول الله: كيف
يؤثمه؟ قال: يقيم عنده، وليس عنده ما يقريه)) ((وعن عقبة بن عامر:
قلت للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، إِنك تبعثنا ، فننزل بقوم لا يقروننا،
فما ترى؟ فقال : إِذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف: فاقبلوا.
وإِن لم يفعلوا : فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له )) متفق عليه .
ولو لم تجب الضيافة ، لم يأمرهم بالأخذ . واختص ذلك بالمسافر ،
(١) حريم : حرز .
- ٤٢٠ :-
٠