النص المفهرس

صفحات 321-340

لحديث (( المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ولا يقتل
مؤمن بكافر )) رواه أحمد وأبو داود . وفي لفظ (( لا يقتل مسلم
بكافر)) رواه البخاري وأبو داود . وعن علي (( من السنة : أن لا يقتل
مؤمن بكافر )) رواه أحمد .
(ولا الح ولؤ ذمياً بالعبد ولو مسلماً) لقوله تعالى ( .. الحُرُ بِالْحُرِّ
وَالْعَبْدُ بِاْلْعَبْدِ ... ) (١) ولقول علي (( من السنة أن لا يقتل حر بعبد))
رواه أحمد . وعن ابن عباس مرفوعاً مثله . رواه الدارقطني . قال في
الكافي : وإِن قتل ذمي حر عبداً مسلما فعليه قيمته ، ويقتل بنقضه
العهد .
( ولا المكاتب بعبده ) لأنه مالك رقبة ، أشبه الحر
( ولو كان ذا رحم محرم له )لأنه ملكه، فلا يقتل به كغيره من عبيده
( ويقتل الحر المسلم، ولو ذكراً بالحر المسلم ، ولو أنثى ) لقوله تعالى
( ... وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... )(٣) وقوله
( ... أْخُثُ بِالْخُرِّ ... ) (١) وعن عمرو بن حزم أن النبي، صلى الله
عليه وسلم ((كتب إلى أهل اليمن أن الرجل يقتل بالمرأة)) رواه النسائي. وعن
أنس ((أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل هذابك: فلان
أو فلان؟ حتى سمي اليهودي ، فأومت برأسها، فجيء به فاعترف ، فأمر
به النبي ، صلى الله عليه وسلم، فرض رأسه بحجرين)) رواه الجماعة .
(١) البقرة من الآية / ١٧٨ .
(٢) المائدة من الآية / ٤٨ .
-- ٣٢١ -
ت (٢١)

( والرقيقى كذلك ) يعني يفر الرقيق المسلم ولو ذكراً بالرقيق المسلم
ولو أنثى، وإن اختلفت قيمهما. كما يؤخذ الجميل بالذميم، والشريف
بضده ، لقوله تعالى (وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)(١)
( وبمن هو أعلى منه) فيقتل الكافر الحر بالمسلم الحر ، ويقتل العبد
بالحر ، والأنثى بالذكر
( والذمي كذلك) فيقتل الذمي الرقيق بالذمي الحر ، لأنه إذا قتل
بمثله فيمن هو أعلى منه أولى .
(٤ - أن يكون المقتول ليس بولد للقائل) وإن نزل، وسواء في ذلك
ولد البنين أو البنات .
( فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت بالولد ، ولا ولد الولد
وإن سفل) لحديث عمر وابن عباس مرفوعاً ((لا يقتل والد بولده))
رواهما ابن ماجه . وروى النسائي حديث عمر . قال ابن عبد البر :
هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم
يستغنى بشهرته وقبوله ، والعمل به عن الإسناد حتى يكون الإسناد في
مثله تكلفاً . وعليه الدية في ماله . نص عليه . وعن عمر ، رضي الله
عنه (( أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه)) رواه مالك . ويقتل الولد
بكل من الأبوين ، لعموم قوله تعالى ( ... كُتِبَ عَلَيْكْمُ الْقِصَاصُ في
اَلْقَتْلى ... ) (١) خص منه ما تقدم، وبقي ما عداه.
( ويورث القصاص على قدر الميراث ) حتى الزوجين وذي الرحم ،
لأن القود حق ثبت للوارث على سبيل الإرث ، لأنه بدل نفس المقتول ،
كالدية .
(١) البقرة من الآية / ١٧٨.
- ٣٢٢ -

( فمتى ورث القاتل ، أو ولده شيئاً من القصاص فلا قصاص )
لأنه لا يتبعض، ولا يتصور وجوبه للإنسان على نفسه، ولا لولده عليه.
فلو قتل زوجته فورثها ولدها منه : سقط القصاص . أو قتل أخاها
فورثته ، ثم ماتت ، فورثها القاتل بالزوجية ، أو ورثها ولده : سقط
القصاص لذلك . ومن قتل شخصاً في داره ، وادعى أنه دخل لقتله أو
أخذ ماله ، أو وجده يفجر بأهله ، فأنكر الولي : فعليه القود ، لأن
الأصل عدم ذلك . قال في المغني : ولا أعلم فيه مخالفاً . وروي عن
علي ، رضي الله عنه (( أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلاً فقتله ، فقال:
إِن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته (٣) ، فإِن اعترف الولي بذلك
فلا قصاص ولا دية ، لاعتراف الولي بما يهدر الدم )». ولما روي عن
عمر (( أنه كان يوماً يتغدى ، إِذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ
بالدم ، ووراءه قوم يعدون خلفه ، فجاء حتى جلس مع عمر ، فجاء
الآخرون ، فقالوا : يا أمير المؤمنين إِن هذا قتل صاحبنا ، فقال له عمر:
ما تقول ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إِني ضربت فخذي امرأتي فإن كان
بينهما أحد فقد قتلته ، فقال عمر : ما تقولون ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين
إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة فأخذ عمر سيفه
فهزه ، ثم دفعه إِليه ، وقال: إِن عاد فعد )) رواه سعيد.
(٣) الرمة : الحبل والمراد به الحبل الذي يقاد به الجاني .
- ٣٢٣ -

بَابْشروط استيفاء القصاص
( وهي ثلاثة : )
(١ - تكليف المستحق ) أي: كونه بالغاً عاقلاً لأن غيره ليس أهلاً
للاستيفاء ، ولا تدخله النيابة .
( فإن كان صغيراً أو مجنوناً حبس الجاني إلى تكليفه الأن معاوية
(( حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل )» وكان في
عصر الصحابة، ولم ينكر . وبذل الحسن والحسين، وسعيد بن العاص،
لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها .
( فإن احتاج إلى نفقة فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية ) لأن الجنون
لا حد له ينتهي إليه عادة ، بخلاف الصغير .
(٢ - اتفاق المستحقين على استيفائه، فلا ينفرد به بعضهم)
لأنه يكون مستوفياً لحق غيره بغير إذنه ، ولا ولاية له عليه .
( وينتظر فيوم، وتكليف غير المكلف ) لأنهم شركاء في القصاص .
( ومن مات من المستحقين فوارثه كهو ) لقيامه مقامه ، لأنه حق
للميت ، فانتقل إلى وارثه كسائر حقوقه . وعنه : للكبار استيفاؤه ،
لأن الحسن ، رضي الله عنه (« قتل ابن ملجم ، وفي الورثة صغار ، فلم
ينكر)). وقيل ((قتله لكفره)) وقيل ((لسعيه في الأرض بالفساد))
ومتى انفرد به من منع من الانفراد به عذر فقط ، ولا قصاص عليه ،
- ٣٢٤ -

لأنه شريك في الاستحقاق ، وعليه لشركائه حقهم من الدية ، لإِتلافه
ما كان مستحقاً لشريكه . والوجه الثاني : يجب في تركة القاتل الأول ،
لأنه قود سقط إِلى مال فوجب في تركة القاتل ، كما لو قتله أجنبي .
ويرجع ورثة القاتل الأول على قاتل موروثهم بدية ما عدا نصيبه . ذكر
معناه في الكافي .
(وإن عفا بعضهم ، ولو زوجاً أو زوجة ) سقط القصاص ، لأنه
لا يتبعض . وأحد الزوجين من جملة الورثة ، فيدخل في قوله ، صلى
الله عليه وسلم (( فأهله بين خيرتين)) وهذا عام في جميع أهله ، والزوجة
من أهله ، بدليل قوله ، صلى الله عليه وسلم (( من يعذرني من رجل
بلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً
ما علمت إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي - يريد عائشة -
وقال له أسامة : أهلك ، ولا نعلم إلا خيراً)) وعن زيد بن وهب أن عمر،
رضي الله عنه (( أتي برجل قتل قتيلاً فجاء ورثة المقتول ليقتلوه ، فقالت
امرأة المقتول - وهي : أخت القاتل - : قد عفوت عن حقي . فقال
عمر: الله أكبر، عتق القتيل)) رواه أبو داود. وروى قتادة ((أن عمر
رفع إِليه رجل قتل رجلاً ، فقال أولاد المقتول ، وقد عفا بعضهم ، فقال
عمر لابن مسعود : ما تقول ؟ قال : إِنه قد أحرز من القتل ، فضرب على
كتفه، وقال: كنيف ملىء علماً)) (١).
( أو أقر بعفو شريكه سقط القصاص ) وكذا لو شهد بعفو شريكه ،
(١) الكنف: الوعاء. ومنه حديث ابن عمر (( أنه قال لابن مسعود :
كنيف ملىء علماً)) وهو : تصغير تعظيم للكنف .
- ٣٢٥ -

لإقراره بسقوط نصيبه . ولمن لم يعف من الورثة حقه من الدية على
جان . قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً . وسواء عفا شريكه مجاناً أو
إِلى الدية ، لأنها بدل عما فاته من القصاص . وعن زيد بن وهب (( أن
رجلاً دخل على امرأته فوجد عندها رجلاً فقتلها ، فاستعدى عليه
إِخوتها عمر ، رضي الله عنه، فقال بعض إخوتها : قد تصدقت . فقضى
لسائرهم بالدية )).
(٣ - أن يؤمن في استيفائه تعديه إلى الغير ) أي : غير الجاني،
لقوله تعالى ( ... فَلَا يُشْرِفْ فِي الْقَتْلِ .. )(١)
( فاو لزم القصاص حاملا ) أو حملت بعد وجوبه :
( لم تقتل حتى تضع) حملها، وتسقيه اللبأ (٢) . لا نعلم فيه
خلافاً . قاله في الشرح ، لأن تركه يضر الولد ، وفي الغالب لا يعيش
إِلا به . ولابن ماجه عن معاذ بن جبل ، وأبي عبيدة، وعبادة بن الصامت،
وشداد بن أوس مرفوعاً ((إذا قتلت المرأة عمداً لم تقتل حتى تضع
ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها )) ولقوله ، صلى الله عليه وسلم ،
الغامدية (( .. ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، ثم قال لها : ارجعي
حتى ترضعيه )) الحديث ، رواه أحمد ومسلم وأبو داود .
( ثم إن وجد من يرضعه قتلت ) لقيامه مقامها في إرضاعه ، وتربيته
فلا عذر ،
( وإلا فلا حتى ترضعه حولين ) لما تقدم ، ولأنه إذا وجب حفظه ،
وهو حمل فحفظه، وهو مولود أولى . قاله في الكافي .
(١) الإسراء من الآية / ٣٣.
(٢) اللبأ : أول اللبن في النتاج .
- ٣٢٦ -
۔۔

فصل
( ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة سلطان أو نائبه ) لافتقاره إِلى
اجتهاده ، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي، ويعذر مخالف لافتئاته
بفعل ما منع منه .
( ويقع الموقع) لأنه استوفى حقه . وعن أبي هريرة مرفوعاً ((من
اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه)) رواه أحمد
ومسلم ، وترجم عليه النسائي : جواز الاقتصاص بغير إذن الحاكم .
ويعضده حديث عمر السابق . وعن عثمان نحوه . وعن عبادة مرفوعاً
(( منزل الرجل حريمه. فمن دخل على حريمك فاقتله)) قاله أحمد .
(ويحرم قتل الجاني بغير السيف، وقطع طرفه بغير السكين، لئلايحيف)
في الاستيفاء، لحديث (( لا قود إلا بالسيف)) رواه ابن ماجه . ((ونهى،
صلى الله عليه وسلم عن المثلة)) رواه النسائي. ولحديث (( إِذا قتلتم
فأحسنوا القتلة)) وعنه: يفعل به كما فعل . اختاره الشيخ تقي الدين ،
وقال : هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل . انتهى ، لقوله تعالى
( ... وَإِنْ عَقْتُمْ فَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوْ قَبْتُمْ بِهِ ... )(١) ((وصح أن
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أمر اليهودي الذي رض رأس الجارية
بحجرين فرض رأسه بحجرين)» وروي أنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال
(١) النحل من الآية / ١٤٦ .
- ٣٢٧ -

(( من حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه )) ولأن القصاص مشعر بالمماثلة
فيجب أن يعمل بمقتضاه . قاله في الكافي .
٠٠٠
( وإن بطش ولي المقتول بالجاني ، فظن أنه قتله ، فلم يكن ، وداواه
أهله حتى برىء : فإن شاء الولي دفع دية فعله وقتله ، وإلا تركه)
قال في الفروع : هذا رأي : عمر وعلي ويعلى بن أمية . ذكره أحمد .
انتھی .
بابْ شروط القصَاص فيما دُوْن النفس
( من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها ) لقوله تعالى ( .. وَكَتَبْنا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ) الآية (١) ولحديث أنس
بن النضر وفيه (( كتاب الله القصاص)) رواه البخاري وغيره .
(ومن لا ) يؤخذ بغيره في النفس
( فلا ) يؤخذ به فيما دونها بغير خلاف . قاله في الكافي . كالأبوين
مع ولدهما ، والحر مع العبد، والمسلم مع الكافر ، لعدم المكافأة .
( وشروطه أربعة : )
( أحدها : العمد العدوان فلا قصاص في غيره ) فلا قصاص في الخطأ
إجماعاً ، لأنه لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل ، ففيما دونها
أولى ، ولا في شبه العمد . والآية مخصوصة بالخطأ، فكذا شبه العمد.
وقياساً على النفس .
( الثاني : إمكان الاستيفاء بلا حيف : بأن يكون القطع من مفصل ، أو
ينتهي إلى حد كمارن الأنف، وهو: مالان منه ) دون قصبته .
(١) المائدة من الآية / ٤٨.
- ٣٢٨ -

( فلا قصاص في جائفة ، ولا في قطع القصبة ) أي : قضبة الأنف .
( أو قطع بعض ساعد ، أو ) بعض
( ساق ، أو ) بعض
( عضد ، أو ) بعض
(ورك ) بغير خلاف ، لأنه لا يمكن الاستيفاء منها بلا حيف ، بل
ربما أخذ أكثر من حقه ، أو سرى إِلى عضو آخر ، أو إِلى النفس ،
فيمنع منه، لما روى ثمران بن حارثة عن أبيه ((أن رجلاً ضرب رجلاً
على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل ، فاستعدى عليه النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، فأمر له النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بالدية ،
فقال : إني أريد القصاص ، قال : خذ الدية بارك الله لك فيها . ولم
يقض له بالقصاص )) رواه ابن ماجه .
(فإِن خالف فاقتص بقدر حقه، ولم يسر: وقع الموقع، ولم يلزمه شيء)
لأنه حقه . وإِنما منع منه لتوهم الزيادة . قاله في الكافي .
( الثالث : المساواة في الاسم ) كالعين بالعين، والأنف بالأنف ،
والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، للآية .
( فلا تقطع اليد بالرجل وعكسه ) لأن القصاص يقتضي المساواة ،
والاختلاف في الاسم دليل على الاختلاف في المعنى .
( و ) المساواة
( في الموضع : فلا تقطع اليمين ) من يد ، ورجل ، وعين ، وأذن
و نحوها
- ٣٢٩ -

( بالشمال ، وعكسه) لعدم المماثلة ، ولأنها جوارح مختلفة المنافع
والأماكن ، فلم يؤخذ بعضها ببعض . قاله في الكافي .
( الرابع : مراعاة الصحة والكمال ، فلا تؤخذ كاملة الأصابع والأظافر
بناقصتها) رضي الجاني بذلك أو لا ، لأنه أكثر .
( ولا عين صحيحة بقائمة ) وهي: التي بياضها وسوادها صافيان غير
أن صاحبها لا يبصر بها . قاله الأزهري ، لنقص منفعتها فلا تؤخذ بها
كاملة المنفعة .
( ولا لسان ناطق باخرس ) لأنه أكثر من حقه .
( ولا صحيح بأشل من يد ورجل وأصبع وذكر ) والشلل : فساد
العضو ، وذهاب حركته ، فإذا شل ذهبت منفعته فلا يؤخذ به الصحيح ،
لزيادته عليه ، كعين البصير بعين الأعمى .
( ولا ذكر فحل بذكر خصي ) أو عنين ، لعدم المماثلة .
(ويؤخذ مارن صحيح بمارن أشل ) وهو : الذي لا يجد رائحة
شيء لأنه لعلة في الدماغ ، والأنف صحيح .
( وأذن صحيحة باذن شلاء ) أي : أذن السميع بأذن الأصم وعكسه
لأن الصمم لعلة في الدماغ .
-
۔
-- ٣٣٠ -

فصل
( ويشترط لجواز القصاص في الجروح ) زيادة على ما سبق
( انتهاؤها إلى عظم: كجرح العضد والساعد، والفخذ والساق، والقدم،
وكالموضحة) في رأس أو وجه، لقوله تعالى (. وَاُلْجُرُوحُ قِصاصُ ... )(١)
ولا مكان الاستيفاء بلا حيف ، ولا زيادة ، لانتهائه إلى عظم ، فأشبه
الموضحة (٢) المتفق على جواز القصاص فيها .
( والهاشمة ، والمنقلة ، والمامومة ) (٣) لا يجب فيها قصاص ، لأن
المماثلة غير ممكنة وله أن يقتص عنها موضحة ، لأنها بعض حقه في محل
جنايته ، ويأخذ ما بين ديتها ودية تلك الشجة التي هي أعظم ،
لتعذر القصاص فيها فينتقل إلى البدل ، كما لو تعذر في جميعها . وهو
قول ابن حامد . قاله في الكافي . فيأخذ في هاشمة: خمساً من الإبل،
وفي منقلة : عشراً، وفي مأمومة : ثمانية وعشرين بعيراً وثلث بعير .
واختار أبو بكر : لا يجب الأرش للباقي ، لأنه جرح واحد فلم يجمع
فيه بين قصاص وأرش ، كالشلاء بالصحيحة .
( وسراية القصاص هدر ) أي : غير مضمونة ، لقول عمر وعلي
(( من مات من حد أو قصاص لا دية له : الحق قتله)) رواه سعيد بمعناه.
(١) المائدة من الآية / ٤٨ .
(٢) الموضحة بكسر الضاد : الشجة التي تبدي وضح العظم .
(٣) الهاشمة : هي التي تهشم العظم . والمنقلة بفتح النون وتشديد
القاف مع الكسر : وهي التي تنقل العظم أو تكسره . والمأمومة : هي الجناية
البالغة أم الدماغ .
- ٣٣١ -

( وسراية الجناية مضمونة ) بقود وديه في النفس ، وما دونها بعير
خلاف ، لحصول التلف بفعل الجاني ، أشبه مالو باشره . وإن اقتص
بعد الاندمال، ثم انتقض جرح الجناية فسرى إِلى النفس وجب القصاص
به ، لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص . قاله في الكافي .
( مالم يقتص ربها قبل برئه : فهدر أيضاً ) لحديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده (( أن رجلاً طعن بقرن في ركبته ، فجاء إلى النبي ،
صلى الله عليه وسلم ، فقال: أقدني، قال حتى تبرأ ، ثم جاء إِليه ، فقال:
أقدني ، فأقاده ، ثم جاء إليه ، فقال : يا رسول الله : عرجت ، فقال : قد
نهيتك فعصيتني ، فأبعدك الله ، وبطل عرجك . ثم نهى رسول الله ،
صلى الله عليه وسلم ، أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه )) رواه
أحمد والدارقطني . ولأنه باقتصاصه قبل الاندمال استعجل ما ليس له
استعجاله فىطل حقه ، كقاتل مورثه .
*
:
- ٣٣٢ -

كتاب الدِّيات
أجمعو على وجوب الدية في الجملة، لقوله تعالى (. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةَ
إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقوا .. )(١) وحديث النسائي ومالك في الموطأ (( أنه،
صلى الله عليه وسلم ، كتب لعمرو بن حزم كتاباً إلى أهل اليمن فيه :
الفرائض ، والسنن، والديات ، وقال فيه: وفي النفس مائة من الإبل))
قال ابن عبد البر : وهو كتاب مشهور عند أهل السير ، وهو معروف
عند أهل العلم معرفة يستغنى بها عن الإسناد ، لأنه أشبه المتواتر في
مجيئه في أحاديث كثيرة .
( من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب : إن كان عمداً فالدية
في ماله، وإن كان غير عمد فعلى عاقلته) قال في الشرح : أجمعوا على
أن دية العمد في مال القاتل ، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما جرى
مجراه فعلى العاقلة . انتهى . وقال ابن المنذر : أجمع من نحفظ عنه من
أهل العلم أن دية الخطأ على العاقلة . وعن أبي هريرة ((اقتتلت امرأتان
من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ، وما في بطنها ، فقضى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدية المرأة على عاقلتها )) متفق عليه .
( ومن حفر تعدياً بئراً قصيرة ، فعمقها آخر : فضمان تالف )
بسقوطه فيها
(١) النساء من الآية / ٩١ .
- ٣٣٣ -

( بينهما ) لحصول السبب منهما .
( وإن وضع ثالث سكيناً ) فوقع فيها شخص على السكين فمات .
(ف ) على عواقل الثلاثة الدية
( أثلاثاً ) نص عليه ، لأنهم تسببوا في قتله .
( وإن وضع واحد حجراً تعدياً ، فعثر فيه إنسان ، فوقع في البئر :
فالضمان على واضع الحجر ، كالدافع ) لأنه مباشرة ، ولأن الحافر لم
يقصد بذلك القتل المعين عادة .
( وإن تجاذب حران مكلفان حبلا ، فانقطع ، فسقطا ميتين : فعلى
عاقلة كل دية الآخر ) لتسبب كل منهما في قتل الآخر .
( وإن اصطدما فكذلك ) روي ذلك عن علي ، رضي الله عنه، لموت
كل منهما من صدمة صاحبه ، وهي خطأ. وإِن اصطدمت امرأتان حاملان
فحكمهما في أنفسهما ما ذكرنا ، وعلى كل واحدة منهما نصف ضمان
جنينها ، ونصف ضمان جنين الأخرى ، لاشتراكهما في قتله ، وعلى كل
منهما عتق ثلاث رقاب : واحدة لقتل صاحبتها ، واثنتان لمشاركتها في
الجنينين .
( ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما ، فاصطدما، فماتا :
فديتهما من ماله ) لتلفهما بسبب جنايته ، لأنه متعد بذلك . وإِن ركبا
بأنفسهما ، أو أركبهما ولي المصلحة فاصطدما: فهما كالبالغين المخطئين،
على عاقلة كل منهما دية الآخر ، وعلى كل منهما ما تلف من مال الآخر .
( ومن أرسل صغيراً) لا ولاية له عليه
( لحاجة ، فأتلف نفساً أو مالاً: فالضمان على مرسله ) لأنه خطأ منه.
- ٣٣٤ --
م

( ومن القى حجراً أو عدلاً مملوءاً بسفينة فغرقت ضمن جميع مافيها)
لحصول التلف بسبب فعله ، كما لو حرقها . وإِن رمى ثلاثة بمنجنيق ،
فقتل الحجر رابعاً من غير قصد : فعلى عواقلهم ديته أثلاثاً ، لأنه خطأ .
وإِن قتل أحدهم سقط فعل نفسه ، وما يترتب عليه ، لمشاركته في إتلاف
نفسه . روي نحوه عن علي ، رضي الله عنه ، في مسألة القارصة
والقامصة والواقصة (١). قال الشعبي ((وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن،
فركبت إحداهن على عنق الأخرى ، وقرصت الثالثة المركوبة ، فقمصت
فسقطت الراكبة ، فوقصت عنقها ، فماتت ، فرفعت إلى علي فقضى بالدية
أثلاثاً على عواقلهن ، وألقى الثلث الذي قابل فعل الواقصة ، لأنها
أعانت على نفسها )) وقيل: يلزم شركاءه جميع ديته ، ويلغى فعل نفسه
قياساً على المصطدمين . قاله في الكافي وإن زادوا على ثلاثة ، وقتل
الحجر آخر غيرهم : فالدية في أموالهم حالة ، لأن العاقلة لا تحمل مادون
ثلث الدية .
( ومن أضطر إلى طعام غير مضطر أو شرابه ) وطلبه ،
( فمنعه حتى مات ) المضطر : ضمنه . نص عليه ، لأن عمر ، رضي
الله عنه (( قضى بذلك)) لأنه قتله بمنعه طعاماً يجب دفعه إليه تبقى حياته
به ، فنسب هلاكه إليه .
( أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز ) عن دفعه ، فتلف : ضمنه .
(١) القماص: الوثب. وقمص: وثب ونفر . والوقص: كسر العنق.
وكان القياس أن يقال : الموقوصة ، لكنه حفظ على مشاكلة اللفظ ، كما في
قوله تعالى ( فهو في عيشة راضية ) أي : مرضية .
- ٣٣٥ -

٠
( أو أخذ دابته أو ما يدفع به عن نفسه من سبع ونحوه ) كنمر وحية ،
( فأهلكه ) ذلك الصائل عليه :
( ضمنه ) الآخذ ، لتسببه في هلاكه . قال في المغني : وظاهر كلام
أحمد : أن الدية في ماله ، لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالباً .
وقال القاضي: تكون على عاقلته، لأنه لا يوجب القصاص، فهو شبه عبده
( وإِن مانت حامل ، أو حملها من ريح طعام : ضمن ربه إن علم ذلك
من عادتها ) أي : أن الحامل تموت من ذلك ، وأنها هناك ، لتسببه فيه.
قال في الكافي : وإِذا تجارح رجلان ، وزعم كل واحد منهما أنه جرح
الآخر دفعاً عن نفسه ، ولا بينة وجب على كل واحد منهما ضمان
صاحبه ، لأن الجرح قد وجد ، وما يدعيه من القصد لم يثبت ، فوجب
الضمان ، والقول قول كل واحد منهما مع يمينه في نفي القصاص ، لأن
ما يدعيه يحتمل ، فيدرأ عنه القصاص، لأنه يندرىء بالشبهات . انتهى.
:
فصل
( وإن تلف واقع على نائم غير متعد بنومه فهدر ) لأن النائم لم يجن ،
ولم يتعد .
( وإن تلف النائم فغير هدر ) فمع قصد شبه عيد ، وبدونه خطأ ،
وفي كل منهما الكفارة في مال جان ، والدية على عاقلته ، لحصول التلف
منه .
( وإن سلم بالغ عاقل نفسه ، أو ولده إلى سابح حاذق ليعلمه فغرق )
لم يضمنه المعلم حيث لم يفرط ، لفعله ما أذن فيه .
( أو أمر مكلفاً ينزل بئراً، أو يصعد شجرة فهلك ) به : لم يضمنه.
- ٦-٣٣ -

الآمر ، لأنه لم يجن عليه ، ولم يتعد ، أشبه مالو أذن له ولم يأمره . وإِن
أمر غير مكلف ضمنه ، لأنه تسبب في إتلافه .
( أو تلف أجبر لحفر بئر أو بناء حائط بهدم ونحوه) لم يضمنه،
أقبضه أجره أو لا ، لما تقدم .
( أو أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل ) لم يضمنه ، لأنه لم يهلكه،
ولم يتسبب في هلاكه ، كما لو لم يعلم به .
( أو أدب ولده وزوجته في نشوز ) أو أدب معلم صبية
( أو أدب سلطان رعيته ولم يسرف ) أي : يزد على الضرب المعتاد
فيه لا في العدد ، ولا في الشدة .
( فهدر في الجميع ) نص عليه ، لفعله ماله فعله شرعاً بلا تعد ، أشبه
سراية القود والحد .
( وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود ) فتلف بسببه ضمنه ،
لتعديه بالإسراف .
( أو ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره ) كمجنون ومعتوه فتلف :
( ضمن ) لأن الشرع لم يأذن في تأديب من لا عقل له ، لأنه لافائدة
في ذلك .
ومن أسقطت جنينها بسبب طلب سلطان أو تهديده ، أو ماتت
أو ذهب عقلها: وجب الضمان، لما روي ((أن عمر بعث إِلى امرأة مغيبة
كان رجل يدخل عليها ، فقالت : ياويلها مالها ولعمر : فبينما هي في
الطريق إِذ فزعت ، فضربها الطلق ، فألقت ولداً، فصاح الصبي صيحتين،
ثم مات ، فاستشار عمر أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأشار
- ٣٣٧ -
ت (٢٢)

بعضهم أن ليس عليك شيء ، إنما أنت وال ومؤدب ، وصمت علي فأقبل
عليه عمر ، فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : إِن كانوا قالوا برأيهم
فقد أخطأ رأيهم ، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك ، إن ديته
عليك ، لأنك أفزعتها فألقته ، فقال عمر : أقسمت عليك لا تبرح حتى
تقسمها على قومك)) ومثله لو استعدى رجل بالشرطة حاكماً عليها
فأسقطت أو ماتت أو ذهب عقلها ، فإنه يضمن ما كان بسبب استعدائه .
نص عليه .
( ومن نام علی سقف ، فهوی به لم یضمن ماتلف بسقوطه ) لأنه ليس
من فعله .
ومن أتلف نفسه ، أو طرفه فهدر (( لما روي أن عامر بن الأكوع
يوم خيبر رجع سيفه عليه فقتله ، ولم ينقل أنه ، صلى الله عليه وسلم ،
قضى فيه بدية ولا غيرها )) ولو وجبت لبينها النبي ، صلى الله عليه وسلم،
ولنقل نقلاً ظاهراً، ولا يقتضي النظر أن تكون جنايته على نفسه
مضمونة على غيره . وعنه : ديته على عاقلته لورثته ، ودية طرفه على
عاقلته لنفسه ، لما روي أن رجلاً ساق حماراً بعصاً كانت معه ، فطارت
منها شظية ، فأصابت عينه ففقاتها ، فجعل عمر ديته على عاقلته ، وقال :
هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء . ولأنها جناية خطأ ، فأشبهت
جنايته على غيره . قاله في الكافي .
- ٣٣٨ -

فصْل في مقادير ديات القسرّ
( ديه الحر المسلم طفلاً كان أو كبيراً مائة بعير) لا خلاف في ذلك ، لما
روى مالك والنسائي أن في كتاب عمرو بن حزم ((وفي النفس مائة
من الإِبل )) .
( أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهباً، أواثنا عشر الف درهم)
فضة . قال القاضي : لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإِبل ،
والذهب ، والورق ، والبقر، والغنم ، لما روى عطاء عن جابر قال ((فرض
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الدية على أهل الإِبل مائة من
الإِبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة)) رواه
أبو داود. وعن عكرمة عن ابن عباس ((أن رجلاً من بني عدي قتل ،
فجعل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ديته اثني عشر ألف درهم)) رواه
أبو داود . وفي كتاب عمرو بن حزم ((وعلى أهل الذهب ألف دينار))
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أن عمر قام خطيباً ، فقال : إِن
الإِبل قد غلت . قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل
الورق اثني عشر ألفاً ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاة
ألفي. شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة )) رواه أبو داود . وهذا كان
بمحضر من الصحابة ، فكان إِجماعاً . قاله في الكافي . فإذا أحضر من
وجبت عليه دية أحدها لزم الولي قبوله ، وتعتبر السلامة من العيوب
في هذه الأنواع ، لأن الإطلاق يقتضي السلامة . ولا يعتبر أن تبلغ
- ٣٣٩ -

قيمتها دية نقد في ظاهر كلام الخرقي ، لعموم حديث (( في النفس المؤمنة
مائة من الإبل)) وقول عمر، رضي الله عنه ((إِن الإبل قد غلت .. )) الخ.
دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة من ذلك . وعنه : يعتبر أن
تكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهماً ، لأن عمر قومها باثني عشر
ألف درهم ، قاله في الكافي .
( ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك ) روي ذلك عن عمر وعمثان
وعلي وزيد وابن عمر وابن عباس ، ولا مخالف لهم ، وحكاه ابن المنذر،
وابن عبد البر إِجماعاً. وفي كتاب عمرو بن حزم (( دية المرأة على
النصف من دية الرجل )) وهو مخصص ، للخبر السابق .
( ودية الكتابي الحر كدية الحرة المسلمة ، ودية الكتابية على النصف
من ذلك ) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (( دية
المعاهد نصف دية المسلم)) وفي لفظ (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين)) رواه أحمد . قال
الخطابي : ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا ، ولا بأس
بإسناده. وفي كتاب عمرو بن حزم (( دية المرأة على النصف من دية
الرجل ، وكذا جراح الكتابي على نصف جراح المسلم)) .
٠
( ودية المجوسي الحر ثمانمائة درهم) كسائر المشركين . روي عن
عمر وعثمان وابن مسعود في المجوسي ، ولا مخالف لهم في عصرهم .
وألحق به سائر المشركين ، لأنهم دونه . وأما قوله ، صلى الله عليه وسلم
(( سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) فالمراد في حقن دمائهم ، وأخذ الجزية
منهم . ولذلك لا تحل مناكحتهم ، ولا ذبائحهم . وجراح من ذكر ،
- ٣٤٠ -