النص المفهرس

صفحات 241-260

( ما لم ينو أكثر) فيقع ما نوى ، لأنه لفظ لا ينافي العدد ، فوجب
وقوع ما نواه به .
( فالظاهرة : أنت خيلة ، وبرية ، وبائن ، وبتة ، وبتلة ، وأنت حرة ،
وأنت الحرج ، وحبلك على غاربك ، وتزوجي من شئت ، وحللت للأزواج ،
ولا سبيل لي عليك ، أو لا سلطان، واعتقتك ، وغطي شعرك ، وتقنعي، و )
الكناية
( الخفية : اخرجي ، واذهبي ، وذوقي ، وتجرعي ، وخليتك ، وأنت
مخلاة ، وأنت واحدة ، ولست لي بامرأة ، واعتدي ، وأستبرئي ، واعتزلي،
والحقي بأهلك ، ولا حاجة لي فيك ، وما بقي شيء ، وأغناك الله ، وإن الله
قد طلقك ، والله قد أراحك مني ، وجرى القلم )
ولفظ فراق، وسراح، فيقع ما نواه ، لأنه محتمل له . فإن لم ينو شيئاً
وقعت واحدة ، لأنه اليقين .
( ولا تشترط النية في حال الخصومة أو الغضب واذا سالته طلاقها )
اكتفاء بدلالة الحال ، لأنها تغير حكم الأقوال والأفعال .
( فلو قال في هذه الحالة : لم أرد الطلاق ، دين ) فيما بينه وبين الله
تعالى ، فإِن صدق لم يقع عليه شيء .
( ولم يقبل حكماً ) لتأثير دلالة الحال في الحكم ، كما يحمل الكلام
الواحد على المدح تارة، والذم أخرى بالقرائن . قال في الكافي : ويحتمل
التفريق بين الكنايات : فما كثر استعماله منها في غير الطلاق ، كفوله :
اذهبي ، واخرجي ، وروحي ، لا يقع بغير نية بحال . وما ندر استعماله
کقوله : اعتدي ، وحبلك على غاربك ، وأنت بائن ، وبتة إذا أتى به حال
ت (١٦)
- ٢٤١ --

الغضب ، أو سؤال الطلاق ، كان طلاقاً . فأما إن قصد بالكناية غير
الطلاق ، لم يقع على كل حال ، لأنه لو قصد ذلك بالصريح لم يقع ،
فبالكناية أولى .
بابُ مَا يختلف به عدد الطّاق
ويعتبر بالرجال حرية ورقاً . روي عن : عمر وعثمان وزيد وابن
عباس ، رضي الله عنهم . وبه قال: مالك والشافعي .
( يهلك الحر والمبعض ثلاث طلقات ، والعبد طلقتين ) لأن الطلاق
خالص حق الزوج، فاعتبر به، لقوله تعالى ( الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْساكٌ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)(١) وعن عائشة مرفوعاً ((طلاق العبد اثنتاز
فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره )) وعن عمر قال (( ينكح العبد امرأتين،
ويطلق طلقتين، وتعتد الأمة حيضتين)) رواهما الدارقطني .
( ويقع الطلاق بائناً في أربع مسائل : )
(١ - إذا كان على عوض) كالخلع ، لأن القصد إزالة الضرر عنها ،
ولو جازت رجعتها لعاد الضرر .
(٢ - او قبل الدخول ) لأن الرجعة لا تملك إلا في العدة ، ولا عدة
عليها ، لقوله تعالى ( ثُمَّ طَلَّقْتُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمْتُوُهُنَّ فَمَالَكُ"
عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ... ) الآية (٢)
(١) البقرة من الآية / ٢٢٩.
(٢) الأحزاب من الآية / ٤٩ .
- ٢٤٢ -

(٣ - أو في نكاح فاسد) لأنها إذا لم تحل بالنكاح لعدم صحته ،
وجب أن لا تحل بالرجعة فيه . ولا يحل نكاحها في هذه المسائل الثلاث
إلا بعقد جديد بشروطه .
(أو بالثلاث) دفعة واحدة ، أو دفعات، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً
غيره ، لما تقدم .
( ويقع ثلاثاً إذا قال : أنت طالق بلا رجعة ، أو البتة ، أو بائناً )
لأنه وصف الطلاق بما يقتضي الإبانة .
( وإن قال : انت الطلاق ، أو : أنت طالق، وقع واحدة ) وكذا قوله :
علي الطلاق ، أو يلزمني ، لأنه صريح في المنصوص لا يحتاج إلى نية ،
سواء كان منجزاً ، أو معلقاً ، أو محلوفاً به ، كـ : أنت الطلاق لأقومن ،
لأنه مستعمل في عرفهم ، كما في قوله :
فأنت الطلاق ، وانت الطلا ق، وأنت الطلاق ثلاثاً تماماً
ولأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثاً ، وينكرون ذلك ، ولا يعلمون
أن : أل ، فيه للاستغراق .
( وإن نوى ثلاثاً وقع ما نواه ) لأنه نوى بلفظه ما يحتمله .
( ويقع ثلاثاً إذا قال : أنت طالق كل الطلاق ، أو أكثره ، أو عدد
الحصى ، ونحوه ) كعدد القطر ، والرمل والريح ؛ والتراب والنجوم ،
لأن هذا اللفظ يقتضي عدداً . والطلاق له أقل وأكثر: فأقله واحدة ،
وأکثره ثلاث .
( أو قال لها: يا مائة طالق) فثلاث تقع، كفوله: أنت مائة طالق .
(وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق ، أو أغلاله ، أو الطوله ، أو ملء
- ٢٤٣ -

لأن ذلك
الدنيا ، أو مثل الجبل، أو على سائر المذاهب: وقع واحدة )
لا يقتضي عدداً . فالطلقة الواحدة تتصف بكونها يملأ الدنيا ذكرها،
وأنها أشد الطلاق عليها ، فلم يقع الزائد بالشك . قاله في الكافي .
( ما لم ينو اكثر) فيقع ما نواه، لأن اللفظ يحتمله .
فصل
( والطلاق لا يتبعض بل جزء الطلقة كهي ) فإذا قال : أنت طالق نصف
طلقة ، أو ثلت طلقة ، أو سدس طلقة ونحوه : فواحدة . لأن ذكر بعض
ما لا يتبعض ، كذكر جميعه ، لأن مبناه على السراية ، كالعتق . قال ابن
المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أنها تطلق بذلك ، إلا داود.
( وإن طلق زوجته ) بأن قال لها : نصفك ، أو ربعك ، أو خمسك
طالق ، أو بعضك طالق ، أو جزء منك طالق ، .
( طلقت كلها ) لأنه أضاف الطلاق إلى جملة لا تتبعض في الحل
والحرمة ، وقد وجد فيها ما يقتضي التحريم ، فغلب ، كاشتراك مسلم
ومجوسي في قتل صيد .
( وإن طلق جزءاً منها، لا ينفصل : كيدها ، وأذنها ، وأنفها ، طلقت )
كلها ، لإضافة الطلاق إلى جزء ثابت ، استباحه بعقد النكاح ، أشبه
الجزء الشائع .
( وإن طلق جزءاً ينفصل : كشعرها ، وظفرها، وسنها ، لم تطلق )
قال أبو بكر : لا يختلف قول أحمد : إِنه لا يقع طلاق وعتق ، وظهار
وحرام بذكر الشعر ، والظفر ، والسن ، والروح ، وبذلك أقول .
- ٢٤٤ -

انتهى . ولأنها أجزاء تنفصل منها حال السلامة ، أشبهت الريق والعرق
ونحوهما . والروح ليست عضواً ولا شيئاً يستمتع به ، ولأنها تزول عن
الجسد في حال سلامته ، وهي حال النوم . وقال أبو الخطاب : يقع
بإضافته إلى روحها ودمها ، لأن دمها من أجزائها ، وروحها بها قوامها .
فصل
( وإذا قال : أنت طالق، لا بل أنت طالق : فواحدة) نص عليه . لأنه
صرح بنفي الأولى، ثم أثبته بعد نفيه . فالمثبت : هو المنفي بعينه، وهو :
الطلقة الأولى ، فلا يقع به أخرى . قاله ابن رجب في القواعد .
١
( وإن قال: أنت طالق ، طالق ، طالق: فواحدة) لعدم ما يقتضي
المغايرة ،
فيقع ما نواه ، لأن لفظه يحتمله .
( وأنت طالق، أنت طالقى : وقع ثنتان ) في مدخول بها ، لأن اللفظ
للإيقاع ، فيقتضي الوقوع ، كما لو لم يتقدمه مثله .
( إلا أن ينوي تأكيداً متصلاً أو إفهاماً) لها لانصرافه عن الإيقاع بنية
ذلك ، وغير المدخول بها تبين بالأولى ، نوى بالثانية الإيقاع أو لا ،
متصلاً أو لا . روي ذلك عن : علي وزيد بن ثابت وابن مسعود .
( وأنت طالق ، فطالق ، أو : ثم طالقى : فثنتان في المدخول بها )
لأن حروف العطف تقتضي المغايرة .
( وتبين غيرها بالأولى ) فلا يلزمها ما بعدها . لأنها تصير بالبينونة
كالأجنبية .
-- ٢٤٥ -

( و: أنت طالق ، وطالق ، وطالق : فثلاث معاً ، ولو غير مدخول بها )
لأن الواو تقتضي الجمع ، ولا ترتيب فيها .
فصل
( ويصح الاستثناء في النصف فأقل من مطلقات وطلقات ) نص عليه ،
لأنه كلام متصل أبان به أن المستثنى غير مراد بالأول فصح ، كفول
الخليل عليه السلام ( إِنَنِي بَرَاء مِمَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ أُلَّذِي فَطَرَنى) (١)
وقوله تعالى( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّخمسين عاماً)(٢)
( فلو قال: أنت طالق ثلاثاً ، إلا واحدة: طلقت ثنتين ) لما سبق .
( و: أنت طالق أربعاً، إلا ثنتين: يقطع ثنتان) لصحة استثناء
النصف .
( و) إِن قال :
( و: أنت طالق أربعاً، إلا ثنتين: يقع ثنتان) لأنهما نصف الأربع.
( وشرط في الاستثناء اتصال معتاد ) لأن غير المتصل يقتضي رفع
ما وقع بالأول ، والطلاق إذا وقع لا يمكن رفعه ، بخلاف المتصل ، فإِن
الاتصال يجعل اللفظ جملة واحدة ، فلا يقع الطلاق قبل تمامها . ويكون
الاتصال إِما ،
( لفظاً ) بأن يأتي به متوالياً
( أو حكماً : كانقطاعه بعطاس ونحوه ) كسعال، وتنفس ، وشرط نيته
(١) الزخرف من الآية / ٢٦ و ٢٧ .
(٢) العنكبوت من الآية / ١٤ .
- ٢٤٦ -

قبل تمام ما استثنى منه ، وكذا شرط متأخر ، كـ : أنت طالق إِن قمت ،
لأنها صوارف للفظ عن مقتضاه ، فوجب مقارنتها لفظاً ونية .
فصْل في طلاق الزمن
الماضي والمستقبل .
( إذا قال : أنت طالق أمس ، أو : قبل أن أتزوجك ، ونوى وقوعه )
إذا: وقع ) في الحال لإقراره على نفسه بما هو أغلظ في حقه .
( وإلا ) ينو وقوعه الآن
( فلا ) أي : فلا يقع الطلاق . نص عليه ، لأنه أضافه إلى زمن
يستحيل وقوعه فيه ، لأن الطلاق رفع للاستباحة ، ولا يمكن رفعها في
الماضي .
( و: أنت طالق اليوم إذا جاء غد: فلغو) لا يقع به شيء قاله في
المجرد ، لأنه لا يقع في اليوم ، لعدم الشرط ، وإِذا جاء غد لم يمكن
الطلاق في اليوم ، لأنه زمن ماض . وقال القاضي : في موضع يقع في
الحال ، لأنه علقه بشرط محال فلغا شرطه ، ووقع الطلاق .
( و: أنت طالق غداً، أو يوم كذا: وقع بأولهما) أي: طلوع فجره
فإذا وجد ما يكون ظرفاً له منها وقع ، لصلاحية كل جزء منه لوقوع
الطلاق فيه ، ولا مقتضي لتأخيره عن أوله .
( ولا يقبل حكماً إِن قال: أردت آخرهما ) لأن لفظه لا يحتمله .
( و : أنت طالق في غد، أو في رجب: يقع بأولهما) لما تقدم . وأول
الشهر : غروب الشمس من آخر الشهر الذي قبله .
- ٢٤٧ -

( فإن قال : أردت آخرهما: قبل حكماً ) لأن آخر هذه الأوقات منها
كأولها ، فإرادته لذلك لا تخالف ظاهر لفظه .
( و: أنت طالق كل يوم: فواحدة) كـ : أنت طالق اليوم وغداً وبعد
غد ، لأنها إذا طلقت اليوم كانت طالقاً غداً وبعده .
( و : أنت طالق في كل يوم فتطلق ) ثلاثاً،
( في كل يوم واحدة) إِن كانت مدخولاً بها ، وإلا بانت بالأولى ،
فلا يلحقها ما بعدها .
( و : أنت طالق إذا مضى شهر : فبمضي ثلاثين يوماً، وإذا مضى الشهر
فيمضيه ) لأن أل للعهد الحضوري .
( وكذلك إذا مضى سنة ) فتطلق بانقضاء اثني عشر شهراً ، لقوله
تعالى ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْراً) الآية (١)
أي : شهور السنة وتعتبر بالأهلة . ويكمل ما حلف في أثنائه بالعدد.
( أو السنة) أي : إِذا قال : أنت طالق إذا مضت السنة : فتطلق
بانسلاخ ذي الحجة ، لأن أل للعهد الحضوري .
(١) التوبة من الآية / ٣٧.
- ٢٤٨ -

بَابْ تعليق الطَّلاق
بالشروط : بإن ، أو إحدى أخواتها . لا يصح التعليق إلا من زوج،
فلو قال : إِن تزوجت امرأة أو فلانة فهي طالق : لم يقع بتزويجها في
قول أكثر أهل العلم . وروي عن ابن عباس ، ورواه الترمذي عن علي
وجابر بن عبدالله ((لقوله تعالى إذا نَكَحْتُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ .. )(١)
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (( لا نذر
لابن آدم فيما لا يملك ، ولا عتق فيما لا يملك ، ولا طلاق فيما لا يملك))
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه . وعن المسور بن مخرمة
مرفوعاً (( لا طلاق قبل نكاح، ولا عتاق قبل ملك)) رواه ابن ماجه .
وقال أبو بكر : لا يختلف قول أبي عبد الله : إِن الطلاق إذا وقع قبل
النكاح أنه لا يقع . ذكره في الكافي .
( إذا علق الطلاق على وجود فعل مستحيل ك : إن صعدت السماء
فانت طالق : لم تطلق ) وكذا : إِن طرت ، أو : قلبت الحجر ذهباً ، أو
شاء الميت أو البهيمة ، لأن ذلك مستحيل عادة ، أي : لا يتصور في
العادة وجوده .
( وإن علقه على عدم وجوده، ك : إن لم تصعدي فأنت طالق : طلقت
في الحال ) لأنه علقه على عدم فعل المستحيل ، وعدمه معلوم في الحال،
وما بعده .
(١) الأحزاب من الآية / ٤٩.
- ٢٤٩ -

(وإن علقه على غير المستحيل) كـ : إِن لم أشتر من زيد عبده فأنت
طالق :
i
( لم تطلق إلا باليأس مما علق عليه الطلاق ) وهو : موت العبد ، أو
عتقه .
( مالم يكن هناك نية ، أو قرينة تدل على الفور ، أو يقيد بزمن )
كفوله: اليوم، أو : في هذا الشهر .
( فيعمل بذلك ) أي : بالنية ، أو القرينة ، أو التقييد .
فصل
( ويصح التعليق مع تقدم الشرط وتأخره، كـ : إن قمت فأنت طالق ،
أو : أنت طالق إن قمت . ويشترط لصحة التعليق أن ينويه قبل فراغ
التلفظ بالطلاق ) فلو طلق غير ناو التعليق ، ثم عرض له فقال : إِن قمت،
لم ينفعه التعليق ، ووقع الطلاق ، لأن الطلاق إِذا وقع لا يمكن رفعه .
( وأن يكون متصلاً لفظاً أو حكماً ، فلا يضر لو عطس ونحوه ، أو قطعه
بكلام منتظم ، ک : انت طالق -یازانية - إن قمت. ويضر إن قطعة بسكوت)
بين شرط وجوابه سكوتاً ، يمكنه كلام فيه ولو قل .
( وكلام غير منتظم ، كقوله : سبحان الله . وتطلق في الحال )
لقطع التعليق ، ولأن غير المتصل يقتضي رفع ما وقع بالأول ، والطلاق
إذا وقع لا يمكن رفعه ، بخلاف المتصل ، فإن الاتصال يجعل الكلام
جملة واحدة ، فلا يقع الطلاق قبل تمامها .
- ٢٥٠ -
٦٠

فصْرية مسائل مفرقَة
( إذا قال : إن خرجت بغير إذني فأنت طالق : فاذن لها ، ولم يعلم )
فخرجت طلقت ، لأن الإِذن هو : الإعلام ، ولم يعلمها ،
( أو علمت وخرجت، ثم خرجت ثانياً بلا إذنه طلقت ) لوجود الصفة
وهي : خروجها بلا إِذنه .
( مالم يأذن لها في الخروج كلما شاءت ) فلا يحنث بخروجها بعد
ذلك . نص عليه ، لوجود الإذن ما لم يجدد حلفاً أو ينهاها .
( وإن خرجت بغير إذن فلان فأنت طالق فمات ، وخرجت : لم تطلق )
على الصحيح من المذهب . قاله في الإنصاف .
( وإن خرجت إلى غير الحمام ) بغير إذني
( فأنت طالق، فخرجت له، ثم بدا لها غيره : طلقت ) لأن ظاهر يمينه
منعها من غير الحمام ، فكيفما صارت إليه حنث ، وقد صدق عليها
أنها خرجت إلى غير الحمام ، كما لو خالفت لفظه .
( وزوجتي طالق، أو عبدي حر إن شاء الله ، أو إلا أن يشاء الله )
أو إِن لم يشأ الله ، أو لم يشأ الله :
( لم تنفعه المشيئة شيئاً، ووقع ) الطلاق والعتاق . نص عليه ،
وذكر قول قتادة : قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه . وقال ابن عباس
(( إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق، إِن شاء الله : فهي طالق )» ولأنه
- ٢٥١ -

تعليق على ما لا سبيل إلى علمه فبطل ، كما لو علقه على شيء من
المستحيلات ، ولأنه استثناء يرفع حملة الطلاق حالاً ومآلاً، فلم يصح
كاستثناء الكل .
( وإن قال : إن شاء فلان : فتعليق لم يقع إلا أن يشاء ) فلان .
( وإن قال : إلا أن يشاء: فموقوف، فإن أبى المشيئة ، أو جن أو مات
وقع الطلاق إذاً ) لأنه أوقع الطلاق ، وعلق رفعه بشرط ، ولم يوجد .
( و: أنت طالق إن رأيت الهلال عيناً ، فرأته في أول ) ليلة ،
( أو ثاني ) ليلة ،
( أو ثالث ليلة : وقع ) الطلاق ، لأنه هلال .
( و) إِن رأته
( بعدها ) أي : بعد الثالثة :
( لم يقع ) الطلاق ، لأنه يقمر بعد الثالثة ، فلم يحنث برؤيتها له ،
ما لم يكن نية .
(و: أنت طالق إن فعلت كذا، أو فعلت أنا كذا، ففعلته أو فعله مكرهاً)
لم يقع . نص عليه، لعدم إضافة الفعل إليه.
( أو مجنوناً، أو مغهى عليه ، أو نائماً، لم يقع ) الطلاق ، لأنه مغطى
على عقله، لحديث ((رفع القلم عن ثلاثة .. )) وتقدم .
(وإن فعلته أو فعله ناسياً ) لحلفه ،
( أو جاهلا ) أنه المحلوف عليه ، أو جاهلاً الحنث به :
( وقع ) الطلاق ، لأنه معلق بشرط ، وقه وجد ، ولأنه تعلق به حق
آدمي ، فاستوى فيه العمد والنسيان والخطأ ، كالإتلاف ، بخلاف اليمين
- ٢٥٢ -

الكفرة ، فلا يحنث فيها نصاً ، لأنه محض حق الله ، فيدخل في حديث.
(( عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان)).
( وعکسه مثله ، ک : إن لم تفعلي كذا، أو : إِن لم أفعل كذا فلم تفعله ،
أو لم يفعله هو ) ناسياً أو غيره على التفصيل السابق ، ويكون على
التراخي ، لأن ( إِن ) حرف يقتضي التراخي ، إِذا لم ينو وقتاً بعينه :
فلا يقع الطلاق إلا في آخر أوقات الإِمكان ، وذلك في آخر جزء من
حياة احدهما . قال في شرح العمدة : لا نعلم في هذا خلافاً .
فصل
في الشك في الطلاق .
(ولا يقع الطلاق بالشك فيه، أو فيما علق عليه )لأن النكاح متيقن
فلا يزول بالشك ، ولأنه شك طرأ على يقين ، فلا يزيله ، كالمتطهر يشك
في الحدث ، ولحديث (( دع ما يريبك إِلى ما لا يريبك)) قال الموفق :
والورع التزام الطلاق، لحديث (( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه
وعرضه)) وندب قطع شك برجعته إِن كان الطلاق رجعياً خروجاً من
الخلاف ، أو بعقد جديد إن أمكن ليتيقن الحل ، وإلا فبفرقة متيقنة لئلا
تبقى معلقة .
( فمن حلف لا يأكل تمرة مثلاً ، فاشتبهت بغيرها ، وأكل الجميع إلا
واحدة: لم يحنث ) لاحتمال أن تكون المحلوف على عدم أكلها ، ويقين
النكاح ثابت فلا يزول بالشك .
( ومن شك في عدد ما طلق بنى على اليقين ، وهو الأقل ) نص عليه ،
لما سبق .
-- ٢٥٣ -

( ومن أوقع بزوجته كلمة ، وشك هل هي طلاق أو ظهار: لم يلزمه
شيء) لأن الأصل عدمهما، ولم يتيقن أحدهما .
بَاب الرحْعَة
( وهي : إعادة زوجته المطلقة ) طلاقاً غير بائن
( إلى ما كانت عليه ) قبل الطلاق
( بغير عقد) ولا تفتقر الرجعة إلى ولي ، ولا صداق ، ولا رضى
المرأة ولا علمها إجماعاً. ذكره في الشرح وغيره لقوله تعالى (وَبَعُولَتُهُنَّ
أَحَقُّ بِرَدِّعِنٌْ فِي ذُلِكَ) (١) وقوله (الطَّلَاقُ مَرَّتَانٍ فَإِنْساٌ
بِمَعْروفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)(٢) وحديث ابن عمر حين طلق امرأته ،
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم (مره فليراجعها)) متفق عليه. ((وطلق
النبي، صلى الله عليه وسلم حفصة، ثم راجعها)) رواه أبو داود والنسائي
وابن ماجه . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق
دون الثلاث ، والعبد دون الاثنتين : أن لهما الرجعة في العدة .
( من شرطها:)
(١ - أن يكون الطلاق غير بائن) فإن كان بعوض فلا رجعة ، لأنه
إنما جعل لتفتدي به المرأة من الزوج، ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجمة،
بل يعتبر عقد بشروطه .
(١) البقرة من الآية / ٢٢٨.
(٢) البقرة من الآية / ٢٢٩.
- ٢٥٤ -

(٢ - أن تكون في العدة) لقوا، تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أُحَقُّ بِرَدِّهِن
في ذلِكَ ) (١) وإِن طلق قبل الدخول فلا رجعة ، لأنه لا عدة عليها،
ولا تربص في حقها يرتجعها فيه .
( وتصح الرجعة بعد انقطاع دم الحيضة الثالثة حيث لم تفتسل )
نص عليه . وروي عن عمر وعلي وابن مسعود ، لوجود أثر الحيض
المانع للزوج من الوطء ، وتنقطع بقية الأحكام من التوارث ، والطلاق ،
واللعان ، والنفقة ، وغيرها بانقطاع الدم .
( وتصح قبل وضع ولد متأخر ) إن كانت حاملاً بعدد لبقاء العدة .
( والفاظها : راجعتها ورجعتها، وارتجعتها وامسكتها، ورددتها، ونحوه)
كأعدتها ، لورود السنة بلفظ الرجعة في حديث ابن عمر ، واشتهر هذا
الاسم فيها عرفاً، وورد الكتاب بلفظ الرد في قوله تعالى (. وَبُعُولَتُهُنَّ
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ )(١) وبلغظ الإمساك في قوله ( .... فَأَمْسِكُوْ مُنَّ
بِمَعْرُوفٍ ... )(٢) وقوله ( ... فَإِنْاكٌ بِمَعْرُوفٍ ... )(٢)
( ولا تشترط هذه الألفاظ ، بل تحصل رجعتها بوطئها ) في ظاهر
المذهب ، لأنها زوجة يلحقها الطلاق والظهار والإِيلاء ، ويرث أحدهما
صاحبه إِن مات إِجماعاً ، فالوطء دليل على رغبته فيها . واختار الشيخ
تقي الدين : أن الوطء رجعة مع النية . وعن أحمد : لا تحصل الرجعة
(١) البقرة من الآية / ٢٢٨.
(٢) البقرة من الآية / ٢٣١.
(٣) البقرة من الآية / ٢٢٩.
- ٢٥٥ -

إلا بالقول ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، لقوله تعالى ( ... وَأَشْهِدُوا ذَوي
عَدْلٍ مِنْكُمْ ... ) (١) ولا يحصل الإشهاد إلا على القول . وسئل
عمران بن حصين عن الرجل يطلق امرأته ، ثم يقع بها ، ولم يشهد على
طلاقها ، ولا على رجعتها فقال (( طلقت لغير سنة ، وراجعت لغير سنة ،
أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد )) رواه أبو داود . فعلى هذه
لرواية تبطل الرجعة إِن أوصى الشهود بكتمانها . نص عليه ، لما روى
أبو بكر في الشافي بسنده إلى خلاس ، قال (( طلق رجل امرأته علانية ،
وراجعها سراً ، وأمر الشاهدين بكتمانها - أي: الرجعة - فاختصموا
إِلى علي، فجلد الشاهدين ، واتهمهما، ولم يجعل له عليها رجعة)).
(لا بنكحتها، أو تزوجتها ) لأنه كناية ، والرجعة استباحة بضع
مقصود ، فلا تحصل بكناية ، كالنكاح . وفيه وجه تصح الرجعة به ،
اختاره ابن حامد ، لأن الأجنبية تحل به ، فالزوجة أولى . قدمه في
الكافي .
( ومتى اغتسلت من الحيضة الثالثة ، ولم يرتجعها بانت ، وم تحل
له إلا بعقد جديد) مستكمل للشروط إجماعاً، لمفهوم قوله تعالى
( ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدَّهِنَّ فِي ذَلِكَ)(٢) أي: في العدة.
( وتعود ) الرجعية إذا راجعها ، والبائن إِذا نكحها
( على ما بقي من طلاقها) ولو بعد وطء زوج آخر في قول أكابر
الصحابة ، منهم : عمر وعلي وأبي ومعاذ وعمران بن حصين وأبو هريرة
وزيد وعبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهم ، لأن وطء الثاني لا يحتاج
(١) الطلاق من الآية / ٢ .
(٢) البقرة من الآية / ٢٢٨ .
- ٢٥٦ -

إِليه في الإحلال للزوج الأول ، فلا يغير حكم الطلاق . وعنه : ترجع
بالثلاث بعد زوج ، وهو قول : ابن عمر وابن عباس ، وأبي حنيفة .
ذكره في الشرح .
فصل
( وإذا طلق الحر ثلاثاً، أو طلق العبد ثنتین لم تحل له حتى تنكح زوجاً
غيره نكاحاً صحيحاً) لقوله تعالى ( ... فَإِنْ طَلَّقَها فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَىْ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)(١) بعد قوله ( ... الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ ... )(٢)
قال ابن عباس « كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها ، وإِن طلقها
ثلاثاً ، فنسخ ذلك قوله تعالى ( .. الطَّاقُ مَرَّتَانٍ) (٢) إلى قوله ( .. فَإِنْ طَلَّقَها
فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَىُّ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)(١))) رواه أبوداودوالنسائي.
( ويطاها في قبلها مع الانتشار ) لقوله ، صلى الله عليه وسلم ، لا مرأة
رفاعة (( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسليته ، ويذوق
عسليتك)) متفق عليه. وعن ابن عمر (( سئل النبي صلى الله عليه وسلم،
عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً فيتزوجها آخر ، فيغلق الباب ، ويرخي
الستر ، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها : هل تحل للأول ؟ قال : حتى تذوق
العسيلة)) رواه أحمد والنسائي، وقال ((حتى يجامعها الآخر)) وعن
عائشة مرفوعاً (( العسيلة: هي الجماع)) رواه أحمد والنسائي.
(١) البقرة من الآية / ٢٣٠.
(٢) البقرة من الآية / ٢٢٩ .
- ٢٥٧ -
ت (١٧)

( ولو مجنوناً ، أو نائماً، أو مغمى عليه، وأدخلت ذكره في فرجها )
مع انتشاره ، لوجود حقيقة الوطء من زوج، أشبه حال إِفاقته .
( أو لم يبلغ عشراً أو لم ينزل ) لما تقدم ، ولعموم قوله تعالى
( ... حَتَىُّ تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ ... )(١)
( ويكفي تغييب الحشفة ، أو قدرها من مجبوب) الحشفة .
(ويحصل التحليل بذلك ) لحصول ذوق العسيلة به ، ولأنه جماع
يوجب الغسل ، ويفسد الحج ، أشبه تغييب الذكر .
( مالم يكن وطؤها في حال الحيض ، أو النفاس ، أو الإحرام ، أو في
صوم الفرض ) فلا تحل ، لأنه وطء حرم لحق الله تعالى فلم يحلها ،
كوطء المرتدة . قال في الكافي : وظاهر النص أنه يحلها ، لدخوله في
العموم، ولأنه وطء تام في نكاح صحيح تام فأحلها ، كما لو كان التحريم
لحق آدمي مثل أن يطأ مريضة تتضرر بوطئه ، فإنه لا خلاف في حلها به.
انتھی .
ولا تحل بوطء دبر أو شبهة ، أو وطء في ملك يمين ،
أو في نكاح فاسد أو باطل ، لقوله تعالى ( حَتّىُّ تَنْكِحَ زَوْجاً
غَيْرَهُ)(١) والنكاح المطلق في الكتاب والسنة: إِنما يحمل على الصحيح
( فلو طلقها الثاني ، وادعت انه وطئها وكذبها ، فالقول قوله في
تنصف المهر ) إن لم يخلُ بها فإن خلا بها تقرر المهر ، وإن لم يدخل
للحديث .
(١) البقرة من الآية / ٢٣٠.
- ٢٥٨ -

( وهولها في إباحتها الأول) لأنها لا تدعي عليه حقاً ، ولأنها مؤتمنة
على نفسها ، وعلى ما أخبرت به عن نفسها ، ولا سبيل إلى معرفة ذلك
حقيقة إلا من جهتها، كإخبارها بانقضاء عدتها . ولمطلقها ثلاثاً نكاحها إن
غلب على ظنه صدقها .
كتاب الإيلاء
وهو : الحلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر . قال
ابن قتيبة : يؤلون من نسائهم : يحلفون : إِذا حلف لا يجامعها . حكاه
عنه أحمد . وقرأ أبي بن كعب وابن عباس : يقسمون مكان يؤلون .
( وهو حرام) لأنه يمين على ترك واجب .
( كالظهار) لقوله تعالى ( .. وَإِنْهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْل وَزُوراً)(١)
وقال قتادة : كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية . وقال سعيد بن المسيب:
كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية : كان الرجل لا يحب امرأته ، ولا يريد
أن يتزوج بها غيره ، فيحلف أن لا يقربها أبداً، فبتركها لا أيماً، ولا ذات
بعل ، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله له أجلاً في الإسلام.
ذكره البغوي وغيره .
( يصح من زوج يصح طلاقه) لقوله تعالى (. لِلَّذِينَ يُؤلونَ مِنْ نِسَائِهِمْ.)(٢)
(١) المجادلة من الآية / ٢ .
(٢) البقرة من الآية / ٢٢٦ .
- ٢٥٩ -

ولا يصح من مغمى عليه ومجنون ، لأنه لا قصد لهما ، ولا حكم ليمينهما.
( سوى عاجز عن الوطء : إما لمرض لا يرجى برؤه ، أو لجب كامل ،
أو شلل) لأنه لا يطلب منه الوطء ، لامتناعه منه بعجزه لا بيمينه ..
( فإذا حلف الزوج بالله تعالى ، أو بصفة من صفاته أنه لا يطا زوجته
أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر: صار مؤلياً ) فإذا حلف على أربعة
أشهر فما دونها لم يكن مؤلياً ، لدلالة الآية على أنه لا يكون مؤلياً
بما دونها .
( يؤجل له الحاكم إن سألت زوجته ذلك أربعة أشهر من حين يمينه )
للآية ، فلا يفتقر إلى ضرب حاكم كالعدة .
( ثم يخير بعدها بين أن يكفر ويطأ) لزوال اليمين ، والضرر عنها
بالوطء، وعليه الكفارة ، لقوله صلى الله عليه وسلم ((من حلف على
يمين ، فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ، وليكفر عن يمينه))
متفق عليه .
( أو يطلق) لقوله تعالى ( ... فَإِنْ فَاءُ وا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وَ إِنْ عَزَمَوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَيعٌ عَلِيمٍ)(١) وقوله ( ... فَإِنْساك
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسانٍ ... )(٢)
ومن امتنع من بذل ما وجب عليه لم يمسك بمعروف فيؤمر بالتسريح
(١) البقرة من الآية / ٢٢٦ و / ٢٢٧.
(٢) البقرة من الآية / ٢٢٩ .
- ٢٦٠ -