النص المفهرس
صفحات 21-40
بَابُ الْهِبَة ( وهي التبرع بالمال في حال الحياة ) خرج الوصية . (وهي مستحبة ) لقوله صلى الله عليه وسلم ((تهادوا تحابوا)) وهي أفضل من الوصية ، لحديث أبي هريرة (( سئل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا)) رواه مسلم بمعناه . ( منعقدة بكل قول ) يدل على الهبة بأن يقول : وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك ونحوه . (أو فعل يدل عليها) (( لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان يهدي ويهدى إليه ، ويعطي ويعطى ، ويفرق الصدقات ، ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها)) وكان أصحابه يفعلون ذلك ، ولم ينقل عنهم إيجاب ولاقبول، ولو كان شرطاً لنقل عنهم نقلاً متواتراً أو مشهوراً، ولأن دلالة الرضى بنقل الملك تقوم مقام الإيجاب والقبول . ( وشروطها ثمانية : ) (١ - كونها من جائز التصرف) وهو الحر المكلف الرشيد . (٢ - كونه مختاراً غير هازل) فلا تصح من مكره ولا هازل . (٣ - كون الموهوب يصح بيعه ) اختاره القاضي وقدمه في الفروع، - ٢١ - لأنه عقد يقصد به تمليك العين ، أشبه البيع . قال في الكافي : وتجوز هبة الكلب وما يجوز الانتفاع به من النجاسات ، لأنه تبرع فجاز في ذلك كالوصية . ولا تجوز في مجهول ولا معجوز عن تسليمه . (٤ - كون الموهوب له يصح تمليكه) فلا تصح لحمل ، لأن تمليكه تعليق على خروجه حياً ، والهبة لا تقبل التعليق . (٥ - كونه یقبل ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه ) لما تقدم ( قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفاً ) على ما تقدم تفصيله . (٦ - كون الهبة منجزة) فلا تصح معلقة كإذا قدم زيد فهذا لعمرو، لأنها تمليك لمعين في الحياة ، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع إلا تعليقها بموجب الواهب فيصح، وتكون وصية . وأما قوله صلى الله عليه وسلم، لأم سلمة - (إني قد أهديت إلى النجاشي حلة، وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت فهي لك )) الحديث رواه أحمد - فوعد لا هبة . (٧ - كونها غير مؤقتة) كوهبتكه شهراً أو سنة، لأنه تعليق لانتهاء الهبة ، فلا تصح معه كالبيع . ( لكن لو وقتت بعمر أحدهما ) كفوله جعلتها لك عمرك أو حياتك أو عمري (لزمت ولفى التوقيت) لقوله صلى الله عليه وسلم ((أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه)) رواه أحمد ومسلم. وفي لفظ ((قضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالعمرى لمن وهبت له)) متفق عليه. وعن جابر (( أن رجلاً - ٢٢ - من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخل حياتها فماتت ، فجاء إخوته ، فقالوا نحن فيه شرع سواء . قال : فأبى ، فاختصموا إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقسمها بينهم ميراثاً )) رواه أحمد . والرقبى : أن يقول: إِن مت قبلي عادت إلى، وإِذمت قبلك فهي لك. قال مجاهد : هي أن يقول : هي للآخر مني ومنك موتاً سميت رقبى، لأن كلاً منهما يرقب موت صاحبه . ففيها روايتان . إحداهما: هي لازمة لا تعود إلى الأول ، لعموم الأخبار ، ولقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو له حياته ومماته )) رواه أحمد ومسلم وفي حديث جابر مرفوعاً (( العمرى جائزة لأهلها ، والرقبى جائزة لأهلها )) رواه الخمسة . وهو قول جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت ، وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك . قاله في الشرح . ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك ، وتنتقل إلى الورثة فلم يكن تقديره بحياته منافياً لحكم الأملاك، ولأنه شرط رجوعها على غير الموهوب له ، وهو وارثه بعد ما زال ملك الموهوب له فلم يؤثر ، كما لو شرط بعد لزوم العقد شرطاً ينافي مقتضاه . وعنه : ترجع إلى المعمر والمرقب ، لقوله صلى الله عليه وسلم ((المؤمنون عند شروطهم)) وسئل القاسم عنها ، فقال: ما أدركت الناس إلى على شروطهم في أموالهم، وما أعطوا . وقال جابر ((إِنما العمرى الذي أجاز رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يقول: هي لك ، ولعقبك . فأما إِذا قال : هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها)) متفق عليه . وأجيب عنه بأنه من قول جابر نفسه ، فلا يعارض ما روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقول القاسم لا يقبل في مقابلة من - ٢٣ - سمينا من الصحابة والتابعين ، فكيف في مخالفة سيد المرسلين ?! قاله في الشرح . ( وكونها بغير عوض فإن كانت بعوض معلوم فبيع ) يثبت فيها الخيار، والشفعة ، وضمان العهدة . وعنه : يغلب فيها حكم الهبة ، فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به، لقول عمر (( من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته ، يرجع فيها إذا لم يرض منها )) رواه مالك في الموطأ. وعن أبي هريرة مرفوعاً (( الواهب أحق بهبته مالم يثب منها))(١) رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي . وقال أحمد: إِذا وهب على وجه الإثابة فلا يجوز له إلا أن يشيبه منها . ( وبعوض مجهول فباطلة ) كالبيع بثمن مجهول، فترد بزيادتها المتصلة والمنفصلة . وإِن تلفت ضمنها ببدلها . وعنه: تصح ، ويعطيه ما يرضيه، أو يردها ، ويحتمل أن يعطيه قيمتها ، فإن لم يفعل فللواهب الرجوع ، لما روي عن عمر . قاله في الكافي . ( ومن اهدی ليهدى له أكثر فلا بأس) لحديث (( المستعذر يثاب من هبة)) لغير النبي، صلى الله عليه وسلم (٢)، لقوله تعالى (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثرُ ) (٣) ولما فيه من الحرص والمضنة . (١) قوله: مالم يثب منها، أي: مالم يعوض عنها. ومعنى الحديث أن للواهب الرجوع في هبته ، وأنه إذا رجع ترد عليه هبته مالم يعوض عنها، وهو مذهب أبي حنيفة . انتهى . انظر حاشية السندي على سنن ابن ماجه والمناوي في فيض القدير . (٢) أنظر غاية المنتهى ١٢/٣ بتحقيقنا ففيه الكثير من خصوصياته ، صلى الله عليه وآله وسلم . (٣) المدثر من الآية / ٦ . - ٢٤ - (ويكره رد الهبة وإن قلت) لحديث ابن مسعود مرفوعاً (( لا تردوا الهدية)) رواه أحمد . (بل السنة أن يكافيء أو يدعو) لحديث (( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه )) رواه أحمد وغيره. وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال : ترك المكافآت من التطفيف ، وقاله مقاتل . ( وإن علم أنه أهدى حياء وجب الرد ) قاله ابن الجوزي . قال في الآداب : وهو قول حسن ، لأن المقاصد في العقود عندنا معتبرة . فصل ( وتملك الهبة بالعقد ) لما روي عن علي وابن مسعود أنهما قالا ((الهبة إذا كانت معلومة فهي جائزة قبضت أو لم تقبض)» فيصح تصرف الموهوب له فيها قبل القبض على المذهب . نص عليه . والنماء للمتهب . قاله في الإنصاف . ( وتلزم بالقبض بشرط أن يكون القبض بإذن الواهب ) قال المروزي : اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة . وقال الصديق لما حضرته الوفاة لعائشة (( يا بنية: إني كنت نحلتك جادً (١) عشرين وسقاً ، ولو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ، وإِنما هو اليوم مال الوارث فاقتسموه على كتاب الله تعالى)) رواه مالك في الموطأ . (١) قوله جادًّ عشرين: بتشديد الدال المهملة ، أي : أعطاها ما يجد عشرين وسقاً . أي: ما يحصل من ثمرته ذلك . والجد: صرام النخل . - ٢٥ - وتبطل بموت متهب قبل قبضها ، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة (( إِني قد أهديت إِلى النجاشي حلة وأواقي مسك ، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي ، فإن ردت فهي لك . قالت : فكان ما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وردت عليه هديته ، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك ، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة )) رواه أحمد . ( فقبض ما وهب بکیل أو وزن أو عد او ذرع بذلك ، وقبض الصبرة ، وما ينقل بالنقل ، وقبض ما يتناول بالتناول ، وقبض غير ذلك بالتخلية ) كقبض مبيع . ( ويقبل ويقبض لصغير ومجنون وليهما ) وهو أب ، أو وصيه ، أو الحاكم ، أو أمينه كالبيع والشراء . قال أحمد : لا أعرف للأم قبضاً . ولا يحتاج أب وهب موليه إِلى توكيل ، لانتفاء التهمة قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أن الرجل إذا وهب لولده الطفل داراً بعينها ، أو عبداً بعينه، وقبض له من نفسه، وأشهد عليه: أنها تامة، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض . وصحح في المغني : أن الأب وغيره في هذا سواء لانتفاء التهمة هنا بخلاف البيع . ( ويصح أن يهب شيئاً ويستثني نفعه مدة معلومة ) نحو شهر وسنة کالبيع . ( وأن يهب حاملا ، ويستثني حملها) كالعتق . ( وإن وهبه وشرط الرجوع متى شاء لزمت ولفى الشرط ) لأنه شرط ينافيها، فتصح هي مع فساد الشرط ، كالبيع بشرط أن لا يخسر. - ٢٦ - ( وإن وهب دینه لمدینه، او ابراه منه، أو تركه له صح، ولزم بمجرده) ولو قبل حلوله ) لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذمة . ( وتصـح البراءة ولو مجهولاً) لهما أو لأحدهما، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين « اقتسما وتوخيا الحق، واستهما، ثم تحالا)). ( ولا تصح هبة الدين لغير من هو عليه ) لأنه غير مقدور على تسليمه ( إلا إن كان ضامناً) فإنها تصح لتعلقه في ذمته . فصل ( ولكل واهب أن يرجع في هبته قبل إقباضها) لبقاءملكه مع الكراهة خروجاً من خلاف من قال: تلزم بالعقد، لحديث (( العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه)) متفق عليه . ولأنه يروى عن علي ، وابن مسعود . ( ولا يصح الرجوع إلا بالقول ) نحو رجعت في هبتي أو ارتجعتها ، أو رددتها ، لأن الملك ثابت للموهوب له يقيناً ، فلا يزول إلا بيقين ، وهو صريح الرجوع . (وبعد إِقباضها يحرم ولا يصح) لحديث ابن عباس مرفوعاً ((العائد في هبته كالكلب يفيء القيء، ثم يعود في قيئه)) متفق عليه. قال أحمد في رواية : قال قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراماً. ( مالم يكن أباً فإن له أن يرجع ) فيما وهبه لولده ، قصد التسوية أولا ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده )) رواه الخمسة ، وصححه الترمذي . - ٢٧ - ( بشروط أربعة : ) (١ - ان لا يسقط حقه من الرجوع) فإن أسقطه سقط . (٢ - أن لا تزيد زيادة متصلة) كالسمن والتعلم فإن زادت فلا رجوع ، وأما الزيادة المنفصلة فهي للابن ، ولا تمنع الرجوع . (٣ - أن تكون باقية في ملكه) لأن الرجوع فيها بعد خروجها عن ملكه إبطال لملك غيره . (٤ - أن لا يرهنها) الولد فإن رهنها أو حجر عليه لفلس سقط الرجوع ، لما فيه من إسقاط حق المرتهن والغرماء . ( وللأب الحر ان يتملك من مال ولده ماشاء) لقوله صلى الله عليه وسلم (( أنت ومالك لأبيك)) رواه سعيد وابن ماجة، ورواه الطبراني في معجمه مطولاً وعن عائشة مرفوعاً (( إِن أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإن أولادكم من كسبكم» رواه سعيد والترمذي وحسنه . (بشروط خمسة :) (١ - أن لا يضره) لحديث (( لا ضرر ولا ضرار)) ولأنه أحق بما تعلقت به حاجته . (٢ - أن لا يكون في مرض موت أحدهما) المخوف فلا يصح فيه ، لانعقاد سبب الإِرث . (٣ - ان لا يعطيه لولد آخر) نص عليه، لأنه ممنوع من التخصيص من مال نفسه فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى . (٤ - أن يكون التملك بالقبض مع القول أو النية ) لأن القبض يكون للتملك وغيره فاعتبر ما يعين وجهه . - ٢٨ - (٥ - أن يكون ما تملكه عيناً موجودة، فلا يصح أن يتملك ما في ذمته من دين ولده ، ولا أن يبرىء نفسه ) كإبرائه غريمه ، لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه . (وليس لولده أن يطالبه بما في ذمته من الدين ) وقيمة المتلف وغير ذلك ، لحديث (( أنت ومالك لأبيك)). ( بل إذا مات أخذه من تركته من رأس المال ) لأنه حق ثابت عليه لا تهمة فيه ، كدين الأجنبي ، وله مطالبته بنفقته الواجبة ، لفقره وعجزه عن التكسب ، لضرورة حفظ النفس . فصل ( ويباح للإنسان أن يقسم ماله بين ورثته في حال حياته ) على فرائض الله عز وجل ، لعدم الجور فيها . ( ويعطي من حدث حصته وجوباً) ليحصل التعديل الواجب . ( ويجب عليه التسوية بينهم على قدر إرثهم ) اقتداء بقسمة الله تعالى ، وقياساً لحال الحياة على حال الموت . وسائر الأقارب في ذلك كالأولاد ، قال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى ، وقال إبراهيم : كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبلة فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين . وما ذكر عن ابن عباس مرفوعاً (( سووا بين أولادكم ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء)) الصحيح أنه مرسل ، ذكره في الشرح. ( فإن زوج أحدهم أو خصصه بلا إذن البقية حرم عليه) لقوله صلى الله عليه وسلم ، في حديث النعمان ((لا تشهدني على جور)) متفق عليه. - ٢٩ - والجور حرام . وكان الحسن يكرهه ، ويجيزه في القضاء وأجازه مالك والشافعي، لخبر أبي بكر ((لما نحل عائشة)) ولنا حديث ((النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا . فقال: فأرجعه)) متفق عليه . ذكره في الشرح . ( ولزمه أن يعطيهم حتى يستووا) نص عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)» رواه مسلم . ( فإن مات قبل التسوية ، وليس التخصيص بمرض موته المخوف ثبت للآخذ ) فلا رجوع لبقية الورثة عليه . نص عليه ، لقول الصديق (( وددت لو أنك حزتيه)) وقول عمر (( لا عطية إلا ما حازه الولد ... )) وهو قول أكثر أهل العلم . قاله في الشرح . ( وإن كان بمرض موته لم يثبت له شيء زائد عنهم إلا بإجازتهم ) لأن حكمه كالوصية، وفي الحديث (( لا وصية لوارث)). (ما لم يكن وقفاً، فيصح بالثلث كالأجنبي) احتج أحمد بحديث عمر، وتقدم في الوقف ، وبأن الوقف لا يباع ، ولا يورث ، ولا يصير ملكاً للورثة . وقال أحمد: إِن كان على طريق الأثرة (١) فأكرهه ، وإن كان على أن بعضهم له عيال ، أو به حاجة فلا بأس، لأن الزبير ((خص المردودة من بناته )) ذكره في الشرح . (١) الأثرة ، كما في اللسان: بفتح الهمزة والثاء الاسم من آثر يؤثر إيثاراً إذا أعطى . - ٣٠ - فصل ( والمرضى غير المخوف : كالصداع ، ووجع الضرس ) والرمد ، وحمى ساعة ، ونحوها ( تبرع صاحبه نافذ في جميع ماله كتصرف الصحيح ) لأن مثل هذه لا يخاف منها في العادة . (حتى ولو صار مخوفاً، ومات منه بعد ذلك ) اعتباراً بحال العطية لأنه إِذ ذاك في حكم الصحيح . ( والمرض المخوف كالبرسام) وهو : وجع في الدماغ يختل به العقل . وقال عياض: هو ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان ويهذي. ( وذات الجنب ) : قروح بباطن الجنب . ( والرعاف الدائم ) لأنه يصفي الدم فتذهب القوة . ( والقيام المتدارك ) أي : الإسهال معه دم ، لأنه يضعف القوة ، وأول فالج - وهو : داء معروف يرخي بعض البدن - وآخر سل ، والحمى المطبقة ، وحمى الربع ، ومن أخذها الطلق مع ألم حتى تنجو، نص عليه . وما قال طبيبان مسلمان أنه مخوف . ( وكذلك ) أي : وألحق بالمرض المخوف ( من بين الصفين وقت الحرب ) وكل من الطائفتين مكافىء أو كان من المقهورة . - ٣١ - ( أو كان باللجة وقت الهيجان ) أي: ثوران البحر بريح عاصف، لأن الله وصف من في هذه الحالة بشدة الخوف ، فقال: ( وَجاءُهُ اْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُوا أَنَّهُمْ أُحيطَ بِهِمْ) (١) ( أو وقع الطاعون ببلده) لأن توقع التلف من أولئك كتوقع المريض وأكثر . قال ابو السعادات فيه: هو المرض العام ، والوباء الذي يفسد له الهوى ، فتفسد به الأمزجة والأبدان . وقال عياض : هو قروح تخرج من المغابن (٢) لا يلبث صاحبها ، وتعم إِذا ظهرت . وقال النووي في شرح مسلم : هو بثر وورم مؤلم جداً يخرج معه لهب ، ويسود ما حوله، ويخضر ، ويحمر حمرة بنفسجية ، ويحصل معه خفقان القلب . انتهى . وعن أبي موسى مرفوعاً (( فناء أمتي بالطعن والطاعون . فقيل : يارسول الله ، هذا الطعن قد عرفناه ، فما الطاعون ? قال : وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة)) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني . وفي حديث عائشة (( غدة كغدة البعير ، المقيم به كالشهيد ، والفار منه كالفار من الزحف)) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني . (أو قدم للقتل أو حبس له) لظهور التلف وقربه . ( أو جرح جرحاً موحياً) أي: مهلكاً مع ثبات عقله « لأن عمر ، رضي الله عنه ، لما جرح سقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه ، فقال له الطبيب : اعهد إِلى الناس ، فعهد إليهم ووصى ، فاتفق الصحابة على قبول (١) يونس من الآية / ٢٢ . (٢) المغابن: ج مَغبين وهو : الإبط والرُقغ وما أطاف به، أي: بطن الفخذ عند الحالب من غبن الثوب إذ اثناه وعطفه، وهي معاطف الجلدايضاً . - ٣٢ - عهده ووصيته)) وعلي ، رضي الله عنه، بعد ضرب ابن ملجم (( أوصى وأمر ونهى)) فإن لم يثبت عقله فلا حكم لعطيته ، بل ولا لكلامه . ( فكل من أصابه شيء من ذلك ، ثم تبرع ومات نفذ تبرعه بالثلث فقط) أي : ثلث ماله عند الموت ، لقوله صلى الله عليه وسلم ((إِن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)) رواه ابن ماجه . (للأجنبي فقط ) لحديث (( لا وصية لوارث)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه . ( وإن لم يمت ) من مرضه المخوف . ( فكالصحيح ) في نفوذ عطاياه كلها ، وصحة تصرفه لعدم المانع . - ٣٣ - ت (٣) كتاب الوصايا الأصل فيها : الكتاب والسنة والإجماع . قال الله تعالى ( كُتبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَ كُمُ اْتَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اْوَصِيّةُ.) الآية(١) وقال تعالى: ( مِنْْ بَعْدِ وَصِيَّةً يُومِيْ بِهَا أَوْ دَيْنٍ)(٢) وأما السنة فحديث ابن عمر وسعد وغيرهما ، وأجمعوا على جوازها ، قال ابن عبد البر : أجمعوا على أنها غير واجبة ، إلا على من عليه حق بغير بينة ، إلا طائفة شذت فأوجبتها ، روي عن الزهري وأبي مجلز ، وهو قول داود . ولنا: أن أكثر الصحابة لم يوصوا، ولم ينقل بذلك نكير. وأما الآية: فقال ابن عباس وابن عمر ((نسختها آية الميراث)) وحديث ابن عمر : محمول على من عليه واجب . قاله في الشرح . ( تصح الوصية من كل عاقل لم يعاين الموت ) لأن أبا بكر ((وصى بالخلافة لعمر ، ووصى بها عمر لأهل الشورى)) ولم ينكره من الصحابة منكر . وعن سفيان بن عينية عن هشام بن عروة قال : أوصى إِلى الزبير سبعة من الصحابة : منهم عثمان ، والمقداد ، وعبد الرحمن بن عوفٍ ، وابن مسعود، فكان يحفظ عليهم أموالهم، وينفق على أيتامهم من ماله. (١) البقرة من الآية / ١٨٠. (٢) النساء من الآية / ١١ . - ٣٤ - فإن عاين الموت لم تصح وصيته ، لأنه لا قول له . وفي الحديث (( ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا ، وقد كان لفلان)) قال في شرح مسلم : - إِما من عنده ، أو حكاية عن الخطابي - والمراد : قاربت بلوغ الحلقوم، إِذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ، ولا صدقته ، ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء (٣) . (ولو مميزاً) ((لأن صبياً من غسان أوصى إِلى أخواله فرفع إِلى عمر فأجاز وصيته)) رواه سعيد . وفي الموطأ نحوه وفيه (( أن الوصية بيعت بثلاثين ألفاً)) وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر . وقال شريح وعبد الله بن عتبة : من أصاب الحق أجزنا وصيته . (أو سفيهاً ) لأنه إنما حجر عليه ، لحفظ ماله وليس في وصيته إضاعة له ، لأنه إن عاش فهو له ، وإن مات لم يحتج إِلى غير الثواب ، وقد حصله . وأما الطفل والمجنون فلا تجوز وصيتهما في قول أكثر أهل العلم . قاله في الشرح . وتصح الوصية بلفظ مسموع من الموصي بلا خلاف ، وبخط ، لحديث ابن عمر - ويأتي - (( وكتب ، صلى الله عليه وسلم ، إِلى عماله. وكذا الخلفاء إِلى ولاتهم بالأحكام التي فيها الدماء والفروج مختومة ، لا يدري حاملها ما فيها)» وذكر أبو عبيد استخلاف سليمان عمر بن عبد (٣) قال ابن هشام في مغني اللبيب : إنهم يعبرون بالفعل عن أمور ، منها: مشارفته نحو: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية .. ) أي : والذين يشارفون الموت وترك الأزواج يوصون وصية . - ٣٥ - العزيز ، قال: ولا نعلم أحداً أنكر ذلك مع شهرته فيكون إجماعاً . قاله في الشرح . وعن أنس (( كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به فلان ابن فلان : يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا الله ورسوله إِن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: (يا بَنِيَّ إِنّ اَللّهَ اصْطَفِى لَكُمُ الدَّينَ فَلاَ تَمَوتُنَّ إِلّ وَأَنْتُمْ مُسْلِونَ ) رواه سعيد ورواه الدارقطني بنحوه . ويجب العمل بالوصية إذا ثبتت ، ولو طالت مدتها مالم يعلم رجوعه عنها ، لأن حكمها لا يزول بتطاول الزمان . ( فتسن ) الوصية . ( بخمس من ترك خيراً - وهو المال الكثير عرفاً) قال ابن عباس (( وددت لو أن الناس غضوا من الثلث)) لقول النبي ، صلى الله عليه وسلم ((والثلث كثير)) متفق عليه . وعن إبراهيم : كانوا يقولون : صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث ، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع رواه سعيد . ((وأوصى أبو بكر الصديق بالخمس ، وقال: رضيت بما رضي الله به لنفسه)) يريد قوله تعالى (وَأَعْلَموا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّْ ◌ِ ◌ُسَهُ ... )(١) وقال علي، رضي الله ٣٦ - عنه (( لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع )) وعن العلاء قال : أوصى أبي أن أسأل العلماء أي الوصية أعدل ؟ فما تتابعوا عليه فهو وصية ، فتتابعوا على الخمس . ((وتكره لفقير له ورثة ) محتاجون ، لقوله صلى الله عليه وسلم ((إِنك أن تذر ورثنك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)). ( وتباح له إن كانوا اغنياء) نص عليه في رواية ابن منصور . ( وتجب على من عليه حق بلا بينة ) لحديث ابن عمر مرفوعاً ((ماحق امرىء مسلم له شيء يوصي به ببيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه )) متفق عليه . (وتحرم على من له وارث بزائد عن الثلث) (( لنهيه ، صلى الله عليه وسلم، سعدا عن ذلك)) متفق عليه. وعن عمران بن حصين ((أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم ، فجزأهم النبي، صلى الله عليه وسلم ، أثلاثا ، ثم أقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ، وقال له قولاً شديداً)) رواه الجماعة إلا البخاري . ( ولو ارث بشيء ) مطلقاً نص عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا وصية لوارث)) رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وحسنه. ( وتصح) الوصية بزائد عن الثلث ، ولوارث مع الحرمة . ( وتقف على إجازة الورثة) لحديث ابن عباس مرفوعاً (( لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة)) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً نحوه ، رواهما الدارقطني . ولأن المنع لحق الورثة فإذا رضوا بإسقاطه نفذ. قال ابن المنذر : أجمعوا على أنها تبطل فيما زاد - ٣٧ - على الثلث برد الورثة ، وبردهم في الوصية للوارث ، وإن أجازوا جازت في قول الأكثر . ذكره في الشرح . وتصح الوصية ممن لا وارث له بجميع ماله . روي عن ابن مسعود، وعبيدة، ومسروق ، لأن المنع من الزيادة على الثلث لحق الوارث ، وهو معدوم . ( والاعتبار بكون من وصي أو وهب وارثاً أولاً عند الموت ) أي : موت موص ، وواهب . قال في الشرح : لا نعلم فيه خلافاً . ١ ( وبالإجازة أو الرد بعده ) أي : بعد موته ، وما قبله لا عبرة به . نص عليه . ( فإن امتنع الموصى له بعد موت الموصي من القبول ومن الرد ، حكم عليه بالرد وسقط حقه) من الوصية لعدم قبوله، ولأن الملك متردد بينه وبين الورثة ، فأشبه من تحجر مواتاً ، وامتنع من إحيائه . ( وإن قبل ، ثم رد لزمت ولم يصح الرد ) لأن ملكه قد استقر عليها بالقبول كسائر أملاكه إلا أن يرضى الورثة بذلك ، فتكون هبة منه لهم تعتبر شروطها . ( وتدخل في ملكه من حين قبوله) كسائر العقود ، لأن القبول سبب دخوله في ملكه ، والحكم لا يتقدم سببه ، فلا يصح تصرفه في العين الموصى بها قبل القبول ببيع ، ولا هبة ولا غيرهما ، لعدم ملكه لها . ( فما حدث من نماء منفصل قبل ذلك فلورثته ) أي : ورثة الموصي. والنماء المتصل يتبعها كسائر العقود والفسوخ . - ٣٨ - ( وتبطل الوصية بخمسة أشياء : ) (١ - برجوع الموصي) لقول عمر، رضي الله عنه ((يغير الرجل ماشاء في وصيته)). ( بقول) كرجعت في وصيتي ، أو أبطلتها ونحوه . ( أو فعل يدل عليه ) أي : على الرجوع ، كبيعه ما وصى به ، ورهنه وهبته . قال في الشرح : واتفق أهل العلم على أن له أن يرجع في كل ما أوصى به ، وفي بعضه إلا العتق ، فالأكثر على جواز الرجوع . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه : أنه إذا أوصى لرجل بطعام ، أو بشيء فأتلفه ، أو وهبه ، أو بجارية فأحبلها ، أنه رجوع . (٢ - بموت الموصى له قبل الموصي) في قول الأكثر . قاله في الشرح ، لأنها عطية صادفت المعطى ميتاً فلم تصح ، إِلا إِن كانت بقضاء دينه ، لبقاء اشتغال الذمة حتى يؤدى الدين . (٣ - بقتله للموصي) قتلاً مضموناً ولو خصأ ، لأنه يمنع الميراث، وهو آكد منها فهي أولى . (٤ - برده الوصية) بعد موت الموصي ، لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه . (٥ - بتلف العين المعينة الموصى بها ) قبل قبول موصى له ، لأن حقه لم يتعلق بغيرها . قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه على أن الرجل إذا أوصي له بشيء فهلك الشيء ، أنه لا شيء له في مال الميت . - ٣٩ - باب الموصى له ( تصح الوصية لكل من يصح تمليكه ، ولو مرتداً او حربياً ) قال في الشرح : لا نعلم فيه خلافاً ، لقوله تعالى ( إِلاّ أنّ تَفَعَلوا إلى أَوْلِائِكُمْ مَعْروفاً .. )(١) قال محمد بن الحنفية، وعطاء، وقتادة: هو وصية المسلم لليهودي والنصراني . ( او لا يملك، كحمل ) قال في الشرح : ولا نعلم خلافاً في صحة الوصية للحمل . أي : إذا علم وجوده حين الوصية . فإن انفصل ميتاً بطلت ، لأنه لا يرث . ( وبهيمة ويصرف في علفها ) لأن الوصية لها أمر بصرف المال في مصلحتها ، فإن ماتت البهيمة الموصى لها قبل صرف جميع الموصى به في علفها ، فالباقي للورثة ، لتعذر صرفه إلى الموصى له ، كما لو رد موصى له الوصية . ( وتصح للمساجد ، والقناطر ونحوها ) كالثغور ، ويصرف في مصالحها الأهم فالأهم عملاً بالعرف . ( والله ورسوله ، وتصرف في المصالح العامة ) كالفيء . (وإن وصى بإحراق ثلث ماله صح، وصرف في تجمير الكعبة ، وتنوير المساجد ، وبدفنه في التراب : صرف في تكفين الموتى . وبرميه في الماء : (١) الأحزاب في الآية / ٦ . - ٤٠ -