النص المفهرس
صفحات 1-20
مُبَّارِ السَّبِيِّد في شرح الدليل عَلى مَذْهَبِ الإِمام الجمل الحَدبن حنبل تأليف الشيخ إبراهيم بن محمد بن المريرفضوين الجزء الثَّانِى بتحقيق زهير الشاويش المكتب الإسلامي حقوق الطبع محفوظة لكتب الإسلامي لصاحِهِ زهير الشاويش الطبعَة الخامسَة ١٤٠٢-١٩٨٢ المكتب الاسلامي بيروت: ص.ب ٣٧٧١ - ١١ هاتف ٤٥٠٦٣٨ برقيا (اسلاميًا) دمشق: ص.ب ٨٠٠ هاتف ١١١٦٣٧ برقيًا (اسلامي) كتاب الوقف قال الشافعي ، رحمه الله: لم تحبس أهل الجاهلية ، وإِنما حبس أهل الإسلام . وهو مستحب ، لحديث (( إِذا مات ابن آدم انقطع عمله . إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له)) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. وقال جابر (( لم يكن أحد من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ذو مقدرة إِلا وقف ، ويجوز وقف الأرض والجزء المشاع لحديث ابن عمر قال (( أصاب عمر أرضاً بخيبر ، فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم ، يستأمره فيها، فقال: يارسول الله ، إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه ، فما تأمرني فيه ؟ فقال : إِن شئت حبست أصلها وتصدقت بها . غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، قال : فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى ، والرقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضيف ، لاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه. وفي لفظ: غير متأثل)) متفق عليه. وعنه أيضا قال ((قال عمر للنبي، صلى الله عليه وسلم : إِن المائة سهم التي بخيبر لم أصب مالاً قط أعجب إلي منها ، وقد أردت أن أتصدق بها . فقال صلى الله عليه وسلم : احبس أصلها وسبل ثمرتها )) رواه النسائي وابن ماجه . وهذا وصف المشاع . - ٣ - ( يحصل بأحد أمرين: بالفعل، مع دليل يدل عليه : كان يبني بنياناً على هيئة المسجد ، ویاذن إذناً عاماً بالصلاة فيه ، او يجعل أرضه مقبرة ویاذن إذناً عاماً بالدفن فيها ) أو سقاية ويشرعها لهم ، ويأذن في دخولها ، لأن العرف جار بذلك ، وفيه دلالة على الوقف ، فجاز أن يثبت به كالقول ، وجرى مجرى من قدم طعاماً لضيفانه ، أو نثر نثاراً . قاله في الكافي . ( وبالقول ، وله صريح وكناية ، فصريحه : وقفت وحبست وسبلت ) متى وقف بواحدة منها صار وقفاً لأنه ثبت لها عرف الاستعمال ، وعرف الشرع بقوله صلى الله عليه وسلم لعمر ((إِن شئت حبست أصلها وسبلت ثمرتها)) فصارت كلفظ الطلاق ، وإضافة التحبيس إلى الأصل والتسبيل إلى الثمرة لا يقتضي المغايرة في المعنى ، فإِن الثمرة أيضاً محبسة على ما شرط صرفها إليه . (وكنايته: تصدقت، وحرمت، وأبدت) فليست صريحة لأنها مشتركة بين الوقف وغيره من الصدقات والتحريمات . ( فلا بد فيها من نية الوقف ) فمن نوى بها الوقف لزمه حكماً ، لأنها بالنية صارت ظاهرة فيه . (مالم يقل: على قبيلة كذا، أو طائفة كذا) أو يقرن الكناية بحكم الوقف كفوله : تصدقت به صدقة لا تباع ، أو لا توهب ، أو لا تورث، لأن ذلك كله لا يستعمل في غير الوقف . - ٤ - فصل ( وشروط الوقف سبعة :) (١ - كونه من مالك جائز التصرف) فلا يصح من محجور عليه، ولا من مجنون . ( أو ممن يقوم مقامه ) كوكيله فيه . (٢ - كون الموقوف عيناً يصح بيعها) فلا يصح وقف أم ولد وكلب وخمر ومرهون . (وينتفع بها نفعاً مباحاً مع بقاء عينها) كالعقار والحيوان والسلاح. قال الإِمام أحمد : إِنما الوقف في الأرضين والدور على ما وقف أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به . وقال النبي، صلى الله عليه وسلم (( أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله)) متفق عليه . قال الخطابي : الأعتاد : ما يعده الرجل من مركوب وسلاح وآله الجهاد . وعن أبي هريرة مرفوعاً (( من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً فإِن شبعه وروثه وبوله في ميزانه حسنات)) رواه البخاري. وقالت أم معقل « يارسول الله: إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله. فقال : اركبيه فإن الحج من سبيل الله)) (١) رواه أبو داود وروى الخلال عن نافع (١) الناضح : البعير أو الثور أو الحمار الذي يستقى عليه الماء. - ٥ - (( أن حفصة ابتاعت حلياً بعشرين ألفاً حبسته على نساء آل الخطاب ، فكانت لا تخرج زكاته )) . ( فلا يصح وقف مطعوم ومشروب غير الماء ، ولا وقف دهن وشمع وأثمان وقناديل نقد على المساجد، ولا على غيرها) (٢) لأن مالا ينتفع به إلا بإتلافه لا يصح وقفه ، لأنه يراد للدوام ليكون صدقة جارية ، ولا يوجد ذلك فيما لا تبقى عينه . (٣ - كونه على جهة بر وقرية: كالمساكين والمساجد والقناطر والأقارب) والسقايات وكتب العلم ، لأنه شرع لتحصيل الثواب . فإِذا لم يكن على بر لم يحصل مقصوده الذي شرع لأجله . قال في الكافي : فإن قيل : كيف جاز الوقف على المساجد، وهي لا تملك؟ قلنا: الوقف إِنما هو على المسلمين ، لكن عين نفعاً خاصا لهم . ; فلا يصح على الكنائس ، ولا على اليهود والنصارى ، ولا على جنس الأغنياء والفساق ) وقطاع الطريق ، لأن ذلك إِعانة على المعصية . (( وقد غضب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة ، وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب! ألم آت بها بيضاء نقية ؟ لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)) وقال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعاً كثيرة ، وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا ، والضياع بيد النصارى ، فلهم أخدها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم . ( لكن لو وقف على ذمي او فاسق أو غني معين صح ) لما روي ((أن (٢) النقد : يريد به الذهب والفضة . صفية بنت حبي زوج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقفت على أخ لها يهودي» . (٤ - كونه على معين غير نفسه يصح أن يملك فلا يصح الوقف على مجهول ، كرجل ومسجد، ولا على أحد هذين ) الرجلين أو المسجدين لتردده ، كبعتك أحد هذين العبدين ، ولأن تمليك غير المعين لا يصح . ( ولا على نفسه ) عند الأكثر . نقل حنبل وأبو طالب عن الإمام أحمد: ما سمعت بهذا ولا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى . ويصرف في الحال لمن بعده ، كمنقطع الابتداء . وعنه: يصح . قال في التنقيح: اختاره جماعة منهم ابن أبي موسى والشيخ تقي الدين، وصححه ابن عقيل والحارثي وأبو المعالي في النهاية وغيرهم ، وعليه العمل في زمننا وقبله عند حكامنا ، وهو أظهر . وفي الإنصاف : وهو الصواب، وفيه مصلحة عظيمة ، وترغيب في فعل الخير . انتهى . وإِن وقف شيئاً على غيره ، واستثنى غلته أو بعضها مدة حياته أو مدة معينة له أو لولده صح الوقف والشرط. احتج أحمد بما روي عن حجر المدري ((أن في صدقة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر)) ويدل له أيضا قول عمر لما وقف (( لا جناح على من وليها أن يكل منها ، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه)) وكان الوقف في يده إِلى أن مات ، ثم بنته حفصة ثم ابنه عبد الله . ( ولا على من لا يملك كالرقيق ولو مكانباً، والملائكة والجن والبهائم والأموات ) لأن الوقف تمليك ، فلا يصح على من لا يملك . ( ولا على الحمل استقلالاً ) لأنه لا يملك إذاً . -٧ - (بل تبعاً ) كفوله : وقفت كذا على أولادي ثم على أولادهم وفيهم حمل فيشمله . (٥ - كون الوقف منجزاً) أي : غير معلق ولا موقت ولا مشروط فيه خيار أو نحوه . ( فلا يصح تعليقه إلا بموته، فيلزم من حين الوقف إن خرج من الثلث) احتج بقول عمر (( إِن حدث بي حدث الموت فإِن ثمغاً صدقة .. )) وذكر الحديث . ورواه أبو داود بنحوه . ووقفه هذا كان بأمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، واشتهر في الصحابة فلم ينكر ، فكان إجماعاً . وثمغ: بالفتح مال بالمدينة لعمر وقفه . قاله في القاموس . (٦ - أن لا يشترط فيه ما ينافيه كقوله: وقفت كذا على أن أبيعه أو اهبه متى شئت ، أو بشرط الخيار لي ، أو بشرط أن أحوله من جهة إلى جهة) فإِذا شرط أن يبيعه متى شاء ، أو يهبه ، أو يرجع فيه بطل الوقف والشرط . قاله في الشرح وغيره ، لمنافاته لمقتضاه . ( ٧ - أن يقفه على التأبيد، فلا يصح: وقفته شهراً، أو إلى سنة ونحوها ) لأنه إِخراج مال على سبيل القربة، فلم يجز إِلى مدة كالعتق قاله في الكافي . ( ولا يشترط تعيين الجهة ، فلو قال : وقفت كذا وسكت صح، و کان لورثته من النسب ) لا ولاءً ولا نكاحاً . ( على قدر إرثهم ) وقفاً عليهم ، لأن الوقف مصرفه البر ، وأقاربه أولى الناس بيزه، فكأنه عينهم لصرفه. فإن عدموا فهو للفقراء والمساكين وقفاً عليهم ، لأنهم مصرف الصدقات ، ونصه يصرف في مصالح المسلمين. - ٨ - فصل ( ويلزم الوقف بمجرده ويملكه الموقوف عليه ) إِذا كان معيناً ، لأن الوقف سبب نقل الملك عن الواقف . ولم يخرج عن المالية ، فوجب أن ينتقل الملك إليه كالهية والبيع . ( فينظر فيه هو ) أي : الموقوف عليه إِن كان مكلفاً رشيداً . (أو وليه) إِن كان محجوراً عليه كالطلق (١). ( مالم يشترط الواقف ناظراً فيتعين ) لأن عمر جعل وقفه إلى ابنته حفصة ، ثم يليه ذو الرأي من أهلها . ( ويتعين صرفه إلى الجهة التي وقف عليها في الحال ) لأن تعيينه لها صرف له عما سواها ، لأنه لو لم يجب اتباع تعيينه لم يكن له فائدة. ( مالم يستثن الواقف منفعته أو غلته له أو لولده أو لصديقه مدة حياته أو مدة معلومة فيعمل بذلك ) لما تقدم . ( وحيث انقطعت الجهة والواقف حي رجع إليه وقفاً ) أي : متى قلنا يرجع إلى أقارب الواقف وقفاً، وكان الواقف حياً رجع إليه وقفاً . ( ومن وقف على الفقراء فافتقر تناول منه) لوجود الوصف الذي هو الفقر فيه . ولو وقف مسجداً أو مقبرة أو بئراً أو مدرسة فهو كغيره في الانتفاع به، لما روي «أن عثمان ، رضي الله عنه، سبل بئر رومة وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين) (٢). (١) كذا في الاصل وأظنها : الطلاق. (٢) بئر رومة: بضم الراء: التي حفرها عثمان بناحية المدينة، وقيل: اشتراها وسبلها . - ٩ - ( ولا يصح عتق الرقيق الموقوف بحال ) لتعلق حق من يؤول إليه الوقف به ، ولأن الوقف عقد لازم لا يمكن إِبطاله ، وفي القول بنفوذ عتقه إبطال له . وإِذ کان بعضه غیر موقوف فأعتقه مالكه صح ، ولم يسر إِلى البعض الموقوف ، لأنه إذا لم يعتق بالمباشرة لم يعتق بالسراية . ( لكن لو وطأ الموقوفة عليه حرم) لأن ملكه لها ناقص . ولا حد بوطئه للشبهة، ولا مهر لأنه لو وجب لكان له . ولا يجب للإنسان على نفسه شيء . ( فإن حملت صارت أم ولد تعتق بموته ) لولادتها منه وهو مالكها. ( وتجب قيمتها في تركته ) لأنه أتلفها على من بعده من البطون . ( يشترى بها مثلها ) يكون وقفاً مكانها ، وولده منها حر الشبهة ، وعليه قيمته يوم وضعه حياً ، لتفويته رقه على من يؤول إليه الوقف بعده . فصل (ويرجع في مصرف الوقف إلى شرط الواقف ) لأن عمر ، رضي الله عنه ، شرط في وقفه شروطاً ، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة (( ولأن الزبير وقف على ولده، وجعل للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضراً بها، فإذا استغنت زوج فلاحق لها فيه)). ( فإن جهل ، عمل بالعادة الجارية ، فإن لم تكن فبالعرف ) لأن العادة المستمرة ، والعرف المستقر يدل على شرط الراقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة . قاله الشيخ تقي الدين . - ١٠ - ( فإن لم يكن ) عادة ، ولا عرف ببلد الواقف ( فالتساوي بين المستحقين ) لثبوت الشركة دون التفضيل . ( ويرجع إلى شرطه في الترتيب بين البطون ) بأن يقول: على أولادي، ثم أولادهم ، ثم أولاد أولادهم . (أو الاشتراك) كأن يقف على أولاده وأولادهم . ( وفي إيجار الوقف أو عدمه ، وفي قدر مدة الإيجار ، فلا يزاد على ماقدر ) إلا عند الضرورة . ( ونص الواقف كنص الشارع ) في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل . قاله الشيخ تقي الدين . ( يجب العمل بجميع ما شرطه مالم يفض إلى الإخلال بالمقصود ) الشرعي . ( فيعمل به فيما إذا اشرط أن لا ينزل في الوقف فاسق ولا شرير ولا ذو جاه ) لأنه ثبت بوقفه فوجب أن يتبع فيه شرطه . ( وإن خصص مقبرة أو مدرسة أو إمامتها بأهل مذهب أو بلد أو قبيلة تخصصت ) بهم عملا بشرطه . ( لا المصلين بها) فلا تختص بهم ، ولغيرهم الصلاة بها لعدم التزاحم، ولو وقع فهو أفضل ، لأن الجماعة تراد له . ( ولا ) يعمل بشرطه (إِن شرط عدم استحقاق من ارتكب طريق الصلاح ) قال الشيخ : إِذا شرط استحقاق ريع الوقف العزوبة فالمتأهل أحق من المتعذب إِذا استويا في سائر الصفات . - ١١ - فصل (ويرجع في شرطه إلى الناظر ) في الوقف إما بالتعيين كفلان ، أو بالوصف كالأرشد أو الأعلم ، فمن وجد فيه الشرط ثبت له النظر عملاً بالشرط . ( ويشترط في الناظر خمسة اشياء : ) (١ - الإسلام) إن كان الوقف على مسلم ، أو جهة من جهات الإسلام كالمساجد والمدارس والربط ونحوها، لقوله تعالى ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (١) (٢ - التكليف ) لأن غير المكلف لا ينظر في ملكه الطلق ، ففي الوقف أولى . (٣ - الكفاية التصرف ٤ - الخبرة به ٥ - القوة عليه ) لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعاً . وإذا لم يكن الناظر متصفاً بهذه الصفات لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف . ( فإن كان ضعيفاً ضم إليه قوي أمين ) ليحصل المقصود . (ولا تشترط الذكورة) (« لأن عمر ، رضي الله عنه ، جعل النظر في وقفه إلى ابنته حفصة )» ثم إلى ذي الرأي من أهلها . (١) النساء من الآية / ١٤٠. - ١٢ - ( ولا العدالة حيث كان بجعل الواقف له) ويضم إلى الفاسق أمين لحفظ الوقف ، ولم تزل يده لأنه أمكن الجمع بين الحقين . ( فإِن كان من غيره ) أي : غير الواقف ، كمن ولاه حاكم أو ناظر . ( فلا بد فيه من العدالة ) لأنها ولاية على مال ، فاشترط لها العدالة، كالولاية على مال يتيم . ( فإن لم يشترط الواقف ناظراً فالنظر للموقوف عليه مطلقاً ) أي : عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً أو امرأة ، رشيداً أو محجوراً عليه. ( حيث كان محصوراً) كأولاده وأولاد أولاده كل واحد منهم ينظر على حصته كالملك المطلق . ( وإلا فللحاكم ) أو نائبه النظر إذا كان الوقف على غير معين ، كالوقف على الفقراء أو المساجد والربط ونحوها إذا لم يعين الواقف ناظراً عليه لأنه ليس له مالك معين ، ويتعلق به حق الموجودين ومن يأتي بعدهم ، ففوض الأمر فيه إِلى الحاكم . ( ولا نظر للحاكم مع ناظر خاص ) قال في الفروع: أطلقه الأصحاب. ( لكن له أن يعترض عليه إن فعل ما لا يسوغ) فعله لعموم ولايته . ( ووظيفة الناظر: حفظ الوقف وعمارته ، وإيجاره وزرعه، والمخاصمة فيه وتحصيل ريعه ، والاجتهاد في تنميته ، وصرف الربع في جهانه من عمارة وإصلاح وإعطاء المستحقين ) لأن الناظر هو الذي يلي الوقف وحفظه ، وحفظ ريعه وتنفيذ شرط واقفه ، وطلب الحظ فيه مطلوب شرعاً ، فكان ذلك إِلى الناظر . ( وإن آجره بانقص ) من أجر مثله - ١٣ - (صح ) عقد الإجارة ، ( وضمن ) الناظر (النقص ) إِن كان المستحق غبره لأنه يتصرف في مال غيره على وجه الحط ، فضمن ما نقصه بعقده كالوكيل . ( وله الأكل بمعروف ) نص عليه . ( ولو لم يكن محتاجاً ) قاله في القواعد ( وله التقرير في وظائفه ) لأنه من مصالحه ، فينصب إمام المسجد ومؤذنه وقيمه ونحوهم ، ويجب أن يولي في الوظائف وإمامة المساجد الأحق شرعاً . ( ومن قرر في وظيفة على وفق الشرع حرم إخراجه منها بلا موجب شرعي ) كتعطيله القيام بها . قال الشيخ تقي الدين : ومن لم يقم بوظيفته غيّرّه من له الولاية بمن يقوم بها إذا لم يتب الأول ويلتزم بالواجب . ( ومن نزل عن وظيفة بيده لمن هو أهل لها صح، وكان أحق بها ) من غيره . ( وما يأخذه الفقهاء من الوقف فكالرزق من بيت المال لا كجعل ولا كاجرة) في أصح الأقوال ، فلا ينقص به الأجر مع الإِخلاص . قال الشيخ تقي الدين : وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً وأجرة بل رزق للإعانة على الطاعة وكذلك المال الموقوف على أعمال البر ، والموصى به ، أو المنذور له ليس كالأجرة والجعل . انتهى . (١) وينبني عليه أن القائل (١) قال شيخ الإسلام في الاختيارات ص/١٧٨: ومن أكل المال بالباطل: قوم لهم رواتب أضعاف حاجتهم ، و قوم لهم جهات معلومها کثیر یأخذونه، وينيبون غيرهم بيسير . - ١٤ - بالمنع من أخذ الأجرة على نوع القرب لا يمنع ممن أخذ المشروط في الوقف . قاله الحارثي . فصل ( ومن وقف على ولده أو ولد غيره دخل الموجودون ) حال الوقف ولو حملاً . ( فقط ) نص عليه . ( من الذكور والإناث ) لأن اللفظ يشملهم ، لأن الجميع أولاده . ( بالسوية من غير تفضيل ) لأنه شرك بينهم، وكما لو أقر لهم بشيء وعنه: يدخل ولد حدث بعد الوقف. اختاره ابن أبي موسى، وأفتى به ابن الزاغوني ، وهو ظاهر كلام القاضي وابن عقيل ، وجزم به في المبهج والمستوعب ، واختاره في الاقناع . ( ودخل أولاد الذكور خاصة ) لأنهم دخلوا في قوله تعالى (يُوصيكُم اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... ) (١) لأن كل موضع ذكر الله فيه الولد دخل ولد البنين . فالمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينة يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ويفسر بما فسر به . ( وإن قال : على ولدي ، دخل أولاده الموجودون ومن يولد لهم ) أي : لأولاده الموجودين . ( لا الحادثون، وعلى ولدي ومن يولد لي دخل الموجودون والحادثون تبعاً) للموجودين . (١) النساء من الآية / ١٠ . - ١٥ - ( ومن وقف على عقبه أو نسله أو ولد ولد، أو ذريته دخل الذكور والإناث لا أولاد الإناث) لأنهم لم يدخلوا في قوله تعالى (يُوصيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) (١) ولأنهم إنما ينسبون إلى قبيلة آبائهم دون قبيلة أمهاتهم . وقال تعالى ( أَدْعوُمْ لاَبائِهِمْ) (٢) وقال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد (٣) وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( إِن ابني هذا سيد)) ونحوه ، فمن خصائصه انتساب أولاد فاطمة إليه . (إِلا بقرينة) كقوله : من مات عن ولد فنصيبه لولده . وقوله : وقفت على أولادي فلان وفلان وفلانة ، ثم أولادهم ، أو : على أن لولد الذكر سهمين ولولد الأنثى سهماً ونحوه . ( ومن وقف على بنيه أو بني فلان فللذكور خاصة ) لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة . قال تعالى ( أصْطَفي الْبَنَاتِ عَلى الْبَنَينَ ) (٤) وقال (زُيَّ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنَينَ ... )(٥) وإِن وقف على بناته اختص بهن ، وإن كانوا قبيلة كبني هاشم وتميم دخل نساؤهم ، (١) النساء من الآية / ١٠ . (٢) الأحزاب من الآية / ٥ . (٣) جاء في خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي في الشاهد /٧٣ مايلي: ( المعنى: أن بني أبنائنا مثل بنينا ... وهذا البيت لا يعرف قائله مع شهرته في كتب النحاة وغيرهم . قال العيني : هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر ، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث ، وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه . ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله .١ هـ .). (٤) الصافات من الآية / ١٥٣ . (٥) آل عمران من الآية / ١٤ . - ١٦ -- لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها . وروي أن جواري من بني النجار قلن : ياحبذا محمد من جار نحن جوار من بني النجار دون أولادهن من رجال غيرهم لأنهم إنما ينتسبون لآبائهم كما تقدم . ( ويكره هنا) أي : في الوقف . ( أن يفضل بعض أولاده على بعض لغير سبب ) شرعي لأنه يؤدي إلى التقاطع . ولقوله ، صلى الله عليه وسلم ، في حديث النعمان بن بشير (( .. اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم . قال: فرجع أبي في تلك الصدقة )) رواه مسلم . ( والسنة أن لا يزاد ذكر على انثى) واختار الموفق، وتبعه في الشرح والمبدع وغيره : للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب قسمة الله في الميراث، كالعطية ، والذكر في مظنة الحاجة غالباً بوجوب حقوق تترتب عليه بخلاف الأنثى . ( فإن كان لبعضهم عيال أو به حاجة أو عاجز عن التكسب ) فخصه بالوقف أو فضله ( أو خص المشتغلين بالعلم ، أو خص ذا الدين والصلاح فلا بأس بذلك) نص عليه ، لأنه لغرض مقصود شرعاً . - ١٧ - ت (٢) فصل ( والوقف عقد لازم ) بمجرد القول أو الفعل الدال عليه (لا يفسخ بإقالة ولا غيرها ) لأنه عقد يقتضي التأبيد ، سواء حكم به حاكم أو لا ، أشبه العتق . ( ولا يوهب ولا يرهن ولا يورث ولا يباع) لقوله صلى الله عليه وسلم ((لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث)) قال الترمذي : العمل على هذا الحديث عند أهل العلم ، وإجماع الصحابة على ذلك ، فيحرم بيعه ولا يصح . ( إِلا أن تتعطل منافعه بخراب أو غيره) كخشب تشعث وخيف سقوطه ( ولم يوجد ما يعمر به ، فيباع ويصرف ثمنه في مثله أو بعض مثله ) نص عليه أحمد ، قال : إذا كان في المسجد خشبات لها قيمة جاز بيعها وصرف ثمنها عليه . وقال: يحول المسجد خوفاً من اللصوص، وإذا كان موضعه قذراً. قال أبو بكر: (١) وروي عنه أن المساجد لا تباع، إنما تنقل آلتها . قال : وبالقول الأول أقول ، لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو ، فإن لم يبلغ ثمن الفرس أعي به في فرس حبيس . نص عليه ، لأن الوقف مؤبد ، فإذا لم يمكن تأبيده بعينه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى . (١) هو أحمد بن محمد أبو بكر المعروف بالخلال ، المتوفى ٣١١ نقل عن أصحاب الإمام أحمد المسائل الكثيرة ، وله المؤلفات القيمة . - ١٨ - واتصال الإبدال يجري مجرى الأعيان ، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع المغرض ، كذبح الهدي إذا أعطب في موضعه مع اختصاصه بموضع آخر ، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن. قاله ابن عقيل وغيره . وقوله : فيباع - أي : وجوباً - كما مال إنيه في الفروع، ونقل معناه القاضي وأصحابه، والموفق والشيخ تقي الدين. ( وبمجرد شراء البدل يصير وقفاً ) كبدل أضحية ، وبدل رهن أتلف لأنه كالوكيل في الشراء، وشراء الوكيل يقع لموكله ، والاحتياط وقته، لئلا ينقضه بعد ذلك من لا يرى وقفه بمجرد الشراء . ( وكذا حكم المسجد لو ضاق على أهله ) نص عليه ، وفي المغني: ولم تمكن توسعته في موضعه . ( أو خربت محلته أو استقذر موضعه ) لما تقدم . قال القاضي : يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه فيباع . (ويجوز نقل آلته وحجارته لمسجد آخر احتاج إليها وذلك أولى من بيعه) لما روي (( أن عمر، رضي الله عنه، كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الدي في الكوفة نقب ، أن انقل المسجد الذي بالتمارين ، واجعل بيت المال في قبلة المسجد ، فإِنه لن يزال في المسجد مصل )) وكان هذا بمشهد من الصحابة ، ولم يظهر خلافه ، فكان كالإجماع . (ويجوز نقض منارة المسجد وجعلها في حائطه لتحصينه ) من نحو كلاب . نص عليه ، في رواية محمد بن الحكم لأنه نفع . (ومن وقف على ثغر فاختل صرف في ثغر مثله) قاله في التنقيح . ( وعلى قياسه مسجد ورباط (١) ونحوهما ) كسقاية فإذا تعذر. (١) الرباط : مساكن مجتمعة يسكنها الغرباء والفقهاء. - ١٩ - الصرف فيها صرف في مثلها تحصيلاً لغرض الواقف حسب الإمكان . ونص أحمد في رواية حرب فيمن وقف على قنطرة فانحرف الماء : يرصد لعله يرجع - أي : الماء - إِلى القنطرة فيصرف عليها ما وقف عليها. قال في الاختيارات: وجوز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة، كجعل الدور حوانيت والحكورة المشهورة . اتنهى . قال ابن قندس: يريد بذلك أن كثيراً من الأوقاف كان بساتين ، فأحكروها وجعلت بيوتاً وحوانيت ، ولم ينكر ذلك العلماء الأعيان . انتهى . وما فضل من حاجة الموقوف عليه مسجداً كان أو غيره : من حصر وزيت وأنقاض وآلة جديدة ، يجوز صرفه في مثله ، لأنه انتفاع به في جنس ما وقف له ، ويجوز صرفه إلى فقير . نص عليه . واحتج بأن شيبة بن عثمان الحجبي كان يتصدق بخلقان الكعبة . وروى الخلال بإسناده (( أن عائشة أمرته بذلك)) ولأنه مال الله ولم يبق له مصرف ، فصرف إلى المساكين . ( ويحرم حفر البئر وغرس الشجر بالمساجد ) لأن البقعة مستحقة للصلاة فتعطيلها عدوان؛ فإن فعل طمت البئر وقلعت الشجرة . نص عليه . قال : غرست بغير حق ظالم غرس فيما لا يملك . ( ولعل هذا ) أي : تحريم حفر البئر في المسجد ( حيث لم يكن فيه مصلحة ) قال في الإقناع : ويتوجه جواز حفر بئر إِن كان فيه مصلحة ولم يحصل به ضيق . قال في الرعاية : لم يكره أحمد حفرها فيه . - ٢٠ -