النص المفهرس
صفحات 441-460
زقاق الخمر قد جلبت من الشام ، فشققت بحضرته ، وأمر أصحابه بذلك )» . ( أو كسر حلياً محرماً) لم يضمنه لإزالته محرماً ، وإِن أتلفه ضمنه بوزنه كما تقدم . (أو ) أتلف ( آلة سحر أو ) آلة ( تعزيم أو ) آلة ( تنجیم او صور خيال ) لم يضمن لحديث أبي الهياج الأسدي قال (« قال لي علي رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن لا تدع تمثالاً إِلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إِلا سويته)) رواه مسلم . ( أو أتلف كتباً مبتدعة مضلة ، أو أتلف كتاباً فيه أحاديث رديئة لم يضمن في الجميع) لأنه يحرم بيعه لا لحرمته . أشبه الكلب ، والميتة . قال في الفنون : يجوز إعدام الآية من كتب المبتدعة ، لأجل مافيه ، وإهانة لما وضعت له . وقال في الهدي : يجوز تحريق أماكن المعاصي ، وهدمها (( كما حرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه . - ٤٤١ - باب الشفعَة وهي ثابتة بالسنة ، والإجماع . أما السنة فحديث جابر مرفوعاً ((قضى بالشفعة في كل مالم يقسم)) الحديث . متفق عليه . وقال ابن المنذر : أجمعوا على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط . (لا شفعة لكأفر على مسلم ) نص عليه ، لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا شفعة النصراني)) رواه الدارقطني في كتاب العلل . ( وتثبت للشريك فيما انتقل عنه ملك شريكه بشروط خمسة : الأول : كونه مبيعاً) صريحاً ، أو ما في معناه كصلح عن إقرار بمال ، أو عن جناية توجبه ، وهبة بعوض معلوم ، لأنه بيع في الحقيقة ، لحديث جابر « هو أحق به بالثمن )) رواه الجوزجاني . ( فلا شفعة فيما انتقل عنه ملكه بغير بيع ) كموهوب بغير عوض ، وموصى به، وموروث في قول عامة أهل العلم . قاله في الشرح ، لأنه مملوك بغير مال ، ولأن الخبر ورد في البيع ، وهذه ليست في معناه ، ويحرم التحيل لإسقاطها . قال أحمد: لا يجوز شيء من الحيل في إبطالها ، ولا إبطال حق مسلم . وعن أبي هريرة مرفوعاً (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)). - ٤٤٢ - ( الثاني: كونه مشاعاً من عقار ) لحديث جابر مرفوعاً ((الشفعة فيما لم يسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) رواه الشافعي . وعنه أيضاً (( إِنما جعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، الشفعة في كل مالم يقسم، فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة)) رواه أبو داود. ( فلا شفعة للجار ) لما تقدم ، وبه قال عثمان، وابن المسيب، ومالك، والشافعي، وحديث أبي رافع مرفوعاً ((الجار أحق بصقبه)) رواه البخاري وأبو داود . قال في القاموس : أحق بصقبه أي : بما يليه ويقرب منه . أجيب عنه بأنه أبهم الحق ، ولم يصرح به، أو أنه محمول على أنه أحق بالفناء الذي بينه وبين الجار ممن ليس بجار ، أو يكو مرتفقاً به . وحديث الحسن عن سمرة مرفوعاً (( جار الدار أحق بالدار)) صححه الترمذي . أجيب عنه باختلاف أهل الحديث في لقاء الحسن لسمرة ، ولو سلم لكان عنه الجوابان المذكوران ، أو أنه أريد بالجار في الأحاديث الشريك فإِنه جار أيضاً ، والشريك أقرب من اللصيق ، كما أطلق على الزوجة لقربها . قال ابن القيم في الإعلام : والصواب أنه إِن كان بين الجارين حق مشترك من طريق أو ماء ثبتت الشفعة ، وإلا فلا . نص عليه أحمد في رواية أبي طالب ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، واختاره الشيخ تقي الدين . وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صریح فيه ، فإنه قال « الجار أحق بصقبه ينتظر به وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)) انتهى بمعناه . ( ولا فيما ليس بعقار ، كشجر وبناء مفرد) وحيوان وجوهروسيف ونحوها ، لأنه لا يبقى على الدوام، ولا يدوم ضرره بخلاف الأرض. - ٤٤٣ - ( ويؤخذ الغراس والبناء تبعاً للأرض ) لا نعلم فيه خلافاً . قاله في المغني ، لحديث جابر « قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط )) الحديث ، رواه مسلم . ( الثالث : طلب الشفعة ساعة يعلم فإن أخر الطلب لغير عذر سقطت ) نص عليه . قال : الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم ، لحديث ابن عمر مرفوعاً ((الشفعة كحل العقال)) رواه ابن ماجة. وفي لفظ ((الشفعة كنشط العقاز إِن قيدت ثبتت ، وإن تركت فاللوم على من تركها )» ولأن إثباتها على التراخي يضر بالمشتري ، لكونه لا يستقر ملكه على المبيع . ولا يتصرف فيه بعمارة خوفاًمن أخذه بالشفعة ، وضياع عمله . ( والجهل بالحكم عذر ) إِذا أخر الطلب جهلاً بأن التأخير يسقط الشفعة - ومثله يجهله - لم تسقط ، لأن الجهل مما يعذر به أشبه ما لو تركها ، لعدم علمه بها . ( الرابع: أخذ جميع المبيع ) دفعاً لضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع مع أن الشفعة على خلاف الأصل دفعاً لضرر الشركة ، والضرر لا يزال بالضرر . ( فإن طلب أخذ البعض مع بقاء الكل سقطت ) شفعته لما تقدم . ( والشفعة بين الشفعاء على قدر أملاكهم ) لأنها حق يستفاد بسبب الملك ، فكانت على قدر الأملاك ، وإن تركها بعضهم فليس للباقي إلا أخذ الجميع . حكاه ابن المنذر إجماعاً . وإن كان المشتري شريكاً فهي بينه وبين الآخر ، لأنهما تساويا في الشركة ، فتساريا في الشفعة ، وبه - ٤٤٤ - قال الشافعي . وحكي عن الحسن ، والشعبي : لا شفعة للآخر ، لأنها لدفع ضرر الداخل . قاله في الشرح . (الخامس: سبق ملك الشفيع لرقبة العقار ) بأن كان مالكا لجزء منه قبل البيع ، لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك ، فإذا لم يكن له ملك سابق فلا ضرر عليه . ( فلا شفعة لأحد اثنين اشتريا عقاراً معاً) إذ لا سبق . ( وتصرف المشتري بعد أخذ الشفيع بالشفعة باطل ) لانتقال الملك للشفيع بالطلب . ( وقبله صحيح) لأنه ملكه ، وثبوت حق التملك للشفيع لا يمس من تصرفه ، فإن باعه فللشفيع أخذه بأحد البیعین ، وإِن وهبه أو ونه ، أو تصدق به ، أو جعله صداقاً ونحوه فلا شفعة ، لأن فيه إضراراً بالمأخوذ منه إِذاً ، لأن ملكه يزول عنه بغير عوض ، والضرر لا يزال بالضرر . ( ويلزم الشفيع أن يدفع للمشتري الثمن الذي وقع عليه العقد ) لحديث جابر مرفوعاً ((هو أحق به بالثمن)) رواه الجوزجاني في المترجم. ( فإن كان مثلياً فمثله ) كدراهم ، ودنانیر ، وحبوب ، وأدهان من جنسه ، لأنه مثله من طريق الصورة والقيمة فهو أولى به مما سواه . ( او متقوماً ) کحیوان وثیاب و نحوها ( فقيمته ) لأنها بدله في الإتلاف ، وتعتبر وقت الشراء ، لأنه وقت استحقاق الأخذ سواء زادت أو نقصت بعده .. ( فإن جهل الثمن ) أي : قدره ، كصبرة تلفت ، أو اختلطت بمالا تتميز منه - ٤٤٥ - ( ولا حيلة سقطت الشفعة ) لأنها لا تستحق بغير بدل ، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه . ( وكذا ) تسقط الشفعة (إن عجز الشفيع، ولو عن بعض الثمن ، وانتظر ثلاثة أيام ولم يأت به) لأنه قد يكون معه نقد فيمهل بقدر ما يعده ، والثلاث يمكن الإعداد فيها غالباً ، فإذا لم يأت به فيها ثبت عجزه . نص عليه. باب الوديعة الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع . قال تعالى (إِنّ اللهَ يَأْمُرُ ء. أَنْ تُؤَدّوا الْأَماناتٍ إِلى أَهْلِها .. ) (١) وقال تعالى ( .. فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُنْتُمِنَ أَمَانَتَهُ .. ) (٢) وقال النبي، صلى الله عليه وسلم (( أد الأمانة إِلى من ائتمنك ٠٠ )) الحديث ، رواه أبو داود ، والترمذي، وحسنه. وأجمعوا على جواز الإيداع والاستيداع . قاله في الشرح . وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة ، لما فيه من قضاء حاجة المسلم ومعونته . ( يشترط لصحتها كونها من جائز التصرف لمثله ) لأنها نوع من الوكالة . ( فلو أودع ماله لصغير ، أو مجنون ، أو سفيه فاتلفه فلا ضمان ) لتفريطه بدفعه إلى أحدهم . (١) النساء من الآية / ٥٧ . (٢) البقرة من الآية / ٢٨٣ . - ٤٤٦ - + ( وإن اودعه أحدهم صار ضامناً ) لتعديه بأخذه ، لأنه أخذ مائه من غير إذن شرعي فضمنه كما لو غصبه . ( ولا يبرأ إلا برده لوليه) في ماله كدينه الذي عليه ، فإن خاف هلاكه معه إن تركه فأخذه لم يضمنه ، لقصده به التخلص من الهلاك فالحظ فيه لمالكه . ( ويلزم المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها ) عرفاً ، لأن الله تعالى أمر بأدائها ، ولا يمكن أداؤها بدون حفظها ، ولأن المقصود من الإيداع الحفظ ، والاستيداع التزام ذلك ، فإذا لم يحفظها لم يفعل ما التزمه . ( بنفسه أو بمن يقوم مقامه كزوجته وعبده) وخازنه الذي يحفظ ماله عادة ، فإن دفعها إِلى أحدهم فتلفت لم يضمن ، لأنه مأذون فيه عادة ، أشبه ما لو سلم الماشية إِلى الراعي . (وإن دفعها لعذر ) كمن حضره الموت ، أو أراد سفراً وليس أحفظ لها ( إلى أجنبي ) تفة ، أو إِلى حاكم فتلفت ( لم يضمن ) لأنه لم يتعد ، ولم يفرط . ( وإن نهاه مالكها عن إخراجها من الحرز ، فأخرجها لطروء شيء ، الغالب منه الهلاك ) كحريق ونهب فتلفت (لم يضمن ) لتعيين نقلها ، لأن في تركها تضييعاً لها . ( وإن تركها ولم يخرجها ) مع طروء ما الغالب معه الهلاك فتلفت ضمن لتفريطه . ( أو أخرجها لغير خوف ) فتلف - ٤٤٧ - ( ضمن) سواء أخرجها إلى مثله ، أو أحرزمنه لمخالفة ربها بلاحاجة. ( وإن قال له ) ربها : ( لا تخرجها ولو خفت عليها فحصل خوف وأخرجها أولا ) فتلفت. ( لم يضمن ) لأنه إِن تركها فهوممتثل أمر صاحبها لنهيه عن إخراجها مع الخوف ، كما لو أمره بإتلافها . وإِن أخرجها فقد زاده خيراً وحفظاً كما لو قال له : أتلفها ، فلم يتلفها . (وإن القاها عند هجوم ناهب ونحوه إخفاء لها لم يضمن ) لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم . (وإن لم يعلف البهيمة حتى ماتت ) جوعاً أو عطشاً ( ضمنها ) لأن علفها وسقيها من كمال الحفظ الذي التزمه بالاستيداع، إذ الحيوان لا يبقى عادة بدونها . فصل ( وإن أراد المودع السفر رد الوديعة إلى مالكها أو إلى من يحفظ ماله) أي : مال مالكها . (عادة ) كزوجته وعبده لأن فيه تخلصاً له من دركها وإيصالاً للحق إِلى مستحقه ، فإِن دفعها إلى حاكم إِذا ضمن ، لأنه لا ولاية له على رشید حاضر . ( فإن تعذر) بأن لم يجد مالكها ولا وكيله ولا من يحفظ ماله عادة . ( ولم يخف عليها معه في السفر ) لم ينهه مالكها عنه . - ٤٤٨ - ( سافر بها ولا ضمان) لأنه موضع حاجة ، ولأن القصد الحفظ وهو موجود هنا . ( وإن خاف عليها دفعها الحاكم ) لقيامه مقام صاحبها عند غيبته ، ولأن في السفر بها غرراً ومخاطرة ، لأنه عرضة للنهب وغيره ، لحديث ((إِن المسافر وماله لعلى قلت، إلا ما وقى الله)) أي: على هلاك. ( فإن تعذر ) دفعها للحاكم . ( فلثقة ) كمن حضره الموت ، لأن كلاً من السفر والموت سبب لخروج الوديعة عن يده . وروي (( أنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان عنده ودائع ، فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن ، وأمر علياً أن يردها إلى أهلها)). ( ولا يضمن مسافر أودع) وديعة في سفر . ( فسافر بها فتلفت بالسفر ) لأن إيداعه في هذه الحال يقتضي الإذن في السفر بها . ( وإن تعدى المودع في الوديعة ، بان ركبها لا لسقيها أو لبسها ) إن كانت ثياباً . ( لا لخوف من عث ، أو أخرج الدراهم لينفقها ، أو لينظر إليها ، ثم ردها أو حل كيسها فقط حرم عليه وصار ضامناً ) لهتكه الحرز بتعديه. ( ووجب عليه ردها فوراً) لأنها أمانة محضة وقد زالت بالتعدي . ( ولا تعود أمانة بغیر عقد ) جدید کأن ردها إِلی صاحبها ، ثم ردها صاحبها إليه ، لأن هذا وديعة ثانية . (وصح ) قول مالك . - ٤٤٩ - ( كلما خنت.، ثم عدت إلى الأمانة فأنت أمين ) لصحة تعليق الإيداع على الشرط كالوكالة . فصل ( والمودع أمين لا يضمن، إلا إِن تعدى أو فرط أو خان) لأن الله تعالى سماها أمانة ، والضمان ينافي الأمانة . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (( من أودع وديعة فلا ضمان عليه)) رواه ابن ماجة. ولئلا يمتنع الناس من الدخول فيها مع مسيس الحاجة إليها . وعنه إن ذهبت من بين ماله ضمنها ، لأن عمر ، رضي الله عنه ، ضمن أنساً وديعة ذهبت من بين ماله . قال في الشرح: والأول أصح، وكلام عمر محمول على التفريط . ( ويقبل قوله بيمينه في عدم ذلك ) لأنه أمين ، والأصل براءته . ( وفي أنها تلفت ) لتعذر إقامة البينة عليه . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أن المودع إذا أحرزها ، ثم ذكر أنها ضاعت ، أن القول قوله . وقال أكثرهم: مع يمينه ، ذكره في الشرح . ( أو أنك أذنت لي في دفعها لفلان وفعلت ) أي : دفعتها له مع إِنكار مالكها الإذن « نص عليه ، لأنه ادعی رداً يبرأ به ، أشبه ما لو ادعى الرد إلى مالكها . ( وإن ادعى الرد بعد مطله بلا عذر) أو بعد منعه سها لم يقبل إلا ببينة لأنه صار کالغاصب . ( او ادعى ورثته الرد ) منهم ، أو من مورثهم . ( لم يقبل إلا ببيئة ) لأنهم غير مؤتمنين عليها من قبل مالكها . - ٤٥٠ - ( و کذا کل امين ) کو کیل وشريك ونحوهما. ( وحيث أخر ردها بعد طلب بلا عذر ، ولم يكن لحملها مؤنة ضمن ) ما تلف منها، لأنه فعل محرماً بإمساكه ملك غيره بلاإذنه ، أشبه الغاصب. ويمهل لأكل ونوم وهضم طعام بقدره . ( وإن أكره على دفعها لغير ربها لم يضمن ) كما لو أخذها منه قهراً ، لأن الإكراه عذر یبیح له دفعها . ( وإن قال له : عندي ألف وديعة ، ثم قال: قبضها، أو تلفت قبلذلك، أو ظننتها باقية، ثم علمت تلفها صدق بيمينه ولا ضمان) لأنها إذا ثبتت الوديعة ثبتت أحكامها . ( وإن قال: قبضت منه ألفاً وديعة فتلفت فقال ) المقر له (بل) قبضتها مني ( غصباً، أو عارية ضمن ) ما أقربه ، وقبل قول المقر له بيمينه ، لأن الأصل في قبض مال الغير الضمان . وإِذا مات ، وثبت أن عنده وديعة لم توجد فهي دين عليه . وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة . قاله في الشرح . ويعمل بخطه على كيس ونحوه أن هذا وديعة لفلان. نص عليه . - ٤٥١ - باب إحياء المؤَات ( وهي : الأرض الخراب الدارسة التي لم يجر عليها ملك لأحد ، ولم يوجد فيها أثر عمارة) فتملك بالإحياء . قال في المغني : بغير خلاف نعلمه بين القائلين بالإِحياء . ( أو وجد فيها أثر ماك أو عمارة ، كالخرب التي ذهبت انهارها ، واندرست آثارها، ولم يعلم لها مالك) کآثارالروم ومساكن ثمود، ملكت بالإِحياء ، لأنها في دار الإسلام ، فتملك كاللقطة . وروى سعيد في سننه عن طاووس مرفوعاً ((عادي الأرض لله ورسوله ، ثم هي لكم بعدُ)) ورواه أبو عبيد في الأموال، وقال: عادي الأرض التي بها مساكن في آباد الدهر فانقرضوا . نسبهم إلى عاد لأنهم مع تقدمهم ذوو قوة وآثار كثيرة ، فنسب کل أثر قديم إليهم . ( فمن أحيا شيئاً من ذلك ولو كان ذمياً ) ملكه لعموم الخبر ، ولأنه من أهل دار الإسلام ، فملك بالإحياء كتملكه مباحاتها من حشيش وحطب وغيرهما . ( أو بلا إذن الإمام ملكه) كأخذ المباح ، لحديث جابر مرفوعاً ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له )) صححه الترمذي . وعن سعيد بن زيد مرفوعاً ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق (١) ظالم حق)) حسنه الترمذي. (١) العرق الظالم: هو أن يجيء الرجل إلى أرض، قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرساً غصباً، أو يزرع، أو يحدث فيها شيئاً ليستوجب به الأرض . وقال ابن الأثير: والرواية لعرقٍ بالتنوين ، وهو على حذف المضاف ، أي لذي عرق ظالم . - ٤٥٢ - وروى مالك وأبو داود عن عائشة مثله . قال ابن عبد البر: وهو سند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم . قال في المغني وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإِحياء ، وإن اختلفوا في شروطه ، ويملكه محبيه . ( بما فيه من معدن جامد كذهب وفضة وحديد وكحل ) لأنهمن أجزاء الأرض ، فتبعها في الملك كما لو اشتراها ، بخلاف الركاز ، لأنه مودع فيها للنقل وليس من أجزائها . وهذا في المعدن الظاهر ، إِذا ظهر بإظهاره وحفره ، وأما ما كان ظاهراً فيها قبل إحيائها فلا يملك ، لأنه قطع لنفع كان واصلاً للمسلمين ، بخلاف ما ظهر بإظهاره فلم يقطع عنهم شيئاً . ( ولا خراج عليه إلا إن كان ذمياً ) فعليه خراج ما أحيا من موات عنوة ، لأنها للمسلمين ، فلا تقر في يد غيرهم بدون خراج . وأما غير العنوة كأرض الصلح، وما أسلم أهله عليه ، فالذمي فيه كالمسلم . (لا ما فيه من معدن جار : کنفط وقار ) وما نبت فيه من كلا أو شجر، لحديث (( الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار)) رواه الخلال وابن ماجة من حديث ابن عباس ، وزاد فيه (( وثمنه حرام )) ولأنها ليست من أجزاء الأرض ، فلم تملك بملكها كالكنز ولكنه أحق به ، لحديث ((من سبق إِلى ما لم يسبق إليه أحد فهو له)) رواه أبو داود. وفي لفظ فهو أحق به . ( ومن حفر بئراً بالسابلة ، الرتفق بها كالسفارة الشربهم ودوابهم ، - ٤٥٣ - فهم أحق بمائها ما اقاموا) عليها ولا يملكونها ، لجزمهم بانتقالهم عنها ، وتركها لمن ينزل منزلتهم بخلاف التملك . ( وبعد رحيلهم تكون سبيلا المسلمين ) لعدم أولوية أحد من غير الحافرين على غيره . ( فإن عادوا كانوا احق بها ) من غيرهم، لأنهم إنماحفروها لأنفسهم، ومن عادتهم الرحيل والرجوع فلا تزول أحقيتهم به . فصل ( ويحصل إحياء الأرض الموات إما بحائط منيع ) نص عليه ، لحديث جابر مرفوعاً (( من أحاط حائطاً على أرض فهي له )) رواه أحمد وأبو داود ، وعن سمرة مرفوعاً مثله . (أو إجراء ماء لا تزرع إلا به) لأن نفع الأرض بذلك أكثر من الحائط، وكذا حبس ماء لا تزرع معه ، كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء لكثرته فإحياؤها بسده عنها بحيث يمكن زرعها ، فيدخل في عموم الإحياء المذكور في الحديث . ( أو غرس شجر) لأنه يراد للبقاء كبناء الحائط . ( او حفر بئر فيها) فيصل إلى مائه ، أو حفر نهر . نص عليه. ( فإن تحجر مواناً ، بان ادار حوله احجاراً ) أو تراباً أوشوكا أو حائطا غير منيع لم يملكه ، لأن المسافر قد ينزل منزلاً ويحوط على رحله بنحو ذلك . ٠ ٤٥٤ - ( أو حفر بئراً لم يصل ماؤها) لم يملكها . نص عليه . ( أو سقى شجراً مباحاً ، كريتون ونحوه ، أو أصلحه ولم يركبه) أي : يطعمه . ( لم يملكه ) قبل إحيائه لأن الموات إِنما يملك بالإحياء ولم يوجد . ( لكنه ) أي : من تحجر الموات ، أوحفر البئر ولم يصل ماؤها ، أو سقى الشجر المباح ولم يركبه . (أحق به من غيره) لقوله صلى الله عليه وسلم ((من سبق إلى مالم يسبق إليه مسلم فهو أحق به )) رواه أبو داود . ( ووارثه بعده ) أحق به ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( من ترك حقاً أو مالاً فهو لورثته )» لأنه حق للمورث ، فقام فيه وارثه مقامه كسائر حقوقه . ( فإن أعطاه لأحد كان له) لأن صاحب الحق آثره به وأقامه مقامه فيه . ( ومن سبق إلى مباح فهو له ، كصيد وعنبر ولؤلؤ ومرجان وحطب دثمر ومنبوذ رغبة عنه) كالنثار في الأعراس ونحوها ، وما يتركه حصاد ونحوه من زرع وثمر رغبة عنه ، للحديث السابق . فإن سبق إِليه اثنان قسم بينهما ، لاستوائهما في السبب . ( والملك مقصور فيه على القدر المأخوذ ) فلا يملك مالاً يحوزه ولا يمنع غيره منه . - ٤٥٥ - باب الجعالة ( وهي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملاً مباحاً ولو مجهولاً كقوله : من رد لقطني أو بنى لي هذا الحائط أو أذن بهذا المسجد شهراً فله كذا ) قال في الشرح: ولا نعلم فيه مخالفاً لقوله (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمِلُ بَعِير ) (١) وحديث أبي سعيد (( في رقية اللديغ على قطيع من الغنم)) متفق عليه انتهى . ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها . ولا تجوز الإجارة عليه للجهالة ، فدعت الحاجة إلى العوض مع جهالة العمل . ( فمن فعل العمل بعد أن بلغه الجعل استحقه كله ) لما تقدم، لاستقراره بتمام العمل ، كالربح في المضاربة . ( وإن بلغه في أثناء العمل استحق حصة تمامه ) لأن عمله قبل بلوغه غير مأذون فيه ، فلا يستحق عنه عوضاً لتبرعه به . ( وبعد فراغ العمل لم يستحق شيئاً ) لذلك . ( وإن فسخ الجاعل قبل تمام العمل لزمه ) للعامل ( أجرة المثل) لما عمل ، لأنه عمل بعوض لم يسلم له ، ولا شيء لما یعمله بعد الفسخ ، لأنه غير مأذون فيه . (وإن فسخ العامل ) قبل تمام العمل . ( فلا شيء له ) لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شرط عليه. (١) يوسف من الآية / ٧٢ . - ٤٥٦ -- وإِن زاد جاعل في جعل ، أو نقص منه قبل شروع في عمل جاز وعمل به لأنه عقد جائز كالمضاربة . ( ومن عمل لغيه عملاً بإذنه من غير أجرة أو جعالة فله أجرة مثله) لدلالة العرف على ذلك . ( وبغير إذنه فلا شيء له) لا نعلم فيه خلافاً . قاله في الشرح . لأنه متبرع حيث بذل منفعته من غيرعوض، فلم يستحقه. ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه ولم تطب به نفسه . (إلا في مسالتين، الأولى : أن يخلص متاع غيره من مهلكة) کغرق وغم سبع وفلاة يظن هلاكه في تر که . ( فله أجرة مثله ) لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه ، وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الملكة . ( الثانية : أن يرد رقيقاً آبقا لسيده فله ما قدره الشارع وهو دينار أو اثنا عشر درهماً) لقول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار ((إِن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، جعل رد الآبق إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً)) ولأن ذلك يروى عن عمر وعلي، رضي الله عنهما، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة . وسواء كان يساويها أو لا . قال في الكافي : ولأن في ذلك حثاً على رد الأباق ، وصيانة عن الرجوع إلى دار الحرب وردتهم عن دينهم ، فينبغي أن يكون مشروعاً. انتهى . ونقل ابن منصور : سئل أحمد عن الآبق ، فقال : لا أدري ، قد تكلم الناس فيه ، لم يكن عنده فيه حديث صحيح . وعنه : إن رده من خارج المصر فله أربعون - ٤٥٧ -- درهماً ، وإِن رده من المصر فله دينار ، لأنه يروى عن ابن مسعود ، رضي الله عنه . باب اللقطَة ( وهي ثلاثة أقسام ) ( أحدها : ما لا تتبعه همة أوساط الناس ، كسوط ورغيف ونحوهما، فهذا يملك بالالتقاط ولا يلزم تعريفه ) لحديث جابر قال «رخص رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في العصا والسوط والحبل يلتقطه الرجل ينتفع به)) رواه أبو داود. وعن أنس (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم، مر بتمرة في الطريق ، فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها )) أخرجاه. وفيه إِباحة المحقرات في الحال . قاله في المنتقى . وقال في الشرح : ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به . انتهى . وعن سلمى بنت كعب قالت ((وجدت خاتماً من ذهب في طريق مكة ، فسألت عائشة ، فقالت : تمتعي به )) . (( ورخس النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في الحبل في حديث جابر)) وقد تكون قيمته دراهم ، وليس عن أحمد تحديد اليسير . وقال : ما كان مثل التمرة والكسرة والخرقة ومالا خطر له فلا بأس . ( لکن إِن وجد ربه دفعه إن كان باقياً ) لربه لأنه عين ماله ، كما في الإقناع . ( وإلا لم يلزمه شيء) أي : لم يضمنه ، لأنه ملكه بأخذه . والذي وخص النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في التقاطه لم يذكر فيه ضماناً ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . - ٤٥٨ - ( ومن ترك دائته ترك إياس بمهلكة أو فلاة ، لانقطاعها ، أو لعجزه عن علفها ملكها آخذها ) لحديث الشعبي مرفوعاً ((من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له )) قال عبد الله بن محمد بن حميد بن عبد الرحمن (( فقلت - يعني للشعبي - : من حدثك بهذا ؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم )) رواه أبو داود والدارقطني ، ولأن فيه إنقاذاً للحيوان من الهلاك مع ترك صاحبها لها رغبة عنها . ( وكذا ما يلقى في البحر خوفاً من الغرق) فيملكه آخذه لإلقاء صاحبه له اختياراً فيما يتلف بتركه فيه ، أشبه مالو ألقاه رغبة عنه . ( الثاني: الضوال ) اسم للحيوان خاصة ، ويقال لها : الهوامي ، والهوافي ، والهوامل . (التي تمتنع من صغار السباع: كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير) أي : الأهلية. قال في الشرح، والكافي : والأولى إلحاقها بالشاة ، لأنه علل أخذ الشاة بخشية الذئب ، والحمر مثلها في ذلك ، وعلل المنع من الإِبل بقوتها على ورود الماء وصبرها ، والحمر بخلافها . انتهى بمعناه . ( والظباء) التي تمتنع بسرعة عدوها . ( فيحرم التقاطها ) لأن جريراً أمر بالبقرة فطردت حتى توارت ، ثم قال (( سمعت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يقول: لا يؤوي الضالة إلا ضال )) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة . وعن زيد بن خالد قال (( سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن لقطة الذهب والورق فقال: - ٤٥٩ - اعرف وكاءها وعفاصها (١) ، ثم عرفها سنة ، فإن لم تعرف فاستنفقها ، ولتكن وديعة عندك، فإذا جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه . وسأله عن ضالة الإبل . فقال : مالك ولها ? دعها ، فإن معها حذاءها ، وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها . وسأله عن الشاة ، فقال : خذها ، فإنما هي لك ، أو لأخيك ، أو للذئب)) متفق عليه . ( وتضمن كالغصب ) للتعدي ، ولا تملك بالتعريف، لعدم إذن المالك والشارع فيه ، أشبه الغاصب . ( ولا يزول الضمان إِلا بدفعها للإمام أو نائبه ) لأن له نظراً في حفظ مال الغائب . ( أو بردها إلى مكانها بإذنه ) أي: الإِمام ، أو نائبه ، لقول عمر لرجل وجد بعيراً ((أرسله حيث وجدته)) رواه الأثرم. ( ومن كتم شيئاً منها لزمه قیمته مرتین ) لربه . نص عليه ، لحديث « في الضالة المكتومة غرامتها، ومثلها معها)) قال أبو بكر في التنبيه : وهذا حكم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فلا يرد . ( وإن تبع شيء منها دوابه فطرده ، أو دخل داره ، فأخرجه لم يضمنه حيث لم يأخذه ) لحديث جرير السابق . ( الثالث : كالذهب والفضة والمتاع ، ومالا يمتنع من صفار السباع ، كالغنم والفصلان والعجاجيل والأوز والدجاج ، فهذه يجوز التقاطها لمن وثق من نفسه الأمانة والقدرة على تعريفها) لحديث زيد بن خالد (( في النقدين والشاة)) وقيس عليه الباقي ، لأنه في معناه . - ٤٦٠ -