النص المفهرس
صفحات 421-440
(إن هرب المؤجر ، وترك بهائمه) وله مال أنفق عليها الحاكم من ماله ، لوجوب نفقتها عليه ، فإن لم يكن له مال . (وأنفق عليها المستاجر بنية الرجوع رجع، لأن النفقة على المؤجر كالمصير) لقيامه عنه بواجب ، فإذا انقضت الإجارة باعها حاكم ، ووفاه ما أنفقه ، لأن في ذلك تخليصاً لذمة الغائب وإِيفاء للنفقة . فصل ( والأجير قسمان : خاص : وهو من قدر نفعه بالزمن ) وهو : من استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها سوى فعل الخمس بسننها ، وصلاة جمعة وعيد سمي خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه تلك المدة . ( ومشترك : وهو قدر نفعه بالعمل ) كخياطة ثوب ، وبناء حائط ، ونحوه سمي مشتركا ، لأنه يتقبل أعمالاً لجماعة في وقت واحد يعمل لهم ، فيشتركون في نفعه . ( فالخاص لا يضمن ماتلف بيده إلا إِن فرط ) نص عليه ، مثل أن يأمره بالسقي فيكسر الجرة، أو بكيل شيء فيكسر المكيل ، أو بالحرث فيكسر آلته ، لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به ، فلم يضمن كالوكيل . فإن تعدى ، أو فرط ضمن كسائر الأمناء . ( والمشترك يضمن ما تلف بفعله من تخريق ، وغلط في تفصيل ، وبزلقه، وسقوط عن دابة ، وبانقطاع حبله ) نص عليه في حائك أفسد حياكته ، ويروى تضمينه عن عبر وعلى وشريح والحسن ، وهو قول - ٤٢١ - أبي حنيفة ومالك . وروى أحمد في المسند عن علي رضي الله عنه ((أنه كان يضمن الأجراء ، ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا )» وحمل على المشترك، لما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (( أنه كان يضمن الصباغ والصواغ، وقال: لا يصلح الناس إلا هذا)). ( لا ما تلف بحرزه ، او بغير فعله ، إن لم يفرط ) أو يتعدى . نص عليه ، لأن العين في يده أمانة كالمودع ، ولا أجرة له فيما عمل فيه ، لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر فلم يستحق عوضه . ( ولا يضمن حجام ، وختان ، وبيطار خاصاً كان أو مشتركاً إن كان حاذقاً ، ولم تجن يده ، وأذن فيه مكلف ، أو وليه ) أي ولي غير المكلف لأنه فعل فعلاً مباحاً فلم يضمن سرايته ، فإن لم يكن حاذقاً ضمن ، لأنه لا يحل له مباشرة الفعل إذن فيضمن سرايته . وإن جنت يده بأن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة ضمن ، لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ كإتلاف المال ، وإِن لم يأذن فيه مكلف وقع الفعل به ، أو ولي صغير ومجنون وقع الفعل بهما ضمن ، لأنه فعل غير مأذون فيه ، وعليه يحمل ما روي أن عمر (( قضى في طفلة مات من الختان بديتها على عاقلة خاتنتها ) . ( ولا) ضمان على . ( راع لم يتعد، أو يفرط بنوم ، أو غيبتها عنه ) لأنه مؤتمن كالمودع فإن تعدى ، أو فرط ضمن كسائر الأمناء . ( ولا يصح أن يرعاها بجزء من نمائها) للجهالة، لما تقدم بل بجزء منها مدة معلومة . - ٤٢٢ - فصل ( وتستقر الأجرة بفراغ العمل ) لقوله ، صلى الله عليه وسلم، (« أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) رواه ابن ماجة . ( وبانتهاء المدة ) إذا كانت الإجارة على مدة ، وسلمت إِليه العين بلا مانع ، ولو لم ينتفع لتلف المعقود عليه تحت يده ، فاستقر عليه عوضه ، كثمن المبيع إذا تلف بيد مشتر . ٦ ( وكذا ببذل تسليم العين ) لعمل في الذمة . ( إذا مضى مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها، ولم تستوف ) كما لو استأجر دابة ليركبها إلى موضع معين ذهاباً وإياباً بكذا ، وسلمها له ، ومضى ما يمكن ذهابه ورجوعه فيه على العادة ، ولم يفعل استقرت عليه الأجرة ، لتلف المنافع تحت يده باختياره ، فاستقر عليه الضمان ، كتلف المبيع تحت يد المشتري . ( ويصح تعجيل الأجرة ) كما لو استأجره سنة تسع في سنة ثمان ، وشرط عليه تعجيل الأجرة يوم العقد . ( وتأخيرها) بأن تكون مؤجلة بأجل معلوم كالثمن . ( وإن اختلفا في قدرها) أي : الأجرة ، أو المنفعة. ( تحالفا وتفاسخا ) لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع ويبدأ بيمين المؤجر نص عليه . - ٤٢٣ - ( وإن كان قد استوفى ماله اجرة فأجرة المثل ) أي : مثل تلك العين، لاستيفائه منفعته . (والمستأجر أمين لا يضمن، ولو شرط على نفسه الضمان، إلا بالتفريط) لأنه قبض ليستوفي منها ما ملكه فيها ، فلم يضمنها ، كالزوجة ، والنخلة التي اشتراها ليستوفي ثمرتها . قال في الشرح : قال أحمد فيمن يكري الخيمة إلى مكة فتسرق من المكتري : أرجو أن لا يضمن ، وكيف يضمن إذا ذهب ؟! ولا نعلم في هذا خلافاً ، فإن شرط المؤجر الضمان فالشرط فاسد . وروى الأثرم عن ابن عمر قال (( لا يصلح الكري بالضمان)) وعن فقهاء المدينة أنهم قالوا : لا يكري بضمان . انتهى . ( ويقبل قوله في انه لم يفرط ) لأن الأصل عدمه ، والبراءة من الضمان . ء ٤ ( وان ما استأجره أبق، أو شرد، أو مرض، أو مات) في مدة الإجارة أو بعدها ، لأنه مؤتمن ، والأصل عدم انتفاعه ، وكذا لو صدقه المالك ، واختلفا في وقته ، ولا بينة للمالك قبل قول المستأجر بيمينه، لأن الأصل عدم العمل ، ولأنه حصل فييده، وهو أعلم بوقته . ( وإن شرط عليه أن لايسير بها في الليل، أو وقت القائلة، أو لا يتأخر بها عن القافلة ونحو ذلك مما فیه غرض صحيح فخالف ضمن ) لما ذکر عن فقهاء المدينة أنهم قالوا : لا يكري بالضمان إلا أنه من شرط على كري أن لا ينزل بطن واد ، ولا يسير به ليلاً مع أشباه هذه الشروط فتعدى ذلك فتلف أنه ضامن، وكما إذا شرط ذلك في المضاربة . ( ومتى انقضت الإجارة رفع المستأجر يده ، ولم يلزمه الرد ولا مؤنته - ٤٢٤ - كالمودع ) لأنه عقد لا يقتضي الضمان ، فلا يقتضي رده ومؤتته بخلاف العارية ، وفي التبصرة : يلزمه رد بشرط ، وتكون بعد انقضاء المدة بيد المستأجر أمانة إن تلفت بغير تفريط فلا ضمان عليه . باب المتابقَة (وهي جائزة في السفن ، والمزاريق، والطيور ، وغيرها، وعلى الأقدام، وبكل الحيوانات (١)) أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة ، لقوله تعالى ( وَأْعِدّوْا لَهُمْ ما أُسْتَطَهْتُ مِنْ قُوَّةٍ ... )(٣) ولمسلم مرفوعاً (ألا إن القوة الرمي)) وعن ابن عمر ((أن النبي صلى الله عليه وسلم، سابق بين الخيل المضمرة من الحفيا الى ثنية الوداع ، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق)) متفق عليه . ( وسابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة على قدميه )) رواه أحمد وأبو داود . ((وصارع ركانة فصرعه)) رواه أبو داود. ((وسابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم )) رواه مسلم . (( ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم يرفعون حجر ليعلموا الشديد منهم فلم ينكر عليهم)) . ( لكن لا يجوز أخذ العوض إلا في مسابقة الخيل، والإبل، والسهام ) لحديث أبي هريرة مرفوعاً (( لا سبق إِلا في نصل أو خف أو حافر)) رواه الخمسة ، ولم يذكر ابن ماجة نصل . ويتعين حمله على المسابقة (١) المزراق : الرمح القصير. (٢) الانفال من الآية / ٦١ . - ٤٢٥ - بعوض جمعاً بينه وبين ما تقدم ، للإجماع على جوازها بغير عوض في غير الثلاثة ، ولأنها آلات الحرب المأمور بتعلمها ، وأحكامها ، وذكر ابن عبد البر تحريم الرهن في غير الثلاثة إجماعاً . ( بشروط خمسة : الأول : تعيين المركوبين ، والراميين بالرؤية ) لأن القصد معرفة جوهر الدابتين ، ومعرفة حذق الرماة ، ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية . ( الثاني : اتحاد المركوبين ، أو القوسين بالنوع ) فلا تصح بين عربي وهجين ، ولا بين قوس عربية وفارسية ، لأن التفاوت بينهما معلوم بحكم العادة أشبها الجنسين . ( الثالث : تحديد المسافة بما جرت به العادة ) لحديث ابن عمر السابق فلو جعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها غالباً ، وهو مازاد على ثلاث مائة ذراع لم تصح ، لأن الغرض المقصود بالرمي يفوت بذلك . قال في الشرح : وقيل : ما رمى في أربع مائة ذراع إِلا عقبة بن عامر الجهني . ( الرابع: علم العوض وإباحته) ويجوز حالاً ، ومؤجلاً . (الخامس : الخروج عن شبه القمار بأن يكون العوض من واحد) فإن كان من الإمام على أن من سبق فهو له جاز ، ولو من بيت المال ، لأن فيه مصلحة وحثاً على تعليم الجهاد ، ونفعاً للمسلمين ، أو كان من أحد غيرهما ، أو من أحدهما جاز ، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ، لأنه إذا جاز بذله من غيرهما فأولى أن يجوز من أحدهما . وعن ابن عمر (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، سبق بين الخيل وأعطى السابق) رواه أحمد . - ٤٢٦ - ( فإن اخرجا معاً لم يجز ) لأنه قمار إِذ لا يخلو كل منهما أن يغنم أو يغرم ، لحديث ابن مسعود مرفوعاً ((الخيل ثلاثة : فرس للرحمن، وفرس للإنسان ، وفرس للشيطان ، فأما فرس الرحمن : فالذي يربط في سبيل الله فعلفه وروثه وبوله ، وذكر ما شاء الله أجر . وأما فرس الشيطان : فالذي يقامر ويراهن عليه )) الحديث رواه أحمد. وحمل على المراهنة من الطرفين من غير محلل . (إلا بمحل لا يخرج شيئاً) وبه قال ابن المسيب، والزهري، وحكي عن مالك : لا أحبه . وعن جابر بن زيد أنه قيل له : إِن الصحابة لا يرون به بأساً فقال: هم أعف من ذلك . قاله في الشرح. (ولا يجوز) كون المحلل . ( أكثر من واحد) لدفع الحاجة به . ( يكافىء مركوبه مركوبيهما ) في المسابقة . (ورميه رميبهما) في المناضلة ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً ((من أدخل فرساً بين فرسين ، وهو لا يأمن أن يسبق فليس قماراً ، ومن أدخل فرساً بين فرسين، وقد أمن أن يسبق فهو قمار )) رواه أبو داود . فجعله قماراً إذا أمن أن يسبق ، لأن وجوده كعدمه . واختار الشيخ تقي الدين : يجوز من غير محلل قال : وهو أولى وأقرب إلى العدل من كون السبق من أحدهما ، وأبلغ في تحصيل مقصود كل منهما ، وهو بيان عجز الآخر . انتهى . ( فإن سبقا معاً احرزا سبقيهما ) ولا شيء للمحلل ، لأنه لم يسبق أحدهما . - ٤٢٧ - ( ولم يأخذا من المحلل شيئاً) لئلا يكون قماراً . ( وإن سبق أحدهما ، أو سبق المحلل أحرز السبقين ) لوجودشرطه. ويسن أن يكون لهما غرضان إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني ، لفعل الصحابة رضي الله عنهم . قال إبراهيم التيمي : رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين . وعن ابن عمر مثله ويروى أن الصحابة يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهباناً ، ويروى مرفوعاً (( مابين الغرضين روضة من رياض الجنة)) ويكره للأمين ، والشهود مدح أحدهما إذا أصاب ، وعيبه إذا أخطأ لما فيه من كسر قلب صاحبه وغیظه ، وحرمه ابن عقيل . ( والمسابقة جعالة ) لأن الجعل في نظير عمله وسبقه . ( لا يؤخذ بعوضها رهن، ولا كفيل) لأنها عقد على مالم تعلم القدرة على تسليمه ، وهو السبق ، أو الإصابة أشبه الجعل في رد الآبق . ٠ ( ولكل فسخها ) كسائر الجعالات . ( مالم يظهر الفضل لصاحبه ) فإِن ظهر ، فللفاضل الفسخ ، وليس للمفضول ، لئلا يفوت غرض المسابقة ، فإنه متى بان له أنه مسبوق سخ. - ٤٢٨ - ـالعادية وهي مستحبة بالإجماع لقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى أَلْبِّ وَالتَّقْوى)(١) وهي من البر وقال تعالى (وَيَمْعَونَ الماعونَ) (٢) قال ابن عباس، وابن مسعود ((العواري)) وفسرها ابن مسعود قال ((القدر والميزان. والدلو)) قال في الشرح : وهي غير واجبة في قول الأكثر لحديث «هل علي غيرها ؟ قال: لا إِلا أن تطوع)). ( منعقدة بكل قول أو فعل يدل عليها ) كأعرتك هذه الدابة ، أو اركبها ، أو استرح عليها ، ونحوه ، وكدفعه دابة لرفيقه عند تعبه ، وتغطيته بكسائه لبرده فإذا ركب الدابة، أو استبقى الكساء كان قبولاً. (بشروط ثلاثة: ١ - كون العين منتفعاً بها مع بقائها) لأن النبي صلى الله عليه وسلم (( استعار من أبي طلحة فرساً فركبها)) و(( استعار من صفوان بن أميه أدراعاً)) رواه أبو داود . وقيس عليه سائر ما ينتفع به مع بقاء عينه . (٢ - وكون النفع مباحاً) لأن الإعارة لا تبيح له إلا ما أباح الشرع فلا تصح الإعارة لغناء أو زمر ونحوه . وتصح إِعارة كلب الصيد ، (١) المائدة من الآية / ٣ . (٢) الماعون من الآية / ٧ . - ٤٢٩ - وفحل لضراب ، لإِباحة نفعهما ، والمنهي عنه العوض عن ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم (( ذكر في حق الإبل والبقر والغنم إِعارة دلوها ، وإِطراق فحلها )) . (٣ - وكون المصير أهلا للتبرع) لأنها نوع تبرع إذ هي إِباحة منفعة. ( وللمعير الرجوع في عاريته أي وقت شاء) لأن المنافع المستقبلة لم تحصل في يد المستعير ، فجاز الرجوع فيها ، كالهبة قبل القبض . ( ما لم يضر بالمستعير ) فإن أضر به لم يرجع ، لحديث (( لا ضرر ولا إِضرار)). ( فمن أعار سفينة لحمل ، أو أرضاً لدفن ، أو زرع لم يرجع حتى ترسي السفينة ، ويبلى الميت، ويحصد الزرع) ولا يتملك الزرع بقيمته. نص عليه ، لأن له وقتاً ينتهي إنيه . ( ولا أجرة له منذ رجع إلا في الزرع) إِذا رجع المعير قبل أوان حصده، ولا يحصد قصيلاً فله أجرة مثل الأرض من رجوعه إلى الحصاد ، لوجوب تبقيته فيها قهراً علیه ، لأنه لم يرض بذلك بدلیل رجوعه فتعين إِبقاؤه بأجرته إلى الحصاد جمعً بين الحقين . - ٤٣٠ - فصل ( والمستعير في استيفاء النفع كالمستاجر ) له أن ينتفع بنفسه ، وبمن يقوم مقامه لملكه التصرف فيها بإذن مالكها . (إلا انه لا يعير ولا يؤجر ) ما استعاره لعدم ملكه منافعه بخلاف المستأجر . ( إلا بإذن المالك) فإن أعاره بدون إذنه فتلف عند الثاني ، فللمالك تضمين أيهما شاء ، ويستقر الضمان على الثاني ، لأنه قبضه على أنه ضامن له ، وتلف في يده فاستقر الضمان عليه ، كالغاصب من الغاصب. قاله في الكافي . ( وإذا قبض المستعير العارية فهي مضمونة عليه بمثل مثلي ، وقيمة متقوم يوم تلف ) لأنه يوم تحقق فواتها . ( فرط أولا ) نص علیه ، ولو شرط نفي ضمانها ، وبه قال ابنعباس وعائشة وأبو هريرة ، وهو قول الشافعي وإسحاق ، لقوله صلى الله عليه وسلم لصفوان ابن أمية ((بل عارية مضمونة)) وروي ( مؤداة)) رواه أبو داود . فأثبت الضمان من غير تفصيل . وعن سمرة مرفوعاً ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) رواه الخمسة وصححه الحاكم . ( لكن لا ضمان في أربع مسائل إلا بالتفريط: ١ - فيما إذا كانت العارية وقفاً ككتب علم وسلاح ) لأن قبضه ليس على وجه يختص مستغير - ٤٣١ - بنفعه ، لأن تعلم العلم وتعليمه ، والغزو من المصالح العامة ، أو لكون الملك فيه لغير معين ، أو لكونه من جملة المستحقين له . (٢ - وفيما إذا أعارها المستأجر) لقيام المستعير مقامه في استيفاء المنفعة فحكمه حكمه في عدم الضمان . (٣ - أو بليت فيما اعیرت له) کثوب بلي بلبسه ونحوه ، لأن الإذن في الاستعمال تضمن الإِذن في الإتلاف به ، وما أذن في إِتلافه لا يضمن كالمنافع . (٤ - أو أركب دابته منقطعاً لله تعالى فتلفت تحته) لم يضمنها لأنها بيد صاحبها ، وراكبها لم ينفرد بحفظها أشبه مالو غطى ضيفه بلحاف فتلف عليه لم يضمنه ، كرديف ربها ، وكرائض يركب الدابة لمصلحتها فتلفت تحته ، وكوكيل ربها إذا تلفت تحت يده ، لأنه لم يثبت لها حكم العارية . ( ومن استعار ليرهن فالمرتهن أمين ) لا يضمن إلا إِن تعدى ، أو فرط . ( ويضمن المستعير ) سواء تلفت تحت يده ، أو تحت يد المرتهن ، لما تقدم. ( ومن سلم لشريكه الدابة ، ولم يستعملها ، أو استعملها في مقابلة علفها بإذن شريكه، وتلفت بلا تفريط لم يضمن ) قال في شرح الإقناع : وإن سلمها إِليه لركوبها لمصلحته ، وقضاء حوائجه عليها فعارية . - ٤٣٢ - كتابُ الغصب ( وهو الاستيلاء عرفاً على حق الغير عدواناً) وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى (وَلا تَأْكُلوا أَمْوَاَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) (١) وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم ((إِن دماء كم وأموالكم عليكم حرام )) الحديث رواه مسلم . وأجمعوا على تحريمه في الجملة ، وإنما اختلفوا في فروع منه. قاله في الشرح. ( ويلزم الغاصب رد ما غصبه) لحديث («على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) وتقدم وحديث (( لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لا لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فلیردها » رواه أبو داود . (بنمائه) أي بزيادته متصلة كانت ، أو منفصلة ، لأنها من نماء المغصوب ، وهو لمالكه فلزمه رده کالأصل . ( ولو غرم رده أضعاف قيمته ) كمن غصب حجراً أو خشباً قيمته : درهم مثلاً ، وبنى عليه، واحتاج في إخراجه ، ورده الى خمسة دراهم، لما سبق . ( وإن سمر بالمسامير ) المغصوبة ( باباً قلعها وردها) ولا أثر لضرره ، لأنه حصل بتعديه . (١) البقرة من الآية / ١٨٨. - ٤٣٣ - ( وإن زرع الأرض فليس ثربها بعد حصده إلا الأجرة ) لأنه انفصل عن ملكه ، كما لو غرس فيها غرساً ثم قلعه . ( وقبل الحصد یخیر بین تر که باجر ته ، أو تملكه بنفقته ، وهي : مثل البذر وعوض لواحقه) لحديث رافع بن خديج مرفوعاً (( من زرع في أرض قوم بغير إِدنهم فليس له من الزرع شيء ، وله نفقته )) رواه أبو داود ، والترمذي ، وحسنه. قال أحمد: إِنما أذهب إلى هذا الحكم استحساناً على خلاف القياس ، ولأنه أمكن الجمع بين الحقين بغير إتلاف ، فلم يجز الإتلاف . ( وإن غرس أو بنى في الأرض الزم بقلع غرسه وبنائه ) لقوله صلى الله عليه وسلم (( ليس لعرق ظالم حق)) حسنه الترمذي . ( حتى ولو كان ) الغاصب ( أحد الشريكين ) في الأرض ( وفعله بغير إذن شريكه ) للتعدي . فصل ( وعلى الغاصب أرش نقص المغصوب ) بعد غصبه ، وقبل رده ، لأنه نفص عين نقصت به القيمة ، فوجب ضمانه ، كذراع من الثوب . ( وأجرته مدة مقامه بيده ) إن كان لمثله أجرة سواء استوفى المنافع، أو تركها ، لأنه فوت منفعته زمن غصبه ، وهي : مال يجوز أخذ العوض عنه، كمنافع العبد. قال في الشرح: وقال أبو حنيفة : لا يضمن المنافع، وهو الذي نصره أصحاب مالك، واحتج بعضهم بقوله («الخراج بالضمان» - ٤٣٤ - وهذا في البيع لا يدخل فيه الغاصب ، لأنه لا يجوز له الانتفاع به إجماعاً . انتهى . ( فإن تلف ضمن المثلي بمثله، والمتقوم بقيمته يوم تلفه ) قال ابن عبد البر : كل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مهلكه مثله لا قيمته ، نص عليه ، لأن المثل أقرب إليه من القيمة . وإِن لم يكن مثلياً ضمنه بقيمته ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل)) متفق عليه . فأمر بالتقويم في حصة الشريك، لأنها متلفة بالعتق . قال في الشرح : وحكي عن العنبري ، يجب في كل شيء مثله، لحديث ((القصعة لما كسرتها إِحدى نسائه)) صححه الترمذي. ولنا حديث العتق. وهذا محمول على أنه جوزه بالتراضي. انتهى. ( في بلد غصبه ) لأنه موضع الضمان بمقتضى التعدي . ( ويضمن مصاغاً مباحاً من ذهب أو فضة بالأكثر من قيمته أو وزنه) ويقوم بغير جنسه ، لئلا يؤدي إِلى الربا . ( والمحرم) كأواني الذهب ، والفضة ، وحلي الرجال يضمن ( بوزنه ) من جنسه ، لأن صناعته محرمة لاقيمة لها شرعاً . ( ويقبل قول الغاصب في قيمة المغصوب ) التالف . (وفي قدره) بيمينه حيث لا بينة للمالك، لأنه منكر، والأصل براءته من الزائد . ( ويضمن ) الغاصب ( جنايته) أي : المغصوب . ( وإتلافه ) أي : بدل ما يتلفه . - ٤٣٥ - ( بالأقل من الأرش او قيمته ) أي : العبد كما يفديه سيده ، لتعلق ذلك برقبته ، فهي نقص فيه كسائر نقصه . وجناية المغصوب على الغاصب ، أو على ماله هدر ، لأنها لو كانت على غيره كانت مضمونة عليه ، ولا يجب له على نفسه شيء فتسقط . (وإن اطعم الغاصب ما غصبه ) لغير مالكه فأكله ، ولم يعلم لم يبرأ الغاصب ، لأن الظاهر أن الإنسان إِنما يتصرف فيما يملك ، وقد أكله على أنه لا يضمنه ، فاستقر الضمان على الغاصب ، لتغريره . وإن علم الآكل له بغصبه استقر ضمانه عليه ، لأنه أتلف مال غيره بلا إذنه من غير تغرير ، ولمالكه تضمين الغاصب له ، لأنه حال بينه وبين ماله ، وله تضمين آكله ، لأنه قبضه من يد ضامنة ، وأتلفه بغير إذن مالكه . ( حتى ولو ) أطعمه الغاصب ( لمالكه فاکله ، ولم يعلم لم يبرأ الغاصب ) لأنه بالغصب أزالسلطانه، وبالتقديم إِليه لم يعد ذلك السلطان ، فإِنه إباحة لا يملك بها التصرف في غير ما أذن له فيه . قال في الكافي : قيل للإمام أحمد في رجل له ◌ٍقِبَلَ رجل تبعة، فأوصلها إِليه على سبيل الصدقة، ولم يعلم، قال: كيف هذا ?! يرى أنه هدية ويقول : هذا لك عندي . انتهى . ( وإن علم الآكل حقيقة الحال استقر الضمان عليه ) أما المالك فلأنه أتلف ماله عالماً به ، وأما غيره ، فلأنه أتلف مال غيره بلا إذنه من غير تغرير . ( ومن اشترى أرضاً فغرس، أو بنى فيها، فخرجت مستحقة للغير ، وقلع غرسه او بناؤه ) لكونه وضع بغير حق - ٤٣٦ - ( رجع على البائع بجميع ما غرمه ) من ثمن ، وأجرة غارس ، وبان ، وثمن مؤن مستهلكة ، وأرش نقص بقلع ونحوه ، لأنه غره ببيعه ، وأوهمه أنها ملكه ، وذلك سبب بنائه وغرسه . فصل ( ومن أتلف ولو سهواً مالاً لغيره ضمنه ) لأنه فوته عليه ، فوجب عليه ضمانه ، كما لو غصبه ، فتلف عنده . ( وإن اكره على الإتلاف ) لمال مضمون فأتلفه . (ضمن من أكرهه) قال في القواعد : وحده لكن للمستحق مطالبة المتلف ، ويرجع به على المكره ، لأنه معذور في ذلك الفعل ، فلم يلزمه الضمان بخلاف المكره على القتل فإِنه غير معذور ، فلهذا شاركه في الضمان، وبهذا جزم القاضي في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإين عقيل في عمد الأدلة . والوجه الثاني : عليهما الضمان كالدية . صرح به في التلخيص . انتهى . ( ومن فتح قفصاً عن طائر ، أو حل قنا ، او اسيراً، أو حيواناً مربوطاً فذهب او حل وکاء (١) زق فيه مائع فاندفق ضمنه ) لأنه تلف بسبب فعله . ( ولو بقي الحيوان أو الطائر حتى نفرهما آخر ضمن المنفر ) وحده ، لأن سببه أخص فاختص الضمان به ، كدافع واقع في بئر مع حافرها . (١) الوكاء : رباط القربة ونحوها . - ٤٣٧ - ( ومن أوقف دابة بطريق ، ولو واسعاً ) نص عليه . ( أو ترك بها نحوطين ، أو خشبة ضمن ما تلف بذلك ) الفعل لتعديه به ، لأنه ليس له في الطريق حق ، وطبع الدابة الجناية بضمها أو رجلها فإِيقافها في الطريق ، كوضع الحجر ، ونصب السكين فيه . ( لكن لو كانت الدابة بطريق واسع فضربها فرفسته فلا ضمان ) لعدم حاجته إلى ضربها ، فهو الجاني على نفسه . (ومن اقتنی کلیاً عقوراً ، او اسود بهیماً، أو اسدا ، أو ذئباً أو جارحاً) أو هراً تأكل الطيور ، وتقلب القدور عادة . ( فأتلف شيئاً ضمنه ) لأنه متعد باقتنائه . ( لا إِن دخل دار ربه بلا إذنه ) فإِنه لا يضمن ، لأن الداخل متعد بالدخول . (ومن أجج ناراً بملكه فتعدت إلى ملك غيره بتغريطه ضمن ) كمن أجج ناراً تسري عادة لكثرتها ، أو في ريح شديدة تحملها ، أو فزط بترك النار مؤججة ونام ونحوه ، لتعديه ، أو لتقصيره ، كما لو باشر إتلافه . قال في الكافي : وكذا إِن سقى أرضه فتعدى إلى حائط غيره . ( لا إِن طرات ريح ) فلا ضمان ، لأنه ليس من فعله ، ولا بتفريطه . ( ومن اضطجع في مسجد، أو في طريق) واسع لم يضمن ما تلف به ، لأنه فعل مباح لم يتعد فيه على أحد في مكان له فيه حق . أشبه ما لو فعله بملكه . ( أو وضع حجراً بطين في الطريق ، ليطا عليه الناس لم يضمن ) ما تلف به ، لأنه محسن . - ٤٣٨ - فصل ( ولا يضمن رب بهيمة غير ضارية ما أتلفته نهاراً من الأموال والأبدان ) لحديث ((العجماء جرحها جبار)) متفق عليه . يعني هدراً. ( ويضمن راكب وسائق وقائد قادر على التصرف فيها ) جناية يدها ، وفمها ، ووطء رجلها ، لحديث النعمان ابن بشير مرفوعاً (( من وقف دابة في سابلة من سبل المسلمين ، أو في سوق من أسواقهم ، فما وطئت بيد أو رجل فهو ضامن)) رواه الدارقطني . ولا يضمن ما نفحت (١) برجلها ، لحديث أبي هريرة مرفوعاً ((الرجل جبار)) رواه أبو داود . وخص بالنفح ، لأن المتصرف فيها يمكنه منعها من الوطء لما لا يريد دون النفح . ( وإن تعدد راكب ضمن الأول ) ما يضمنه المنفرد ، لأنه المتصرف فيها ، والقادر على كفها . ( أو من خلفه إن انفرد بتعبيرها)) لصغر الأول أو مرضه أو عماه ، لأنه المتصرف فيها . ( وإن اشتركا في تديرها ، او لم يكن إلا قائد وسائق اشتركا في الضمان)) لأن كلاً منهما لو انفرد لضمن، فإذا اجتمعا ضمنا. (ويضمن ربها ما أتلفته ليلا إن كان بتغريطه) لحديث مالك عن الزهري، عن حزام بن محيِّصَّة، (( أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا (١) نفحت الدابة الرجل : ضربته بحد حافرها. - ٤٣٩ - فأفسدت فيه ، فقضى نبي الله، صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها )) . قال ابن عبد البر : وإِن كان مرسلاً فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات ، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول ، ولأن عادة أهل المواشي إرسالها نهاراً للرعي ، وعادة أهل الحوائط حفظها نهاراً . ( وكذا مستعيرها ومستأجرها، ومن يحفظها ) لأن يده عليها . ( ومن قتل صائلا عليه ، ولو آدمياً دفعاً عن نفسه ، أو ماله) لم يضمنه إِن لم يندفع إِلا بالقتل ، لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد)) رواه الخلال بإسناده . وقال الحسن: من عرض لك في مالك فقاتلته ، فإن قتلته فإلى النار ، وإِن قتلك فشهيد، ولأنه لو لم يدفعه لاستولى قطاع الطريق على أموال الناس، واستولى الظلمة والفساق على أنفس أهل الدين وأموالهم. قاله في الكافي . وقال في الشرح . فإن كانت بهيمة ، ولم يمكنه دفعها إِلا بقتلها جاز له قتلها إجماعاً ، ولا يضمنها . ( أو أتلف مزماراً، أو آلة لهو ) لم يضمنه ، لأنه لا يحل بيعه . أشبه الكلب والميتة . ( أو كسر إناء فضة، أو ذهب) لم يضمنه ، لأن اتخاذه محرم . (أو) كسر إِناءً ( فيه خمر مامور بإراقتها ) وهي : ماعدا خمر الخلال ، والذمي المستترة لم يضمن ، لما روى أحمد عن ابن عمر (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، أمره أن يأخذ مدية ، ثم خرج إلى أسواق المدينة ، وفيها - ٤٤٠ -