النص المفهرس
صفحات 141-160
باب صلاة الجمعة ( تجب على كل ذكر ، مسلم ، مكلف ، حر ، لا عذر له ) لقوله تعالى ( يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اُللهِ) الآية (٢) وروى ابن ماجة عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ((واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا ، في عامي هذا ، فمن تركها في حياتي ، أو بعدي ، وله إمام عادل ، أو جائر استخفافاً بها ، أو جحوداً بها ، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك الله في أمره)). وعن طارق بن شهاب مرفوعاً (( الجمعة حق واجب على كل مسلم ، إلا أربعة: عبد مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض )) رواه أبو داود . ( وكذا على كل مسافر لا يباح له القصر ) كسفر معصية . وما دون لمسافة فتلزمه بغيره . ( وعلى مقيم خارج البلد ، إذا كان بينهما وبين الجمعة وقت فعلها فرسخ فأقل ) لقوله صلى الله عليه وسلم (( الجمعة على من سمع النداء)) رواه أبو داود. ولم يكن اعتبار السماع بنفسه ، فاعتبر بمظنته ، والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب إذا كان المؤذن صيتاً بموضع عال ، (٢) الجمعة من الآية / ٠٩ - ١٤١ - والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية فرسخ . فاعتبر ناه به . قاله في الكافي . ( ولا تجب على من يباح له القصر) ((لأنه صلى الله عليه وسلم ، هو وأصحابه في الحج، وغيره ، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه ، مع اجتماع الخلق الكثير)) وقال إبراهيم : كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك ، وبسجستان السنتين لا يجمعون ، ولا يشرقون . رواه سعيد . ( ولا على عبد، ومبعض، وامرأة ) لما تقدم . ( ومن حضرها منهم أجزاته ) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه أن لا جمعة على النساء . وأجمعوا على أنهن إِذا حضرن ، فصلين الجمعة أن ذلك یجزىء عنهن , ( ولا يحسب هو ، ولا من ليس من أهل البلد من الأربعين ، ولا تصح إمانتهم فيها ) لأنهم من غير أهل الوجوب ، وإنما صحت منهم تبعاً . ( وشرط لصحة الجمعة أربعة شروط ، أحدها: الوقت، وهو من أول وقت العيد إلى خروج وقت الظهر ) لقول عبد الله بن سيدان السلمي « شهدت الجمعة مع أبي بكر ، فكانت خطبته ، وصلاته قبل نصف النهار وشهد تها مع عمر ، فكانت خطبته ، وصلاته إلى أن أقول : انتصف النهار . ثم شهدتها مع عثمان ، فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول : زال النهار ، فما رأيت أحداً عاب ذلك ، ولا أنكره )) رواه الدارقطني ، وأحمد واحتج به، قال: وكذلك «روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية . أنهم صلوا قبل الزوال ، فلم ينكر )) وعنجابر ((كان رسول - ١٤٢ - الله صلى عليه وسلم ، يصلي الجمعة ، ثم نذهب إلى جمالنا ، فنريح حين تزول الشمس )) رواه أحمد ، ومسلم . ( وتجب بالزوال، وبعده أفضل) خروجاً من الخلاف، ((ولأنه الوقت الذي كان صلى الله عليه وسلم يصلبها فيه في أكثر أوقاته )) لقول سلمة بن الأكوع (( كنا نجمع مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إذا زالت الشمس ، ثم نرجع ، فنتتبع الفيء)) أخرجاه . وما قبل الزوال وقت للجواز لا للوجوب . ( الثاني : أن تكون بقرية ، ولو من قصب ) فأما أهل الخيام ، وبيوت الشعر فلا جمعة لهم . لأن ذلك لا ينصب للاستيطان . وكانت قبائل العرب حول المدينة ، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه . ( يستوطنها أربعون استيطان إقامة لا يظعنون صيفاً ولا شتاء ) وهو قول أكثر أهل العلم ، قاله في المغني . ( وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء ) لما يأتي . ( الثالث: حضور أربعين ) لقول كعب بن مالك (( أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم النبيت في نقيع يقال له : نقيع الخضمات . قلت كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً)) رواه أبو داود . قال ابن جريج (( قلت لعطاء أكان بأمر النبي ، صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم)) . وقال أحمد: (( بعث النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مصعب بن عمير إلى أهل المدينة ، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم ، وكانوا أربعين ، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة)). وقال جابر (( مضت السنة أن في كل أربعين ، فما فوق جمعة ، وأضحى، وفطر )) رواه الدارقطني . - ١٤٣ - ( فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً) نص عليه . لأن العدد شرط ، فاعتبر في جميعها . وقال في الكافي : وقياس المذهب أنهم إن انفضوا بعد صلاة ركعة أتمها جمعة . (الرابع: تقدم خطبتين) ((لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يقعد بينهما)) متفق عليه . ومداومته عليهما دليل على وجوبهما . ( من شرط صحتهما خمسة أشياء: ١ - الوقت ) لأنهما بدل ركعتين. قالت عائشة ((إِنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة)). (٢ - النية) لحديث ((إنما الأعمال بالنيات)). (٣ - وقوعهما حضراً. ٤ - حضور الأربعين ) لما تقدم، ولأنه ذكر اشترط للصلاة ، فاشترط له العدد . (٥ - أن يكونا ممن تصح إمامته فيها) فلا تصح خطبة من لا تجب عليه الجمعة . كعبد ، ومسافر . (واركانهما ستة: ١ - حمدالله) لحديث (( كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله ، فهو أجذم)) رواه ابو داود . وقال جابر (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يخطب الناس: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله)) الحديث . (٢ - والصلاة على رسول الله) صلى الله عليه وسلم ، لأن كل عبادة ٦ افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله ، كالأذان . (٣ - وقراءة آية من كتاب الله) عز وجل لقول جابر بن سمرة «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ آيات ، ويذكر الناس)) رواه مسلم . - ١٤٤ - (٤ - والوصية بتقوى الله ) لأنها المقصود بالخطبة ، فلم يجز الإخلال بها . (٥ - وموالانهما مع الصلاة ) لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم خلافه ، وقال ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). (٦ - والجهر بحيث يسمع العدد المعتبر حيث لامانع) لهم من سماعه كنوم بعضهم ، أو غفلته ، أو صممه ، فإِن لم يسمعوا لخفض صوته ، لم تصح لعدم حصول المقصود. وعن جابر ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمر ت عيناه ، وعلا صوته )) الحديث رواه مسلم . ( وسنتها الطهارة ) فلا تشترط نص عليه ، وعنه أنها من شرائطها. قاله في المغني . ( وستر العورة ، وازالة النجاسة ) قياساً ، لأن الخطبتين بدلركعتين من الجمعة . لقول عمر، وعائشة ((قصرت الصلاة لأجل الخطبة)) ولحم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم تطهر بين الخطبة والصلاة ، فدل على أنه يخطب متطهراً . ( والدعاء للمسلمين ) لأنه، صلى الله عليه وسلم، ((كان إذا خطب يوم الجمعة دعا ، وأشار بأصبعه، وأمَّن الناس)) رواه حرب في مسائله. ولأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ، ففيها أولى . ( وأن يتولاهما مع الصلاة واحد ) قال أحمد في الإِمام يخطب يوم الجمعة ، ويصلي الأمير بالناس : لا بأس إذا حضر الأمير الخطبة ، لانه لا يشترط اتصالها بها ، فلم يشترط أن يتولاهما واحد كصلاتين . (ورفع الصوت بهما حسب الطاقة ) لما سبق . - ١٤٥ - ( وأن يخطب قائماً) لقوله تعالى (وَتَرَ كوكَ قائِما)(١) وقال جابر ابن سمرة (( كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يخطب قائما ، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب )) رواه مسلم . ( على مرتفع ) لأنه أبلغ في الإِعلام ، ولأنه صلى الله عليه وسلم (( كان يخطب على منبره)). (معتمداً على سيف، أو عصا) أو قوس ((لفعله صلى الله عليه وسلم » رواه أبو داود . ( وان يجلس بينهما قليلا) لقول ابن عمر ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس )) متفق عليه. ( فإن أبى ، أو خطب جالساً ، فصل بينهما بسكتة ) ليحصل التمييز بينهما . وليست واجبة، لأن جماعة من الصحابة سردوا الخطبتين من غير جلوس : منهم المغيرة ، وأبي بن كعب . قاله أحمد. i (وسن قصرهما، والثانية أقصر) لحديث عمار مرفوعاً (( إِن طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطبة )) رواه مسلم . ( ولا بأس أن يخطب من صحيفة ) كفراءة في الصلاة من مصحف . (١) الجمعة من الآية /١١. - ١٤٦ - فصل ( يحرم الكلام والإمام يخطب ، وهو منه بحيث يسمعه ) لقوله صلى الله عليه وسلم ((إِذا قلت لصاحبك والإِمام يخطب أنصت فقد لغوت)) متفق عليه . ( ويباح إذا سكت بينهما ) لأنه لا خطبة إِذاً ينصت لها . ( أو شرع في دعاء ) لأنه غير واجب ، فلا يجب الإِنصات له . ( وتحرم إقامة الجمعة ، واقامة العيد في أكثر من موضع من البلد ) (( لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة)). ( إلا لحاجة كضيق، وبعد ، وخوف فتنة ) لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير ، فصار إجماعاً ، قاله في الكافي، والمعني. وقيل لعطاء : إِن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر . قال : لكل قوم مسجد يجمعون فيه . ( فإن تعددت لغير ذلك فالسابقة بالإحرام هي الصحيحة ) لحصول الاستغناء بها ، فأنيط الحكم بها . ((( ومن أحرم بالجمعة في وقتها، وأدرك مع الإِمام ركعة أتم جمعة))) رواه البيهقي عن ابن مسعود ، وابن عمر . وعن أبي هريرة مرفوعاً (( من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة )) رواه الأثرم، ورواه ابن ماجة، ولفظه ((فليضف إليها أخرى)). وعنه مرفوعاً (( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام فقد أدرك الصلاة )) متفق عليه . - ١٤٧ - ( وإن أدرك أقل نوى ظهراً) وقال أبو إسحاق بن شأنقلا : ينوي جمعة ، لئلا تخالف نيته نية إمامه ، ثم يبني عليها ظهراً، لأنهما فرض من وقت واحد . قاله في الكافي . ( وأقل السنة بعدها ركعتان ) لأنه ، صلى الله عليه وسلم (( كان يصلي بعد الجمعة ركعتين )) متفق عليه . ( وأكثرها ست) لحديث أبي هريرة مرفوعاً ((إِذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات)) . رواه الجماعة، إلا البخاري. فالمجموع ست ركعات : ركعتان من فعله ، وأربع من أمره . قاله في القواعد . ( وسن قراءة سورة الكهف في يومها ) (( لحديث أبي سعيد)) رواه البيهقي . ( وأن يقرأ في فجرها: المالسجدة، وفي الثانية: هل أتى ) نص عليه، لأنه عليه السلام ((كان يفعله)) متفق عليه . ( وتكره مداومته عليهما) لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة . قاله أحد. وقال جماعة : لئلا يظن الوجوب . - ١٤٨ - بابصلاة العِيْدِين ( وهي فرض كفاية ) لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة ، ولأنه صلى الله عليه وسلم (( داوم عليها)). ( وشروطها كالجمعة) لأنها صلاة عيد، فأشبهت الجمعة. قاله في الكافي . ( ماعدا الخطبتين ) فإنها في العيد سنة ، لقول عبد الله ابن السائب: شهدت العيد مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى الصلاة قال (( إِنا نخطب ، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب )) رواه أبو داود . ولو وجبت لوجب حضورها، واستماعها . (وتسن في الصحراء) لحديث أبي سعيد ((كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يخرج في الفطر، والأضحى إلى المصلى)) متفق عليه . وكذا الخلفاء بعده . ( ويكره التنفل قبلها، وبعدها قبل مغارقة المصلى ) نص عليه ، لحديث ابن عباس (( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، خرج يوم الفطر فصلى ركعتين ، لم يصل قبلهما ، ولا بعدهما )) متفق عليه . ( ووقتها كصلاة الضحى) (( لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، وخلفاءه ، كانوا يصلونها بعد ارتفاع الشمس » ويسن تعجيل الأضحى ، وتأخير - ١٤٩ - . الفطر. لما روى الشافعي مرسلاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران ، أن عجل الأضحى ، وأخر الفطر ، وذكر الناس )) . ( فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال ، صلوا من الغد قضاء ) لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا (( غم علينا هلال شوال ، فأصبحنا صياماً ، فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم ، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد )) رواه الخمسة ، إِلا الترمذي ، وصححه إسحاق ، والخطابي . ولأن العيد يشرع له الاجتماع العام ، وله وظائف دينية ودنيوية ، وآخر النهار مظنة الضيق عن ذلك غالباً . ( وسن تبكير المأموم ) ليحصل له الدنو من الإِمام، وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه . ( وتأخر الإمام إلى وقت الصلاة) لقول أبي سعيد (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يخرج يوم الفطر ، والأضحى إِلى المصلى ، فأول شيء يبدأ به الصلاة)) رواه مسلم . ويخرج ماشياً ، وعليه السكينة والوقار ، لقول علي رضي الله عنه (( إِن من السنة أن تأتي العيد ماشياً)» حسنه الترمذي وقال : العمل على هذا عند أهل العلم . ( وإذا ذهب في طريق يرجع من اخرى ) لحديث جابر (( كان النبي صلى الله عليه وسلم ، إِذا خرج إلى المصلى خالف الطريق)) . رواه البخاري ، ورواه مسلم عن أبي هريرة . - ١٥٠ - ( وكذا الجمعة ) قياساً على العيد . ( وصلاة العيد ركعتان ) لقول عمر ((صلاة الفطر، والأضحى ركعتان ركعتان ، تمام غير قصر على لسان نبيكم . وقد خاب من افترى)) رواه أحمد . ( يكبر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ، وقبل التعوذ ستاً . وفي الثانية قبل القراءة خمساً ) نص عليه ، لحديث عائشة مرفوعاً ((التكبير في الفطر ، والأضحى في الأولى سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمس تكبيرات ، سوى تكبيرتي الركوع)) رواه أبو داود . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه . رواه أحمد ، وابن ماجة . واعتددنا بتكبيرة الإحرام ، لأنها في حال القيام ، ولم نعتد بتكبيرة القيام ، لأنها قبله . قاله في الكافي . ( يرفع يديه مع كل تكبيرة) لأن عمر رضي الله عنه ((كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة، وفي العيد)) وعن زيد كذلك . رواهما الأثرم . وفي حديث وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم ، « كان يرفع يديه مع التكبير )) قال أحمد : فأرى أن يدخل فيه هذا كله . ( ويقول بينهما: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً) لقول عقبة ابن عامر سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد ، قال ((يحمد الله، ويثني عليه ، ويصلي على النبي، صلى الله عليه وسلم )) رواه الأثرم ، وحرب . واحتج به أحمد . ( ثم يستعيذ) لأن الاستعاذة للقراءة ، فتكون في أولها . - ١٥١ - ( ثم يقرأ جهراً ) بغير خلاف ، قاله الموفق ، لقول ابن عمر ((كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، يجهر بالقراءة في العيدين، والاستسقاء)) رواه الدارقطني . ( الفاتحة ، ثم سبح في الأولى، والغاشية في الثانية ) لقول سمرة (( كان صلى الله عليه وسلم، يقرأ في العيدين ( سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى)(١) (وَهَلْ أَتَاكَ حَديثُ اُلْفَاشِيَةٍ)(٣) رواه أحمد ولابن ماجة عن ابن عباس، والنعمان بن بشير مرفوعاً مثله . وروي عن عمر، وأنس. (فإذا سلم خطب خطبتين ) لقول ابن عمر ((كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، يصلون العيدين قبل الخطبة)» متفق عليه . ( وأحكامهما كخطبتي الجمعة ) لما في حديث جابر (( ثم قام متوكئاً على بلال ، فأمر بتقوى الله ، وحث على طاعته ، ووعظ الناس ، وذكرهم إِلى آخره)) رواه مسلم . وعن الحسن وابن سيرين : أنهما كرها الكلام يوم العيد والإِمام يخطب . ( لكن يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع) لما روى سعيد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: يكبر الإِمام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات ، وفي الثانية سبع تكبيرات ، ويكثر التكبير بين أضعاف الخطبة. اتمولى سعد المؤذن ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير في خطبة العيدين )) رواه ابن ماجة . (١) الأعلى / ١ . (٢) الغاشية / ١ . - ١٥٢ - ٤ (وإن صلى العيد كالنافلة صح ، لأن التكبيرات الزوائد، والذكربينهما) سنة لا تبطل الصلاة بتركه ، قال في المغني : لا أعلم فيه خلافاً . ( والخطبتين سنة ) لما تقدم . ( وسن لمن فانته قضاؤها، ولو بعد نزوال) لما روي عن أنس أنه إذا لم يشهدها مع الإِمام بالبصرة (( جمع أهله ، ومواليه ، ثم قام عبد الله ابن عتبة مولاه، فصلى بهم ركعتين ، يكبر فيهما)). فصل ( يسن التكبير المطلق ) أي الذي لم يقيد بأدبار الصلوات . ( والجهر به في ليلتي العيدين إلى فراغ الخطبة ) لقوله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ... )(١) وعن علي رضي الله عنه (( أنه كان يكبر حتى يسمع أهل الطريق)) وقال الإِمام أحمد : كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعاً . وأوجبه داود في الفطر، لظاهر الآية . وليس فيها أمر، وإِنما أخبر عن إرادته تعالى . قاله في المغني . وروى الدارقطني أن ابن عمر ((كان إِذا غدا يوم الفطر ، ويوم الأضحى ، يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ، ثم يكبر حتى يأتي الإِمام ». ( وفي كل عشر ذي الحجة) ولو لم يَرَ بهيمة الأنعام. قال البخاري ((كان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إِلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما )). (١) البقرة، من الآية / ١٨٥ . - ١٥٣ - ( والتكبير المقيد في الأضحى عقب كل فريضة صلاها في جماعة ) قيل لأحمد : تذهب إلى فعل ابن عمر : لا يكبر إِذا صلى وحده ؟ قال : نعم . وقال ابن مسعود (( إِنما التكبير على من صلى في جماعة )) رواه ابن المنذر . ( من صلاة فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق ) لحديث جابر (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى الصبح يوم عرفة ، ثم أقبل علينا ، فقال : الله أكبر، ومد التكبير إلى آخر أيام التشريق)) رواه الدارقطني بمعناه . قيل لأحمد بأي شيء تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إِلى آخر أيام التشريق ؟ قال: بالإجماع عن عمر، وعلي، وابن عباس ، وابن مسعود رضي الله عنهم . ( إلا المحرم ، فيكبر من صلاة ظهر يوم النحر ) إلى عصر آخر أيام التشريق . نص عليه ، لأن التلبية تنقطع برمي جمرة العقبة. والمسافر كالمقيم في التكبير . وكذلك النساء في الجماعة. قيل لأحمد: قال سفيان: لا يكبر النساء أيام التشريق إلا في جماعة، قال: حسن . وقال البخاري : كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان ، وعمر بن عبد العزيز في المسجد ، ويخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال . والمسبوق يكبر إِذا فرغ في قول الأكثر . قاله في المغني . ( ويكبر الإمام مستقبل الناس ) لحديث جابر المتقدم . ( وصفته شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) لحديث جابر (( كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه ، فيقول: على مكانكم، ويقول: - ١٥٤ - الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)) رواه الداقطني . وقاله علي رضي الله عنه ، وحكاه ابن المنذر عن عمر ، وقال أحمد : أختار تكبير ابن مسعود ، وذكر مثله . ( ولا بأس بقوله لغيره: تقبل الله منا، ومنك ) نص عليه ، قال : لا بأس به ، يرويه أهل الشام عن أبي أمامة ، ووائلة بن الأسقع . وقال الشيخ تقي الدين في الاقتضاء : فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر ، فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس ، وعمرو بن حريث من الصحابة ، وطائفة من البصريين ، والمدنيين ، ورخص فيه أحمد ، وإن كان لا يستحبه . وكرهه طائفة من الكوفيين كإبراهيم النخعي وأبي حنيفة، ومالك ، وغيرهم . ومن كرهه قال : هو من البدع . ومن رخص فيه قال : فعله ابن عباس بالبصرة ، حين كان خليفه لعلي عليها ، ولم ينكر عليه ، وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إِنكار لا يكون بدعة ، لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات في المساجد ، وأنواع الخطب ، والأشعار الباطلة، مكروه في هذا اليوم وغيره . انتهى . ويسن الاجتهاد في العمل الصالح أيام العشر . - ١٥٥ - بابصلاة الكسوف ( وهي سنة) مؤكدة لفعله ، وأمره صلى الله عليه وسلم . ( من غير خطبة) (( لأنه صلى الله عليه وسلم ، أمر بالصلاة دون الخطبة)) . وقال الشافعي: يخطب لها ، لحديث عائشة . ( ووقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهابه ) لقوله صلى الله عليه وسلم (( فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى ينجلي)) رواه مسلم . ( ولا تقضى إن فأنت ) لما تقدم . ولم ينقل الأمر بها بعد التجلي لفوات محلها . ( وهي ركعتان يقرأ في الأولى جهراً الفاتحة ، وسورة طويلة ، ثم يركع طويلاً ، ثم يرفع ، فيسمع ، ويحمد ، ولا يسجد بل يقرأ الفاتحة ، وسورة طويلة ، ثم يركع ، ثم يرفع ، ثم يسجد سجدتين طويلتين ثم يصلي الثانية كالأولى، ثم يتشهد ويسلم) لقول جابر ((كسفت الشمس على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في يوم شديد الحر ، فصلى بأصحابه ، فأطال القيام حتى جعلوا يخرون ، ثم ركع فأطال ، ثم رفع فأطال ، ثم ركع فأطال ، ثم سجد سجدتين ، ثم قام ، فصنع نحو ذلك . فكانت أربع ركعات ، وأربع سجدان )) رواه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود. وعن عائشة قالت (( خسفت الشمس على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فبعث منادياً فنادى : الصلاة جامعة ، وخرج إلى المسجد - ١٥٦ - فصف الناس وراءه ، وصلى أربع ركعات في ركعتين ، وأربع سجدات)) متفق عليه . ( وإن أتى في كل ركعة بثلاثة ركوعات ) فلا بأس ، لحديث جابر (( أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، لما كسفت الشمس ، صلى ست ركعات بأربع سجدات )) رواه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود . ( أو أربع) فلا بأس ، لحديث ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم ، صلى في كسوف ثماني ركعات في أربع سجدات )) رواه أحمد، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي . ( أو خمس فلا باس) لقول أبي بن كعب ((كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى بهم ، فقرأ بسورة من الطول ، وركع خمس ركعات وسجدتين ، ثم قام إلى الثانية ، فقرأ بسورة من الطول ، وركع خمس ركعات وسجدتين )) رواه أبو داود ، وعبد الله بن أحمد في المسند . ( وما بعد الأول سنة لاندرك به الركعة ) لأنه روي من غير وجه بأسانيد حسان من حديث سمرة، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو « أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين، كل ركعة بركوع)) رواها. أحمد ، والنسائي . (ويصح أن يصليها كالنافلة) لما تقدم . ولا تصلى وقت نهي، لعموم أحاديث النهي. ويؤيده قول قتادة ((انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة ، فقاموا يدعون قياماً ، فسألت عن ذلك عطاء ، فقال: هكذا كانوا يصنعون)) رواه الأثرم . - ١٥٧ - بابصلاة الاستسقاء ( وهي سنة) لقول عبد الله بن زيد (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يستسقي ، فتوجه إلى القبلة يدعو ، وحول رداءه ، وصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة)) متفق عليه . ( ووقتها ، وصفتها، وأحكامها كصلاة العيد ) لقول ابن عباس ((صلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ركعتين كما يصلي في العيدين )) صححه الترمذي . وعن جعفر بن محمد عن أبيه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر ، كانوا يصلون صلاة الاستسقاء ، يكبرون فيها سبعاً وخمساً )) رواه الشافعي ، وعن ابن عباس نحوه ، وزاد فيه (( وقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية)) وقالت عائشة ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين بدا حاجب الشمس)) رواه ابو داود . وذكر ابن عبد البر : أن الخروج لها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء . وفي المغني : لا تفعل وقت نهي بلا خلاف . ( وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس ، وأمرهم بالتوبة ، والخروج من المظالم ) لأن المعاصي سبب القحط ، والتقوى سبب البركات قال تعالى ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقُوا لِفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَ كَاتٍ مِنَ السماء وَاُلْأَرْضِ ... ) الآية (١). (١) الأعراف من الآية /٩٥. - ١٥٨ - ( ويتنظف لها ، ولا يتطيب ) ولا يلبس زينة ، لأنه يوم استكانة وخشوع . ( ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللا متضرعاً ) لقول ابن عباس « خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، للاستسقاء متذللا متواضعاً متخشعاً متضرعاً)) صححه الترمذي . ( ومعه أهل الدين، والصلاح ، والشيوخ ) لأنه أسرع للإجابة . ( ويباح خروج الأطفال ، والعجائز ، والبهائم ) ولا يستحب لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى الطبراني في معجمه بإسناده عن الزهري (( أن سليمان عليه السلام ، خرج هو وأصحابه يستسقون ، فرأى نملة قائمة رافعة قوائمها تستسقي ، فقال لأصحابه : ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم)) . وروى الطحاوي ، وأحمد نحوه عن أبي الصديق الناجي . وعن أبي هريرة مرفوعاً (( خرج نبي من الأنبياء يستسقي ... )) وذكر نحوه . رواه الدارقطني . ( والتوسل بالصالحين ) بتقديمهم : يدعون ويؤمن الناس على دعائهم ، لفعل عمر بالعباس ، ومعاوية بيزيد بن الأسود الجُرشي ، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى . ( فيصلي ، ثم يخطب خطبة واحدة) لأنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم ، خطب بأكثر منها . ( يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) لقول ابن عباس ((صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الاستسقاء، كما صنع في العيد)). ( ويكثر فيها الاستغفار ، وقراءة آيات فيها الأمر به) قال الشعبي - ١٥٩ - ( خرج عمر يستسقي ، فلم يزد على الاستغفار. فقالوا: ما رأيناك استسقيت ! فقال : لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يستنزل به المطر، ثم قرأ (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّراً يُرْسِلِ السَّاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) الآية(١) و (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اليهِ) الآية (٣) رواه سعيد في سننه . ( ويرفع يديه ، وظهورهما نحو السماء ) من شدة الرفع ، لقول أنس ((كان النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يرفع يديه في شيء من دعائه إِلا في الاستسقاء، فإِنه كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه)) متفق عليه . ولمسلم (( أن النبي صلى الله عليه وسلم ، استسقى ، فأشار بظهر كفه إلى السماء )). (ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمن المأموم) كالقنوت. ( ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ، فيقول سراً : اللهم إنك امرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا) لأنه صلى الله عليه وسلم ((حول إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ، ثم حول رداءه )) متفق عليه . ( ثم يحول رداءه ، فيجعل الأيمن على الأيسر ، والأيسر على الأيمن ) نص عليه للإِمام ، والمأموم في قول أكثر أهل العلم . لقول عبد الله بن زيد ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، حين استسقى أطال الدعاء، وأكثر المسألة. قال : ثم تحول إِلى القبلة ، وحول رداءه ، فقلبه ظهراً بطن وتحول الناس معه )) رواه أحمد . (١) نوح من الآية / ١٠ - ١١ . (٢) هود من الآية /٥٢ . - ١٦٠ -