النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ مقدمة التحقيق يجهروا به حتى لا يفلت زمام السيطرة والجاه الزائف والسلطان الكاذب من بين أيديهم .. ولعلك توافقني أيها القارىء الكريم بعد أن عرفت هذه الحقيقة الدامغة أن نسكت معا عن الخوض من قضية تقوم المناقشة فيها على المصادرة على آرائنا والكبر والمعاندة والمجادلة والجواب الجدلي السفسطائي من جهتهم. وقد يتبع هؤلاء بعض المسلمين من أمثال أحمد أمين صاحب ((فجر الإسلام)) الذي إن صح التعبير قلت: هو ((غروب شمس الإسلام)) على يد هذا المؤلف البالغ الجرأة على الله ورسوله، وغيره ممن يظن أنهم لهم قدم وباع من التجديد والتطوير والتنوير، وأقل ما يقال من مثل هؤلاء: الفسق أوَّلُهُ والكفر آخره إن التطور في شيئين منحصرُ مكانه السنة في القرن الثالث (١) كان لظهور الاعتزال في القرن الثالث الهجري على يد واصل بن عطاء (ت ١٣١ هـ) أثر كبير في نشأة الخلاف بين هذه الفرق وأهل السنة تناول كثيراً من الجوانب العقدية التي قررت أصولاً هي أبعد ما تكون عن مذهب الحسن البصري وغيره من السلف وكانت أشهر قضايا هذه الفرقة المعتزلة القول ونسبة أفعال العباد لأنفسهم لالله فوجب على الله إثابتهم أو عقابهم خلافاً لما قاله أهل السنة من أن الله خلق الأفعال وليس للخلق منا إلا الكسب أو الاكتساب بناء على اختیارهم. والثانية تنزيه الله عن ثبوت صفات قائمة بذاته - من نظرهم كالسمع والبصر والحياة والقدرة والكلام خوفاً من تعدد القدماء ولم يعلموا أنها صفات قائمة بذاته تعالى ليست هي عين ذاته ولا غيرها .. مما أدى إلى قولهم بخلق القرآن. كان سلطان العقل هو القوة المسيطرة عليهم في كثير من العقائد والأحكام حتى تجرأوا على الأحاديث النبوية بردها إذا لم يجدوا لها تأويلاً تستسيغه عقولهم. والحق أن ظهورهم على الساحة الإسلامية كان في وقت ظهرت فيه موجات من الإلحاد، وبدأ فيه اللسان الأعجمي بعد كثرة الفتوحات. والدولتين الأموية والعباسية وظهور الشعوبية وثورة الموالي إلى غير ذلك مما جعل الفكر الإسلامي يأخذا طريقاً يكاد يحيد عن الجادة في ظل هذا الظروف الجديدة. (١) ونخص هذا القرن والذي يليه بالحديث نظراً لانقراض عصر الصحابة والتابعين، وظهور البدع وانتشار الكذب في حديث سيدنا رسول الله وَ له، وقيام علماء الحديث بالكذب عن المصدر الثاني للتشريع. ٢١ مقدمة التحقيق. وجاء القرن الثالث ليتيح فرصة لهؤلاء المتكلمين على يد الخليفة المأمون (١٩٨ - ٢١٨) للدخول في معركة وحشية بينهم وبين المحدثين. كان حب المأمون للعلم وذكاؤه الخارق سبباً في جمع العلماء على مائدة العلم وإن تنافرت أفكارهم وتعددت آراؤهم حتى صار عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني العباس. كان يعقد مجالس المناظرة بين الطرفين المتخاصمين تجلت فيها المصادمة والمكابرة لا لإظهار الصواب وإلزام الخصم ولكن لبيان الفضل ، كما ظهرت المعاندة والمجادلة والأجوبة الجدلية، وكان المأمون ينحاز إلى المعتزلة في بعض آرائهم كالقول بخلق القرآن .. تلك الفتنة التى أثارها مثلث الإعتزال الجعد بن درهم وجهم بن صفوان وبشر المريسي وظن المأمون بذلك أن رأيه سيكون موضع استجابة من العلماء والفقهاء ولكن جاء الأمر على غير ما توقع من رميه بالإبتداع حتى وصل الأمر من بعض المغالين بتكفير من يرى أن القرآن مخلوق، وتأول آيات ((الجعل)) في القرآن أنها تفيد الخلق، وما علم تعدد معاني هذا اللفظ الذي قد يرد بمعنى التسمية كذباً كقوله تعالى: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾(١) أي سموه كذباً وقوله: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً﴾(٢) وقوله: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى﴾(٣) وقد تأتي بمعنى ((أوجد)) ونتعدى إلى مفعول واحد والفرق بينها وبين الخلق أن الخلق فيه معنى التقدير، ويكون ذلك عن عدم سابق حيث لا يتقدم سبب محسوس ولا مادة بخلاف الجعل بمعنى الإيجاد. قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ (٤) وإنما الظلمات والنور توجد بوجودها وتعدم بعدمها. وقد ترد بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير فتعدى إلى مفعولين وإما حساً كقوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾(٥) وإما عقلاً كقوله تعالى ﴿أجعل الألهة إلهاً واحداً﴾(٦) وقد تؤدي معنى الاعتقاد كقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾(٧). وقد تفيد الحكم بالشيء على الشيء حقاً كان أو باطلاً فالحق كقوله: ﴿إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (٨) والباطل كقوله: ﴿وجعلوا لله مما ذر من الحرث والأنعام نصيبا﴾ (٩) (١٠). (١) الحجر / ٩١. (٢) الزخرف/ ١٩. (٣) النجم/ ٣٧ . (٤) الأنعام/ ١ . (٥) البقرة/ ٢٢. (٦) ص: ٥. (٧) الأنعام/ ١٠٠ . (٨) القصص/ ٧ . (٩) الأنعام/ ٢١٣ . (١٠) انظر مناع القطان/ مباحث في علوم القرآن ٢١٣ مؤسسة الرسالة الطبعة الثامنة ١٩٨١ . ٢٣ مقدمة التحقيق تبنى المأمون محنة القول بخلق القرآن وجند لها أخاه المعتصم الذي كان يطلب إلى المعلمين أن يعلموا الصبيان أن القرآن مخلوق وقتل فيها من العلماء من قتل، وأهين من أهل الحديث من أهين لا سيما الإمام أحمد بن حنبل، وروج لسوق الفتنة الواثق بعد المعتصم الذي كان يختبر الأئمة والمؤذنين في القول بخلق القرآن ويظهر الغلظة لمن قال بغير هذا بل وقتل في ذلك بعض رجال الحديث، وإذا أراد الله بالأمير شراً جعل له وزير سوء فكان عامل الواثق أحمد بن أبي داؤد أحد رؤوس الاعتزال الذي خذله أحد رجال الحديث في مناظرة الجمعة عن التمادي في الباطل وأرجعت الواثق عن رأيه بعد اقتتناعه بوجهة نظر شيخ المحدثين وقتداك. وكان نصر الله للمحدثين على يد المتوكل ابن المعتصم الذي استقدم المحدثين وأجزل عطاياهم وأطلق ألسنتهم فتحدثوا بأحاديث الصفات والرؤيا فاستراح الناس لهذا الخليفة الذي أحيا السنة وأمات البدعة (١). ولكن أقطاب الاعتزال لم تهدأ نفوسهم فما زالوا يطلقون ألسنتهم بالسوء ويرمونهم بالنقائص والعيوب، وظهرت الفرق على الساحة الإسلامية فأطل الخوارج برؤوسهم يتأولون الأحاديث التي ينتصرون بها لمذهبهم، ومن عجب أن زعماء الاستشراق ينقلون هذه الخلافات المذهبية دون أن يمحصوها لأنهم يحققون بذلك غرضاً أدنا في نفوسهم وهو الطعن على الإسلام ورجاله. والحق أن رجال الحديث - رضي الله عنهم - كانوا على طريقة السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يحتاطون لأمر دينهم ويتثبتون في رواية السنة، ويقفون مع ظواهر النصوص بمعنى إقرار المحكم والوقوف عند المتشابه حتى لا يجرهم ذلك إلى تأويلات ربما تسرب إليها الفساد فيدخلون تحت قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنةِ وابتغاء تأويله﴾(٢). وقد وجد منهم في هذا العصر أئمة كبار. وحفاظ عظام عرفوا الأحاديث وميّزوا بين الصحيح والسقيم ونقدوا الرواة ووقفوا على أحوالهم، ووضعوهم في أماكنهم ومن هؤلاء الأمام: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهوية وعلي بن المديني وغيرهم. والذي لا نستطيع أن ننكره أنه قد يجتمع على مائدة الكرام قوم لئام لم يدعوا إليها، ولكنهم يجلسون متطفلين عليها فيزاحمون أصحاب الدعوة، وقد يدعون أنهم أقارب أصحاب الوليمة، وقد يبالغون في دعواهم فيقولون بأنهم أصحابها. ومن هؤلاء من تطفلوا على مائدة (١) انظر البداية والنهاية: ٢٧٢/١ وما بعدها. تاريخ الخلفاء للسيوطي / ٢٠٤. تاريخ الأمم الإسلامية للخضري/ ٢٧٩ . (٢) آل عمران/ ٧. ٢٤ مقدمة التحقيق المحدثين فجلسوا عليها دون رواية أو دراية فكانوا وصمة عار في جبين المحدثين كالقصاص الملفقين والمرتزقين المتكسبين، والجهلة بأحكام الشرع والدين فيبثون الغرائب والمناكير فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً. وإنما سقت لك أيها القارىء الكريم هذا المثل من أدعياء الحديث الذين ضاق بهم ذرعاً أرباب هذا الفن النادر حتى قال شعبه: «كنت أفرح بهذه النخبة من الرجال فصرت اليوم ليس شيء أبغض إليّ من أن أرى واحداً منهم)) ويقول ابن عنبسة موجهاً كلامه لهؤلاء: لو رآنا عمر وإياكم لأوجعنا ضرباً». وقد ضربت لك مثلاً من المبطلين لتعرف المحقين ولتميز الخبيث من الطيب والغث من السمين، ولتعلم أن أعداء الإسلام يريدون أن يقبحوا وجه الإسلام ويشوهوا صورته من خلال هذه الفئة الدخيلة على كل فن من فنون العلم، وكل شعبة من شعب هذا الدين الذي اختاره الله لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة. هذه عجالة فيما يقال عن أهل الحديث، أما المتكلمون الذين قدموا العقل على الشرع حتى تطرّفوا في تأويل النصوص متبعين ما تشابه منها، فقد أعرضوا عن كتب السنة والتهموا كتب الفلسفة اليونانية يعتبرون أرسطو وأفلاطون وسقراط مثلاً عليا لفكرهم حتى جرهم ذلك إلى طعن بعض الصحابة منتهزين فرصة قربهم من الخلفاء، وأخذهم بزمام الوزارة والقضاء، فانتقموا من جمهور الأمة عامة ومن أهل الحديث خاصة، ولا يغرنك ما ترى من اجتماعهم في ظاهر صورتهم، فإن الباطل ظلمات متعددة والحق نور واحد لا يتعدد كذلك تراهم مختلفين فيما بينهم فيكفر بعضهم بعضاً، ويفسق أو يبدع كل منهم من خالفه ((تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتی)) وهكذا تراهم قد اكتالوا بالكيل الذي كالوا به لغيرهم فرد الله كيدهم في نحورهم ولم تقم لهم قائمة من ذلك الوقت إلى يومنا هذا ففي مثل هؤلاء وهؤلاء من الفرق المارقة قال النبي وعائلته لابن عمر عشرين مرة («كلما خرج منهم قرن قطع)»(١) يكررها على مسمع من هذا الصحابي الجليل. وخلاصة القول في قضية خلق القرآن أن ما بين دفتي المصحف مخلوق حيث الطباعة والكتابة والقراءة بألسنة الخلق، والألفاظ التي تتلى بأصواتهم، أما القرآن فهو كلام الله وكلام صفة وصفته قديمة بقدمه سبحانه - فكيف يخلق صفة من صفاته وقد اتصف بها ليست عن ذاته ولا هي غيره تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً، ولعلك أيها القارىء وقفت على رأي أهل السنة والجماعة فيما أوضحته لك بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة حتى لا يلتبس عليك الأمر أو يغرنك قول خصم غرّ أرشدني الله وإياك. (١) أخرجه ابن ماجة مقدمة ١٢ / حديث ١٧٤، وأحمد في المسند ٢/ ٨٤. ٢٥ مقدمة التحقيق (ردة مقنعة)) لا يفوتنك أيها القارىء المنصف أن الدولة العباسية قامت على أكتاف الفرس موطن التشيع وظهور الملحدة وبروز الشعوبية وثورة الموالي، وكان من هؤلاء من تطاول على رسول الله وَ فحدث عنه ما لم يقل ولم يبال بقوله وصله: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))(١) ومما ساعد على فشو الزندقة في القرن الثالث شيوع الأبحاث الفلسفية، وكثرة الجدل في المسائل الأساسية في الدين، وإسناد السلطة إلى الموالي من الفرس الذين أظهروا مذاهبهم القديمة ومساندة من يتظاهر بها، وبدت تعاليم المجوسية تطل برأسها، والمانوية والقول بالتجسيم على يد الكرامية الذين زعموا أن النبي 18 قال عن المجسم المبتدع الراحل من خراسان إلى الشام محمد بن كرام: ((يجيء في آخر الزمان رجل يقال له محمد بن كرام يحيي السنة والجماعة هجرته من خراسان إلى بيت المقدس كهجرتي من مكة إلى المدينة)) (٢) . تلك هي آثار التعصب للجنس في وضع الحديث، وأظن أنه لا يخفى عليك ما تلمحه من خلالها معاني الإلحاد في الدين والدعوة إلى التحلل من قيود الشريعة الإسلامية الغراء والتمرد على أحكامها تلك الملة الحنيفية السمحاء . والحق أن الخلفاء العباسيين قد قاوموا هذه الحركة المتمردة أو الردة المقنَّعة فأخرسوا ألسنة دعاتها ومنعوا تداول كتب الفلسفة، على يد المعتضد الخليفة العباسي الذي بويع له سنة ٢٧٩ هـ فأصدر أوامره بمنع القصاص والمنجمين من الجلوس في المساجد والطرقات. يقول ابن قتيبة رحمه الله: الحديث النبوي الشريف تدخله الشوائب ويعتريه الفساد من وجوه ثلاثة : الزنادقة والقصاص أرباب المناكير والغرائب والأكاذيب والأخبار الجاهلية القديمة. اهـ ملخصاً(٣). السّنة بعد القرن الثالث (٤) كان القرن الثالث على ما أوضحنا من أزهى عصور السُّنَّة وأكثرها خدمة للحديث (١) أخرجه البخاري ٣/ ١٩١، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت ٢٩١، ومسلم ١٠/١، المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول الله - الص # ٤/٤. (٢) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٥٠، وابن عراق ٢/ ٣٠، وعزاه للجوزقاني وابن النجار والشوكاني في ((الفوائد)» ٤٢٠ . (٣) انظر: الحديث والمحدثون ص ٣٤٢. (٤) ينظر الحديث والمحدثون ص ٤٢٣ . - ٢٦ مقدمة التحقيق وعلومه، ففيه ظهرت الكتب الستة التي لم تغادر من الحديث الصحيح سوى النزر اليسير، وفيه اعتنى المحدثون بالكلام على الأسانيد وعلم الرجال جرحاً وتعديلاً وهذا حتى بداية القرن الرابع الذي عكف علماء الحديث فيه على جمع ما تفرق من كتب الأولين أو اختصاره بحذف الأسانید إلا أن منهم من تصدّر ونَبَغَ وکان له في روایة الحدیث والكلام على رجاله باع طويل. وكان العلماء قبل هذا القرن لا يعتمدون إلا الرواية الشفاهية في نقل الحديث، ولا يعولون على مجرد الكتب حتى ينقلوا أحاديثها بطريق السماع من مؤلفيها. أما بعد ذلك كما يقول الأستاذ أبو زهو: ((فقد لفظت فيه الرواية الشفاهية أنفاسها وذهب من بين الرواة ريحها وطغى عليها التدوين الذي بلغ أشده في ذلك الوقت)) وهكذا تتابع علماء الحديث في القرون الأخرى ما لهم إلا الترتيب أو التهذيب لكتب السابقين. جهود العلماء في تدوين الحديث قبل محنة القول بخلق القرآن ١ - أحاديث ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. ٢ - إفراد الأحاديث النبوية عن أقوال الصحابة وفتاوى التابعين بعد المحنة. ١ - جمع الطعون التي وجهها علماء الكلام إلى أهل الحديث سواء في الأشخاص أو ألفاظ الأحاديث، والرد عليها بالإبطال وتنزيه أئمة الأحاديث، عن هذه الطعون الزائفة وكان من هؤلاء ابن قتيبة الدينوري . ٢ - جمع الحديث على المسانيد: يجمع المحدث في ترجمة كل صحابي ما رواه عن النبي وصلة من الأحاديث صحيحه وسقيمه وإن اختلفت موضعاتها ولهم في ترتيب أسماء الصحابة طرق مختلفة فمنهم من يرتبها على القبائل فيقدم بني هاشم ثم الأقرب فالأقرب نسباً من النبي وخ لل، ومنهم من يرتبها مع السابقة في الإسلام فيقدم العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم الحديبية ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح ثم من أسلم يوم الفتح ثم أصغر الصحابة سناً ثم النساء. ومنهم من لم يراع شيئاً من ذلك. وهذه الطريقة توقع المطلع على هذه المسانيد في حيرة حيث لا يستطيع الوقوف على درجة الحديث فيستوي عنده الصحيح والضعيف. وهذا الأمر وإن كان أغلبياً إلا أنه لا يمنع من أن بعضهم جمع ترتيب الأحاديث إلى جانب أسماء الصحابة الترتيب على أبواب الفقه كما في المسند الكبير لبقي بن مخلد والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة، فالأول رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه والثاني ألف مسنده معللاً فجمع في کل حديث طرفه واختلاف الرواة فيه. الطريقة الثالثة : التصنيف على الأبواب: وهو التخريج على أحكام الفقه وتنويعه وجمع ما ورد في كل . حكم وكل نوع في باب بحيث يسهل التمييز بين ما يتعلق بالصلاة عما يتعلق بالصيام ومنهم من ٢٨ مقدمة التحقيق اقتصر في الأحاديث على الصحيح كالبخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد كتاب الله، ومنهم من لم يقتصر على ذلك كأبي داود والترمذي والنسائي. وكان رائد هذه الطريقة المثلى شيخ المحدثين محمد ابن إسماعيل البخاري (ت ٥٦ هـ). ويعتبر القرن الثالث الهجري أجل عصور الحديث وأسعدها بتدوين الحديث وتقريبه على طالبيه . وما كاد ينتهي هذا القرن حتى وجدنا أن عمل العلماء أصبح قاصراً على الجمع والترتيب أو التهذيب لكتب السابقين كالجمع بين الصحيحين أو بين الكتب الستة أو الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة كمصابيح السنة للبغوي (ت ٥١٦ هـ)، وجامع المسانيد والألقاب لأبي الفرج ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ومنتقى الأخبار لابن تيمية الحراني (ت ٦٥٢ هـ) والسنن الكبرى للبيهقي (ت ٤٥ هـ). ومن علماء هذا القرن من اهتم بأطراف الحديث كأطراف الصحيحين للحافظ الدمشقي (٤٠٠ هـ) وأطراف السنة الأربعة لابن عساكر (ت ٤٣٠ هـ) وأطراف الكتب الستة (لمحمد بن ظاهر المقدسي) (ت ٥٠٧ هـ) الذي لخصه الحافظ شمس الدين محمد بن علي ابن الحسين الحسيني الدمشقي (ت ٧٦٥ هـ) ورتبه أحسن ترتيب. السّنة في القرن الرابع الهجري كان للتدهور السياسي في مبدأ هذا القرن الذي جعل من الخلافة الإسلامية دويلات متناثرة فعبد الرحمن يلقب نفسه أمير المؤمنين بالأندلس (٣٢٥ هـ) والفاطميون يستقلون بشمال إفريقيا، والدولة الإخشيدية بمصر، ودولة بني حمدان في الموصل وحلب والشام، والشيعة الزيدية باليمن والدولة السامانية تسيطر على المشرق وعلى بلاد ما وراء النهر والدولة البويهية تسيطر على بغداد، ولم يكن لبني العباس نصيب من هؤلاء إلا مجرد الاسم. كانت الحياة السياسية مضطربة مائجة لكن هذه الأحداث التي غيرت خريطة الدولة الإسلامية كانت خيراً وبركة على الحركة العلمية التي انتشرت في كل مكان على يد العلماء الذين أخذوا يرحلون من قطر إلى قطر ومن مصر إلى مصر ويتلقى بعضهم عن بعض، ويعرضون الكتب والمسموعات على الشيوخ، وكان لهم نشاط علمي في نقد الرجال وتمحيص الأحاديث، ومصنفات جياد في علل الحديث وتاريخ الرواة وعلوم الحديث عامة، وبلغ التدوين في هذا العصر أشده فظهر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك، والدار قطني أمام عصره في الجرح والتعديل وحسن التأليف واتساع الرواية، وابن حبان ٢٩ مقدمة التحقيق وصحيح ابن خزيمة الذي قرظة العلماء بقولهم ((صحيح ابن خزيمة يكتب بماء الذهب)) فإنه أصح ما صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين: البخاري ومسلم. الجرح والتعديل هذا هو ميزان الرجال، وهو ميزان توزن به معادنهم فيتميز الذهب من النحاس والفضة من الرصاص، وهذا الفن هو عماد السنة إذ به يتميز الصحيح من السقيم وبه ينكشف حال الضعفاء والكذابين من الرواة وإقامة النكير عليهم صيانة للدين وهو أمر واجب على المسملين، والحفاظ على الشريعة فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾(١) وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد دخل على النبي ثلاثة أحدهم أقبل عليه والآخر استحيا منه والثالث أعرض عنه وَ اليمين فقال لمن حوله: ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما الأول فقبل فأقبل الله عليه وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه)). ومن هنا يتبين لك من أين أتى وجوب الجرح والتعديل لذا تكلم في هذا الفن خلائق لا يحصون منهم صاحبنا في كتاب الكامل ابن عدي الجرجاني المتوفي سنة (٣٦٥). وقلّ من جرح في القرن الأول لأن الصحابة كلهم عدول ولا يكاد يوجد في هذا القرن من الضعفاء إلا القليل. أما القرن الثاني ففيه أوساط التابعين وخيارهم وضعف جماعة منهم من قبل تحملهم وضبطهم للحديث وكانوا يرسلون كثيراً ويرفعون الموقوف مما أوقعهم في أغلاط، وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال، الحافظان: يحيى بن سعيد القطان (١٨٩) وعبد الرحمن بن مهدي وكانا محل ثقة من الناس فمن وثقاه صار موثوقاً عندهم ومن جرحاه صار مجروحاً. ومن اختلفا فيه (وهو قليل - رجع الناس فيه إلى ما ترجم عندهم ثم ظهرت طبعة أخرى يرجع إليهم في هذا الفن منهم يزيد بن هارون (٢٠٦) وأبو داود الطيالسي (٢٠٤) وعبد الرزاق بن همام (٢١١) وأبو عاصم النبيل بن مخلد (٢١٢). ثم صنفت الكتب في الجرح والتعديل والعلل بينت فيها أحوال الرجال وكان - أقطاب الجرح والتعديل آنئذ جماعة منهم يحيى بن معين (٢٣٣) ومن طبقته أحمد بن حنبل (٢٤١) وكاتب الواقدي محمد بن سعد وأبو خيثمة زهير ابن حرب (٢٣٤) وأبو جعفر النبيل وعلي بن المديني (٢٣٤) وابن نمير (٢٣٤) وأبو بكر أبي شيبة صاحب المصنف المعروف (٢٣٥) وكل (١) التوبة/ ١٢٢. ٣٠ مقدمة التحقيق هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل وقد وضعوا المؤلفات فمنهم من تكلم عن الضعفاء من الرواة وآخرون اقتصروا على الثقات وبعضهم جمع بين النوعين. وممن تفرد بالكتابة عن الثقات أبو حاتم بن حبان البستي الذي قال في صفة العدل من الرجال: (العدل من لم يعرف من الجرح إذ الجرح ضد العدالة فمن لم يعرف بجرح فهو عدل) اهـ.(١) أما عن كتب الضعفاء فقد صنف فيها كثير من الحفاظ ككتاب الضعفاء الإمام المحدثين أبي عبد الله البخاري وكتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي وكتاب الضعفاء لصاحب كتاب الثقات أبي حاتم البستي وكتاب الضعفاء للدار قطني. ومن الكتب الهامة في ذلك: الكتاب المسمى بـ ((الكامل)) لأبي أحمد عبد الله بن محمد بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك الجرجاني الحافظ الكبير أحد الجهابذة المرجوع إليهم في العلل والرجال ومعرفة الضعفاء المتوفي سنة (٣٦٥ هـ) وهو كتاب جامع، وسفر واف حيث ذكر فيه المصنف كل من تكلم فيه وإن كان من رجال الصحيحين، وتفرد عن كتب الضعفاء بذكر حديث أو أكثر من الغرائب والمناكير عند ترجمة كل راو مسَّته يد الجرح أو أشهر من وجه سيف الذب عن عرض رسول الله وم له بكذب أو افتراء أووضع أو نسيان من أحد المغفلين أو ممن اختلط بآخره. ومن عجب أنك ترى هذا السفر الجليل قد ألف في مقدار ستين جزءاً في اثني عشر مجلداً، ويعتبر هذا الكتاب أكمل كتب الجرح وعليه اعتماد العلماء فرحمه الله تعالى وجزاه عن رسول الله* خيرا ما جازى عالماً من خواص علماء أمته. جرح الضعفاء من النصيحة قال ◌َله: ((الدين النصيحة)) قلنا لمن يا رسول الله قال: «لله ولكتابه ولعامة المؤمنين وخاصتهم)»(٢). قلت: ومن الخاصة رواة الحديث. فجرحهم جائر بل واجب بالإتفاق للضرورة الداعية إليه صيانة للشريعة المكرمة وليس هو من الغيبة المحرمة كما ثبت ذلك فى حديث الثلاثة الذين (١) الحديث والمحدثون ص ٤٥٤ - ٤٦٢. (٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة ٩٥ - ٥٥، والنسائي في السنن ٧/ ١٥٧، وأحمد في المسند ٢/ ٢٩٧، والدارمي في السنن ٣١١/٢، وأبو عوانة ٣٧/١، والطحاوي في مشكل الآثار ١٨٨/٢، والحميدي ٨٣٧، والخطيب في تاريخه ٢٠٧/١٤؛ وابن حجر في المطالب العالية (١٩٧٩) (٣٢٨٤)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٦٧/٣ . ٣١ مقدمة التحقيق دخلوا على رسول الله وَله فقد تحدث رسول الله عن المعرض الذي لم يكن حاضراً بين القديم ولم يكن ذلك غيبة منه وَّل بل هو تحذير من فعله للسامعين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من الإعراض عن رسول الله ﴿ الذي قد يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله بل إن النبي صل ﴿، هو أول من جرح وسيدهم على الإطلاق، ألا ترى إليه وهو يقول في رجل استأذن عليه يوماً: إئذنوا له بئس أخو العشيرة)). وتسأله فاطمة بنت قيس عن رأيه في خطيبها معاوية وأبي جهم، فيقول لها: ((أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأبو جهم لا يضع عصاه عن عاتقه)»(١). أما تعديله ول1 - فكقوله في عبدالله بن عمر نعم الرجل لو كان يقيم الليل. وقوله: ((نعم الرجل خريم الأسدي .. الحديث(٢). ثم هب أنك أمام بئر مغطى، ومن مشى على غطائه وقع فيه فأردي قتيلاً، ثم أراد مسلم أن يمشي على غطاء هذا البئر فهل تسكت فتكون ائماً أم تحذره فتكون ناصحاً أميناً. وقد تركت لك الإجابة لتختر أيها شئت أيها الناصح لله ورسوله. وجمهور الأمة على أن الجرح المفسر مقدم على التعديل ولو كان عدد الجارح أقل من المعدل. وهذا النوع من السلوك يأخذ به مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية حين يقدم لأعضائه كتاباً من الكتب لطبعة ونشره فتكتب عنه اللجنة تقريراً كلُ على حدة، فإذا عدَّله الجميع وجرَّحه واحدا رُفضَ الكتابُ، وما أجمل أن تعيش سنة بيننا كهذه ويغفل عنها الكثير ولا يعلمون عنها شيئاً. وقال البعض إن زاد عدد المعدلين على المجرحين قدم التعديل، وهذا القول وإن ضعف لكنه المتجه حتى الآن. وقال السبكى في قاعدته من الجرح والتعديل لا تفهم هذه القاعدة على إطلاقها فإننا لو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون اهـ(٣). قلت: والأصل العدالة والجرح طارىء والعصمة محالة إلا في نبي أو أمة مجتمعة لقوله جر: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (٤) حتى لا يذهب غالب أحاديث الشريعة، وإحسانك الظن (١) أخرجه مسلم ٢/ ١١٤ في كتاب الطلاق: باب الطلقة ثلاثاً لا نفقة لها (٣٦/ ١٤٨٠). (٢) أخرجه أبو داود ٣٤٨/٤ - ٣٤٩ في كتاب اللباس: باب ما جاء في إسبال الإزار (٤٠٨٩) وأحمد ٤ /١٨٠. (٣) قاعدة في الجرح والتعديل ١٣، ١٤ . (٤) أخرجه الترمذي في أبواب الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤٦٦/٤ (٢١٦٧)، قلت: وفي إسناده= ٣٢ مقدمة التحقيق بالراوي المستور أولى من تجريحه، والحكمة من تضعيف بعض الأحاديث نوع من الرحمة بالأمة إذ لو صحت كلها لوجب العمل بها وهو تكليف بما لا يطاق، والله لم يكلفنا ذلك، ثم إن الحديث الضعيف قد ورد عن النبي ول# لكن بسند ضعيف؛ فالحدیث یقوی نوره بصحة سنده، ويضعف نوره بضعف سنده والله أعلم. قواعد في ((الجرح والتعديل)) كثير من عامة العلماء، والذين لا يستبطنون الأمور منهم إذا رأوا الجرح والتعديل ظنوا أن العمل على جرحه، والصواب أن من ثبتت عدالته وإمامته، وكثر مادحوه، وكانت هناك قرينة دالَّة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لا يلتفت إلى تجريحه وعمل فيه ·· بالعدالة، ولو فتح هذا الباب على مصراعيه لما سلم أحد من الأئمة؛ فكم من إمام طعن عليه طاعنون، وهلك فیه هالكون(١) من إفك الحدیث عنه. أنظر إلى ابن عبد البر في كتابه العلم تراه يعقد بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وذكر فيه أحاديث مستندة مرفوعة وموقوفة ثم ينقل من أقوال العلماء ما تفيد أنه لا تجوز شهادة القارىء على القارئين - يعني العلماء - لأنهم أشد الناس تحاسدا وتباغضاً، ومن هؤلاء القائلين بذلك سفيان الثوري ومالك بن دينار وعبدالله بن وهب في مبسوطته. واستدل ابن عبد البر بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد، وانتهى إلى كلام يحيى بن معين في الشافعي حتى قال الإمام أحمد: من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقوله الشافعي ومن جهل شيئاً عاداه. كما ذكر ابن عبد البر كلام ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد في مالك بن أنس، كما تكلم فيه عبد العزيز بن أبي يحيى وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبهم فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجیها . ولا ابن معين في الشافعي، ولا النسائي في أحمد بن صالح (ت ٢٤٨ هـ) لأنه هؤلاء أئمة مشهورون فصار الجارح لهم كالآتي بخير غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله. = سليمان بن سفيان، وقد ضعفه الأكثرون، وقد رواه أيضاً الحاكم من حديث خالد يزيد، وقال: ولو حفظه خالد لحكمنا بصحته انظر مستدرك الحاكم ١١٥/١، ورواه ابن ماجة ١٣٠٣/٢ (١٩٥٠) من حديث الوليد بن مسلم وفيه معان بن رفاعة. وانظر تخريجنا للحديث ((تحقيق على كتاب)) ((نفائس الأصول في شرح المحصول». (١) ابن السبكي: قاعدة في الجرح والتعديل ص ١٣ وما بعدها مكتبة الرشد الرياض ط ٥/ ١٩٨٤. ٣٣ مقدمة التحقيق ولكي يصح تطبيق القاعدة لا بد من تفقد حال الجارح والمجروح من اختلاف عقدي أو تعصب مذهبي حتى لا يحمل الجارح ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق. وكم من أئمة جَرَحُوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب. يقول ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام(١) . ومما يتفقد عند الجرح أيضاً: حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف أعراف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحاً وفي بعضها ذما. كما ينبغي أن يتفقد الجارح من حيث حالة من العلم بالأحكام الشرعية، فرب جاهل ظن الحلال حراماً فجرح به. كما يجب أن يتفقد الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأهل الحديث. والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعاً، ولذا إن تساوياً أو كان الجارح أقل يطلب الترجيح (٢). إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدماً. ولنختم هذه القاعدة بفائدتین عظيمتين : إحداهما: أن قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسراً إنما هو أيضاً في جرح من ثبتت عدالته واستقرت، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له: أيت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله، ولكن ابتدره جارحان ومزكيان؛ فيقال إذ ذاك للجارحين: فسرا ما رمتماه به، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا، ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه. والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكاً، إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة من الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق، بل يكون بين بين، أما إذا انتفت الظنون، واندفعت التهم، وكان الجارح حبراً من أحبار الأمة مبرءاً عن مظان التهمة، أو كان المجروح مشهوراً بالضعف، متروكاً بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه، ولا نحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه - والحالة هذه - طلب لغيبة لا حاجة إليها . (١) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٣٤٤ تحقيق قحطان الدوري - مطبعة الإرشاد - بغداد ١٩٨٢ م. (٢) ينظر: جمع الجوامع ٢/ ١٧٢ بشرح الجلال المحلي وحاشية البنّاني. ميزان الاعتدال/ ج١/م٣ ٣٤ مقدمة التحقيق وعلى سبيل المثال لا الحصر نحن نقبل قول ابن معين في إبراهيم بن شعيب المدني إنه ليس بشىء، وفي إبراهيم بن يزيد المدني إنه ضعيف، وفي الحسين بن الفرج الخياط إنه كذاب يسرق الحديث، وهلى هذا - وإن لم يتبين الجرح - لأنه إمام مقدم من هذه الصناعة (١). جرح طائفة غير ثابتي العدالة والثبت، ولا نقبل قوله من الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنه غير محق بالنسبة إليه. ولا يفوتني قبل إنهاء هذه القاعدة أن أنبهك أيها القارىء والواعي والخبير بهذه الصناعة أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم من بعض فإن قدرت على التأويل القائم على حسن الظن فدونك وإلا فغض الطرف، واضرب صفحاً عما شجر بينهم، فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم يفهم بعضها فليس لي ولك إلا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. (١) تاج الدين السبكي: قاعدة في الجرح والتعديل ص ٥٢. 1 1 نبذة عن «المؤرخین) المؤرخون لهم كبير سلطان في تطويع أقلامهم حيثما شاءوا وكيفما أرادوا يضعون بها أناس ويرفعون آخرين؛ إما لتعصب أو جهل أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به أو لغير ذلك من الأسباب. والجهل والتعصب في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل ولذلك وضع للمؤرخ شروط حتی یقبل مدحه وذمه. أولها: الصدق. ثانيها: النقل الذي يعتمد على اللفظ دون المعنى؛ لأنه الناقل إذا اعتمد اللفظ فقد برىء من العهدة، وأدى الأمانة كما تلقاها ورآها، أما إذا اعتمد المعنى وأداه بلفظ من عنده؛ فقد يبعد تعبيره عن الواقع الذي عبر عنه القائل الأول فيختلف الحكم بين عبارة القائل وعبارة الناقل. ثالثها: ألا يكون ذلك الذي نقله أخذه من المذاكرة، و کتبه بعد ذلك. رابعها : أن يسمي المنقول عنه. خامسها: التحري منه فيما يراه من الكلام الذي يتضمن غمزاً أو لمزاً أو جرحاً أو حطاً على أحد المعتبرين من السلف الصالح لما أمرنا من الإمساك عما كان بينهم، والتأويل بما لا يحط من أقدارهم. کما يشترط فيه أيضاً عند ترجمته للأعلام ما يلي: أولاً: معرفته بحال صاحب الترجمة علماً وديناً وغيرهما من الصفات. ثانياً: أن يكون حسن العبارة عارفاً بمدلولات الألفاظ . ثالثاً: أن يكون حسن التصور حتى يتصور جميع حال ذلك الشخص ثم يعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه . ٣٦ مقدمة التحقيق رابعاً: أن لا يغلبه الهوى. خامساً: حضور التصور زائداً على حسن التصور والعلم فهذه عشرة شروط في المؤرخ، وأصعبها الإطلاع على حال الشخص من العلم فإنه يحتاج إلى المشاركة في علمه، والقرب منه حتى تعرف مرتبته . وبالجملة فلا بد أن يكون المؤرخ عالماً عادلاً عارفاً بحال من يترجمه ليس بينه وبين من الصداقة ما قد يحمله على التعصب له، ولا من العداوة ما قد يحمله على الغض منه. والله أعلم. المتكلمون فى الرجال ومن يعتبر قوله منهم قال الحافظ السخاوي: وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى ومصابيح الظلم، المستضاء بهم في دفع الردى لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة رضي الله عنهم وهلم جرا(١). سرد ابن عدي في مقدمة ((كاملة)) منهم خلقاً إلى زمنه(٢) وفي عنوان هذا الفصل قال: ((ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه ومن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى يومنا هذا رجلاً عن رجل)). قال العلامة الشيخ أبو غدة: وقل ابن عدي من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين متعلق بمن استجاز لا بمن تبين كذبه إذ الصحابة كلهم عدول والتابعون أكثرهم ثقات. وذكر ابن عدي رهطاً من الصحابة، وسرد من التابعين عدداً لم يظهر ضعف فيهم إلا الواحد بعد الواحد كالحارث الأعور والمختار الثقفي الكذاب. فلما مضى القرن الأول، ودخل الثاني كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضعفوا غالباً من قبل تحملهم وضبطهم للحديث؛ فتراهم يرفعون الموقوف ويرسلون كثيراً، ولهم غلط كأبي هارون العبدي(٣). فلما كان عند آخر عصر التابعين تكلم في التوثيق والتجريح طائفة من الأئمة هم: أبو حنيفة والأعمش، وشعبة وغيرهم. تكلم بعضهم في تكذيب البعض، وتحدث بعضهم في التضعيف والتوثيق، ونظر بعضهم في الرجال، وكان هؤلاء متتبعين لا يكادون يروون إلا عن ثقات. وقد قسم الحافظ الذهبي من تكلم في الرجال أقساماً: قسم تكلم في الرواة جميعهم (١) ينظر: ((المتكلمون في الرجال)) ص ٨٤ للحافظ السخاوي بتحقيق أبي غدة. و ((فتح المغيث بشرح العين الحدیث» ص ٤٧٩ - ٤٨١. (٢) مقدمة الكامل في الضعفاء من ص ٨٣ - ٢٢٧. (٣) انظر تهذيب التهذيب: ٤١٢/٧ - ٤١٤. ٣٨ مقدمة التحقيق كابن معين وأبي حاتم وآخر تكلم في كثير من الرواة كمالك وشعبة وثالث تكلم في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي. وهذا الكل على ثلاثة أقسام أيضاً: أحدهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث. فهذا الصنف إذا وثق شخصاً فعضّ عليه بنواجذك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلاً فانظر هل هناك من شاركه في تضعيفه، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فارجع إلى قولهم: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً (يعني مبيناً سبب تضعيفه) حيث لا يكفي قول ابن معين مثلاً هو ضعيف من غير بيان السبب ثم يجيء البخاري وغيره فيوثقونه. قال الحافظ الذهبي: لم يجتمع اثنان (أي من طبقة واحدة) من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة. اهـ(١). وقسم ثان متسمح كالترمذي والحاكم. وثالث معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي فجزى الله الكل عن الإسلام والمسلمين خيراً فهم مأجورون إن شاء الله تعالى. جهود الصحابة والتابعين في مقاومة الوضاعين سئل عبد الله بن المبارك رضي الله عنه عن الأحاديث الموضوعة فقال تعيش لها الجهابذة ثم تلا قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٢). وإليك ما بذله هؤلاء الجهابذة في سبيل حفظ الحديث الشريف أوجزها لك على النحو التالي: أولاً: التزام الإسناد: لم يكن المسلمون في صدر الإسلام إلى خلافة عثمان يكذب بعضهم بعضاً، فالثقة تملأ صدورهم، والإيمان يعمر قلوبهم حتى إذا ما وقعت الفتنة العمياء التي تبناها عبد الله بن سبأ اليهودي، وتكونت على إثرها الفرق والأحزاب وبدأ الكذب على رسول الله من ذوي الأغراض والأهواء وقف الصحابة والتابعون لها وقفة قوية للحفاظ على الحديث الذي كان محفوظاً في الصدور، ومكتوباً من بعض الصحابة في السطور وأصبحوا يشددون في طلب الإسناد من الرواة، والتزموه في الحديث لأن السند للخبر كالنسب للمرء. يقول محمد بن سيرين: ((لم يكونوا - رضي الله عنهم - يسألون عن الإسناد، فلما وقعت (١) المتكلمون في الرجال/ ١٢٣ . (٢) الحجر : ٩. ٣٩ مقدمة التحقيق الفتنة قالوا: سموالنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم(١). كان الصدق والإخلاص والأمانة رائد هؤلاء فكان السند عندهم قائماً يروي صحابي عن آخر إذا لم يسمعه من رسول الله ﴾ مباشرة، فكان البراء بن عازب يحدث عن علي عن رسول الله ◌َ*، وكذلك أبو أيوب الأنصاري عن أبي هريرة، وقد حدث الصحابة بعضهم عن بعض لم يلتزموا الإسناد دائماً، وإن عرفوه قبل الإسلام ولعل خير دليل ما كانوا يسندونه من القصص والأشعار في الجاهلية، وإنما التزموا التثبت لمن الإسناد بعد وقوع الفتنة، وهكذا كان ابن عباس لا يأذن للبعض أثناء الحديث أي لا يعطي المحدث أذنه ولا يصغي إليه حتى إذا ما سئل في ذلك أجاب: كنا إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول الله وَ لاير ابتدرناه بأبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (٢). والتزم من بعدهم التابعون فكان الشعبي يتنقل من راوٍ إلى راو حتى قال يحيى بن سعيد: ((وهذا أول من فتن في الإسناد)). وقال أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله، فما رضينا حتى رحلنا إليهم فسمعناها من أفواههم (٣). ويقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٤). وقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره فها هو أبو داود الطيالسي يقول: وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري وقتادة وأبي إسحاق والأعمش فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف والزهري أعلمهم بالإسناد وأبو إسحاق أعلمهم بحديث علي وابن مسعود، وكان عند الأعمش من كل هذا(٥). ولا يطعن في التزام التابعين بالإسناد المتصل ما روي عن بعض التابعين من المراسيل، لأن هناك روايات تؤكد أن هذا المُرْسِل كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن الإسناد وهذا يؤكد أنهم كانوا على جانب كبير من العلم ومعرفة السند وإنما كانوا يتركونه اختصاراً، وكان الجالسون یثقون فیھم، و کیف لا وهم أنفسهم سند؟ . ثانياً: مضاعفة النشاط العلمي والتثبت من الحديث: من نعم الله على المسلمين أن ١ (١) صحيح مسلم بشرح النووي ٨٤/١، سنن الدارمي ١/ ١١٢. (٢) صحيح مسلم ١/ ٨١. (٣) مقدمة التمهيد لابن عبد البر/ ١٥ . (٤) رواه مسلم في مقدمة صحيحه: ١/ ٨٧. (٥) تذكرة الحفاظ ١٠٨/١. ٤٠ مقدمة التحقيق الصحابة قد تفرقت في الأمصار والأقطار، وزاد الله لهم في الأعمار ليسهموا في حفظ السنة عقب الفتنة وظهور البدعة. وكان التابعون وأتباع التابعين على نطاق واسع من التنقل والترحال في سبيل تحمل الحديث عن الثقات ومذاكرة الأحاديث - يقول سعيد بن المسيب ((إن كنت لأسير الليالي. والأيام في طلب الحديث الواحد وعن الزهري عن ابن المسيب مثله(١). وكان أئمة الحديث في هذا العصر على جانب عظيم من الوعى والاطلاع، فقد كانوا يحفظون الحديث الصحيح والضعيف والموضوع حتى لا يختلط عليهم الحديث وليميزوا الخبيث من الطيب. ثالثاً: تتبع الكذبة. وذلك بمحاربتهم على رؤوس الأشهاد ومنعهم من التحديث ويستعدون عليهم الحكام فكان من نتيجة ذلك أن توارى كثير من الكذابين وكفوا عن كذبهم بعد افتضاح أمرهم وكشف عوارهم. رابعاً: بيان أحوال الرواة. كان لا بد للصحابة والتابعين ومن بعدهم من معرفة الرواة معرفة تمكنهم من الحكم بصدقهم أو كذبهم فدرسوا حياتهم وتواريخهم وأحوالهم. يقول ابن عدي في كامله: قال الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ. كانوا يبينون أحوالهم وينقدونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية، ولا توجههم عاطفة فلا يحابون أباً ولا أخاً ولا ولداً. فهذا ابن أنيسة يقول: لا تأخذوا عن أخي. وهذا علي بين المديني يقول عن أبيه: سلوا عنه غيري بل إنهم كانوا يعينون أياماً للناس يحدثونهم فيها عن الكذابين. قال أبو زيد الأنصاري النحوي: ((أتينا شعبة يوم مطر فطلب الحديث فقال: ليس هذا يوم الحديث. اليوم يوم غيبة. تعالوا نغتاب الكذابين))(٢). قلت: وحاشاه - رضي الله عنه - أن يكون مغتاباً إذ لا غيبة الفاسق وأفسق الفساق الكذابون: سئل : أيكذب المؤمن؟ قال: لا ثم تلا قوله تعالى: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾(٣). وهكذا تكون علم الجرح والتعديل الذي وضع أصوله كبار الصحابة والتابعين على ضوء الشريعة الغراء وسنة خير الأنبياء فقد قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... ﴾: الآية (٤). (١) جامع بيان العلم١ /٩٤، المحدث الفاصل ٢٨: ٢. (٢) وينبغي التنبيه على ضعف هذا الحديث. (٣) النحل / ١١٦ . (٤) الحجرات/ ٦ .