النص المفهرس
صفحات 21-40
((قال ابن بكير: مولد مالك بذي المروة، وكان أخوه النضر يبيع البز، وكان مالك معه بزازاً، ثم طلب العلم، وكان ينزل أولاً بالعقيق، ثم نزل بالمدینة»(١). وكان منزله في المدينة في بيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه(٢). أولاده: قال القاضي عياض: ((كان لمالك ابنان يحيى ومحمد، وابنة اسمها فاطمة. ونقل القاضي عياض عن ابن شعبان: أن يحيى بن مالك يروي عن أبيه نسخة، وذكر أنه رُوي الموطأ عنه باليمن، روى عنه ابن سلمة، وابنه محمد، وقدم مصر، وكُتب عنه، حدث عنه الحارث بن مسكين وزيد بن بشر))(٣). بينما قال ابن عبد البر: ((كان لمالك رحمه اللّه أربعة من البنین یحیی، ومحمد، وحمادة، وأم ابنها. فأما يحيى وأم ابنها فلم يوص بهما، إلى أحد، فكانا مالكين لأنفسهما. وأما حمادة ومحمد فأوصى بهما إلى إبراهيم بن حبيب، رجل من أهل المدينة، كان مشاركاً لمحمد بن بشير))(٤). أما ابنه محمد فلم يفلح في العلم، وأما ابنته فاطمة فكانت تحفظ الموطأ. قال الزبير: ((كان لمالك ابنة تحفظ علمه يعني الموطأ، وكانت تقف خلف الباب، فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه. وكان ابنه محمد يجيء وهو يحدث وعلى يده باشق، ونعل كتب فيه، وقد أرخى سراويله، (١) ترتيب المدارك ١ :١١٥. (٢) ترتيب المدارك ١١٥:١. (٣) ترتيب المدارك ١٠٩:١. (٤) التمهيد ١ :٨٧ - ٨٨. ٢١ فيلتفت مالك إلى أصحابه، ويقول: إنما الأدب مع الله، هذا ابني وهذه ابنتي))(١). وقال الفروي: «كنا نجلس عنده وابنه يدخل ويخرج ولا يجلس، فيقبل علينا ويقول: إن مما يهون عليّ أن هذا الشأن لا يورث))(٢). مالك وبداية تحصيله للعلم: أوّل ما وجهته أمه إلى كتَّاب بني تيم فحفظ القرآن (٣)، وعندما رغب مالك في تحصيل العلم أخبر أمه، فقالت: ((تعال فالبس ثياب العلم، فألبستني ثياباً مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن))(٤) ويبدو أنه في صغره كان يشتغل في التجارة مع أخيه النضر ليساعده في تحمل نفقات البيت. قال الذهبي: نشأ ((مالك في صون ورفاهية وتجمل))(٥). قال ابن بكير: ((كان أخوه النضر يبيع البز، وكان مالك معه بزازاً، ثم طلب العلم)) (٦). قال ابن القاسم: ((أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد))(٧). ((وقال أحمد بن صالح: كان مالك قليل المشي، يظهر التجمل، ضيق (١) ترتيب المدارك ١٠٩:١. (٢) ترتيب المدارك ١٠٩:١ - ١١٠. (٣) ندوة الإمام مالك ١٢٦:١. (٤) ترتيب المدارك ١ :١١٩ - بغية الملتمس ص ٥٧. (٥) سير أعلام النبلاء ٤٥:٨. (٦) ترتيب المدارك ١١٥:١. (٧) ترتيب المدارك ١١٩:١. ٢٢ الأمر، لم يكن له منزل، كان يسكن بكراء إلى أن مات، وسأله المهدي ألك دار؟ فقال: لا))(١). السبب في جدية طلب العلم عند مالك ومناقشته: بعد حفظه للقرآن اتجه مالك إلى دراسة الشريعة والتي تشمل السنة والآثار، وفي بداية الأمر اتصل بعبد الرحمن بن أبي ربيعة (٢)، ثم بدأ يحضر حلقات الآخرين . قال القاضي عياض: ((قال مالك: كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم. فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، وفي رواية ثمان سنين لم أخلط بغيره))(٣). لقد قبل هذا الخبر الأستاذ أبو زهرة - رحمه الله - فاستنتج منه أن ((هذا لا یکون دون العاشرة»(٤). إني لا أتعرض لانقطاع الإمام مالك إلى ابن هرمز، هذا لا غبار عليه، ولكن الاعتراض عندي على السبب. جاء في النص ((كان لي أخ في سن ابن شهاب)). والفرق بين ابن شهاب ومالك هو أربعون سنة فقط. فإذا كان مالك عمره عشر سنوات، سيكون عمر أخيه خمسين سنة. أيكون معقولاً من والد يوجه سؤالاً إلى رجل كهل عمره خمسون عاماً، والآخر في طفولته وعمره عشر (١) ترتيب المدارك ١١٤:١. إن كان مالك يسكن بكراء فمن أين له أن ينقض سقف البيت ويبيعه للنفقة، وكان مالك يدرس دراسة شرعية، حتى لا يقال: أنه كان يجهل حرمته. وعندما مالت عليه الدنيا، وكثر عدد الطلاب وقد انقطع عن المسجد النبوي كيف يكون ساكناً في بيت كراء كما جاء في بعض المصادر والمراجع؟، إنها لمسألة فيها نظر. (٢) ترتيب المدارك ١ :١٢٠. (٣) ترتيب المدارك ١١٩:١ - ١٢٠. (٤) مالك: حياته ص٢٦. ٢٣ سنين، فإذا أخطأ الطفل الجواب فيوبخه. أو كان مستوى السؤال يناسب الطفل في العاشرة، والسؤال نفسه يوجه إلى رجل في كهولته؟ وهذا الشيء كثير في كتب مناقب الأئمة، وما كتب في مناقب أبي حنيفة والشافعي أدهى وأمر(١). على كلِّ كان الإمام مالك محظوظاً جداً، إذ استفاد من نافع مولى ابن عمر، حين فاته سالم بن عبد الله بن عمر (المتوفى ١٠٦هـ) ونافع هو الآخر توفي في (١١٧هـ) ولكنه استفاد منه استفادة تامة. ((قال مصعب: كان مالك يقود نافعاً من منزله إلى المسجد، وكان قد كف بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع)). و((قال مالك: كنت آتي نافعاً مولى ابن عمر، وأنا يومئذ غلام، ومعي غلام لي، وينزل إليّ من درجة له فيقعدني معه فيحدثني)). وقال: ((كنت آتي نافعاً نصف النهار وما تظلني الشجر من الشمس إلى خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده، ثم أتعرض له فأسلم عليه، وأدعه حتى إذا دخل البلاط، أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني، ثم أجلس عنده، وكان فيه حدة))(٢). منهج مالك في تحمل العلم: صفات مشايخه: ثقة، متقن، يقظ : قال الذهبي: قال: ((إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن وغيره، عن مالك، قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس. وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، (١) مالك: حياته ص ١٢ - ١٣. (٢) ترتيب المدارك ١٢٠:١. ٢٤ ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به))(١). قال ابن أبي أويس: سمعت مالك بن أنس يقول: ((إن هذا العلم هو لحمك ودمك، وعنه تسأل يوم القيامة، فانظر عمن تأخذه))(٢) وقال ابن أبي أويس: ((سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إنّ هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ... ))(٣). قال مطرف بن عبد اللّه: إني أشهد مالكاً يقول: ((أدركت ببلدنا هذا - يعني المدينة - مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، فما كتبت عن أحد منهم حديثاً قط . قلت: لِمَ يا أبا عبد اللّه؟ قال: لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون. قال: وقال مالك: كنا نزدحم على باب ابن شهاب))(٤). ((قال ابن وهب: نظر مالك إلى العطاف بن خالد، فقال: بلغني أنكم تأخذون من هذا. فقلت: بلى. فقال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء)»(٥). وقال بشر بن عمر: ((سألت مالكاً عن رجل. فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا . فقال: لو كان ثقة رأيته في كتبي)) (٦). ومالك، له قدوة فيمن مضى. (١) سير أعلام النبلاء ٦١:٨. (٢) المحدث الفاصل ص٤١٦. (٣) الانتقاء ص٦٤. (٤) المحدث الفاصل ص ٤٠٣ - ٤٠٤. بغية الملتمس ص٥٩. (٥) ترتيب المدارك ١ :١٢٤ - ١٢٥. (٦) المحدث الفاصل ص ٤١٠. ٢٥ روى ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: ((أدركت بالمدينة مائة أو قريباً من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات، يقال: ليس من أهله))(١). في ضوء النصوص التي نقلتها يمكننا أن نقول: إنه كان يدقق في اختيار مشايخه أي تدقيق، وكان لا بد من وجود صفات الصدق والعدالة والإتقان والحفظ والتيقظ فيهم، ويكاد ينحصر مشايخه في أهل المدينة، وذلك أنه يكون أقدر على الفحص والتمحيص، ومن ناحية أخرى لشرف المدينة. مشايخ مالك : لقد ادَّعى بعض كُتّاب المناقب أن مشايخ الإمام مالك يقربون ألفاً. نقل إبراهيم بن الصديق عن الرسالة المصنفة في بيان سبل السنة المشرفة لمؤلفه ضياء الدين أبي القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الدولعي المتوفى سنة ٥٨٩ هـ قوله : ((أخذ مالك على تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين، وستمائة من تابعيهم ممن اختاره وارتضى دينه، وفقهه، وقيامه بحق الرواية وشروطها، وخلصت الثقة به، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية))(٢). وهذا كلام لا يمت إلى العلم بصلة، لم يسافر الإمام مالك رحمه الله خارج المدينة إلا إلى مكة في موسم الحج، وإذا جمعنا مشاهير العلماء في ذلك الوقت في هذين البلدين لا يصل الرقم إلى هذا العدد، وعلينا أن لا نغفل شروط الإمام مالك، وتحريه في الرواية عن الأشخاص. ومن قديم ذكر الدارقطني، وابن عبد البر، والقاضي عياض، والذهبي والمزي وغيرهم رحمهم الله جميعاً مشايخ مالك، وأنقل هنا قائمة مشايخ مالك من كتب الدارقطني، وابن عبد البر، والذهبي، مع ترتيبهم ترتيباً هجائياً. (١) المحدث الفاصل ص ٤٠٧. (٢) ندوة الإمام مالك بفاس ٢٧١:١. ٢٦ شيوخ مالك اسم الشيخ إبراهيم بن أبي عبلة إبراهيم بن عقبة أبو بكر بن عمر العمري أبو بكر بن نافع أبو عبيد اللّه مولى ابن أزهر أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك أبو ليلى الأنصاري إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة إسماعيل بن أبي حكيم إسماعيل بن محمد بن ثابت إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص أيوب بن أبي تميمة السختياني أيوب بن حبيب الجهني ثور بن زيد الديلي جعفر بن محمد حميد بن قيس الأعرج حميد الطويل خبيب بن عبد الرحمن داود بن الحصين داود بن عبد اللّه ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي زياد بن أبي زياد زياد بن سعد زيد بن أبي أنيسة زيد بن أسلم زید بن رباح السائب بن يزيد المصادر ابن عبد البر الدار قطني الذهبي ابن عبد البر الدار قطني الذهبي ابن عبد البر الدار قطني - - ابن عبد البر - الذهبي ابن عبد البر الذهبي ابن عبد البر - ابن عبد البر ابن عبد البر الدارقطني الدار قطني الدار قطني الدار قطني الدار قطني الدار قطني الدار قطني - الذهبي الذهبي ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر الدار قطني ابن عبد البر ابن عبد البر الدار قطني الدار قطني الدار قطني - ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر ابن عبد البر - - الدار قطني الدار قطني الدار قطني الدار قطني الدار قطني - الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي - ٢٧ - ابن عبد البر - الدار قطني الدار قطني الدار قطني الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي الذهبي ابن عبد البر الدار قطني الذهبي اسم الشيخ المصادر سالم أبو النضر ابن عبد البر الذهبي الدار قطني سعد بن إسحاق ابن عبد البر الدار قطني الذهبي سعيد بن أبي سعيد المقبري ابن عبد البر الدار قطني الذهبي ابن عبد البر الذهبي ابن عبد البر الذهبي الدار قطني ابن عبد البر الذهبي الدار قطني الذهبي الدار قطني ابن عبد البر الدراقطني ابن عبد البر الذهبي ابن عبد البر الدار قطني الذهبي الذهبي صدقة بن يسار صفوان بن سليم صيفي مولى ابن أفلح ابن عبد البر الدار قطني الذهبي ابن عبد البر الذهبي الدار قطني ضمرة بن سعيد طلحة بن عبد الملك الذهبي الدار قطني ابن عبد البر عامر بن عبد الله بن الزبير ابن عبد البر الدار قطني الذهبي عبد الله بن أبي بكر بن حزم ابن عبد البر الدار قطني الذهبي النتيجة : وبمقارنة قائمة مشايخ مالك في الموطأ بقائمة الدارقطني وابن عبد البر والذهبي يتبين أن تعداد مشايخ مالك لا يتجاوز عن عشرة ومائة شخصٍ، إلا أن هؤلاء يذكرون مشايخ مالك في الموطأ فقط، ومما لا ريب فيه، أن هذه القائمة لا تستوعب كافة مشايخ مالك، لأن مالكاً رحمه اللّه تحمل علماً كثيراً، وقد روى منه شيئاً يسيراً. فمن تركهم من مشايخه ولم يرو عنهم لا نعرف عنهم شيئاً، على كل يستبعد أن من تركهم من مشايخه من المدينة يصل عددهم تسعة أضعاف. ٢٨ سمي مولى أبي بكر سهيل بن أبي صالح شريك بن أبي نمر صالح بن کیسان ابن عبد البر الدار قطني ابن عبد البر ابن عبد البر - الذهبي سعيد بن عمرو بن شرحبيل الأنصاري سلمة بن دينار الأعرج سلمة بن صفوان الزرقي مالك وحفظه للعلم: قال مالك بن أنس: ((قدم علينا الزهري، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدثنا نيفاً وأربعين حديثاً، ثم أتيناه الغد، فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدّثتكم به أمس، أي شيء في أيديكم منه؟ قال: فقال ربيعة: ها هنا من يردّ عليك ما حدثت به أمس. قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر. قال: هات. قال: فحدثته بأربعين حديثاً منها، فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري)) (١). مالك وكتابته للعلم : هل كان يحفظ الإمام مالك أحاديثه ويكتفي بذلك أو يكتبها ويدونها؟ ((قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال. فالبس ثياب العلم. فألبستني ثياباً مشمّرةً، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن))(٢). وقال القاضي عياض: ((قال ابن أبي زنبر سمعت مالكاً يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث))(٣). وابن أبي زنبر ضعيف. (١) الانتقاء ص: ٩٤. (٢) ترتيب المدارك ١١٩:١. (٣) ترتيب المدارك ١٢١:١، أيضاً ترتيب المدارك ١٢٤:١. ٢٩ وقال القاضي عياض: ((وروى بعضهم أنه قال: كتبت بيدي مائة ألف حديث))(١). وقال أحمد بن صالح: ((نظرت في أصول كتب مالك فإذا شبيه باثني عشر ألف حديث))(٢). وروى عنه ابن إسحاق قال: ما كتبت عن أحد كتاباً على وجهه إلا عن العلاء(٣). وقال عبد الله بن عمر: ((عامة ما سمعت من ابن شهاب أنا ومالك عرضاً، كان مالك يقرأ لنا وكان حسن القراءة(٤)) وهذا يدل على استعمال مالك الكتاب في الدراسة. وقال ((عبد العزيز بن عبد اللّه: سئل مالك أسمع من عمرو بن دينار؟ فقال: رأيته يحدث والناس قيام يكتبون، فكرهت أن أكتب حديث رسول اللّه وَلجر وأنا قائم))(٥). وقال مالك: ((رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين، فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي ◌ِّ عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأیت ذلك كتبت عنه)»(٦). وقال معن بن عيسى: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، كيف لم تكتب عن الناس وقد أدركتهم متوافرين؟. (١) ترتيب المدارك: ١: ١٢٤. (٢) ترتيب المدارك ١٢١:١. (٣) ترتيب المدارك ١ :١٢١. (٤) ترتيب المدارك ١٢١:١. (٥) ترتيب المدارك ١٢٢:١. (٦) ترتيب المدارك ١: ١٢٤. ٣٠ فقال: أدركتهم متوافرين ولكن لا أكتب إلا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه))(١). وقال ابن عيينة: ((إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ إن كتب عنه وإلا تركناه))(٢). والنص التالي يوضح أكثر. قال ابن معين: قال ابن عيينة: ما نحن عند مالك، إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر الشيخ، إن كان كتب عنه مالك، كتبنا عنه وإلا تركناه))(٣). في ضوء هذه النصوص نستطيع أن نقول بكل طمأنينة أن الإمام مالك كان يكتب عن مشايخه، وما كان يكتفي بالحفظ. لأن ابن عيينة عبّر بقوله: كنا ننظر إلى الشيخ، إن كان كتب عنه مالك، كتبنا عنه. ونقول أخرى ذكرتها من قبل أيضاً تدل على كتابة مالك رحمه الله. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: ((ما كتبت في هذه الألواح قط)) (٤). وهذا القول يحتاج إلى تأويل، إذ ثبتت كتابته للأحاديث، وقراءته من الکتاب. مالك وحصيلته العلمية : لقد نهل مالك من الينابيع الصافية من مدينة رسول اللّه وَ له، إذا كان جل مشايخهم من المدينة. (١) الكفاية ص ٢٦٣، القاهرة. (٢) تهذيب التهذيب ١٠:٩. (٣) مسند الموطأ للجوهري: ص ١٠١ (مطبوع). (٤) ترتيب المدارك ١ :١٢١. ٣١ وقد وصف علمه أمير المؤمنين في الحديث علي بن المديني فقال: ((نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة : - ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، ويكنى أبا بكر، مات سنة أربع وعشرين ومائة. ولأهل مكة: - عمرو بن دينار: مولى جمح، ويكنى أبا محمد، مات سنة ست وعشرين ومائة. ولأهل البصرة: - قتادة بن دعامة السدوسي، وكنيته أبو الخطاب، مات سنة سبع عشرة ومائة . - ويحيى بن أبي كثير، ويكنى أبا نصر، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة باليمامة . ولأهل الكوفة: - أبو إسحاق: واسمه عمرو بن عبد الله بن عبيد، ومات سنة تسع وعشرين ومائة. - وسليمان بن مهران، مولى بني كاهل، من بني أسد، ويكنى أبا محمد، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان حميلاً. ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف. فلأهل المدينة : مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، عداده في بني تيم اللّه، مات سنة تسع وسبعين ومائة. ٣٢ وسمع من ابن شهاب))(١). فبناء على شهادة ابن المديني تجمع لدى مالك بن أنس من العلم ما كان بالمدينة، وما كان بالآفاق حيث قال: ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنّف. ومنهم: الإمام مالك رحمه اللّه. الإمام مالك - رحمه الله - أمين على التراث العلمي المدني: لقد رأينا أن المدينة شرفها الله تعالى كان لها نصيب الأسد من الصحابة المشهورين في مجال العلم والفتاوى، وتراثهم انتقل إلى كبار التابعين. مثل سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وآخرين من المسمين بالفقهاء السبعة، أو العشرة أو غير ذلك .. ولقد وذع هؤلاء تقريباً في نهاية القرن الأول، وكانت ولادة مالك في العقد الأخير من القرن الأول. وكبار التابعين هؤلاء - وخاصة الفقهاء السبعة أو العشرة - أثروا في الحياة العلمية بما ورثوه من الصحابة، وقد سلّم جيل التابعين الكبار المسؤولية لجيل التابعين الصغار، فهم تحملوا هذا العبء، وكانوا واسطة خير في نقل التراث، وكانوا مشعلاً للأجيال القادمة، إذ ساهموا في حل المشكلات التي تجددت في المجتمع بحكم النمو والتطور. التراث المدني من القرن الأول ووصوله إلى مالك عن طريق تلاميذ الفقهاء السبعة : يحيى بن سعيد ١ - القاسم بن محمد (٢٤ - ١٠٥ هـ) ربيعة بن أبي عبد الرحمن الفضيل بن عبد الله مالك بن أنس عبد الرحمن بن القاسم (١) العلل لابن المديني ص٢٦ - ٢٧. ٣٣ ٢ - أبو بكربن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٢٣ تقريباً - ٩٤هـ) سُمَيّ مولى أبي بكر ابن شهاب الزهري مالك بن أنس ٣ - سليمان بن يسار (٢٤ - ١٠٠ هـ) يزيد بن خصيفة یحیی بن سعید إبراهيم بن عتبة سمَي مولى أبي بكر داود بن حصين صدقة بن يسار مالك بن أنس ٤ - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ) عبد الرحمن بن حرملة عبد الله بن أبي حبيبة عبد الله بن دينار أبو الزناد عطاء الخراساني عمارة بن صياد ابن أبي مريم الزهري موسى بن ميسرة يزيد بن عبد الله یحیی بن سعید - الصلت بن بريد مالك بن أنس أبو الزناد ٣٤ إبراهيم بن عتبة ·ربيعة بن أبي عبد الرحمن - ٥ - عروة (٢١ - ٩٣ هـ) هشام بن عروة مالك بن أنس ٦ - خارجة بن زيد ربيعة بن أبي عبد الرحمن - عبد الله بن أبي بكر مالك بن أنس یحیی بن سعيد ٧ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٢٠ تقريباً - ٩٨هـ) الزهري أبو الزناد مالك بن أنس سعید بن أبي هند الفقهاء السبعة: الأحاديث والآثار المروية عن طريقهم في الموطأ اسم أعضاء السبعة عدد الأحاديث المروية في الموطأ الآثار المروية في الموطأ الأراء الفقهية القاسم ١١ ٣٠ ٣٤ أبو بكر ٧ ١ ٦ سليمان ١٣ ٢٤ ٢٧ ابن المسيب ٢٧ ٣٠ ٧٧ عبيد اللّه ١٤ ٦ - عروة ٦٥ ٣٦ ٤٨ خارجة ١ ٢ ٣٥ یحیی بن سعید الزهري ولقد درس الأستاذ الدكتور عبد اللّه الرسيني في رسالته للماجستير: ((فقه الفقهاء السبعة وأثره في فقه مالك))، في تسعين مسألة من أبواب الفقه كافة، وهي حصيلة آراء الفقهاء السبعة بالمدينة التي جمعها من مختلف الكتب، فكانت النتيجة كالتالي: عدد المسائل المدروسة : ٩٠ (تسعون) اتفاق مالك مع هؤلاء ٨١ عدد مسائل اختلاف ٩ النتيجة: أن الإمام مالك وافق السبعة في ٩٠٪ في فتاواهم الجماعية(١). يقول د.الرسيني: لا شك أن هذه النسبة عالية جداً، الأمر الذي يعتبر تعبيراً صادقاً عن مدى تأثر مالك بالسبعة. غير أنه ربما ورد التساؤل: ألا يمكن أن تكون هذه المسائل مما يتفق فيها العلماء ولا يختلفون؟ ولكي نتأكد من صحة هذا الاستنتاج علينا أن نقارن آراء الفقهاء السبعة برأي فقيه معاصر لمالك أو متقدم عليه قليلاً، لكنه من بيئة فقهية أخرى ولم يكن له صلة بعلم هؤلاء كصلة مالك بهم، ولذلك اخترنا أبا حنيفة رحمه اللّه لمعرفة رأيه في تلك المسائل(٢). ولقد درس الدكتور الرسيني خمساً وأربعين مسألة فقهية من فقه الفقهاء السبعة مع موقف أبي حنيفة في تلك المسائل، وكانت النتيجة أن أبا حنيفة خالف الفقهاء السبعة في ٢٣ مسألة من ٤٥ مسألة أي نسبة المخالفة ٥٣ بالمائة بينما نسبة المخالفة عند مالك ١٠٪ فقط (٣) (١) الرسيني، فقه الفقهاء السبعة ص١٩٨. (٢) الرسيني، فقه الفقهاء السبعة ص١٩٩. (٣) الرسيني، فقه الفقهاء السبعة ص ٢٠٣. ، ٣٦ ثم يقول الدكتور عبد الله الرسيني: وبعد مقارنة آراء السبعة بآراء مالك وآراء أبي حنيفة وبعدما أظهرت لنا تلك المقارنة من اتفاق وخلاف يمكن القول - بكل طمأنينة - أن الإمام مالك كان ينهج نهج الفقهاء السبعة في التفكير الفقهي، ولذلك كثر وفاقه للسبعة حتى أصبح الخلاف في حكم النادر، بينما نرى الأمر عند أبي حنيفة كان على عكس ذلك، وهذا يؤيد نتيجتنا - السالفة - وهي تأثر الإمام مالك بفقه هؤلاء، وبمنهج تفكيرهم الفقهي(١). ثم درس الأستاذ الرسيني موقف مالك من آراء فقهاء السبعة كأفراد - دون الفقهي الجماعي للسبعة - فكانت النتيجة كالتالي: عدد المسائل المدروسة : ٣٦٢ عدد مسائل الاتفاق دون خلاف: ٢٢٩ ٢٦ مسائل وافق فيها البعض وخالف آخرين مخالفة البعض دون الموافقة لأي منهم ١٠٧ مجموع الخلاف : ١٣٣ نسبة الاتفاق : ٦٣٪ وهذه النسبة في اتفاق مالك مع السبعة تؤكد ما أنتجته مقارنة فقه مالك بفقه جماعة السبعة ومن تأثره بهم تأثراً بالغاً (٢) وعلى أساس هذه الدراسة الجادة يمكن القول بكل طمأنينة أن الإمام مالكاً رحمه اللّه كان أميناً على تراث المدينة المنورة التي تمتد جذوره إلى العهد النبوي، وكان منهج تفكيره الأصولي يوافق تماماً منهج أسلافه، وليست هذه الدراسة فقط كشفت هذه الحقيقة، ولكن الموطأ نفسه خير شاهد على هذا. (١) الرسيني، فقه الفقهاء السبعة ص٢٠٤. (٢) الرسيني، فقه الفقهاء السبعة ص ٤٢١. ٣٧ لأنه نفسه يستعمل التعبيرات في الموطأ بما يدل على الأخذ بأقوال من سبق فمثلاً يقول: ((وأحسن ما سمعت في ذلك)). وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة ١٠٨ (١). وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة ١١٨. وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة ٢٠٤. وعلى هذا أدركت من أرضي من أهل العلم، الموطأ الفقرة ٩٢٠. وهذا أحسن ما سمعت، الموطأ الفقرة ١٠٨٦. وقد سمعت من يقول ذلك، الموطأ الفقرة ٩٤٤. والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، الموطأ الفقرة ١٠٩٦. ((وأدركت أهل العلم ببلدنا)). ((لم يبلغني في النداء، إلا ما أدركت الناس عليه)). فهذا دليل قاطع على أن مالكاً امتداد لغرس المدينة المنورة الذي سقاه الصحابة والتابعون، ثم تسلمها مالك فامتدت جذورها وأورقت، وأثمرت حتى شملت القارات الثلاث بداية من خراسان شرقاً والبرتغال غرباً، ومن أوربا وتركيا شمالاً إلى اليمن وحضرموت جنوباً. وهو سر من أسرار اللّه تعالى. إن رجلاً انقطع عن الجمعة والجماعات، وزيارة الناس، وحضور الجنائز لسنين، على الرغم من ذلك، كما يقول ابن المبارك: ((ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة))(٣). (١) رقم الفقرة يشير إلى الرقم المتسلسل في الموطأ من هذه الطبعة. (٢) انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض ١٨٠:١ - ١٨١ وفيه: وقد قال الإمام مالك رحمه اللّه: من الأعذار أعذار لا تذكر. (٣) حلية الأولياء ٦: ٣٣٠. ٣٨ وقد روى أبو هريرة عن النبي ◌َ ل *قال: ((ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة))(١). وقد فسره ابن عيينة أنه: مالك بن أنس. ولا أعرف محدثاً رزق في حياته وبعد مماته القبول، وانتشار كتابه، وتلقي الأمة له بالقبول مثل ما حصل لموطأ مالك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. مما لا شك فيه أن صحيح البخاري أعلى درجة عند المسلمين من كل كتاب ألفه المسلمون في تاريخهم الثقافي، لكن الإمام البخاري رحمه اللّه لم يعط حظوة في حياته مثل الإِمام مالك. مالك وبداية تدريسه: وقد بدأ الإمام مالك نشاطه التدريسي في وقت مبكر. قال النسائي: أَخْبَرَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكَ بْنٍ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ بِعَدَ مَوْتِ نَافِعِ بِسَنَةٍ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللّه بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيِّ بَهُ قَالَ: ((الأيّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيْهَا والْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا))(٢). وقد مات نافع في سنة ١١٧ هـ. وقال أيوب السختياني: قدمت المدينة في حياة نافع ولمالك حلقة(٣). وكان مالك يقول: ((ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس. وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل (١) سنن الترمذي رقم ٢٨٦٢، وصحيح ابن حبان رقم ٣٢٠٨. (٢) السنن الكبرى للنسائي رقم ٥٣٧٢، أيضاً حلية الأولياء ٣١٩:٦. (٣) ترتيب المدارك ١٢٥:١. ٣٩ العلم أني لموضع لذلك(١). وكان يصعب عليه في مقتبل عمره أن يجلس للتدريس ككبار المشايخ، لكنه تدرج وشهد له الأفاضل من المدينة، والجلة من الآفاق. ((وقال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من نافع))(٢). ((قال ابن وهب: جاء رجل يسأل مالكاً عن مسألة، فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقفل عليه مالك كالمغضب، وقال له: جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمن؟ يكررها فلما سكن غضبه، قيل له: من سألت؟ قال: الزهري وربيعة الرأي))(٣). مالك ومجلسه العلمي : إن المتتبع لسيرة الإمام مالك رحمه الله يجد أنه كان يحترم أحاديث رسول اللّه وَلر أي احترام، كان يسأل الطلبة عن حاجتهم، هل يريدون معرفة المسائل الفقهية أم أحاديث رسول اللّه وَلغيره، فإذا كانت الرغبة في الأحاديث فلها ترتيب خاص من غسل وتعطر وملابس جديدة، ولها اهتمام ما بعده اهتمام. أما إن كانت الرغبة في المسائل الفقهية فله اهتمام دون ذلك. وحين يأتي الحجاج من الآفاق في موسم الحج، فإن هناك ترتيباً خاصاً لأيام المواسم، وترتيب آخر في غير موسم الحج. ثم كانت هناك مجالس خاصة للفقهاء، لا يشاركهم غيرهم. وكان له حاجب ينادي كل طبقة على حدة للدخول في المجلس. (١) ترتيب المدارك ١٢٦:١. (٢) ترتيب المدارك ١٢٥:١ - ١٢٦. (٣) ترتيب المدارك ١٢٦:١. ٤٠