النص المفهرس

صفحات 261-280

الموطأ
منطويَةٍ على فِراشِه، فانتظَمها برُمحِه، وركَز الرُّمحَ فى الدارِ، فانتفضتِ الحِيَّةُ التمهيد
وماتت، ومات الرجلُ. قال: فذُكِر ذلك للنبيِّ ◌َةِ فقال: ((إنَّه قد نزَل
بالمدينةِ جنٍّ مسلمون)) - أو قال: ((إنَّ لهذه البيوتِ عوامرَ)). شكّ خالدٌ -
((فإذا رأيتُم منها شيئًا فاقتلوه)). وقال زكريا بنُ يحيى فى حديثه: ((فإذا رأيتُم
منها شيئًا " فتعوَّذوا، فإن عاد فاقتلوه))(٢) .
قال أبو عمرَ: قال قومٌ: لا يَلْزَمُ أن تُؤْذَنَ الحِيَّاتُ، ولا يُنَاشَدْن(٢) ، ولا
يُحرَّجُ عليهن، إلا بالمدينةِ خاصَّةً؛ لهذا الحديثِ وما كان مثلَه؛ لأنَّه خَصَّ
المدينةَ بالذِّكرِ. وممن قال ذلك ؛ عبدُ اللهِ بنُ نافع الزُّبيرىُّ، قال: لا تُنذَرُ
عوامِرُ البيوتِ إلا بالمدينةِ خاصَّةً . قال : وهو الذى يدلُّ عليه حديثُ النبىِّ
وَه؛ لقوله: ((إنَّ بالمدينةِ جنًّا قد أسلموا)). وقال آخرون: المدينةُ وغیرُها فى
ذلك سواءٌ؛ لأنَّ ◌ُ مِن الحيَّاتِ جنًّا، وجائزٌ أن يَكُنَّ بالمدينةِ وغيرِها ، وأن يُسلِمَ
من شاء اللهُ منهنُّ . قال مالكٌ: أَحَبُّ إلىَّ أن تُنذَرَ عوامِرُ البيوتِ بالمدينةِ
وغيرِها، ثلاثةَ أيَّامٍ ، ولا يُنذَرْن فى الصحارَى .
قال أبو عمرَ : العلَّةُ الظاهرةُ فى الحديثِ إسلامُ الجنّ ، واللهُ أعلمُ ، إلا أنَّ
ء
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٩٤٠)، والطبرانى (٥٩٣٥) من طريق خالد بن خداش
به .
(٣) فى الأصل، م: ((تناشدن))، وفى ن: ((يناشدون)).
(٤ - ٤) فى ن: ((العلة أن من الحيات جنا بالمدينة وغيرها)).
٢٦١

الموطأ
التمهيد ذلك شىءٌ لا يُوصَلُ إلى شىءٍ من معرفتِه، والأُوْلَى أن تُنْذَرَ (١) عوامِرُ البيوتِ
كلِّها كما قال مالكٌ. " والإنذارُ أن يقولَ الذى يرى الحيّةً فى بيته٢: أَحرج
عليكِ أيُّها الحيّةُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن تظهرى(٣) لنا أو تُؤْذينا(٤) .
وقد روَى عبَّادُ بنُ إسحاقَ ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طلحةً، عن سعدِ بنِ
أبى وقَّاصٍ، قال: بَتِنا أنا ("بفناءٍ دارِىْ) إذ جاءنى رسولُ زوجتى(١) فقال:
أُجِبْ فلانةَ . فاستنكرتُ ذلك، (٢ فدخلتُ فقلتُ: مَه٢ْ) ؟ فقالت لى: إنَّ هذه
الحيّةَ - وأشارت إليها - كنتُ أراها بالباديةِ إذا خَلَوتُ، ثم مكَمتُ لا أراها
حتى رأيتُها الآنَ، وهى هى أعرفُها بعينِها . قال: فخطَب سعدٌ خُطبةً؛ حمِد
اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إنَّكِ قد آذيتِنى، وإِنِّى أَقْسمُ باللهِ لئن رأيتُكِ بعدَ هذا
لأَقتلَّكِ . فخرَجتِ الحِيَّةُ()؛ انسابَتْ من بابِ البيتِ ثم من بابِ الدارِ ، فأرسَل
معها سعدٌ إنسانًا ، فقال: انظُرْ أين تذهبُ . فتبعها حتى جاءت المسجدَ، ثم
القبس
(١) فى ن: ((تستأذن)).
(٢ - ٢) فى ن: ((وقد مضى فى حديث نافع ما يكفى فى هذا المعنى فى عوامر البيوت وغيرها .
يقال فى عوامر البيوت)).
(٣) فى الأصل، ق، م: ((تظهر )) .
(٤) فى الأصل : ((تؤذيَنا)) بالنصب.
(٥ - ٥) فى النسخ: ((بعبادان)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٦) فی ن: ((زوجی)).
(٧ - ٧) فى الأصل، ق، م: ((ثم قمت فدخلت)).
(٨) بعده فى ن: ((و)).
٢٦٢

الموطأ
جاءت منبرَ رسولِ وَلِّ فِرَقَتْ فيه، ثم صعِدتْ إلى السماءِ حتى غابتُ) . التمهيد
(٢ حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، وحدَّثنا
عبدُ الله بنُ محمَّدٍ ، حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ بنٍ علىٍّ، قالا: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ شُعيبٍ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن منصورِ النَّيسابورىُّ، قال: حدّثنا
مالكُ بنُ " سُعيرٍ بنِ الخِمْسِ)، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن ثابتٍ
الثنائيّ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ وَه" ،
أنه ذُكِر عندَه حيَّاتُ البيوتِ فقال: ((إذا رأيتُم منها شيئًا فى مساكنِكم
فقولوا: أَنشُدُكم بالعهدِ الذى أخَذ عليكم نوح عليه السلامُ، وأنشُدُكم
بالعهدِ الذى أخَذ عليكم سليمانُ عليه السلامُ. فإذا رأيتم منهنَّ شيئًا بعدَ
٢)(٥)
ذلك فاقتلوه ))
.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ فُطيسٍ ، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال :
حدَّثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبى الزَّاهرِيّةِ، عن تجبيرِ بنِ نُفيرٍ، عن أبى ثعلبةً
القبس
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٣٢) من طريق عبّاد به.
(٢ - ٢) سقط من: ن .
(٣ - ٣) فى ق: ((سعيد بن الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ١٤٥/٢٧.
(٤ - ٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وتقدم على الصواب ص ٢٤٤.
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٤٤، ٢٤٥.
٢٦٣

الموطأ
التمهيد الخُشَنىِ، أَنَّ رسولَ اللهِ بَّه قال: ((الجنُّ على ثلاثةِ أثلاثٍ ؛ فثلُثُ لهم أجنحةٌ
يطيرون فى الهواءِ، وثلُثّ حِيَّاتٌ وكلابٌ، وثلُثّ يَحُلُّون ويظعَنون))(١).
حدَّثنا "أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ
جامع ٢١، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا حجاج، قال: حدّثنا
يزيدُ بنُ زُرَيْعِ، قال: حدَّثنا داودُ ، قال: حدَّثنا أبو نَضْرةَ، أنَّ عبد الرحمنِ بنَ
أبى ليلى حدَّثه، أنَّ رجلاً من الأنصارِ خرَج عِشاءً مِن أهلِه يريدُ مسجدَ قومِه،
فاستُطِيرَ(١) ، فالتُّمِس فلم يُوجدْ، فانطلَقتِ امرأتُه إلى عمرَ بنِ الخطابِ
فذكَرتْ ذلك له، فدعًا بقومِه فسألَهم عنه، فحدَّثوه بمِثلِ ما حدَّثْه امرأتُه،
فقال لهم: أما سمِعتم منه ذِكرًا بعدُ؟ قالوا: لا. فأمَرها أن تَربَّصَ أربعَ
سنین ، ففعلتْ ، ثم أتته فأخبرته أنَّها لم يُذكر لها منهذِ کرٌ ، فدعا قومه فسألهم عن
ذلك، فقالوا: ما ذُكِر لنا منه ذكرٌ. فأمرها أن تعتدَّ منه، فاعتدَّت ثم جاءته،
فأمَرها أن تتزوَّجَ إن شاءت٢٤ ، فتزوَّجتْ، ثم جاء زوجها الأوَّلُ بعدَ ذلك، فقال:
زوَّجتَ امرأتى! فقال عمرُ: لم أَفعَلْ. ودعاها عمرُ، فقالت: أنا المرأةُ التى
القبس
٠
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٩٤١)، وأبو الشيخ فى العظمة (١٠٨٧) من طريق بحر
ابن نصر به، وأخرجه ابن حبان (٦١٥٦) من طريق ابن وهب به .
(٢ - ٢) فى ن: ((عبد الله بن محمد بن يوسف وسعيد بن سيد بن سعيد، قالا: حدثنا عبد الله
ابن محمد بن على، قال: حدثنا أحمد بن خالد)).
(٣) استطير: أى ذهب به بسرعة، كأن الطير حملته أو اغتاله أحد. والاستطارة والتطاير: التفرق
والذهاب. النهاية ٣/ ١٥١، ٠١٥٢
(٤ - ٤) فى ن: ((عمر)).
٢٦٤

الموطأ
أخبرتُك بذَهابٍ زوجى، فأمَرتَنى أن أتربَّصَ أربعَ سنينَ، ففعَلتُ ، ثم أتَّيتُك التمهيد
فأمَرتَنِى (أن أعتدَّ، فاعتدَدتُ، ثم جئتُك فأمَرتَنى) أن أتزوَّجَ، ففعَلتُ .
فقال عمرُ: ینطلِقُ أُحدُ کم فیغیبُ عن أهلِه أربع سنين(٢) ليس بغازٍ ولا تاجرٍ !
فقال له الرجلُ : إِنِّى خرَجتُ عِشاءً من أهلى أُريدُ مسجدَ قومى، فاستبَتْنى
الجنّ، فكنتُ فيهم حتى غزاهم جنٍّ مسلمون، فأصابونى فى السبيٍ،
فسألونى عن دِينى، فأخبرتُهم أنى مسلمٌ ، فخيّرونى بينَ أن يَردُّونی إلى قومى
وبين أن امكث معهم ويُواسونی، فاخترتُ أن یردُّونی إلى قومى ، فبعثوا معى
نَفْرًا؛ أمَّا الليلَ فرجالٌ يحدِّثونى، وأما النهارَ فإعصارُ ريحِ أتبعُها، حتى
هبطتُّ إليكم. فقال له عمرُ: فما كان طَعامُك فيهم؟ فقال: ما لم يُذكَرِ
اسمُ اللهِ عليه وهذا الفُولُ. فخيَّره عمرُ بينَ المهرِ والمرأةِ(١) .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا بُكيرُ بنُّ الحسنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سلمةً
الرَّزىُّ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا العبَّاسُ بنُ عبدِ اللهِ التَّوْقُفىُّ الباكُسائىُّ،
قال(٤): حدَّثنا أبو أسامةَ، عن أبى سِنانٍ، عن أبى مُنيبٍ، عن يحيى بن أبى
كَثِيرٍ، عن أبى سلمةً، عن أبى الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((خلَق اللهُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ن .
(٢) بعده فى ق: ((و)).
(٣) تقدم تخريجه فى ٣٩١/٢٢، ٣٩٢.
(٤) بعده فى ق، ن: ((حدثنا محمد بن عقبة - فى ن: عتبة - أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو
إسحاق الفزاري، قال )».
٢٦٥

الموطأ
التمهيد الجنَّ ثلاثةَ أَثْلاثٍ ؛ فثلُثّ كِلابٌ وحِيَّاتٌ وخَشاشُ الأرضِ، وثلُثْ ريح
هقَّافةٌ، وثلثّ كبنى آدمَ ، لهم الثوابُ وعليهم العقابُ، وخلَق اللهُ الإنسَ
ثلاثةَ أثلاثٍ ؛ فثلُثّ لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ، وأعينٌ لا يُصِرون بها ، وآذانٌ لا
يسمعون بها، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلًا، وثلثّ أجسادُهم
أجسادُ بنى آدمَ ، وقلوبُهم قلوبُ الشياطينِ، وثلثّ فى ظِلِّ اللهِ يومَ
(١)
القيامة»(١).
ورُوِّينا من وجوهٍ أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَ لَهِ قَتَلتْ جِنَّانًا (١)، فَأَرِيَتْ
فى المنامِ أنَّ(١) قائلًا يقولُ لها: أما واللهِ لقد قتلتِ مسلمًا. فقالت: لو
كان مسلمًا لم يدخُلْ على أزواج النبيِّ وَلَّهِ. قال): ما دخَل عليكِ إلا
وعليكِ ثيابُكِ. فأصبحتْ فازعةٌ(٥)، فأمرّتْ باثنَىْ عشَرَ ألف درهم،
فجُعِلتْ فى سبيلِ اللهِ (١).
قال أبو عمرَ : الغُولُ، وجمعُها أغوالٌ، والسّعْلاةُ، وجمعُها السَّعالِى،
ضَربانِ من الجنِّ، ونوعٌ من شياطينهم، قالوا: إنَّها تتصوَّر صُوَرًا كثيرةً فى
القبس
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الهواتف (١٥٦)، وأبو الشيخ فى العظمة (١٠٨١) من طريق أبى
أسامة به .
(٢) فى ن: (( جانا)).
(٣) فى ن: ((كأن)).
(٤) فى ن: ((قيل لها)).
(٥) ليس فى: الأصل ، م.
(٦) تقدم تخريجه فى ٣١٢/٢٢.
٢٦٦

الموطأ
القِفارِ أمامَ الرّفاقِ، وفى (١) غيرِها، فتطُولُ مرَّةً وتصغُ (٢) أُخْرَى، وتقبُحُ مرَّةً التمهيد
وتحسُنُ أُخْرَى ، مرّةً فى صورةٍ بناتٍ آدمَ وبنى آدمَ ، ومرَّةً فى صورةِ الدوابٌ ،
وغير ذلك، کیف شاءت . قال کعبُ بنُ زُهیرٍ (٢ :
فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها كما تَغْوَّلُ فى أثوابِها (٤) الغُولُ
وفى الحديثِ المرفوع: ((إذا ( تغوَّلتِ الغِيلانُ) فأذٌّنوا بالصلاةِ)). أى:
إذا شبَّهت عليكم الطريقَ فأُذِّنوا تهتدوا .
و(٢)حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ
محمدِ ابنٍ علىٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبِ النَّسَوىُّ، قال : أخبرنا أحمدُ بنُ
سليمانَ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا هشام، عن الحسنِ، عن جابر بنِ
عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((عليكم بالدُّلْجةِ؛ فإنَّ الأرضَ تُطوَى
بالليلِ، وإذا تعوَّلتِ الغِيلانُ فنادُوا بالأذانِ )) (١) . مختصرٌ.
وأمَّا قولُه فى حديثٍ عائشةَ: قتَلَتْ جِنَّانًا. فرُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّه قال :
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى ن: ((تقصر)).
(٣) شرح ديوانه ص ٨، برواية: ((تلوّن)). بدلا من: ((تغوّل)).
(٤) فى ن: ((ألوانها)).
(٥ - ٥) فى ن: ((غولت الغول)).
(٥) من هنا سقط فى المخطوط ((ن)) ينتهى ص ٢٧٠.
*(٦) النسائى فى الكبرى (١٠٧٩١).
٢٦٧

الموطأ
التمهيد الجِنَّانُ مَسخُ الجنِّ، كما مُسِختِ القرَدةُ من بنى إسرائيلَ() . وقد ژُوِىَ عن ابنٍ
عمر مثلُه .
وقال الخليلُ(٢): الجِنَّانُ الحِيَّةُ. وقال نِفِطَوَيه: الجِنَّانُ الحِيَّاتُ. وأنشَد
للخَطَفَى جَدِّ جَريرٍ(١) :
أعناقَ جِنَّانٍ وهامًا رُجَّفَا
وقال غيره(٣):
تناوَعَ جِنَّانٌ بھنَّ وَخَيْلٌ(٤).
تبدَّلَ حالٌ بعدَ حالٍ عهِدُها
قال ابنُ أبي ليلى: الجِنَّانُ: الذين لا يَعرِضون للناسِ، والخُيَّلُ: الذين
يتخيلون للناسِ ويُؤذونهم .
أخبرنا عبدُ اللهِ، حدَّثنا حمزةُ، حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ ، قال : أخبرنى
إبراهيمُ بنُّ يعقوبَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ موسى ، قال: حدَّثنا شَيبانُ ، عن
یحیی بن أبی کثیرٍ ، عن الحضرمىِّ بن لاحِقٍ ، عن محمدٍ - قال : وكان أُئُ بنُ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣٥.
(٢) العين ٦/ ٢١، وفيه: الجان: حية بيضاء. وتقدم ص٢٣٤، ٢٣٥.
(٣) هو أوس بن حجر، والبيت فى ديوانه ص ٩٤، وتقدم ص ٢٣٥.
(٤) فى ق، والديوان: ((خبّل)). وينظر ما تقدم ص ٢٣٥.
٢٦٨

الموطأ
كعب جدَّ محمدٍ - قال: كان لأُبيِّ بنِ كعبٍ محونٌ (١) من طَعامٍ. وحدَّثنا التمهيد
عبدُ اللهِ ، حدَّثنا حمزةُ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، حدَّثنا أبو داودَ ، قال : حدَّثنا
معاذُ بنُ هانئٌّ، قال: حدَّثنى حربُ بنُ شدَّادٍ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى
كثيرٍ، قال: حدَّثنى الحَضرمُّ بنُّ لاحقٍ التميمىُّ، قال: حدَّثنی محمدُ بنُ أُبيِّ
ابنِ كعبٍ، قال: كان لِجَدِّى مجزنٌ من تمرٍ، وكان يتعاهدُه، فوجَده ينقُصُ ،
فحرَسه ذاتَ ليلةٍ ، فإذا هو بدابَّةٍ تُشبِهُ الغلامَ المحتلِمَ ، فسلَّم فردّ عليه السلامَ ،
فقال: مَن أنت ، أجِنٍّ أم إنسٌ؟ قال: بل جٍّ. قال: أعطِنى يدَك ، فأعطَاه ،
فإِذا يدُ كلبٍ وشَعَرُ كلبٍ . قال: هكذا خَلْقُ الجِنِّ ؟ قال : قد علِمتِ الجنّ أنَّه
ما فيهم أشدُّ منِّى. قال: ما شأنُك؟ قال: أَنْبِئْتُ أَنَّك رجلٌ تحبُّ الصدقةَ،
فأحببنا أن نُصيبَ من طَعامِك . قال: ما يُجيرُ منكم؟ قال : هذه الآيةُ فى سورةٍ
((البقرة))؛ آيةُ الكُرسىِّ: ﴿اَللَّهُ لَآّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ لَا تَأْخُذُمُ سِنَّةٌ وَلَا
ج
[البقرة: ٢٥٥]. إذا قُلتَها حينَ تُصبحُ أَجِرتَ منَّا حتى تُمسِىَ، وإذا قُلتَها
حينَ تُمسِى أُجِرتَ مَّا حتى تُصبحَ. فغدا أَبِيِّ إلى النبيِّ وَ لَّهِ فَأُخبَرَه خبرَه، فقال
النبيِّ وَلَهِ: ((صدَق الخبيثُ))(٢).
ورواه الأوزاعىُّ، عن يحيى بن أبى كَثِيرٍ، عن ابنٍ أُبىّ بنِ كعبٍ ، أنَّ أباه
القبس
(١) الجرن والجرين: موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع على جرن بضمتين.
النهاية ٢٦٣/١.
(٢) النسائى فى الكبرى (١٠٧٩٧، ١٠٧٩٨). وأخرجه الحاكم ١/ ٥٦٢، والبيهقى فى الدلائل
١٠٩/٧ من طريق حرب بن شداد به .
٢٦٩

الموطأ
ما يُؤْمَرُ به من الكلام فى السفرِ
التمهيد أخبره ، أنَّه كان لهم مجرن من تمرٍ. وساق الحديث بمثل ما تقدّم، ولم يذكُرْ
فى إسنادِه الحضرمىَّ بنَ لاحقٍ()(١).
القبس
بابُ السَّفَرِ
أدخَل مالكٌ رحمه اللهُ هذه الترجمةَ ، ولم يُدخِلْها أئمةُ التصنيفِ فى الأكثرِ ،
وهو بابٌ كبيرٌ، وله فصولٌ كثيرةٌ، ومسائلُ مُتَعلّقةٌ، يجمّعُها أن السفرَ على
قسمَين؛ حَرَبٌ أو طَلَبٌّ . وينقسمُ مِن جهةٍ أقسامٍ أحكامٍ أفعالِ المُكَلَّفِين إلى عددِها
الخمسةِ ؛ فالقسمُ الأولُ: وهو قسمُ الهَرَبِ، ينقسِمُ إلى ستةِ أقسامٍ:
الأولُ: الخروج مِن دار الحربٍ إلى دار الإسلام ، وقد كانت فرضًا فى زمانٍ
النبىِّ وَّهِ، يَتعيّنُ على الخلقِ أن يُهاجِروا إليه حيثُ كان، ثم انقطّعت تلك الهجرةُ
بفتح مکةً ، وبقی الخروج من أرضٍ الحرب دائمًا ، فإن بقی فی دارٍ حربٍ ، فهو آثمّ .
الثانى: الخروجُ مِن أرضِ البدعةِ. قال ابنُ القاسم: سمِعتُ مالكًا يقولُ: لا يَحِلُّ
لأحدٍ أن يُقِيمَ بأرضٍ يُسَبُّ فيها السَّلَفُ. وهذا صحيح، فإن المتكر إذا لم تقدر على
تَغْبِيرِه لم يَحِلَّ لك أن تُجالِسَ صاحبه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ
ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرٍِ﴾. إلى قوله: ﴿الظَّالِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
وَيُسْتَهْزَّأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠]. وقد كنتُ أقولُ لشيخِنا أبى
(*) إلى هنا ينتهى السقط فى المخطوط ((ن))، والمشار إليه ص ٢٦٧ .
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (١٠٧٩٦)، وأبو الشيخ فى العظمة (١٠٩٢)، وابن حبان
(٧٨٤)، والبيهقى فى الدلائل ١٠٨/٧، ١٠٩ من طريق الأوزاعى به.
(٢) فى م: ((السلام)).
٢٧٠

الموطأ
التمهيد
بكرِ الفِهْرِىِّ ونحن بالثَّغْرِ (١): اخرجْ بنا إلى بلادِك عن هذه الثّقْعةِ الظالم أهلُها. فيقولُ: القبس
أكرَهُها لغَلَبةِ الجهلِ عليها وقِلَّةِ عقولهم . فأقولُ : فاخرُجْ إلى الحرمَين تُفْنِى فيها بَقِيَّةً
عُمُرِك . فيقولُ لى : قد رَدَدْتُ مِن الباطلِ هلهنا كثيرًا، وقد أظهَرتُ مِن العلمِ عظيمًا .
قلتُ له: وسمعت باطلًا کثیرًا ، ولا یفی ذلك بهذا . وانتھی الکلامُ بینی وبینَه إلى حدٍّ
أوضَخْناه فى بابِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ فى كتابٍ ((المُشْكِلَين)).
الثالثُ: الخروجُ مِن أرضٍ (٢) غلب عليها الحرام، فإِنَّ طلَبَ الحلالِ فريضةٌ ،
وكان ذلك مما كنتُ أعترِضُ به على شيخِنا الفِهْرىِّ، وكنتُ أحتجُ عليه بالزاهدِ
العربىّ الذى كان لا يعيشُ بذلك الثَّعْرِ إلا مِن بَذْرِ الخَطْمِىِّ(١).
الرابعُ: الفِرَارُ مِن الإذايةِ فى البَدَنِ ؛ كخروجِ إبراهيمَ الخليلِ عليه السلامُ لمَّا
خافَ مِن قومِه، وخروجِ الكليمِ عليه السلامُ خائفًا يَتَرقَّبُ ، وخروجِ الحبيبِ .
و(٤) مِن الضَّرَرِ الواقع بالبَدَنِ وهو الخامسُ: الخروجُ مِن خوفِ المرضِ؛
كالخروجِ مِن الأرضِ الغمِقةِ إلى الأرضِ الَّزِهِةِ عندَ الاجتواءِ ، كما أذِن النبيُّ
(١) يعنى به الإسكندرية ، وينظر سير أعلام النبلاء ٤٩٠/١٩.
(٢) بعده فى ج، م: ((إلى أرض)).
(٣) الخطمى : ضرب من النبات يغسل به . وفى الصحاح يغسل به الرأس . اللسان ( خ ط م ) .
(٤) سقط من : ج ، م .
(٥) فى د: ((العفنة))، وفى ج، م: ((العمقة)). والغمقة من: غمقت الأرض غَمَقًا فهى غيقة:
إذا أصابها ندى وثقل ووخامة . اللسان (غ م ق) .
(٦) النزهة: البعيدة عن الوباء. وقيل: الأرض البعيدة العذبة النائية من الأنداء والمياه . اللسان (ن ز هـ).
(٧) فى ج، م: ((الاحتواء)). والاجتواء: أن يصيبهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا
تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها . ويقال : اجتويت البلد . إذا كرهت المقام فيه
وإن كنت فى نعمة . النهاية ٣١٨/١.
٢٧١

الموطأ
التمهيد
وَ لِّ للعُكْلِيِين أن يخرجوا إلى الشَّرْحُ عندَ الرَّعاءِ، وقد اسْتُثْنِىَ مِن هذا الجائزِ
ه
القبس
الخروجُ مِن أرضِ الطاعونِ ، حَسَبَ ما تقدَّم .
السادسُ : الخروج خوفًا على الأهلِ والمالِ؛ لأن حُزْمةً المالِ من المسلم
كحُرمةٍ دَمِه . وقد اعتُرِضَ الخليلُ عليه السلام فى أهلِه(١) ، ولكنَّ اللهَ تعالى عصّمه
بأمنِه(٢) ، وسخّر له الكافرَ لِيَهَبَ له الوليدةَ لخدمتِه .
وأما وَجْهُ الطلبِ ، فيتعدَّدُ إلى أنواعٍ كثيرةٍ ، الحاضرُ الآنَ مِن أُمَّهاتِه ثمانيةً:
الأُولُ: سَفَرُ العِبْرةِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِبْرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ﴾
[الروم: ٩، فاطر: ٤٤، غافر: ٢١]. فمِن المندوبِ إليه أن يعتبِرَ الرجلُ فى الأرضِ فى
آياتِ اللهِ تعالى، وإن كان له فى نفسِه أعظمُ عِيرةٍ، ولهذا سافَر ذو القرنين يُتْبُ
الأسبابَ، وينظُرُ فى الملكوتِ الأرضىِّ وما جعَل اللهُ فيه مِن عجائبٍ
الصَّنْعَةِ الدالَّةِ على سَعَةِ القُدْرةِ.
الثانی : سَفَرُ الحجُ ، والأُولُ نَذْب ، وهذا فرض، ولکنه اخعُ منه ، وفيه أيضًا
عِبرةً شنعاء ، فإنه یری أوحش بُقعةٍ فى الأرضِ إلى خلقِ اللهِ تعالى بوادٍ غيرِ ذی زرعٍ،
فيه حجارةٌ مجموعةٌ ليس لها شَارةُ جَمالٍ ، تَعلَّقت بها قلوبُ الخلقِ ، واستشعروا
فيها رِضا الحقِّ سبحانه، وهذه عِبرةٌ تَدُلَّ على سَعَةِ القُدْرةِ وعظيم الحكمةِ .
الثالثُ : سَفَرُ الجهادٍ ، وله أحكامُه .
(١) السرح هنا بمعنى المسرح، وهو مرعى السرح ، أى الموضع الذى تسرح إليه الماشية والإبل. ينظر
اللسان (س ر ح) .
والحديث تقدم تخريجه فى ٣٢٤/٢٠، ٣٢٥.
(٢) البخارى (٢٢١٧)، ومسلم (٢٣٧١).
(٣) فى ج، م: ((بآيته)).
٢٧٢

الموطأ
التمهيد
الرابعُ : سَفَرُ المعاشِ ، وهو باختِطابٍ، أو اخْتِشاشٍ، أو صيدٍ، أو تجارةٍ. القبس
الخامسُ : سَفَرُ التجارةِ للكَشْبِ ؛ وذلك مما أذِن اللهُ تعالى فيه لعبادِه ، لِما علِم
مِن عَلاقةِ قلوبِهم بالاسْتِكثارِ مِن الدنيا، ولأنه سبحانه وتعالى فرَّق المنافعَ على
المَشْرقِ والمَغْربِ ، ثم اصطفَى قومًا لعبادته ، واستخدَم آخرِين فى جَلْبِ المنافعٍ مِن
بلدٍ إلى بلدٍ ثانٍ ، لِيَتَمَّ بذلك ما ضُمِن مِن رزقِه ومصلحته .
السادسُ: قصدُ البقاع الكريمةِ، وهى قِسْمان لا ثالث لهما؛ أحدُهما: ما
تَضْعَّنه قولُهُ بِّهِ: (لا تُشَّدُّ الرَّحالُ إلا إلى ثلاثةٍ) مساجدَ»(٢). الحديثَ.
والثانى: الثَّغْرُ) للرّباطِ فيه؛ تكثيرًا لأهلِه (٤) ، وحَسْمًا لداءٍ تَعَلَّقٍ طلبٍ العدوِّ به .
السابعُ : القصدُ فى طلبِ العلمِ، وهو مشهورٌ .
الثامنُ : القصدُ إلى الإخوانِ لِتَفَقُّدِ أحوالِهم، ومنه الحديثُ: ((مَن زار أخًا
له فى اللهِ نصَب اللهُ على مَدْرِجَتِّه مَلَكًا))). هذا إذا كان حَيًّا، فإن كان مَيًّا،
فتجوزُ زيارةُ قبرِه أيضًا والترحُمُ عليه؛ لينتفِعَ الميتُ بالحىِّ، ولا يُقصَدُ الانتفاعُ
بالميتِ ، فإنها بدعةٌ، وليست على وجهِ الأرضِ لأحدٍ إلا لواحدٍ؛ وهو قبرُ
(٨)
محمدٍ بَّهُ، أَمَا إِنَّا رَأَينا بالشامِ قُورًا لكثيرٍ مِن الأنبياءِ ، كان الثابتُ
(١ - ١) فى د: ((لثلاث)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٤٨/١٢، ٥٤٩ .
(٣) فى نسخة على حاشية د: ((السفر)).
(٤) فى ج: ((الأهلة)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٧٠٨/٢٢، ٧٠٩.
(٦) قال ابن تيمية: والمقصود أن مسجد الرسول فضيلة السفر إليه لأجل العبادة فيه ، والصلاة فيه بألف صلاة ،
وليس شىء من ذلك لأجل القبر بإجماع المسلمين. مجموع الفتاوى ٢٥٣/٢٧. وينظر أيضًا ٢٦/٢٧، ٢٣١،
٢٣٣، واقتضاء الصراط المستقيم ٤٠٠/١، ٤٠١ .
(٧ - ٧) فى د: ((قبورا كثيرة للأنبياء)).
(٨) فى د: ((الثالث)).
٢٧٣
.
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/٢٣ )

الموطأ
التمهيد
القبس منها قبرَ إبراهيمَ الخليل عليه السلامُ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، فى مسجدِ الخليلِ
:
عليه السلامُ، وكان منها قبرُ موسى عليه السلامُ بشَرْقِىٌّ الطّورِ عندَ الكنيسةِ
الغربيةِ، وكان على بابٍ صِيَونَ ١ مِن بيتِ المقدسِ كنيسةُ داودَ، وكان
يقالُ: إن بها قبرَه. وكان بحَلْكُولَ(١) قبرُ يونسَ، كان مِن نيتَوى، وماتَ
بحَلْكُولَ ودُفِن هنالك بالطريقِ وإلى جانبِه قبرُ راحيلَ على نحوٍ مِن فرسخ
على الطريقِ أيضًا، وكان بسَبَسْطِيةً(٢) على نحوِ الخمسينَ ميلاً مِن المسجد
الأقصى، فى الغربِ المُنحَرِفِ إلى الجوفِ، على نحوٍ مِن فرسَخين مِن
نائُلُسَ مَخْرَقِ أعراقٍ (١) الثرى، صلواتُ اللهِ عليه، قبرُ يحيى بن زكريا،
ووقفتُ على قبرِ إسماعيلَ بالحِجْرِ تحتَ الصخرةِ السوداءِ، وهو دليلٌ على
جوازِ الدفنِ فى المساجدِ ما لم يكنْ للقبرِ شخصٌ يمنَعُ الصلاةَ
ويُفسِدُ الصفوفَ(١).
فهذا جملةٌ مِن أنواع السفرِ ، ولم يتعرَّضْ مالكٌ إلا لآدابِه، وآدابه كثيرةٌ قد
ذكرها العلماءُ، فلا نُطوِّلُ بها؛ فمنها ما ذكّره مالكٌ مِن القولِ عندَ الشروعِ فيه ،
(١) كذا فى د، ج، وفى م: ((الغرتية))، وفى نسخة على حاشية د: ((العدنية)).
(٢) كذا فى د، ج، وفى م: ((صينون)). ولعل الصواب: ((صهيون)). ينظر معجم البلدان ٤٣٨/٣.
(٣) حلحول: قرية بين بيت المقدس وقبر الخليل عليه السلام، وبها قبر يونس بن متى عليه السلام .
معجم البلدان ٣١٦/٢ .٠
(٤) فى م: ((داخل)). وراحيل هى امرأة نبى الله يعقوب وأم يوسف عليهم السلام.
(٥) سبسطية : مدينة من نواحى فلسطين من أعمال بيت المقدس على يومين منها ، قرب نابلس .
مراصد الاطلاع ٦٨٩/٢ .
(٦) أعراق الثرى هو إسماعيل عليه السلام. تاريخ ابن جرير ٢٧١/٢، ونزهة الألباب ٨٢/١.
٠
(٧) الصحيح المختار أنه يحرم بناء المساجد على القبور ، وعدم جواز اتخاذ القبور داخل المساجد ،
كما لا يشرع بناء المشاهد على القبور مطلقا. ينظر مجموع الفتاوى ١١/٣١، ١٢ .
٢٧٤

١٨٩٨ - مالكٌ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَله كان إذا وضَع رجلَه الموطا
فى الغَرْزِ وهو يريدُ السفرَ يقولُ: (( باسم اللهِ ، اللهمَّ أنتَ الصاحبُ فى
السفرِ، والخليفةُ فى الأهلِ، اللهمَّ ازْوِ لَنا الأرضَ، وهوِّنْ علينا السفرَ ،
اللهمّ إنى أعوذُ بك من وَعْثاءِ السفرِ، ومن كآبةِ المُنقلَبِ ، ومن سُوءٍ
المنظرِ فى المالِ والأهلِ)).
مالكٌ، أنه بلَغْه، أن رسولَ اللهِ وَ لَهِ كان إذا وضَع رجلَه فى الغَزْزِ وهو يريدُ التمهيد
السفرَ، يقولُ: ((باسم اللهِ، اللهمَّ أنت الصاحبُ فى السفرِ، والخليفةُ فى
الأهلِ ، اللهمَّ ازْوِ لنا الأرضَ، وهَوِّنْ علينا السفرَ، اللهمَّ إنى أعوذُ بكَ مِن وَعَْاءٍ
السفرِ، ومِن كآبةِ المنْقَلَبِ، ومِن سُوءِ المنْظَرِ فى المالِ والأهلِ)) (١).
وقبلَه ما كان ينبغى أن يُبَيِّنَ الاستخارةَ عليه، فإنه مِن أهمّ الأُمورِ التى تُقَدَّمُ فيها القبس
الاستخارةُ؛ لِما فيه مِن الغَرَرِ والمَشقَّةِ .
وذكّر مالكٌ حديثًا بلَغه؛ وهو صحيحٌ ثابتٌ: ((اللهمَّ أنت الصاحبُ فى السفرِ،
والخليفةُ فى الأهلِ والمالِ)). وذكّر فيه اسمَين غريبين للهِ؛ أحدُهما،
الصاحبُ. والآخرُ الخليفةُ. وقد استوفَينا بيانَهما فى ((الأمَدِ الأقصى))،
والصاحبُ يرجعُ إلى العالم والحافظِ بمعنّى، وإلى اللطيفِ بآخرَ، وبالجملةِ
فإن مَن كان اللهُ معه لم يَعْدَمْ فائدةً ، ولا تطرّقَتِ إليه آفةٌ، والصاحبُ اسم شريفٌ
وخطةٌ رفيعةٌ، سمَّى اللهُ تعالى بها نفسَه على لسانِ نبيِّه، وسمَّى بها رسولَهُ وَّلآل فقال
عزَّ مِن قائلٍ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. والخليفةُ يُرجِعُ معناه إلى
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٧/١٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٥٧).
(٢ - ٢) سقط من : ج .
٢٧٥

الموطأ
التمهيد
أما قولُه: ((ازْوِلنا الأرضَ)). فمعناه: اطْوِ لنا الطريقَ وقرّبْه وسهِّلْه. وأصلُ
الانزواءِ الانضمامُ . ووَعْثَاءُ السفرِ: شدَّتُه وخشونتُه. والكآبةُ : الحزنُ. والمعنى
فى قوله: ((وكآبةِ المُنْقَلَبِ)): ألا ينقلِبَ الرجلُ وينصرِفَ مِن سفرِه إلى أمرٍ
يُخزِنُه ویکتبُ منه .
وأما سوءُ المنظرِ فى الأهلِ والمالِ ، فكلّ ما يَشُوءُك النظر إليه وسماعُه فى
أهلك ومالِك .
وأما الغَرْزُ، فموضعُ الرَّكابِ، ولا يكونُ الغَرْزُ إلا فى الرّحالِ،
بمنزلةِ الرُّكُبِ للشُّروحِ.
وهذا يستنِدُ مِن وجوهٍ صِحاحٍ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ، ومِن
حديث أبى هريرةَ، وحديثٍ ابنِ عمرَ، وغيرهم .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ محمدِ بنِ
الوَردِ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حمادِ بنِ مسلم بنٍ زُغْبَةً، قال: حدَّثنا سعيدُ
ابنُّ أبی مریمَ ویحیی بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُکَیرٍ، قالا : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن
عاصم، عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ، قال: كان النبيُّ ونَ ﴿ إذا سافَر قال:
((اللهمَّ أنت الصاحبُ فى السفرِ، والخليفةُ على الأهلِ، اللهمَّ اصحَبْنا فى
القبس معنى الوكيل - وقد بيََّّاه - ويرجعُ إلى الآخِرِ، وإلى الباقِى مِن أقسامِ الآخِرِ؛ لأن
الخلافةَ هى عملٌ بعدَ ذَهَابِ المُسْتخلِفِ ، والبارئُ سبحانه وتعالى آخِرٌ بعدَ كلِّ
أحدٍ بدَوَامِ الوجودِ، كما هو أَوَّلِ قبلَ كلِّ ( أوّلٍ بعدَ) ابتداءِ الوجود .
(١ - ١) سقط من: ن، وفى ر، ر١: ((الركاب للسرج))، وفى م: ((الركوب للسروج)).
(٢ - ٢) فى ج: ((أحد بعدم))، وفى م: ((أول بقدم)).
٢٧٦

الموطأ
سفرِنا، واخْلُفْنا فى أهلِنا، اللهمّ إنى أعوذُ بك مِن وَعْثَاءِ السفرِ، وكآبةِ التمهيد
المنْقَلَبِ، ومِن الخَوْرِ بعدَ الكَوْنِ ، ومِن دعوةِ المظلومِ، وسُوءِ المنظرِ فى
الأهلِ والمالٍ))(١).
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ معاويةَ العُثْبِىُّ، قال : حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيرٍ ، قال :
حدّثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن عاصم، عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ ، قال : كان النبيُّ
وَلِّ. فذكّر الحديثَ مثلَه سواءً، وزاد: وسُئل عاصمٌ عن الحَوْرِ بعدَ الكَوْنِ،
قال: حار(١) بعدَ ما كان .
قال أبو عمرَ: يعنى: رجَع عما كان عليه مِن الخيرِ، ومَن رواه: ((الحَوْرِ
بعدَ الكَوْرِ )). فمعناه أيضًا مثلُ ذلك ، أى: رجَع عن الاستقامةِ، وذلك مأخوذٌ
عندَهم مِن كورِ العمامة . وأكثر الرواةِ إنما يرْؤُونه بالنونِ .
وكذلك رواه عبدُ الرزاقِ () ، عن معمرٍ، عن عاصم، عن عبدِ اللهِ بنِ
سَرْجِسَ فى هذا الحديثِ .
.٠
حدّثنا أحمدُ بنُ فتح بنِ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ الحافظُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٧٦/٣٤ (٢٠٧٨١)، وعبد بن حميد (٥١٠)، والترمذى (٣٤٣٩)،
والنسائى فى الكبرى (٨٨٠١، ١٠٣٣٣)، وابن خزيمة (٢٥٣٣) من طريق حماد بن زيد به.
(٢) فى م: ((صار))، وفى ر ١: ((حاز)).
(٣) عبد الرزاق (٩٢٣١، ٢٠٩٢٧).
٢٧٧

٠٠٠٠٠٠
الموطأ
التمهيد ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زكريا، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب ، قال : أخبرنا
زكريا بنُ يحيى، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ،
قال: كان رسولُ اللهِ وَلّ إِذا خرَج إلى سفرٍ قال: ((اللهمَّ بلاغًا يُبلِّغُ خيرًا
ومغفرةً ورضوانًا، بيدِك الخيرُ، إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ أنت الصاحبُ
فى السفرِ، والخليفةُ فى الأهلِ، اللهمَّ هَوِّنْ علينا السفرَ، واطْوٍ لنا الأرضَ،
اللهمّ إنى أعوذُ بك مِن وَعْثاءِ السفرِ، وكآبةِ المنْقَلَبِ)) (١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدّثنا
عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدَّثنا محبوبُ بنُ موسى، أخبرَنا الفَزارِىُّ، عن
عاصم، عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ، قال: كان رسولُ اللهِ وَِّ إذا سافَر يقولُ:
((اللهمّ إنى أعوذُ بك مِن وَعْثَاءِ السفرِ، وكآبةِ المنْقَلَبِ ، والحَوْرِ بعدِ الكونِ ،
ودعوة المظلومِ، وشُوءِ المنظرِ فى الأهلِ والمالٍ)).
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى وأحمدُ بنُ فتحٍ، قالا : حدَّثنا حمزةُ بنُ
محمدٍ بنٍ علىٍّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البغدادىُّ، حدَّثنا ابنُ أبى
صفوانَ ، حدَّثنا ابنُّ أبى عدىٍّ، حدَّثنا شعبةُ، عن عبدِ اللهِ بنِ بشرِ الخَتْعَمِىِّ،
عن أبى زرعةَ بنِ عمرو بنِ جريرٍ، عن أبى هريرةَ، قال: كان رسولُ اللهِ وَلَه إذا
سافَر فركِب راحلته، قال ياصبَعِه هكذا، وقال: ((اللهمَّ أنت الصاحبُ فى
السفرِ، والخليفةُ فى الأهلِ والمالِ، اللهمّ اصحَبْنا بنُصْحِ، واقِبْنا بذِئَّةٍ ،
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (١٠٣٣٥).
(٢) اقلبنا بذمة: ارددنا إلى أهلنا آمنين. النهاية ١٦٩/٢.
٢٧٨

الموطأ
اللهمَّ ازْوِ لنا الأرضَ، وهَوِّنْ علينا السفرَ، أعوذُ بك مِن وَعْثَاءِ السفرِ، وكآبةِ التمهيد
المنْقَلَبِ)) (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ الجھْمِ السّمَّرِىُّ، حدَّثنا جعفرُ بنُ عوٍ ، أخبرنا أسامةُ بنُ زیدٍ ، عن
سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المقْبُرِئِّ، عن أبى هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّل
فقال: إنى أُريدُ سفرًا. قال: ((أُوصِيك بتَقْوى اللهِ، والتكبيرِ على كلّ
شَرَفٍ(٢) )). قال: فلما ولَّى الرجلُ، قال: ((اللهمَّ ازْوٍ له الأرضَ، وهَوِّنْ عليه
(٣)
السفر))(٣).
أُخبرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قالا :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبى أسامةَ ، قال: حدَّثنا روح
ابنُّ عُبادةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبرَنى أبو الزبيرِ، أن عليًّا الأَزْدِىَّ
أخبرَه، أن ابنَ عمرَ علَّمه أن رسولُ اللهِ وَ لِّ كان إذا استوى على بعيرِه خارجًا
فى سفرٍ، كبّرَ ثلاثًا، ثم قال: ((﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ
القبس
(١) أخرجه الترمذى (٣٤٣٨)، والنسائى (٥٥١٦)، وابن السنى فى اليوم والليلة (٤٩٨)،
والطبرانى فى الدعاء (٨٠٧) من طريق ابن أبى عدى به، وأخرجه أحمد ١١١/١٥ (٩٢٠٥) من
طريق شعبة به .
(٢) الشرف: المكان العالى. القاموس المحيط ( ش ر ف ).
(٣) أخرجه أحمد ٦٢/١٤، ١١٧، ٤٥١/١٥ (٨٣١٠، ٨٣٨٥، ٩٧٢٤)، والترمذى
(٣٤٤٥)، وابن ماجه (٢٧٧١)، وابن خزيمة (٢٥٦١) من طريق أسامة بن زيد به.
٨
٢٧٩

الموطأ
وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]. اللهمّ أنت الصاحبُ فى
التمهيد مُقْرِنِينَ ®
السفرِ، والخليفةُ فى الأهلِ، اللهمَّ إنى أعوذُ بك مِن وَعْثاءِ السفرِ، وكآبةٍ
المنْقَلَبِ، وسُوءِ المنظرِ فى الأهلِ والمالِ)). وإذا رجَع قالَهنَّ وزاد فيهن:
((آیُون، تائبون، عابِدون، لربِّنا حامِدون))(١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، أخبرنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا
أحمدُ بنُ إبراهيمَ المَوْصِلُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علىِّ البَزبهارِىُّ، قال :
حدّثنا محمدُ بنُ سابقٍ ، قال : حدّثنا إبراهیمُ بنُ طَهْمانَ ، عن أبی الزبير ، عن
علىِّ بنِ عبدِ اللهِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه قال: كان رسولُ اللهِ وَّةِ إِذا سافَر
واستَوى على راحلته وانبعثَت به، قال: ((اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ)). ثم يقولُ:
وَإِنَّا إِلَى رَيْثَ
((﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
لَمُنْقَلِبُونَ﴾، اللهمَّ إنى أسألُك فى سَفَرى هذا البرّ والتّقْوى، ومِن العملِ ما
تَرْضَى ، اللهمَّ هَوِّنْ علينا السفرَ، واطْوٍ عَنَّا بُعْدَه، اللهمَّ أنت الصاحبُ فى
السفرِ، والخليفةُ فى الأهلِ، اللهمَّ إنا نعوذُ بك مِن وَعْثاءِ السفرِ، وكآيةٍ
المُنْقَلَبِ، وسُوءِ المنظر فى الأهلِ والمال ، آییُون ، تائبون ، عاپدون ، لربِّنا
(٣)
حامدون))(٣).
وقد رُوِى هذا مِن حديثٍ سماكٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ،
القبس
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢٥٤٢) من طريق روح به، وأخرجه مسلم (١٣٤٢) ، والنسائى فى
الكبرى (١٠٣٨٢، ١١٤٦٦)، وابن خزيمة (٢٥٤٢) من طريق ابن جريج به.
(٢ - ٢) فى ف، ر، ر١: ((وكآبة المنظر وسوء المنقلب)).
(٣) أخرجه الطيرانى فى الدعاء (٨١١) عن أحمد بن على البربهارى به.
٢٨٠