النص المفهرس
صفحات 41-60
الموطأ
عن عكرمةَ ، أن نفرًا مِن أهلِ العراقِ قالوا: يا ابنَ عباس، كيف ترَى فى هذه التمهيد
الآيةِ التى أُمِرنا بما أَمرنا فيها، ولا يعمَلُ بها أحدٌ ؛ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ:
لِيَسْتَعَذِينَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اُْلُمَ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَوةٍ
الْفَجْرِ﴾. وقرَأ القعنبىُّ إلى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؟ قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللهَ
رحيمٌ بالمؤمنينَ، يُحبُّ السِّترَ، وكان الناسُ ليس لبيوتِهم سُتورٌ(١) ولا حِجالٌ،
فربما دخَل الخادمُ، أو(٢) الولدُ(٣)، أو يتيمُ الرجلِ(٤)، على أهلِه، فأمَرهم اللهُ
بالاستئذانِ فى تلك العَوْراتِ، ثم جاءَهم اللهُ بالسُّتورِ والخيرِ، فلم أرَ أحدًا
يعمَلُ بذلك بعدُ(٥).
وذكر ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى قُوَّةُ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن ثعلبةً بنِ أبی
مالكِ، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ سويدِ الحارثيَّ، وكان مِن أصحابِ النبيِّ وَ له ،
عن الإذنِ فى العَوْراتِ الثلاثِ ، فقال : إذا وضعتُ ثيابى مِن الظّهيرةِ لم يلج علىَّ
أحدٌ مِن الخدمِ الذين بلغوا الحلُمَ ، ولا أحدٌ ممَّن لم يبلُغ الحلُمَ مِن الأحرارِ، إلّا
بإذنٍ ، وإذا وضَعتُ ثيابى بعدَ صلاةِ العشاءِ ومِن قبلِ صلاةِ الفجرِ .
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ : سألتُ أبا عبدِ اللهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبلٍ - عن
القبس
(١) فى ق: ((ستر)).
(٢) فى الأصل، ق: ((و)).
(٣) فى ق: ((الوالد)).
(٤) بعده فى مصدر التخريج: ((والرجل)).
(٥) أبو داود (٥١٩٢).
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥٣/١٧ من طريق ابن وهب به بنحوه.
٤١
الموطأ
التمهيد الرجلِ ينظُرُ إلى شعَرٍ أُمّ امرأتِه، أو امرأةِ ابنِه ، أو امرأةٍ أبيه؟ فقال: هذا فى
القرآنِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَّبِهِرَ أَوْ ءَابَآءِ
بُعُولَتِهِرَ﴾، وكذا وكذا - الآية [النور: ٣١] . قلتُ : ينظُرُ إلى ساقِ امرأةٍ أبيه أو
اينِه؟ فقال: ما أُحبُّ أن يَرى ذلك من أختِه وأمِّه، فكيف بغيرِهما؟
ورؤی حمّادُ بنُ سلمةً ، عن الحجاج، عن إبراهيم ، أنه كان لا یری بأسًا
أن ينظُرَ الرجلُ إلى شعَرٍ أَمِّه وابنتِه وخالتِهِ وعمَّتِه، و کرِه الساقین .
وقال ابنُّ وهبٍ : سُئلَ مالكٌ عن المرأةِ لها العبدُ نصفُه حرٌّ، أَيَرى شعَرَها؟
فقال: لا. فقيل له : فلو كان لها كلُّه، أيَرى شعَرَها؟ فقال: أمَّا العبدُ الوغدُ(١)
مِن العبيدِ ، فلا أرَى بذلك بأسًا، وإن كان عبدًا فارهًا ، فلا أرى ذلك لها . قال
مالكٌ: والسترُ أحبُّ إلىّ.
قال أبو عمرَ: اختلَفَ العلماءُ فى معنَى قولِه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ﴾ فى الآيتين، إحداهما، فى سورةِ ((النورِ)) قوله: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ
عَلَى جُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَّبِهِرَ أَوْ ءَابَآءِ
بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِىَ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ
بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَدُهُنَّ﴾. والأخرى، فى سورةِ
((الأحزابِ)) قولُه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىّ ءَابَكِنَّ وَلَّ أَبْنَابِهِنَّ وَلَآ إِخْرَبِنَّ وَلَا
أَبِّ إِخْوَنِنَّ وَلَّ أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَابِهِنَّ وَلَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُنُّ﴾
القبس
(١) الوغد: الضعيف العقل. اللسان (وغ د).
٤٢
الموطأ
ذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ - يعنى ابن أبى شيبةً - التمهيد
قال : أخبرنا أبو أسامةً ، عن يونسَ بنِ أبى إسحاق ، عن طارق، عن ابنٍ
المسيَّبِ، قال: لا تغرّنَّكم هذه الآيةُ: ﴿إِلَّا(١) مَا مَلَكَتْ أَيْسَنُكُمْ
[النساء: ٢٤]. إنَّما عُنِى بها الإماءُ(١) ولم يُعنَ بها العبيدُ(٢).
قال : وأخبرنا أبو بكر ، قال : أخبرنا شریڭ ، عن الشّدئِّ ، عن اُبی مالك،
عن ابن عباسٍ، قال: لا بأسَ أن ينظُرَ المملوكُ إلى شعَرٍ مولاتِه(٤).
قال أبو عمرَ : إلى هذا ذهَب مالكٌ، وأجاز نظَرَ العبدِ إلى شعَرٍ مولاتِه،
ورُوِى مثلُ ذلك عن بعضِ أَمَّهاتِ المؤمنين. وقالت به طائفةٌ . و کړه ذلك
جماعةٌ مِن علماءِ التابعين ومَن بعدَهم. وممَّن كرِه ذلك ؛ سعيدُ بنُّ المسيَّبِ،
والحسنُ، وطاوسٌ، والشعبىُّ، ومجاهدٌ، وعطاءُ(٥) . قال إسماعيلُ: حديثُ
نبهانَ مولَی امّ سلمةَ() یدُلُّ علی انّه یجوزُ للعبد أن یری مِن سیّدتِه ما یراه ذو
المحارمِ منها، مثلُ الأُبِ والأخ؛ لأَنَّه لا يحلُّ له أن يتزوَّجَ سيِّدتَه ما دام
مملوكًا، لكنَّه لا يدخُلُ فى المحرَمِ الذى يحلّ لها أن تُسافرَ معه ؛ لأنَّ حُرمتَه لا
تدومُ، وتزولُ بزوالِ الرّقُّ إذا أُعتَقَتْه.
القبس
(١) فى النسخ: (( أو)).
(٢) فى م: ((الآباء» .
(٣) ابن أبى شيبة ٣٣٥/٤.
(٤) ابن أبى شيبة ٤/ ٣٣٤. وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٣٢/٤ من طريق شريك به .
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٣٤/٤، ٣٣٥.
(٦) أخرجه أحمد ٧٣/٤٤ (٢٦٤٧٣)، والحميدى (٢٨٩)، وأبو داود (٣٩٢٨) من حديث أم
سلمة .
٤٣
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: هذا يقضى على قولِه ؛ لأنَّ مَن لا تدومُ حرمتُه لا يكونُ ذا
محرم مطلقًا ، وإذا لم يكن كذلك، فالاحتياطُ ألّ يَرى العبدُ شعَرَ مولاتِه، وغْدًا
كان أو غيرَ وغْدٍ ، وقد يستحسِنُ ويستحبُّ الوغدُ لأشياءَ، وقد سوَى اللهُ بينَ
المملوكِ والحرِّ فى هذا المعنَى، فقال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ
فَلْيَسْتَشْذِ فُواْ﴾ [النور: ٥٩]. وقال: ﴿لِيَسْتَذِنَّكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
وحديثُ أمّ سلمةً لم يروِهِ إلَّا نَبْهانُ مَولاها، وليس بمعروفٍ بحَملِ
العلم، ولا يُعرفُ إلَّا بذلك الحديثِ وآخرَ، وحديثُ(١) عائشةَ معلولٌ
أيضًا، وأكثرُ العلماءِ يجعَلونَ العبدَ البالغَ كالحُرِّ، ولا يُجيزون له النظرَ
إلى شَعَرٍ سيِّدَتِهِ إلَّا لضرورةٍ، وينظُرُ منها إلى وجهِها وكفَّيها؛ لأنهما
ليسًا بعورةٍ منها .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدّثنا
ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا
الأوزاعىُّ، عن الزهرىِّ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إِنَّما
بجعِل الإذنُ مِن أجلِ البصَرِ)) (١).
القبس
(١) فى ق: ((والحديث الذى يروى عن)).
(٢) أخرجه ابن حبان (٥٨٠٩) من طريق دحيم به، وأخرجه الطبرانى (٥٦٦١) من طريق
الأوزاعى به .
٤٤
الموطأ
١٨٦٦ - مالكٌ، عن الثِّقةِ عندَه، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الأشجِّ ، عن بُسرٍ بنٍ سعيدٍ ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن أبى موسى
الأشعرىِّ، أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أَذِن
لك فادخُلْ، وإلَّ فارجِعْ)).
مالكٌ، عن الثقةِ عندَه، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجُّ، عن بُسرِ بنِ التمهيد
سعيدٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن أبى موسى الأشعرىِّ، أنه قال: قال رسولُ
اللهِ وَّهِ: ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فإِن أَذِن لك فادخُلْ، وإلَّ فارجِعْ))(١).
يقالُ : إن الثقةَ هلهنا عن بُكيرِ هو مَخرمةُ بنُ بُکیرٍ . ويقالُ : بل وجده مالك
فى كُتبٍ بُكيرٍ، أَخَذها من مَخرمةَ . وقال عباسٌ ، عن يحيى بنٍ معينٍ : مخرمةُ
ابنُ بُكيرٍ ثقةٌ(١) ، وبُكيرٌ ثقةٌ ثبتٌ . وقال ابنُ البرقىّ: قال لى يحيى بنُ معينٍ :
کان مخرمةُ ثبتًا ، ولکنَّ روايته عن أبيه من كتابٍ وَده لأبيه لم يَشْمعْه منه .
قال : وبلَغنى أن مالكًا كان يستعيرُ كُتُبَ بُكيرٍ فينظُرُ فيها ويُحدِّثُ عنها. وتُوِّى
بُكيرٌ فى زمانٍ(٢) هشامٍ، وكان يُكنَى أبا المِسْوَرِ. وقد ذكرنا طُرُقَ هذا الحديثِ
فى بابٍ ربيعةً من هذا الكتابِ(٤) ، والحمدُ للهِ . وهذا الإسنادُ من أحسنٍ أسانيدِ
هذا الحديث .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٢٩). وأخرجه
ابن المظفر فى غرائب مالك (١٣٣)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٨٤٦) من طريق مالك به.
(٢) سقط من: ف. والذى فى تاريخ ابن معين برواية عباس الدورى ٤/ ٤٣٤: أن ابن معين قال:
ضعيف . وينظر تهذيب الكمال ٣٢٦/٢٧.
(٣) فى ف، ر: ((زمن)).
(٤) سيأتى ص ٤٨ - ٥٦.
٤٥
الموطأ
التمهید
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ
ابنِ حَمدانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنى أبى،
قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، أخبرنا معمرٌ، عن سعيدِ الجُرَيْرِىِّ، عن أبى نَضْرةَ ،
عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: سلَّم عبدُ اللهِ بنُ قيسٍ أبو موسى الأشعرىُّ على
عمرَ بنِ الخطابِ ثلاثَ مرَّاتٍ فلم يُؤْذَنْ له ، فرجَع، فأرسَل عمرُ فى إثرِه (١) : لِم
رجَّعتَ؟ قال: إنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلِ يقولُ: ((إذا سلَّم أحدُكم ثلاثًا فلم
يُجَبْ فَلْيُرجِع)»(٢).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدّثنا
عبدُ اللهِ بنُّ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ،
قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبى مسلمةً(٢)، عن أبى نَضْرةَ، عن أبى سعيد
الخدرىِّ . قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: وحدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : حدَّثنا داودُ بنُ
أبى هندٍ، عن أبى نَصْرةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: استأذَن أبو موسى على
عمرَ ثلاثًا فلم يأذَنْ(٤) له فرجَع، فلقِيَه عمرُ فقال: ما شأنُكَ رجَعتَ؟ قال:
سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لِّ يقولُ: ((مَن استأذَن ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له فلْيَرْجِعْ)). فقال :
القبس
(١) بعده فى ر: ((فقال).
(٢) أحمد ٢٧٠/٣٢ (١٩٥١٠)، وعبد الرزاق (١٩٤٢٣) - ومن طريقه البيهقى ٩٧/٧، ٩٨ -
وأخرجه مسلم (٣٥/٢١٥٣)، والترمذى (٢٦٩٠) من طريق الجريرى به.
(٣) فى الأصل، م: ((سلمة)). وينظر تهذيب الكمال ١١٤/١١.
(٤) فى ف، والموضع الثانى من مسند أحمد، وابن ماجه: ((يؤذن).
٤٦
الموطأ
لَتأتيَنَّ على هذا ببينةٍ ، أو لَأَفعَلَنَّ وأفعَلَنَّ. فَأَتَّى مجلسَ قومِه فناشَدهم ، فقلتُ : التمهيد
أنا معك. فشهدوا" له، فخلَّى عنه (٢). وهذا لفظُ حديثٍ داودَ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ ، عن
داودَ ، عن أبى نضرةً، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن أبى موسى الأشعرىِّ، قال:
قال رسولُ اللهِ وَّلِ: ((إذا استأذَن المستأذِنُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له فليرجع))(١).
قال أبو عمرَ: قد سمِع أبو سعيد الخدرىُّ هذا الحديثَ من النبيِّ وَّرِ،
وقد بان ذلك فى غيرِ ما إسنادٍ ، وقد ذكرنا بعضَ طُرُقِها فى بابٍ ربيعةً(٤) ؛ فكان
أبو سعيدٍ مرَّةً يَروِيه عن أبى موسى، عن النبيِّ وَّله، ومرَّةً عن النبيِّ وَلَه، وإنما
هى حكايةٌ عن قصةٍ أبى موسى، فإذا قال : عن أبى موسى . فإنه يُريدُ بذلك
على حَسَبٍ ما ذكره موسى بنُ هارونَ فى حديثٍ عُمَيرٍ ) بنِ سلمةً، عن
البهزی فی الحمار الوحشىّ . وقد ذكرنا ذلك فی بابٍ یحیی بنِ سعید من کتابنا
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((فقام رجلان نشهد)).
(٢) أحمد ٣٨٨/٣٢، ٤٥٣ (١٩٦١١، ١٩٦٧٧). وأخرجه مسلم (٣٥/٢١٥٣) من طريق
محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٤٩٣، وابن ماجه (٣٧٠٦) من طريق يزيد بن
هارون به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٥٧٩، ١٥٨٠) من طريق شعبة به.
(٣) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٥٠٢) عن ابن أبى شيبة به.
(٤) سيأتى ص ٤٨ - ٥٦.
(٥) فى م: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٨/٢٢.
٤٧
الموطأ
١٨٦٧ - مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ ، عن غيرٍ واحدٍ
من علمائِهم، أن أبا موسى الأشعرىَّ جاءَ يستأذِنُ على عمرَ بنِ
الخطّابِ ، فاستأذَنَ ثلاثًا ثم رجَع، فأرسَل عمرُ بنُ الخطّابِ فى أثَرِهِ
فقال: ما لكَ لم تدخُلْ. فقال أبو موسَى: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه
يقولُ: ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أَذِن لك فادخُلْ، وإلا فارجعْ)). فقال
عمرُ: ومَن يعلَمُ هذا؟ لئن لم تأتِنِى بمَن يعلمُ ذلك لأُفعلنَّ بك كذا
وكذا. فخرَج أبو موسَى حتى جاء مجلسًا فى المسجدِ يقالُ له :
مجلسُ الأنصارِ. فقال : إنى أُخبَرتُ عمرَ بنَ الخطابِ أنى سمِعتُ
التمهيد هذا، والحمدُ للهِ. وقد ذكّرنا معانىَ هذا البابِ(٢) فى بابٍ ربيعةً.
وظاهرُ هذا الحديثِ يُوجِبُ أَلَّ يستأذِنَ الإنسانُ أكثرَ من ثلاثٍ، فإن أُذِن
له وإلّا رجع. وهو قولُ أکثر العلماءِ، وإلی ھذا ذھب ابنُّ نافع. وقال غیرُه : إن
لم يسمَعْ فلا بأسَ أن تَزِيدَ . والاستئذانُ أن يقولَ: السلامُ عليكم، آلدخُلُ؟
وقال بعضُهم: المرَّةُ الأُولى من الاستئذانِ اسْتئذانٌ، والمرَّةُ الثانيةُ مشورةٌ ، هل
يُؤْذَنُ له فى الدخولِ أم لا؟ والثالثةُ علامةٌ للُّجوع، ولا يزيدُ على الثلاثِ.
مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ، عن غيرٍ واحدٍ من علمائِهم، أنَّ أبا
موسَى الأشعرىَّ جاء يَستأذِنُ على عمرَ بن الخطابٍ ، فاستأذَن ثلاثًا ، ثم رجَع،
القبس
(١) تقدم فى ٣٩١/١٠، ٣٩٢.
(٢) فى ر١: ((الحديث)).
٤٨
الموطأ
رسولَ اللهِ وَلَّ يقولُ: ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ ، وإلا
فارجِع )) . فقال: لئن لم تأتنى بمَن يعلمُ هذا لأفعلنَّ بك كذا وكذا.
فإن كان سمِع ذلك أحدٌ منكم فليَقُمْ معى. فقالوا لأبى سعيدٍ
الخدرىِّ : قُمْ معه . وكان أبو سعيدٍ أصغرَهم ، فقام معه ، فأخبَر ذلك
عمرَ بنَ الخطّابِ ، فقال عمرُ لأبى موسَى: أَمَا إنى لم أتَّهِمْكَ ولكنى
خشيتُ أن يتقوَّلَ الناسُ على رسولِ اللهِ وَله.
فأرسَل عمرُ بنُ الخطابِ فى أثَرِهِ، فقال: ما لكَ لم تَدْخُلْ؟ فقال أبو موسى: التمهيد
سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ، وإلا
فارجِئ)) . فقال عمرُ بنُ الخطابِ: ومَن يَعلَمُ هذا؟ لئن لم تأتِنِى بمن يَعلمُ ذلك
لأَفْعَلنَّ بك كذا وكذا. فخرَج أبو موسى حتى جاء مجلسًا فى المسجدِ يُقالُ
له : مجلسُ الأنصارِ . فقال: إنِّى أخبرتُ عمرَ بنَ الخطابِ أنَّى سمِعتُ رسولَ
اللهِ وَلَه يقولُ: ((الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ، وإلَّا فارجِع)). فقال:
لئن لم تَأْتِنِى بمَن يَعلمُ هذا لأفعلنَّ بك كذا وكذا. فإنْ كان سمِع ذلك
أحدٌ منكم فليَقُمْ معى. فقالوا لأبى سعيد الخدرىِّ: قُمْ معه. وكان أبو
سعيدٍ أصغرَهم، فقام معه، فأخبَرَ ذلك عمرَ بنَ الخطابِ، فقال عمرُ
لأبى موسى: أمَا إِنِّى لم أَتَّهِمْكَ، ولكنِّى خَشِيتُ أن يَقَوَّلَ الناسُ على
رسولِ اللهِ أَ﴾ (١).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١٨و - مخطوط)، وبراوية أبى مصعب (٢٠٣٠). وأخرجه
أبو داود (٥١٨٤) من طريق مالك به مختصرًا.
٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤/٢٣ )
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: رُوِىّ هذا الحديثُ متصلاً مُسنَدًا عن النبيِّ نَله من
وُجوهٍ "؛ من حديثٍ أبى موسى(٢)، وحديثٍ أُتْىٌّ بنِ كعبٍ(٣)، وحديثٍ أبى
سعيدِ الخُذْرِىِّ(٤). وقال بعضُهم فى هذا الحديثِ: كلُّنا سَمِعَه(٥).
وقد روَى قومٌ هذا الحديثَ عن أبى سعيدٍ ، عن أبى موسى(١) . وإنَّما هذا
من النَّقَلَةِ ؛ لاخْتِلاطِ (٧) الحديثِ عليهم ، ودخولٍ قصةِ أبى سعيدٍ مع أبى موسى
فى ذلك، واللهُ أعلمُ، كأنَّهم يقولون : عن أبى سعيدٍ ، عن قصةٍ أبى موسى .
على نحوٍ روايةٍ مُمَّيٍ(١) بنِ سلمةً، عن البَهْزِئِّ، يريدُ: عن قصةِ البَهْزِئِّ. وقد
أَوْضَخْنا هذا المعنَى عندَ ذكرٍ (١) البهزئِّ، فى بابٍ يحتِی بن سعيدٍ من كتابِنا
هذا(١٠) . والحمدُ للهِ .
ومن أحسنٍ طُرُقِ حديثٍ (١١) أبى سعيد الخُدْرِىِّ فى هذه القِصةِ
القبس
(١ - ١) سقط من: س.
(٢) أخرجه البخارى (٦٢٤٥)، ومسلم (٣٧/٢١٥٤).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٥٤)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٥٨٢).
(٤) أخرجه البخارى (٦٢٤٥، ٧٣٥٣).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٩٤٢٣)، والبيهقى ٩٧/٧، ٩٨ من حديث أبى سعيد الخدرى.
(٦) تقدم فى الموطأ (١٨٦٦).
(٧) فى ك ١، م: ((باختلاط)).
(٨) فى النسخ: ((عمر)).
(٩) بعده فى ك ١، م: ((حديث)).
(١٠) تقدم فى ٣٩١/١٠، ٣٩٢.
(١١) سقط من: ك ١، م.
٥٠
الموطأ
ما حدَّثناه أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ بنُّ يحتِى، قال: حدَّثنا علىَّ بنُ محمدِ بنِ التمهيد
مسرورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال:
حدَّثنا " ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنا عمرُو(١) بنُ الحارثِ، عن بُكيرِ بنِ الأشْجِّ ، أنَّ
بُشْرَ بنَ سعيدٍ حدَّثه، أنَّه سمِع أبا سعيدِ الخُدْرِىَّ يقولُ: كنا فى مجلسٍ أَتَىِّ بنِ
كعبٍ، فَأتَى أبو موسى مُغْضَبًا حتى وقَف ، وقال: أَنْشُدُكم اللهَ، هل سَمِع
أحدٌ منكم رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: (الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِنَ لك، وإلّا
فارجِغ ))؟ قال أَتَىّ: وما ذاك ؟ قال : استأذنْتُ على عمرَ أمسٍ ثلاثَ مراتٍ ، فلم
يُؤْذَنْ لى، فرجَعْتُ، ثم جِئْتُ اليومَ، فدخلْتُ عليه، فأخبرتُه ("أَنِّي جِئْت٣ُ)
أمسٍ فسلَّمْتُ ثلاثًا ثم انصرَفْتُ . فقال: قد سمِعناكَ ونحنُ حينئذٍ على شُغلٍ ،
فلو استأذَنتَ حتى يُؤْذنَ لكَ؟ قال: استأذَنْتُ كما سمِعتُ رسولَ اللهِ وَله.
فقال: واللهِ لأُوجِعَنَّ ظهْرَكَ وبطنَكَ، أو لتَأْتِيِّى بمَن يَشْهَدُ لك على هذا . فقال
أُتَّ: واللهِ لا يَقومُ معكَ إلَّا أحدَثْنَا سِنَّا، الذى يُجِيبُكَ، قُمْ يا أبا سعيدٍ. فقُمْتُ
حتى أَتَيْتُ عمرَ، فقلتُ: قد سمِعتُ رسولَ اللهِ إِلّهِ يَقولُ هذا (٤).
القبس
(١ - ١) فى س: ((ذكره)).
(٢) فى ك، م: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٠.
(٣ - ٣) فى س: ((أنه جئته))، وفى شرح المشكل، وابن حبان: ((أنى جثته)).
(٤) أخرجه مسلم (٣٤/٢١٥٣)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٥٧٨)، وابن حبان (٥٨١٠)
من طريق ابن وهب به .
٥١
الموطأ
التمهيد
حدَّثْنِى أحمدُ بنُ قاسم بنٍ عيسى، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ محمدٍ
بغدادَ ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ البَغَوِىُّ، قال: حدَّثنا علىَّ بنُ الجَعْدِ ،
قال: أخبرنا شعبةُ (١)، عن سعيدِ الجرّيرىِّ(٢)، سمِع أبا نضْرَةَ يُحدِّثُ ، عن أبى
سعيد الخدرىِّ، قال: جاء أبو موسى ، فاستَأْذَن على عمرَ ثلاثًا ، فلم يُؤْذَنْ له ،
فرجَع، فقال عمرُ: لئن لم تأتِى بِيِّنَةٍ أو لأفعلنَّ بك. فأَتَّى الأنصارَ، فقال:
ألستُم تَعَلَمون أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إذا استَأْذَن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له
فليَرْجِعْ)). قال : فقالوا: لا يشهَدُ لك إلَّا أصغرنا. قال أبو سعيدٍ: فأتيتُه،
فشَهِدْتُ له (٣) .
قال علىّ: أخبرنا شعبةُ، عن أبى مَسْلَمةَ(٤) سعيدِ بنِ تَزِيدَ، سمع أبا نضْرةً
يُحدِّثُ، عن أبى سعيدٍ مثلَ ذلك (٥).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ، قال : حدّثنا أحمدُ بنُ جعفر بنِ
القبس
وجاء بعده فى ك ١، م: «قال ابن وهب: وقال مالك : الاستئذان ثلاث لا أحب أن يزيد
=
أحد عليها إلا من علم أنه لم يسمع فلا أرى بأسًا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع. قال: وقال
مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان)).
(١) فى م: ((شعيب)).
(٢) بعده فى ك ١، م: ((أنه)).
(٣) البغوى فى الجعديات (١٤٦٩). وأخرجه مسلم (٣٥/٢١٥٣) من طريق شعبة به.
(٤) فى ك ١، م: ((سلمة)).
(٥) البغوى فى الجعديات (١٤٧٠). وأخرجه مسلم (٣٥/٢١٥٣) من طريق شعبة به .
٥٢
الموطأ
حَمْدانَ(١) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن حنبل، قال: حدَّثنى أبى، قال: التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبى مَسْلَمةً(٢)، عن أبى
نَضْرَةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ ، قال: إنَّ أبا موسى استأَذَن على عمرَ. قال :
واحدةٌ، ثِثْتَيْنِ، ثلاثًا، ثم رجَع أبو موسى، فقال له عمرُ: لتَأْتِيَنَّ على هذا(٣)
بَيْنَةٍ، أو لأُفعَلنَّ (٢بك. كأنَّهُ) يقولُ: أَجْعَلُه نَكالا فى الآفاقِ. قال: فانْطلَق
أبو موسى إلى مجلسٍ فيه الأنصارُ، فذكّر ذلك لهم، فقال: ألم تَعلَموا أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إذا استأْذَن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له، فلميَرْجِعْ))؟
قالوا : بلى ، لا يَقومُ معك إلَّ أصغرُنا. قال: فقام أبو سعيدِ الخُذْرِىُّ إلى عمرَ،
فقال: هذا أبو سعيدٍ. فخلَّى عنه (٥).
قال أبو عمرَ: روَاه معمرٌ، عن المُجُزَيرىِّ بإسنادِهِ، فلم يَأْتِ بالقصةِ
بتَمامِها(١)، ورَوَاه عن أبى نَضْرَةَ أيضًا؛ داودُ بنُ أبى هندٍ (٧)، وروايةُ أبى
مَسْلَمَةَ(٧) أحْسنُ سياقةٌ ، وأتمّ معنَى.
القبس
(١) فى م: ((مالك)).
(٢) فى ك ١، م: ((سلمة)).
(٣) فى س: ((ذلك)).
(٤ - ٤) فى س: ((فكأنه)).
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٦، ٤٧ .
(٦) تقدم تخريجه ص ٤٦ .
(٧) فى م: ((سلمة)).
٥٣
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةً ، قال :
حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن أبى نَضْرَةَ، عن أبى
سعيدٍ ، قال : استأذَن أبو موسى على عمرَ ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فَلَقِيَّهِ
عمرُ، فقال: ما شأنُكَ رِجَعْتَ؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَهِ يقولُ: (مَن
استأذَن ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له ، فليَرْجِعْ)). فقال: لتَأْتِيَنَّ بيِّنَةٍ، أو لأُفْعَلَنَّ وَأَفْعَلَنَّ.
فأتَى مجلسَ قومِه (١) فتَاشَدَهم اللهَ، فقلتُ : أَنا أَشْهَدُ معك. فشَهِدْتُ بذلك،
(٢)
فخلَّی سبیلَهُ(٢) .
وأمَّا روايةٌ من روَى هذا الحديثَ عن أبى موسى الأشعرِىِّ، فحدَّثنی
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدَّثنا
حفصُ بنُ غِیاپ ، عن داود، عن أبی نَضْرَةً، عن أبى سعيد الخُدْرِئِّ، عن
أبى موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((المستأذِنُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له،
(٣)
فلیزچغ)»(٣).
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بکرُ بنُ حمَّادٍ ،
القبس
(١) فى ك ١، م: ((قومى)).
(٢) ابن أبى شيبة ٤٩٣/٨. وأخرجه أحمد ٤٥٣/٣٢ (١٩٦٧٧) من طريق يزيد بن هارون به .
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٧ .
٥٤
الموطأ
قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا ابنُ(١) داود، عن طلحةَ، عن يحيى، عن أبى التمهيد
بُؤْدَةً، عن أبى موسى، أنَّه أَتَّى عمرَ، فاسْتَأْذَن ثلاثًا، فقال: يستأذِنُ(٢) أبو
موسى ، يستأذِنُ(٢) الأشعرىُّ، يستأذِنُ(٢) عبدُ اللهِ بنُ قيسٍ. فلم يُؤْذَنْ له،
فرجَعٍ، فبعَث إليه عمرُ، فقال: ما رَدَّكَ؟ فقال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ:
(ليستأذِنْ أحدُ كم ثلاثًا، فإن أُذِن له، وإلا فليرجِع)). قال: اثْتِنِى ببيِّنَةٍ على هذا.
فقال: هذا أَتَّىّ. فانْطَلَقْنا إلى عمرَ، فقال: نعم يا عمرُ، لا تكنْ عذابًا على
أصحابٍ رسولِ اللهِ وَّله. فقال عمرُ: لا أكونُ عَذابًا على أصحابِ رسولِ اللهِ
(٣)
◌َخ (٣) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنَا مُسَدَّدٌ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ بنِ مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ
حنبل ، قال : حدّثنی ابی ، قالا : حدثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، عن ابن جريجٍ، عن
عطاءٍ، عن عُبَيدِ بنِ عميرٍ، أنَّ أبا موسى استأْذَنَ على عمرَ (ثلاثَ
مرّاتٍ ، فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فقال: ألم أسْمَعْ صوتَ عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((أبو)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥٨/١٤.
(٢) فى ك ١، م: ((استأذن)).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٨١) عن مسدد به .
(٤) فى ك ١، م: (بن)).
(٥ - ٥) فى س: ((ثلاثًا)).
٥٥
الموطأ
التمهيد آنِفًا(١)؟ قالوا: بلى. قال: فاطْلُبُوه. قال: فدُعِىَ، فقال: ما حمَلكَ على ما
صَنَعْتَ؟ قال: اسْتَأْذَنْتُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ لى، فرَجَعْتُ(١)، كُنَّا تُؤْمَرُ بهذا.
فقال: لتَأْتِيَنَّ عليه بالبيَّنَةِ، أو لأُفعلنَّ. فَأَتَى مجلسَ، أو مسجدَ، الأنصارِ،
فقالوا: لا يَشْهَدُ لك إِلَّا أصغرُنا. فقام أبو سعيدٍ، فشهِد له، فقال عمرُ: خَفِىَ
علىَّ هذا من أمْرِ رسولِ اللهِ وَ لَ، أَلْهَانى عنه الصَّفْقُ(١) " فى الأسواقِ".
واللَّفظُ لحديثِ عبدِ اللهِ، والمعنَى سواءٌ.
قال أبو عمر: فى هذا الحديث من الفقه إيجابُ الاستئذانِ ، وهو يُخرجُ
فى تفسيرِ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَبَرَ بُوتِكُمْ حَّ
تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. والاسْتِناسُ فى هذا الموضعِ هو
الاستئذانُ ، كذلك قال أهلُ التَّفسيرِ، وكذلك فى قراءةٍ (أُتَىّ، وْ) ابنِ عباسٍ:
(حتى تَسْتَأْذِنوا وتُسَلِّموا على أهلِها).
"أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال):
القبس
(١) سقط من: ٥ ١، م.
(٢) بعده فى م: (( كما)).
(٣) الصفق: التبايع. النهاية ٣٨/٣.
(٤ - ٤) فى ك ١، م: ((بالأسواق)).
والحديث عند أحمد ٣٥١/٣٢، ٣٥٢ (١٩٥٨١). وأخرجه البخارى (٧٣٥٣)، ومسلم
(٣٦/٢١٥٣) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه البخارى (٢٠٦٢)، وأبو داود (٥١٨٢) من
طريق ابن جريج به .
(٥ - ٥) سقط من: س.
٥٦
الموطأ
(١ حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ أبو جعفرِ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنى التمهيد
ثابتُ بنُ يزيدَ ، قال: حدَّثنا عاصم الأخْوَلُ، عن عكرمةً ، قال : فى قراءةِ أَتَىٍّ بنِ
٦
كعبٍ : (حتى تُسَلِّموا و(٢) تستأذنوا). قال: وتعلَّمَ منه ابنُ عباسٍ" .
وفيه أنَّ السُّنَّةَ فى الاستئذانِ ثلاثُ مراتٍ، لا يُزادُ عليها. ويَحتمِلُ أن
يكونَ ذلك على معنَى الإباحةِ والتَّخْفيفِ على المستأذنِ ، فمَن استأذن أكثرَ من
ثلاث مراتٍ لم يَحْرَجْ . واللهُ أعلمُ .
( وقال بعضُ أهلِ العلم : إنَّ الاستئذانَ ثلاثَ مراتٍ مأخوذٌ من قولِ اللهِ عزَّ
وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعَذِينِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَتْلُغُواْ
اُْلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ﴾ [النور: ٥٨]. قال: يريدُ ثلاثَ دَفَعَاتٍ ، فورَد القرآنُ فى
المماليكِ، والصَّبيانٍ، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ بَّرِ فِى الجميعِ .
قال أبو عمرَ : ما قالَه مِن هذا فإِنَّه غيرُ معروفٍ عن العلماءِ فى تفسيرِ الآيةِ
التى نزَع بها، والذى عليه جمهورُهم فى قولِه فيها : ﴿ثَلَثَ مَرَّتٍ﴾. أىْ: فى
ثلاثةٍ أوقاتٍ ، يذُلُّ على صحةٍ هذا القولِ ذِكْرُه فيها: ﴿مِّن ◌َّلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ
تَضَعُونَ بِيَّابَكُم مِّنَ النَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوِْ اَلْمِشَاءِ﴾. وللكلام فى هذه الآيةِ
موضِعٌ غيرُ هذا) .
القبس
(١ - ١) سقط من: س.
(٢) فى م: ((أو)).
٥٧
الموطأ
التمھید
وجاء فى هذا الحديثِ عن أبى موسى أنَّه كان (١) استئذانُه يومَئذٍ بأن قال:
يستأذِنُ عبدُ اللهِ بنُ قيسٍ ، يستأذِنُ أبو موسَى . ونحوُ هذا(٢).
قال أبو عمرَ: وفيه أنَّ الرجلَ العالمَ الحَبْرَ قد يُوجَدُ عندَ مَن هو
دونَه فى العِلْمِ ما ليس عندَه من العلم ، إذا كان طريقُ ذلك العلم
السَّمْعَ، وإذا جاز مثلُ هذا على عمرَ على موضعِه فى العلم، فما ظَنُّك
بغيرِهِ بعدَه ؟
وروَی و کیٹٌ، عن الأعمش، عن أبى وائل، عن عبدِ الله بن مسعودٍ ،
قال: لو أنَّ علمَ عمرَ وُضِعَ فى كِفَّةٍ ، ووُضِع علمُ أحياءِ الأرضِ فى كِفَّةٍ أُخْرَى،
الرجَح علمُ عمرَ بعلمِهم. قال الأعمشُ: فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ، فقال: لا
تَعْجَبْ من هذا، فقد قال عبدُ اللهِ : إِنِّى لأُحسَبُ تسعة أعشارِ العلمِ ذهَب يومَ
ذهب عمرُ(٤).
وجاءَ عن حذيفةً مثلُ قولِ عبدِاللهِ(٥)٣)
القبس
(١) فى ك ١، م: ((قال)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٤، ٥٥ .
(٣ - ٣) سقط من: س.
(٤°) أخرجه ابن سعد ٣٣٦/٢، وابن أبى شيبة ٣٢/١٢، والطبرانى (٨٨٠٩) من طريق الأعمش
به، وليس عند ابن أبى شيبة قول الأعمش.
(٥) أخرجه ابن سعد ٣٣٦/٢، وابن أبى شيبة ٣٩/٢.
٥٨
الموطأ
قال أبو عمرَ: زعم قومٌ أنَّ فى هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ مذْهبَ عمرَ أَلَّا(١) التمهيد
يقبلَ خبرَ الواحدِ. وليس كما زعَموا؛ لأنَّ عمرَ رضِى الله عنه قد ثبت عنه
استعمالُ خبرِ الواحدِ وقبولُه، وإيجابُ الحكْمِ به، أليس هو الذى نَشَد(٢) الناسَ
بِمِنَّى: مَن كان عندَه علمٌ برسولٍ (٢) اللهِ نَِّ فِى الدِّيَةِ، فليُخْبِونا؟ وكان رأيُه
أنَّ المرأةَ لا تَرِثُ من دِيَةِ زوجِها؛ لأنَّها ليست من عَصَبَتِه الذين يعقِلُون عنه ،
فقام الضََّّاكُ بنُ سفيانَ الكِلائِىُّ، فقال: كتَب إلىّ رسولُ اللهِ وَ الِهِ أَنْ أُوَرِّثَ
امرأةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ من دِيةِ زوجِها(٤). وكذلك نَشَد (٢) الناسَ فى ديَةِ الجَنِينِ :
مَن عندَه فيه عن رسولِ اللهِ وَلَهِ عِلْمٌ(٥)؟ فأخبره حَمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغَةِ أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ لّهِ قَضَى فِيه بِغُرَّةٍ عبدٍ أو أمةٍ، فقضَى به عمرُ(٢). ولا يشُكُ
ذُو لُبِّ، ومن له أقلُّ منزلةٍ فى العلم، أنَّ موضِعَ أبى موسى من الإسلامِ،
ومكانَه من الفقهِ والدينٍ، أجلُّ من أنْ يُرَدَّ خبرُه، ويُقبلَ خبرُ الضَّحَّاكِ
ابنِ سفيانَ الكِلابِىُّ وحَمَلٍ بنِ مالكِ الأعرابيّ، وكلاهما لا يُقاسُ به فى
حالٍ، وقد قال له عمرُ فى حديثٍ ربيعةً هذا: أمَا إِنِّى لم أتَّهِمْك، ولكنِّی
القبس
(١) سقط من: س.
(٢) فى ك ١، م: ((ناشد)).
(٣) فى ك ١، م: ((رسول))، وأشار فى حاشية س إلى أنه فى نسخة: ((عن رسول)).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٦٨١).
(٥) سقط من: ك ١، م.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٥٧٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٠٢٠)، وابن ماجه (٢٦٤١).
٥٩
الموطأ
التمهيد خَشِيتُ أَنْ يَقوَّلَ الناسُ على رسولِ اللهِ ،وَهِ. فدَلَّ ذلك(١) على اجتهادٍ
كان من عمرَ رضِى اللهُ عنه فى ذلك الوقتِ لمعنَّى اللهُ أعلمُ به . وقد يَحتمِلُ أنْ
يكونَ عمرُ رضِى اللهُ عنه كان عندَه فى ذلك الحينِ من لم يَصْحَبْ رسولَ اللهِ
وَّه من أهلِ العراقِ وأهلِ الشامٍ؛ لأنَّ اللهَ فتَح عليه أرضَ فارسَ والرومِ، ودخَل
فى الإِسلامِ كثيرٌ ممَّن يَجوزُ عليهم الكَذِبُ ؛ لأنَّ الإيمانَ لم يَسْتَحْكمْ فی
قلوبٍ جماعةٍ منهم، وليس هذه صفةً أصحابٍ رسولِ اللهِ وَّةِ؛ لأنَّ اللهَ قد
أخبَر٣) أنَّهم خيرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ، وأَنَّهم أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رحماءُ بينَهم،
وأثنَى عليهم فى غيرٍ موضع من كتابه . وإذا جاز الكَذِبُ وأمكن فى الدَّاخِلين
فى (٤) الإسلام، فممكِن٢ٌ) أن يكونَ عمرُ مع اخْتِياطِه فى الدِّينِ يخشَى أنْ
يَخْتَلِقوا الكذبَ على رسولِ اللهِ وَ الَرِ عندَ الرَّغبةِ وَالرَّهْبَةِ و طلبًا للحُجَّةِ،
وفِرارًا إلى المَلْجَأُ والمخرَج مِمَّا دخَلوا فيه، لقِلَّةِ عِلْمِهم بما فى ذلك عليهم ،
فأراد عمرُ أنْ يُرِيَهم أنَّ من فعَل شيئًا يُتْكَرُ عليه، ففَزِع إلى الخبرِ عن رسولِ اللهِ
وَلِّ فِيه، ليُثْبِتَ له بذلك فعلَه، وجَب التَّبُتُ فيما جاء به إذا لم تُعْرَفْ حالُه
حتى يَصِحَّ قولُه، فأراهم ذلك، ووافقَ أبا موسَى، وإن كان عندَه معروفًا
القبس
(١ - ١) فى س: ((يتقول)).
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣ - ٣) فى س: ((أخبرهم)).
(٤) فى ك ١، م: ((إلى)).
(٥) فى ك ١، م: ((فيمكن)).
(٦) فى ك ١، م: ((أو)).
٦٠