النص المفهرس
صفحات 221-240
الموطأ
وأخبرَنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ التمهيد
ابنُّ فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدَّثنا أبو عامرٍ،
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سليمانَ، عن عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عن جابرِ ابنِ
عبدِ اللهِ ، أن النبى ێ قال: ((إن تَگنْ فی شیءٍ مِن أدویتکم هذه خیرٌ، ففی
شَرْطةٍ مِحْجَمٍ ، أو لَذْعةِ نارٍ توافِقُ داءٌ، وما أُحِبُّ أن أْتُوِىَ))(٢) .
قال أبو عمرَ: لا مدخلَ للقولِ فى هذا البابِ ، وقد مضَى فى التَّداوِى
فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ ما فيه شفاءٌ(4). وظاهرُ هذه الأحاديثِ فى الحجامةِ
العمومُ، وتحتمِلُ الخصوصَ بأن يقالَ : خيرُ ما تَداويتُم به فى فضلٍ كذا أو لعلةِ
كذا فالحجامةُ ، وإن كان الشفاءُ مِن كذا ففى كذا. أو يكونُ الحديثُ على
جوابِ السائلِ فحُفِظ الجوابُ دونَ السؤالِ ، كأنه قال: الشفاءُ فيما سألتَ
عنه، وإن كان دواءٌ يبلُغُ الداءَ الذى سألتَ عنه فالحِجامةُ تَبْلُغُه. وهذا كثيرٌ
معروفٌ فى الأحاديثِ ، ومعلومٌ أن الحِجامةَ ليست دواءً لكلِّ داءٍ ، وإنما هى
لبعضِ الأُدواءِ، وذلك دليلٌ واضحٌ على ما تأوَّلْنا وذكَرنا . وباللهِ توفيقُنا.
والحجامةُ على ظاهرِ هذا الحديثِ غيرُ ممنوعٍ منها فى كلَ يومٍ ، وقد جاء
3A
:
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ر، ر١، م: ((عبد الرحيم)). وينظر تهذيب الكمال ١٥٤/١٧.
(٢) أخرجه أحمد ٤٩/٢٣، ٥٠ (١٤٧٠١)، والبخارى (٥٦٨٣، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤)، ومسلم
(٧١/٢٢٠٥) من طريق عبد الرحمن بن سليمان به .
(٣) بعده فى ف: ((القول)).
(٤) تقدم فى ٥٧٤/٢٢ - ٥٩٦ .
٢٢١
الموطأ
التمهيد عن الزهرىِّ(١) ومكحولٍ(٢) جميعًا، أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((مَن احتَجم يومَ
الأربعاءِ و(١) يومَ السبتِ، أو اطَّلَى(٤)، فأصابَه وَضَعُ(٥)، فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه)).
وجاء عن الحجاج بن أرطاةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((مَن كان مُخْتجِمًا
فليَحْتجِمْ يومَ السبتِ )) . وهذان حديثان ليس فى واحدٍ منهما حُجَّةٌ، ومرسلُ
الزهرىٌّ ومكحولٍ أشبهُ مِن مرسلٍ الحجاج ؛ لأن مسندَ الحجاج بن أرطاةً مما
ينفرِدُ(١) به ليس بالقوىِّ، فكيف مُرسَلُه؟
قال الأثرمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن الحِجامةِ يومَ السبتِ ،
فقال: يعجبنى أن تُتَوَقَّى؛ لحديثِ الزهرىِّ وإن كان مرسلًا. قال: وكان
حجاجُ بنُّ أرطاةً يَرْوى فيه رخصةً حديثًا ليس له إسنادٌ .
قال أبو عمرَ: ذكَر ابنُ وهبٍ حديثَ الزهرىِّ، فقال: أُخبرَنى ابنُّ
سْعانَ، عن ابن شهابٍ ، أنه أخبرَه، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبى سَلَمةً بنِ
عبد الرحمنِ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((مَن احتَجَم يومَ السبتِ أو يومَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٩٨١٦)، والبزار عقب الحديث (٣٠٢٢ - كشف)، والدارقطنى فى
العلل ٣٨٣/٩.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٤٤٠.
(٣) فى الأصل، ف، ر ١، م: ((أو)).
(٤) الاطلاء: إزالة الشعر بالنورة. صحيح مسلم بشرح النووى ٣/ ١٤٠.
(٥) الوضح: البَرَص. النهاية ١٩٦/٥.
(٦) فى ر، ر١: ((تفرد)).
٢٢٢
الموطأ
١٨٩٢ - مالك، عن ابن شهابٍ، عن ابنٍ مُحَيِّصةَ الأنصارىِّ
أحدٍ بنى حارثةَ، أنه استَأَذَن رسولَ اللهِ بَِّ فِى إجارةِ الحَّامِ فَنَهاه
عنها، فلم يَزَلْ يسألُه ويستَأذِنُه حتى قال: ((اعْلِفْه نُضَّاحَكَ)) . يعنى
رَقِيقَكَ .
الأربعاءِ، فمرِض ، فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه)).
التمهيد
قال: وأخبرَنى السَّرِىُّ بنُ يحيى، عن سليمانَ التَّيْمِيِّ، أن رسولَ اللهِ وَه
قال: ((مَن احتجَم يومَ السبتِ أو يومَ الأربعاءِ، فأصابَه وضَحْ، فلا يَلُومَنَّ إلا
نفسه)) .
وذُكِر عن عبدِ الكريم البصرىِّ، قال: يقالُ: يوم الثلاثاءِ لسبعَ عشرةَ مِن
الشهرِ إذا وافق ذلك أحدٌ فاحتَجم فيه، كان له دواءً السنةَ كلَّها .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنٍ كاملٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
محمدِ بنِ الحجاج، قال: سُئل أحمدُ بنُ صالحٍ عن الحجامةِ يومَ السبتِ
والأربعاءِ، والاطُلاءِ فيهما، فقال: مكروة، وفيه النهى عن النبيِِّ لَله .
ورُوِى النهىُ فيه أيضًا عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وأبى سَلمةً بنٍ
عبد الرحمنِ .
مالكٌ، عن ابن شهابٍ ، عن ابنِ مُحيِّصةَ الأنصارىِّ أحدٍ بنى حارثةً(١)، أَنَّه
القبس
(١) قال أبو عمر: ((واسمه حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر الأنصارى، =
٢٢٣
الموطأ
التمهيد استأذَنَ رسولَ اللهِ وَِّ فِى إِجارَةِ الحَجَّامِ فنهَاه عنها ، فلم يَزَلْ يسألُه ويَستأذِنُه
حتى قال له: ((اعْلِفْه نُضَّاحَك)). يعنى رقيقَك(١).
هكذا قال يحيى فى هذا الحديثِ(١): عن ابنِ مُحيّصةً، أنَّه استأذَنَ
رسولَ اللهِ إِ لّهِ. وتابَعه ابنُ القاسمِ(١)، وذلك من الغلطِ الذى لا إِشكالَ فيه
على أحدٍ من أهلِ العلمِ . وليس لسعدِ بنِ مُحيِّصةً صُحبةٌ ، فكيف لابنِهِ حرامٍ؟
ولا يختلفون أن الذى روَى عنه الزهرىُّ هذا الحديثَ وحديثَ ناقَةِ البَراءِ ، هو
حرامُ بنُ سعدِ بنِ مُحيِّصةً. وقال ابنُ وهبٍ(*)، ومُطرّفٌ، وابنُ بُكيرٍ(٦) ، وابنُ
نافعٍ ، والقعنَيِىُّ (١) : عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنٍ مُحيِّصةً، عن أبيه .
والحديثُ مع هذا كلِّه مُرسَلٌ .
القبس
= من بنى حارثة بن الحارث، لجده محيصة بن مسعود صحبة ورواية. وقد ذكرناه فى
((الصحابة)). وحرام هذا يكنى أبا سعد، من ساكنى المدينة، قليل الرواية، توفى سنة ثلاث عشرة
ومائة، وهو ابن سبعين سنة، وهو ثقة، روى عنه ابن شهاب)). الاستيعاب ١٤٦٣/٤، وينظر
تهذيب الكمال ٥/ ٥٢٠.
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٠٥٣).
(٢) بعده فى النسخ: ((يعنى)).
(٣) ذكره الجوهرى فى مسند الموطأ عقب الحديث (٢٢٧).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٥٠١).
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤ / ١٣٢، وشرح المشكل (٤٦٦٠) من طريق ابن وهب به .
(٦) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٨ و - مخطوط).
(٧) أخرجه أبو داود (٣٤٢٢)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٢٢٧) من طريق القعنبى به .
٢٢٤
الموطأ
قال يحيى: نُضَّاحُك، يعنى رَقِيقَك. وقال القَعنَبِىُّ: ناضِحُكَ التمهيد
و(١) رقِيقُك. وهو معنى حديثٍ يحيى سواءً. وقال ابنُ بُكيرٍ: نُضَّاحُك
ورقيقُك. وقال ابنُ القاسم: النُّضَّاحُ الرَّقِيقُ، ويكونُ فى الإبل .
قال أبو عمرَ: أمّا الخليلُ(٢) فقال: النَّاضحُ الجملُ يُسقَى عليه.
وأمَّا أُصحابُ ابنِ شهابٍ ؛ فاتَّفقّ معمَرٌ(٢) ، ومالكٌ فى روايةِ أكثرٍ أصحابِهِ
عنه، وابنُ أبى ذِئبٍ (٢)، وابنُ عُيينةً، ويونسُ بنُ يزيدَ ، على أن قالوا فيه: عن
أُبیہ . لم تزِیدُوا .
وقال اللَّيثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ مُحيِّصةً، أن أبَاه استأذنَ
النبىَّ بََّ فِى خِرَاجِ الحَجَّامِ فَأَتَى أن يَأْذَنَ له، فلم يزَلْ به حتى قال
له: ((أَطِعِنْه رقيقَك، واعْلِفْه ناضِحَك)). هكذا روَاه الليثُ، عن ابنٍ
شهاب .
وقد روَاه اللَّيثُ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مسافرٍ ، عن ابنٍ شهابٍ،
عن حرامٍ بن سعدِ بنِ مُحيِّصةً، عن مُحَيِّصةً، رجلٍ من بنى حارثةً، كان له
غُلامُ حبَّامٌ، فسأل رسولَ اللهِ وَلِّ عِن كَسْبِهِ، فنهَاه أن يأْكُلَ كسبه، ثم عادَ
القبس
(١) سقط من النسخ. والمثبت من سنن أبى داود .
(٢) العين ١٠٦/٣.
(٣) أخرجه أحمد ١٠٢/٣٩ (٢٣٦٩٦) من طريق معمر به .
(٤) أخرجه أحمد ١٠٣/٣٩ (٢٣٦٩٨)، وابن ماجه (٢١٦٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٣٣/٤،
وفى شرح المشكل (٤٦٥٩) من طريق ابن أبى ذئب به .
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/٢٣)
الموطأ
التمهيد فنهَاه، ثم عادَ فنهَاه، ثم عادَ فنهَاه)، فلم يزَلْ يُراجِعُه حتى قال له: ((اعلِفْ
کسبه ناضحك، وأطعمه رقيقك ))(٢).
وقال ابنُ عُيينةً فيه : عن ابنِ شهابٍ ، عن حرَامٍ بنِ سعدٍ بنِ مُحيِّصةً، عن
أبيه، أنَّ مُحيِّصةَ سألَ النبيَِّ نَّهِ. فَذكَر الحديثَ، وجَوَّدَ إسنادَهُ(١).
وقال فيه ابنُ إسحاقَ : عن ابنِ شهابٍ، عن حرَامٍ بنِ سعدِ بنِ مُحيِّصةً،
عن أبيه، عن جدِّه مُحيِّصةَ، أَنَّه كان له غلامٌ حجَامٌ يُقالُ له : أبو طيبةً(٤). لم
يُسمِّه من أصحابِ الزهرىِّ غيرُه . ولا يَتَّصلُ هذا الحديثُ عن ابنٍ شهابٍ إلّا
من رواية ابنٍ إسحاقَ هذه، وروايةُ ابنٍ عُيينةَ مثلُها، وسائرُها مُرسَلاتٌ، وقد
رُوِىَ مِن غيرِ حديث ابن شهابٍ متصلاً مسندًا .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنی
الليثُ، قال: حدَّثنى يزيدُ بنُ أبى حبيبٍ، عن أبى عُفَيرٍ) الأنصارىِّ، عن
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣١/٤ من طريق الليث به .
(٣) أخرجه الحميدى (٨٧٨)، والشافعى فى السنن المأثورة (٢٧٣) عن سفيان به.
(٤) فى النسخ: ((ظبية)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الإصابة ٧/ ٢٣٣، وتقدم فى الموطأ
(١٨٩٠).
والحديث أخرجه أحمد ١٠١/٣٩ (٢٣٦٩٥)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (٢١١٩)،
والطيرانى ٣١٢/٢٠ (٧٤٣) من طريق ابن إسحاق به .
(٥) فى النسخ: ((عمير)). والمثبت كما فى نسخة فى حاشية ى، وهو كذلك فى مصادر التخريج.
٢٢٦
الموطأ
محمدٍ بنٍ سهلٍ بنٍ أبى حَثْمةً ، عن مُحيِّصةَ بنِ مسعودٍ الأنصارىِّ ، أنه كان له التمهيد
غلامٌ حَجَّامٌ يقالُ له: نافعٌ أبو طَئِيةً(١) . فانطلَق إلى رسولِ اللهِ وَّهِ يسألُه عن
خَراجِه، فقال: ((لا تَقْرَّبْه)). فردَّدَ على رسولِ اللهِ وَله، فقال: ((اعْلِفْ به
النَّاضِحَ، اجعله فی گرِشِه)»(٢).
عند اللَّيثِ فى هذا الحديثِ ثلاثةُ أسانيدَ.
و(٢) قد مضَى القولُ فى أجرةِ الحَّامِ مُستوعَبًا، فى بابِ حُميدِ الطّويل()،
من كتابِنا هذا، فأغنَى عن إعادتِه ههنا .
ومعنَى حديثٍ مُخُيِّصةً هذا التََّزَّهُ لا التَّحريمُ ؛ وذلك واللهُ أعلمُ لأَنَّه عمَلٌ
على ثوابٍ غيرِ معلومٍ قبلَ العملِ ، فأشبه الإجارةَ المجهولةَ من ناحيةٍ ، لِما عسَى
ألَّ تَطِيبَ به نفسُ أحدِهما من العِوضِ. ومِن هلهنا كان جماعةٌ مِن العلماءِ
الصالحينَ يُرِضُونَ الحجَّامِينَ بأكثرَ من المُتعارَفِ عندَهم. واللهُ أعلمُ . وقد بَيْئًّا
ذلك فی باب حُميدٍ بما فيه كفايةٌ .
القبس
(١) فى النسخ: ((ظبية)).
(٢) أخرجه البخارى فى تاريخه ٥٣/٨، ٥٤، والطبرانى ٣١٢/٢٠ (٧٤٢) من طريق عبد الله بن
صالح به، وأخرجه أحمد ٩٥/٣٩ (٢٣٦٨٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٣١/٤، وابن قانع
فى معجم الصحابة ١١٦/٣ من طريق الليث به .
(٣) سقط من النسخ .
(٤) تقدم ص ٢١٣ - ٢١٧.
٢٢٧
الموطأ
التمهيد
حدَّثنى عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شاذَانَ ،
قال : حدَّثنا هوذَةُ بنُ خلیفةَ ، قال : حدثنا عوفٌ ، عن محمدٍ ، أن ابن عباسٍ
سُئل عن كسبٍ الحجّام، فقال: لقد احتَجَم رسولُ اللهِ وَله وأعطَاه أجره،
ولو كان حرامًا لم يُغْطِه(١) .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال : حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُّ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوبَ ،
عن محمدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه سُئل عن كسبِ الحَّامِ ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ
وَلِّ احْتَجْمَ وأعطَى الحجامَ أجرَه، ولو كان حرامًا لم يُعْطِهُ(١).
وذكر ابنُ وهب، عن موسى بنِ عُلِيٍّ بنِ رباحٍ، عن أبيه ، قال : كنتُ عندَ
ابنِ عباسٍ ، فأتته امرأةٌ ، فقالت: إنَّ لى غُلامًا حجَّامًا، وإنَّ أهلَ العراقِ يزعمونَ
أنّى آكلُ ثمنَ الدَّمِ. فقال ابنُ عباسٍ: كَذَبوا، إنَّما تأكُلِين خراجَ غُلامِك .
وقال الليثُ بنُ سعدٍ ، عن ربيعةً، قال: كان للحجَّامينَ سُوقٌ على عهدٍ
عمرَ بنٍ لخطابٍ. قال اللَّيثُ : قال لى يحيى بنُ سعيدٍ: لم يزَلِ المسلمونَ
يُقِرُّونَ بأَجرةِ الحَّامِ ولا يُكِرونها(٣).
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (١٢٨٤٦) من طريق هوذة به.
(٢) أخرجه الطبرانى (١٢٨٥٠) من طريق سليمان بن حرب به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٣٢/٤ من طريق الليث به .
٢٢٨
الموطأ
ما جاء فى المشرقٍ
١٨٩٣ - مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه
قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَهِ يُشيرُ إلى المَشرِقِ ويقولُ: ((ها، إن الفتنةَ
هلهنا ، إن الفتنةَ ههنا، من حيثُ يَطلُعُ قرنُ الشيطانِ)).
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أنَّه قال: رَأيتُ رسولَ التمهيد
اللهِ وَّهُ يُشِيرُ إلى المشرقِ، يقولُ: ((هَا، إنَّ الفتنةَ هلهنا، إنَّ الفِتنةَ ههنا، مِن
حَيثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ))(١) .
لم يُختَلَفْ فى إسنادِ هذا الحديثِ، والحمدُ للهِ ، ولا فى لَفِظِه .
القبس
ما جاء فى المَشْرِقِ
استفاضَ على لسانِ النبيِّ وَلَّ أنه نهَى عن جهةِ المشرقِ، وذكَر أن فيها الفتنةً ،
وفيها الفَدَّادونَ أهلُها ، وكانت فى ذلك الوقتِ نَجْدٌ كلُّها كُفْرًا ومِن ◌ُجُمْلتِها العراقُ ،
الذى كرِه ) كعبٌ لعمرَ بنِ الخطابِ دُخُولَه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قدَّر فيه باطلًا كثيرًا
وهو السّخْرُ، ولأجلِ هذا عدَلتْ إليه فَسَقةُ الجِنِّ، وبها الداءُ العُضَالُ(٢) ، يريدُ
الهَلاكَ فى الدينِ، وكذلك كان منها نشأةُ البِدَعِ، ومنه طارَت إلى الآفاقِ ، ولذلك
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٥٤). وأخرجه
البخارى (٣٢٧٩)، وابن حبان (٦٦٤٨)، والبغوى فى شرح السنة (٤٠٠٤)، وأبو نعيم فى الحلية
٣٤٨/٦ من طريق مالك به .
(٢) فى ج: ((ذكره)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٩٤).
٢٢٩
الموطأ
وقد حدَّثْنا خَلَفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ بنِ الوَرْدِ وعبدُ اللهِ بنُ
التمهيد
عمرَ بنِ إسحاقَ ، قالا : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ
ابنُ أبي مريمَ ، أخبرنا مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قال: رأيتُ
رسولَ اللهِ فَلَهِ يُشِيرُ إلى المشرِقِ، يقولُ: ((هَا، إنَّ الفتنةَ هلهنا، إن الفتنةَ
هلهنا ، من حيثُ يَطلُعُ قَوْنُ الشَّيطانِ )) .
فى هذا الحديثِ علَمٌ من أعلامِ نُوَّةِ رسولِ اللهِ مَ له؛ لإخبارِه بالغیبِ عمَّا
یکونُ بعده .
والفِتنةُ هلهنا بمعنى الفِتَنِ؛ لأَنَّ الواحِدةَ ههنا تقومُ مَقامَ الجميعِ فى
الذِّكْرٍ؛ لأنَّ الأَلِفَ واللَّمَ فى ((الفِتنةِ)) ليسا إشارةً إلى مَعهودٍ ، وإنَّما هما إشارةٌ
إلى الجِنْسِ، مثلَ قوله: ﴿الَِّيَةُ وَاَلَّنِ﴾ [النور: ٢]. و: ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]. فأخبَر ◌َّ عن إقبالِ الفِتَنِ من ناحيةِ المشرقِ،
وكذلك أكثرُ الفِتَنِ من المشرقِ انْبَعَثتْ، وبها كانت ؛ نحوَ الجَمَلِ، وصِفِّينَ،
القبس كان مالكٌ يُسمّى الكوفةَ دارَ الضَّرْبِ ، وأولُ مَن ضرَب فيها الأحاديثَ الحارثُ
الأعورُ) ، عن علىٍّ وكثيرٍ مِن أصحابٍ علىٍّ، ومما يُكْرَّهُ لعلىَّ رضوانُ اللهِ عليه
اختيارُ العراقِ وهو على الصوابِ، واختارَ معاويةُ الشامَ وهو على الخطأِّ ، ولو بقِى
علىّ فى حَرَمِ اللهِ تعالى وحَرَمٍ رسولِهِ وَّهِ، لجمَع اللهُ تعالى له الأمرَ الشتيتَ ببركةٍ
البُقْعةِ ، ولكن ليقضِىَ اللهُ أمرًا كان مفعولًا .
(١) هو الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد، أبو زهير الهمدانى الكوفى ، صاحب على وابن
مسعود، كان فقيها كثير العلم على لين فى حديثه، توفى سنة خمس وستين بالكوفة . سير أعلام
النبلاء ١٥٢/٤، وشذرات الذهب ٧٣/١.
٢٣٠
الموطأ
١٨٩٤ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ أراد الخروج إلى
العراقِ ، فقال له كعبُ الأحبارِ: لا تَخرِجْ إليها يا أميرَ المؤمنينَ ؛ فإن
وقتلِ الحُسَينِ ، وغيرِ ذلك مِمَّا يطولُ ذِكرُهِ ممَّا كان بعدَ ذلك من الفِتَنِ بالعراقِ التمهيد
وخُراسانَ إلى اليوم، وقد كانت الفِتَنُ فى كلِّ ناحيةٍ من نَوَاحِى الإسلامِ،
ولكنَّها بالمشرقِ أكثرُ أبدًا .
ومثلُ هذا الحديثِ قولُهُ وَهِ: ((إِنِّى أَرَى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلالَ بُيوتِكم
كمواقِعِ القَطْرِ )) (١) . وقد يَحتمِلُ أن تكونَ الفِتنةُ فى هذا الحديثِ معناها الكفرُ،
وكانتِ المشرقُ يَومَئذٍ دارَ كفرٍ ، فأشار إليها .
والفِتنةُ لها وُجوةٌ فى اللُّغَةِ ؛ منها العَذَابُ ، ومنها الإِخْرَاقُ ، ومنها الُروبُ
التى تَقَعُ بينَ الناسِ ، ومنها الائتِلاءُ والامْتِحانُ ، وغير ذلك، على حَسَبِ ما قد
ذكره أهلُ اللغةِ .
وأمَّا قولُه: ((من حيثُ يَطلُعُ قَرِنُ الشَّيطانِ )) . فقد مَضَى القولُ فيه، فى
بابِ زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ ، عن الصُّنَابِجِىِّ ١ ، من كتابِنا هذا، فلا
وَجْهَ لإعادَةِ ذلك هلهنا .
مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابِ أرَاد الخُروجَ إلى العراقِ ، فقال له الاستذكار
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٥٤٢)، وأحمد ٧٨/٣٦ (٢١٧٤٨)، والبخارى (١٨٧٨، ٢٤٦٧،
٣٥٩٧، ٧٠٦٠)، ومسلم (٢٨٨٥) من حديث أسامة بن زيد .
(٢) تقدم فى ٣٤٠/٧ - ٣٤٩.
٢٣١
الموطأ
بها تسعة أعشارِ السِّحرِ، وبها فسَقَّةُ الجِنِّ، وبها الداءُ العُضالُ .
الاستذكار كَعْبُ الأحبارِ : لا تَخرُجْ إليها يا أميرَ المؤمنينَ ؛ فإن فيها تسعة أعشارِ السحرِ ،
وبها فَسَقَةُ الجنّ، وبها الداءُ العُضَالُ(١).
قال أبو عمرَ : سُئِل مالكٌ عن الداءِ العُضَالِ ، فقال: الهَلاكُ فى الدِّينِ .
فأما السحرُ، فمنسوبٌ إلى أرضٍ بابِلَ، وهى مِن العراقِ ، وَيُنْسَبُ أيضًا
إلى مصرَ. وأما فَسَقَةُ الجِنِّ، فهذا لا يُعرَفُ إلا بتَوقِيفٍ مِمَّنْ يجِبُ التسلِیمُ له ،
وذلك مَعدوٌ فى هذه القصةِ . ولأهلِ الكوفة والبصرةِ رواياتٌ روَاهَا علماؤهم
فِى فضائِلها، قد ذكَر ابنُ أبى شيبةً(١) وغيرُه كثيرًا منها، ولم تُختطَّ الكوفةُ ولا
البصرةُ إلا برأي عمرَ، ونزَلهما جماعةٌ مِن كبار الصحابةِ ، وكان بهما العلماءُ
والعُبَّدُ والفُضَلاءُ، وأهلُ الأدبِ ، والفقهاءُ، وهذا أشْهرُ وأغْرَفُ مِن أن يحتاج
إلى استشهادٍ؛ لأنه عِلْمٌ ظاهرٌ، وعِلْمُ فَسَقَةِ الجِنِّ عِلْمٌ باطٌ، وكلُّ أمةٍ(٣) تَعرفُ
لناحيتِها فَضْلًا تنشُرُه إذا سُئِلتْ عنه، وتَطلُبُ العَيبَ لِمَنْ عَابها ، ومَن طَلَب عَيبًا
وجَده ، والفاضِلُ حيثُ كان فهو فَاضِلٌ، والمَفْضُولُ الساقطُ حيثُ كان مِنَ
البلدانٍ لا يُصلِحُه بَلدُه؛ لأن الأرضَ لا تقدِّسُ ساكنَها (٤)، وإنَّما يُقَدِّسُ المَرْءَ(٥)
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/١٨ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٥٥).
وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٣/٦ من طريق مالك به .
(٢) فى ط١، ط: ((خيثمة)). وينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٨٥/١٢ - ١٨٩.
(٣) فى ح، هـ، م: ((آية)).
(٤) فى ح، هـ: ((أحدا ولا سكانها))، وفى م: ((صاحبها)).
(٥) فى ح، هـ: ((الإنسان)).
٢٣٢
الموطأ
ما جاء فى قتلِ الحَيَّاتِ وما يقالُ فى ذلك
١٨٩٥ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن أبى لُبابةَ، أن رسولَ اللهِ وَله
نهَى عن قتلِ الجِنَّانِ التى فى البيوتِ .
عمَلُه، ومَن مدَح بَلْدَةً وذَمَّ أخرى يَحتاجُ إلى تَوقيفٍ ممَّن يَجِبُ التسليمُ له، الاستذكار
على أنه لا مَدعَ وَلا ذَمَّ لِبَلْدةٍ إلا على الأغْلَبِ مِن أحوالِ أهلِها، وأمَّا على العمومِ
فلا . وقد عَمَّ البلاءُ والفتنُ اليومَ فِى كُلِّ جهةٍ مِن جهاتِ الدنيا(٥) .
مالكٌ، عن نافع، عن أبى لُبَابَةً(١)، أن رسولَ اللهِ وَّهِ نهَى عن قَتْلِ الجِنَّانِ التمهيد
التى فى البيوتِ (١).
هكذا قال يحيى: عن مالكِ، عن نافع، "عن أبى لُبَابَةً. وتابَعَه أكْثَرُ الرُّواةِ
عن مالك، وقال ابنُ وهبٍ : عن مالك، عن نافِعٍ)، ( عن ابنِ عمرَ، عن أبى
لُبَابَةَ (٥) . والصحِيحُ ما قاله يحيى وغيرُه عن مالكٍ، عن نافعٍ)، عن أبى لْبَابَةً؛
لأن نافعًا سَمِع هذا الحديثَ مع ابنِ عمرَ مِن أبى لُبَابَةَ ، وكذلك سَمِع حديثَ
القبس
(*) إلى هنا انتهى مخطوط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمشار إليه بالرمز (هـ)).
(١) قال أبو عمر: ((اسم أبى لبابة هذا بشير - ويقال: رفاعة - بن عبد المنذر، وقد ذكرناه فى
((الصحابة) ونسبناه)). الاستيعاب ٤/ ١٧٤٠، وتهذيب الكمال ٢٣٢/٣٤.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/١٨ و - مخطوط). وأخرجه الخطيب فى الفصل للوصل
٧١٦/٢، ٧١٧ من طريق مالك به .
(٣ - ٣) سقط من: ق .
(٤ - ٤) سقط من : ن .
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٩٣٤)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٧١٣) من طريق ابن وهب به.
٢٣٣
الموطأ
التمهيد الصَّرْفِ مِن أبى سعيدِ الخُدْرِئِّ(١)، وكان دخُولُه عليه مع ابنِ عمرَ، فحَدَّثُهما
بحديثِ الصَّرْفِ المذْكُورِ (٢) .
والجِنَّانُ: الحَيَّاتُ. أَنْشَدِ نِفْطَوَيْهِ للخَطَفَى جَدِّ جَريرٍ، واسْمُهُ محُذَيْفَةُ(٣)
يَرْفَعْنَ للَّهْلِ(٤) إذا ما أسْدَغَا
أَعْنَاقَ جِنَّانٍ وهامًا رُجَّفَا
وَعَنَقًا "باقِى الرَّسِيمْ خَيْطَفَا
:
قال نِفْطَوَيْهِ : وبهذه الأبياتِ سُمِّىَ الخَطَفَى. قال: وقال قُطْرُبٌ: الشَّدَفَةُ
مِن الأُضْدَادِ ؛ تكونُ الظُّلْمَةَ، وتكونُ الضِّيَّاءَ. قال(٩) أبو عبيدٍ: هى الضياءُ فى
لُغَةٍ قيسٍ، والظُّلْمَةُ فى لغةٍ تَميم. وقال ابنُ الأعرابيّ: هى الظُّلْمَةُ يُخالِطُها
الضياءُ. قال: والجِنَّانُ ضَرْبٌ مِن الحَيَّاتِ.
وقولُه: رُجَّفَا. أىْ: مُحَرَّكَةً. والعَنَقُ ضَرْبٌ مِن السَّيْرِ، والرَّسِيمُ مثلُه،
والخَطَفَا والخَيْطَفَى هى السُّرعةُ. وقال الخليلُ بنُ أحمدَ (٧): الجِنَّانُ: الحَيَّةُ .
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٤١٨/١٦، ٤١٩.
(٢) فى ن: ((المتقدم ذكره وفى رواية يحيى نهى عن قتل الحيات، وسائر رواته يقول: الجنان)).
(٣) الرجز فى الحيوان ١٧٣/٦، والبيان والتبيين ٣٦٦/١، والاشتقاق ص ٢٣١، والأغانى ٣/٨،
واللسان (خ ط ف، س د ف).
(٤) فى مصادر التخريج سوى الأغانى: ((بالليل)).
(٥ - ٥) فى الحيوان: ((بعد الرسيم))، وفى الاشتقاق، والأغانى، واللسان: ((بعد احتلال)).
(٦) فى ن: ((وقال)).
(٧) العين ٦/ ٢١.
٢٣٤
الموطأ
قال: والجِنَّانُ أيضًا أبو الجِنِّ، وَجَمْعُه الجِنَّةُ والجِنَّانُ. وقال التمهيد
١)
الشاعر١) :
تَبَدَّلَ حالٌ(٢) بعدَ حالٍ عَهِدْتُها(٣)
تناوعَ جِئَّاذٌ بِهِنَّ وخُهْلُ(٤)
قال ابنُ أبى ليلى: الجِنُّ: الذينَ لا يَعترِضُونَ (٩) للناسِ، والخُكَّلُ: الذين
يَتَخَيُّلُون للناسِ وَيُؤْذُونَهم. ويُمْوَى عن ابنِ عباسٍ : الجِنَّانُ مَسْخُ الجِنِّ، كما
مُسِخَتِ القِرَدَةُ مِن بنى إسرائيلَ(٦).
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
ابنُ وَضَّاحِ، قال: حدّثنا أبو الطَّاهرِ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى
أسامةُ بنُ زِيدِ الليثىُ، عن نافعٍ، أن أبا لُتَابَةً مَرَّ بعبدِ اللهِ بنِ عمرَ وهو عندَ
الأُمُمِ(٧) الذى عندَ دارٍ عمرَ بنِ الخطابِ يَرْصُدُ حَيَّةً ، فقال أبو لُبَابَةً : إن رسولَ
اللهِ وَِّ يا أبا عبد الرحمنِ قد نَهَى عن قَتْلِ عَوَامِرِ البيوتِ . فَانْتَهَی عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ عن ذلك، ثم وجَد بعدَ ذلك(٨) فى بيتِه حَيَّةً، فأمَر بها فَطُرِحَتْ
القبس
(١ - ١) سقط من: م. وهو أوس بن حجر، والبيت فى ديوانه ص ٩٤.
(٢) فى الديوان: ((حالا)).
(٣) فى الديوان: ((عهدته)).
(٤) فى الديوان: ((خبل)). وينظر الحيوان ١٩٥/٦.
(٥) فى م: ((يتعرضون)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٩٦١٧)، وأحمد ٣٠٤/٥ (٣٢٥٤)، والبزار (١٢٣٢ - كشف).
(٧) الأُطُم: بناء مرتفع، وجمعه آطام. النهاية ٥٤/١.
(٨) سقط من: م.
٢٣٥
الموطأ
التمهيد يُطْحَانَ(١) . قال نافعٌ: ثم رأيتُها بعدَ ذلك فى بَيْتِه(١) . قال ابنُ وهبٍ: عَوَامِرُ
البيوتِ تَتَمَّثَّلُ فى صِفَةِ حَيَّةٍ رَقِيقَةٍ فى البيوتِ بالمدينةِ وغيرِها ، ففيها جاء النَّهْىُ
عن قتلِها حتى تُنْذَرَ. قال: وأَمَّا التى فى الصَّحارَى فلَا تُنذَؤُ(١).
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُّ سُفيانَ قِرَاءَةً مِنِّى عليه، أن قاسِمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد
القَطَّانُ ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، قال: أخبرنى نافِعٌ، أَنَّه سَمِع أبا لُبَابَةً
يُحَدِّثُ ابنَ (٤) عمرَ، عن النبيِّ نَِّ أنه نهى عن قتلِ الجِنَّانِ (١) . لم يَقُلِ القَطَّالُ:
التى فى البُيُوتِ . (٢ وقاله٢) غيرُه.
قال أبو عمرَ : كلِّ مَن روَى هذا الحديثَ عن مالِكِ، عن نافعٍ، عن أبى
لَُّابَةً، لم يَزِدْ فيه على قولِه: إن رسولَ اللهِ وَ لَ نهَى عن قَتْلِ الجِنَّانِ التى فى
البيوتِ . إِلَّ القَعْنَيِىَّ وحدَه، فإنَّه زاد فيه: عن مالِكِ، عن نافع، عن أبى لَُّابَّةً ،
قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَ لَه عن قَتْلِ الجِنَّانِ التى تَكونُ فى البيوتِ، إلَّا أن يكونَ
ذا الطُّفْيَتَيْنِ والأُبْتَرَ، فإنَّهما يَخْطِفانِ البَصَرَ، ويَطْرَحان ما فى بُطُونِ النساءِ(٧) .
القبس
(١) بطحان: واد بالمدينة، وهو أحد أوديتها الثلاثة. معجم البلدان ١/ ٦٦٢.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٦/٢٢٣٣)، وأبو داود (٥٢٥٥) من طريق ابن وهب به.
(٣) سقط من: م.
(٤) فى الأصل، م: ((عن).
(٥) أخرجه أحمد ٣١٣/٢٤ (١٥٥٤٦)، ومسلم (١٣٣/٢٢٣٢) من طريق يحيى بن سعيد به.
(٦ - ٦) فى م: ((أو)).
(٧) سيأتى تخريجه ص ٢٤٥، ٢٤٦ .
٢٣٦
الموطأ
وهذه الزيادةُ قولُه : إِلَّا أن يكونَ ذا الطُّفْيَتَيْنِ. إلى آخرِ الحديثِ، لم يَقُلْه التمهيد
أحَدٌ فى حديثٍ أبى لُبَابَةَ ، إلَّ القَعْنَبِىَّ وحدَه، وليس بصَحِيحِ فى حديثٍ أَبى
لُبَابَةَ ، وهو وَهْم، وإنَّما هذا اللفظُ مَحْفُوظٌ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبىِّ
وََّ، ومِن حديثٍ سَائِبَةً، عن عائشةً، عن النبيِّ وَلَ﴾(١)، ومنهم من يجعلُه(٢)
عن سائِبَةً، عن النبيِّ ◌ِ لّمُرْسَلَا(١). وأمَّا حديثُ أبى لُبَابَةً، فليس فيه(٤) إِلَّا أن
رسولَ اللهِ وَ لَهَ نَّهَى عن قَتْلِ الجِنَّانِ التى فى البُيُوتِ لا غيرُ، إلَّ ما زاده(٥)
القَعْنَيِىُّ، وهو غَلَطْ، واللهُ أعلمُ، فى حديثِ أبِى لُبَابَةً، وهو مَحْفُوظٌ مِن
حديثٍ ابنِ عمرَ وعائشةً كما وَصَفْتُ لكَ.
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ محمدٍ ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالِدٍ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرِ بنُ الأَعْجَم، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المغْتَمِرُ، قال: سمِعتُ عُبيدَ اللهِ يُحدِّثُ ،
عن نافعٍ، عن أبى لُيَابَةً، عن النبيِّ ◌َ قال: ((لا تَقْتُلُوا الجِنَّانَ التى فى
الْبُيُوتٍ)).
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ ، أن أباه أخبره ، قال: حدثنا
القبس
(١) سيأتي تخريجه ص ٢٥١ - ٢٥٣.
(٢) فى م: ((ذكره)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٩٦).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى الأصل، م: ((زاد)).
٢٣٧
الموطأ
التمهيد أحمدُ بنُ خالِدٍ ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُبيدٍ
ابنِ حِسَابٍ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُّ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمر
كان يقْتُلُ الحَيَّاتِ كلَّها ويقولُ : إن الجِنَّانَ مَسْخُ الجِنِّ، كما مُسِخَتِ القِرَدَةُ
مِن بنى إسرائيلَ. حتى حدَّثَه أبو لُبَابَةَ البَدْرِىُّ، أنَّ رسولَ اللهِ بَلّهِ نهَى عن قتلٍ
الجِنَّانِ التى تكونُ فى البيوتِ . قال : فوجَد ابنُ عمرَ بعدَ ذلك حَيَّةً فى دارِهِ،
فأمَرَ بها فأُخْرِجَتْ إلى البقيعِ().
قال أبو عمرَ: هذا هو الصحيحُ فى حديثٍ أبى لُبَابَةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلـ
نَھَی عن قتلِ الچِنَّانِ التی تکونُ فی الُوتِ لا غیرُ. وأمَّا حدیثُ ابنِ عمرَ، ففيه
ذْرُ ذى الطُّفْيَيْنِ والأحْتَرِ.
رَوَى معمرٌ وغيرُه، عن الزهرىِّ ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال : سمِعتُ
رسولَ اللهِ نَّهِ يقولُ: ((اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاْتُلُوا ذا الطَّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فإنَّهما
يُسْقِطانِ الحَبَلَ، ويطْمِسانِ البَصَرَ)). قال ابنُّ عمرَ: فَرَآنِى أبو لُّتَابَةً، أو زيدُ بنُ
الخَطَّابِ، وأنا أُطارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَها، فنَهانى، فقلتُ: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ قد أمَرَّ
بِقَتْلِهِنَّ، فقال: إنَّه قد نَهَى بعدَ ذلك عن قتلِ ذَوَاتِ البيوتِ(٢).
فقد بان فى حديث الزهرىِّ رِوايَةُ ابنِ عمرَ مِن رِوايَةِ أبِى لُبَابَةً عن النبيِّ وَهِ .
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٥٤)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢٩٣٣) من طريق حماد بن زيد
به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٦/٢٥ (١٥٧٤٨)، والبخارى (٣٢٩٧، ٣٢٩٨)، ومسلم (١٣٠/٢٢٣٣)
من طريق معمر به .
٢٣٨
الموطأ
وكذلك رَواه يُونُسُ(١)، والليثُ(٢)، وابنُ عُيَيْنَةً(٣)، وغيرُهم، بمَعْنَى التمهيد
حديثٍ مَعْمَرٍ عنه سَوَاءً .
وقال فيه بُكَيْرُ بنُ الأُشَجِّ: عن سالِم، عن أبيه، عن النبيِّ بَّةَ: ((فمَن
وَجَد ذا الطَّفيََّيْنِ والأَبْتَرَ فلم يَقْتُلْهما، فليس منَّا )). وهذا الحديثُ لم يَسْمَعْه
◌ُگیر مِن سالم.
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
أبو إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ ، عن عمرٍو
ابنِ الحارِثِ، أَنَّه أخبره، أنَّ بُكَيْرًا حدَّثَه، أنَّ ("عبدَ الملكِ) بنَ عبد الرحمنِ
حدَّثَه، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ قال: ((اقْتُلُوا
الحَيَّاتِ، ومَن وَجَد ذا الطَّفْيَتَيْنِ والأُبْتَرَ فلم يَقْتُلْهما، فليس منَّا، فإنَّهما اللذان
يَخْطِفانِ البَصَرَ، ويُسْقِطانِ ما فى بُطُونِ النساءِ)) (٥).
قال أبو عمرَ: يُقالُ: إِنَّ ذا الطُّفْيَتَيْنِ حَتَشْ يكونُ على ظَهْرِهِ خَطَّانِ
أبْيَضانٍ. ويُقالُ: إِنَّ الأَبتَرَ الأَفْعَى. وقيل: إنَّه حَتَشْ أبْتَرُ كأَنَّه مَقْطُوعُ الذَّنَبِ.
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٣٠/٢٢٣٣)، وابن ماجه (٣٥٣٥)، وابن حبان (٥٦٣٨) من طريق يونس
به .
(٢) أخرجه الترمذى (١٤٨٣)، وابن حبان (٥٦٤٢) من طريق الليث به .
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٤٧، ٢٤٨.
(٤ - ٤) فى م: ((عبد الله)). وينظر التاريخ الكبير ٥/ ٤٢٢، والجرح والتعديل ٣٥٥/٥.
(٥) أخرجه الطبرانى (١٣١٦١) من طريق ابن وهب به .
٢٣٩
الموطأ
التمهيد وقال النَّضْرُ بنُ شُمَيْلِ: الأبْتَرُ مِن الحَيَّاتِ صِنْفٌ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ ، لا تَنْظُرُ
إليه حامِلٌ إلَّا أَلْقَتْ ما فى بَطْنِها . واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ : اخْتَلف العلماءُ فى قَتْلِ الحَيَّاتِ جُمْلَةٌ ؛ فقال منهم قائلُون:
تُقْتَلُ الحَيَّاتُ كلُّها، فى الثُيُوتِ والصَّحارَى، بالمدينةِ وغيرِ المدينةِ . لم
يَشْتَثْنوا منها نَوْعًا ولا جِئْسًا)، ولا اسْتَثْنَوا فى قِتْلِهِنَّ مَوْضِعًا، وستَذْكُرُ
اخْتِلافَهم فى إِذْنِها بالمدينةِ وغيرِها ، فى بابٍ صَيْفِىٌّ(١) إن شاء اللهُ.
ومِن محجّتهم حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن النبيِّ وَّلِ أَنَّه قال: ((مَن
قَتَل حَيَّةً فكأنَّما قَتَل كافرًا)). ولم يَخُصَّ حَيَّةً مِن حَيَّةٍ ، وحديثُ ابنٍ مسعودٍ
و "أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّ: ((مَن تَرَّكُ الجِنَّنَ فلم يَقْتُلْهُنَّ مَخَافَةَ ثَأْرِهِنَّ
فليس مِنَّا)). ومِن حُجَّتِهم أيضًا ما مَضَى مِن الأحادِيثِ فيما سَلَف مِن هذا
الكتابٍ (٢) ، فى قتلِ الحَيَّةِ فى الحِلِّ والخَرَمِ ) .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُّ سفيانَ، قالا : حدَّثنا قاسِمُ بنُّ
أصْبَغَ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قُدامةَ ، قال:
القبس
(١) فى م: ((فى المدينة)).
(٢) فى ق: ((حنشا)).
(٣) سيأتى ص ٢٦١ - ٢٦٣.
(٤) فى م: ((عن)).
(٥) فى م: ((الباب)).
(٦) تقدم تخريجه فى ٤٦٤/١٠.
٢٤٠