النص المفهرس
صفحات 81-100
الموطأ
٠
وقيل فى الملائكةِ هلهنا: ملائكةُ الوَخِى (١). وقيل: بل كُلَّ مَلَكِ، على ظاهرِ التمهيد
اللفظِ. كما أنَّ لفظَ ((بيتٍ )) على لفظِ النَّكِرةِ يقتَضِى كلٍّ بيتٍ . واللهُ أعلمُ .
وظاهرُ هذا الحديثِ يقتَضِى الحَظْرَ عن استعمالِ الصَّوَرِ على كلِّ حالٍ ؛
فى حائطٍ كانت أو فى غيرِهِ . ومثلُه حديثُ نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن
عائشةً، فى النَّمرُقَةِ التى فيها تصاويرُ . وقد استَثْنَى فى حديثٍ سهلٍ بنٍ
مُتَيفٍ: ((إِلَّا ما كان رَقْمَا فى ثوبٍ))(١). واختَلَف الناسُ فى الصُّوَرِ المكروهَةِ؛
فقال قوم: إنَّما كُرِه من ذلك ما له ظلِّ، وما لا ظلَّ له فليس به بأسٌ . وقال
آخَرون : ما قُطِع رأسُه فليس بصورةٍ . وقال آخرون: تُكرَّهُ الصورةُ فى الحائطِ
وعلى كلِّ حالٍ ، كان لها ظِلِّ أو لم يكن، إلَّ ما كان فى ثَوْبٍ يُوطَأُ ويُمتهَنُ .
وقال آخرون : هى مَكَرُوهَةٌ فى الثّيابِ وعلى كلٌّ حالٍ . ولم يَستَئِنُوا شيئًا،
وروَتْ كلُّ طائفةٍ منهم بما قالَتْه أثّرًا اعتمَدَتْ(٤) عليه وعمِلَتْ به.
وأمَّا اختلافُ فقهاءِ الأمصارِ أهلِ الفتوَى فى هذا البابِ؛ فذكر ابنُ
القاسم، قال: قال مالكٌ: يُكْرَهُ التماثيلُ فى الأسِرّةِ والقِبابِ، وأمَّا البُسْطُ
والوسائدُ والثِيابُ، فلا بأسَ به. وكَرِهِ أن يُصَلَّى إلى قبلةٍ فيها تماثيلُ. وقال
الثورىُّ: لا بأسَ بالصَّوَرِ فى الوسائدٍ؛ لأَنَّها تُوطَأُ ويُجلَسُ عليها. وكَرِه الحسنُ
القبس
(١) فى ق: ((الرحمة)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٢).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٧١).
(٤) فى الأصل: ((احتملت))، وفى ق: ((أحملت)).
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/٢٣ )
الموطأ
التمهيد ابنُ حیٍ أنْ يَدخُلَ بيتًا فيه تمثالٌ(١) فی کنیسةٍ أو غير ذلك، و کان لا یری بأسًا
بالصلاةِ فى الكنيسةِ والبِيعَةِ . وكان أبو حنيفةً وأصحابُه یکرهون التّصاوِيرَ فی
البُيوتِ بتمثالٍ، ولا يَكرَهون ذلك فيما يُسَطُ، ولم يَخْتَلِفوا أنَّ التَّصاويرَ فى
الشُتُورِ المعلّقةِ مكروهةٌ، وكذلك عندَهم ما كان خَرْطًا(١) أو نَقْشًا فى البناءِ.
وكَرِهِ الليثُ التماثيلَ التى تكونُ فى الثُيوتِ وَالأَسِرّةِ والقِبابِ والطََّاسِ(٣)
والمناراتٍ، إلَّ ما كان رَقْمًا فى ثَوْبٍ. وقال المزنىُّ عن الشافعىِّ: وإن دُعِى
رجلٌ إلى عُرْسٍ فرأى صورةً ذاتَ رُوحٍ أو صُوَرًا ذاتَ أرواح، لم يَدخُلْ إنْ كانَت
منصوبَةً، وإنْ (٤كانت تُوطأُ) فلا بأسَ، وإن كانَت صُوَرَ الشجرِ فلا بأسَ .
وقال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا دُعِيتُ لأُدخُلَ فرأيتُ سِتْرًا مُعلَّقًا فيه
تَصاویرُ، آآرجغُ؟ قال : نعم ، قد رجع أبو أيوبَ . قلتُ : رجع أبو أيوب من سَتْرِ
الجُدُرِ . قال: هذا أشدُّ، وقد رجَع عنه غيرُ واحدٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ
وٍَّ . قلتُ له: فالسِّْرُ يَجوزُ أن يكونَ(٥) فيه صورةٌ؟ قال: لا . قيلَ : فصورَةُ
الطَّائرِ وما أشْبَهه؟ فقال: ما لم يكنْ له رأسٌ فهو أهونُ.
فهذا ما للفقهاءِ فى هذا البابٍ ، وسيأتى ما للشّلفِ فيه ممّا بلَغَنا عنهم فى
القبس
(١) فى ق: ((تماثيل)).
(٢) فى ق: ((مرطا)).
(٣) الطَّاس: جمع الطَّسُ والطّئَةِ والطِّئَةِ، لغة فى الطَّسْتِ. اللسان (ط ص س).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((كان يوطأ)).
(٥) فى ق: ((تكون)).
٨٢
الموطأ
١٨٧١ - مالكٌ، عن أبى النَّضْرِ، عن مُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُتبةً
ابنِ مسعودٍ ، أنه دخَل على أبى طلحةَ الأنصارىِّ يعودُه . قال : فوجَد
عندَه سهلَ بنَ حنيفٍ ، فدعا أبو طلحةً إنسانًا، فنزَع نَمَطًا من تحتِه ،
فقال له سهلُ بنُ حنيفٍ : لِمَ تنزعُه؟ قال: لأن فيه تصاويرَ، وقد قال
رسولُ اللهِ لَّه فيها ما قد علِمتَ. فقال سهلٌ: ألم يقلْ: ((إلا ما كان
رَقْمًا فی ثوب )» ؟قال: بلى ، ولكنه أطيبُ لنفسى .
بابٍ سالم أبى النَّضْرِ من هذا الكتابِ () إن شاء اللهُ.
التمهيد
مالكٌ ، عن أبى النَّضْرِ، عن عُبیدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةً ، أنه دخل على
أبي طلحةَ الأنصارىِّ يَعودُه، قال: فوجَد عندَه سهلَ بنَ حُنيفٍ . قال : فدعا أبو
طلحةَ إنسانًا، فنزَع نَمَطًا(١) كان تحتَه. فقال له سهلٌ: لِمَ نزَعتَه؟ قال: لأن فيه
تَصاويرَ، وقد قال رسولُ اللهِ وَّله فيها ما قد علِمتَ. قال سهلٌ: أوَ لم يقلْ:
(إلَّا ما كان رَقْمًا(١) فى ثَوبٍ))؟ قال: بلى، ولكنه أطيَبُ لنفسِى (٤).
لم يَختلِفِ الرُّواةُ عن مالكِ فى إسنادٍ هذا الحديثِ ومتنِه فى ((الموطأ).
القبس
(١) سيأتى ص ٨٩ - ٩٧ .
(٢) النمط: ضرب من البسط له خَفْل رقيق. النهاية ١١٩/٥.
(٣) الرّقْم: النقش والوشى. النهاية ٢٥٣/٢.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٠٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١٨ و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٠٣٤). وأخرجه أحمد ٣٥٣/٢٥ (١٥٩٧٩)، والترمذى (١٧٥٠)،
والنسائى (٥٣٦٤) من طريق مالك به .
٨٣
الموطأ
التمهيد وفيه عن عُبيدِ اللهِ، أنه دخَل على أبى طلحةَ. فأنكَر ذلك بعضُ أهلِ العلم،
وقال: لم يَلْقَ عُبيدُ اللهِ أبا طلحةً. وما أدرى كيف قال ذلك، وهو يرَى (١)
حديثَ مالكِ هذا؟ وأظنُّ ذلك ، واللهُ أعلمُ ، من أجلِ أنَّ بعضَ أهلِ السِّيرِ قال :
تُوفِّىَ أبو طلحةَ سنةً أربع وثلاثينَ فى خلافةٍ عثمانَ ، وعبيدُ اللهِ لم يكنْ فى ذلك
الوقتٍ ممَّن يَصِحُ له سَماعٌ .
قال أبو عمر : اختُلِف فى وفاة أبی طلحةً، وأصح شىءٍ فی ذلك ما رواه أبو
زُرعةً(٢) ، قال: سمِعتُ أبا نُعَیم یحدِّثُ ، عن حمَّادِ بنِ سلمةً ، عن ثابتٍ ، عن
أنسٍ ، قال: سرّد أبو طلحةَ الصومَ بعدَ النبيِّ وَلِّ أربعين سنةً. فكيف يجوزُ أن
يقالَ: إنه مات سنةً أربع وثلاثين. وهو قد صام بعدَ رسولِ اللهِ وَ ل أربعين
سنً؟ وإذا کان ذلك کما ذگّرنا ، صحّ أن وفاته لم تکنْ إلَّا بعد خمسینَ سنةً من
الهجرة . واللهُ أعلمُ .
وأما سهلُ بنُ مُنيفٍ ، فلا يَشُكُّ عالمٌ بأن عُبيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ لم يَرَه ، ولا
لقِيه ، ولا سمِع منه، وذِكرُه فى هذا الحديثِ خطأً لا شكٌّ فيه؛ لأن سهلَ بنَ
حُنِيفٍ تُوفِّىَ سنةً ثمانٍ وثلاثين، وصلَّى عليه علىٍّ، رضِى اللهُ عنه، ولا
يُذْرِكُه(٢) فى الأغلبِ عُبِيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ ؛ لصِغَرِ سنِّه يومَئذٍ، والصوابُ فى
القبس
(١) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((يروى)).
(٢) أبو زرعة الدمشقى فى تاريخه (١٥٤٠).
(٣) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((يذكره)).
٨٤
الموطأ
التمهيد
ذلك، واللهُ أعلمُ، عثمانُ بنُ حُنيفٍ، «لا سهلُ بنُ محنيف١ٍ).
وكذلك رواه محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن أبى النضرِ سالمٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ
عبدِ اللهِ، قال: انصرَفتُ مع عثمانَ بنِ حُنيفٍ إلى ١٢ أبى طلحةَ نَعودُه،
فوجَدنا تحتَه نَمَطًا . وساق الحديثَ بمعنى حديثٍ مالك، عن أبى
(٤)
النَّضْرِ ().
فصَحّ بهذا وَهمُ مالكِ فى سهلٍ بنٍ محنيفٍ . وكذلك وَهَم أبو النَّصْرِ فى
روايته له عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبى طلحةً، ولم يُدخِلْ بينَهما ابنَ
عباسٍ . والصحيحُ فى هذا الحديثِ روايةُ الزهرىِّ له عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ،
عن ابنِ عباسٍ ، عن أبی طلحةً . کذا قال علىُ بنُ المدینیِ وغیرُه، وهو عندى
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) بعده فى م: ((دار)).
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩٧٦٥)، وأبو يعلى (١٤٤٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٨٥/٤
من طريق محمد بن إسحاق به .
(٤) بعده فى ص ١٧، م: ((واختلف فى وفاة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فقال ابن بكير عن
يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه قال: مات عبيد الله بن عبد الله قبل على بن حسين. قال أبو
عمر: مات على بن حسين رحمه الله سنة أربع وتسعين وفيها مات عروة وأبو سلمة وجماعة من
الفقهاء، وقال الواقدى : توفى عبيد الله بن عبد الله سنة ثمان وتسعين . وقال يحيى بن معين: مات
عبيد الله بن عبد الله سنة اثنتين ومائة . قال ويقال سنة تسع وتسعين. قال أبو عمر: قول محمد بن
عمر الواقدى أصح ما فى ذلك عندنا وهو أعلم بهذا الشأن . قال أبو عمر: قد يكون إنكار من أنكر
هذا الحديث فى دخول عبيد الله على أبى طلحة وسهل بن حنيف من أجل رواية ابن شهاب لهذا
الحديث على ما رواه ابن أبى ذئب)). وتقدمت ترجمة عبيد الله بن عبد الله فى ٦٩٠/٥ - ٦٩٦ .
٨٥
الموطأ
التمهيد كما قالوه. واللهُ أعلمُ .
فأما روايةُ ابنِ شهابٍ له، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ أبی
الخصيب، قال: حدَّثنا عبدُ(١) اللهِ بنُ الحسنِ بنِ أبى شُعيبٍ، قال: حدّثنا
يحيى بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا أبو الحارثِ محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبی
ذئبِ العامرىُّ المدينىُُّ) ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ بنِ شهابٍ الزهرىِّ، عن
عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍٍ ، عن أبى طَلحةً صاحبٍ
رسولِ اللهِ وَلّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((لا تدخُلُ المَلائِكَةُ بيتًا فيه
(٢)
تصاویر)» . .
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ القاضى
الذُّهْلُ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّئُ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنٍ أبى
ذِئْب، عن ابن شهاب ، عن ◌ُبیدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ ، عن أبى
طلحةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا
(٤)
صورةً)) (٤) .
وقد خالَف الأوزاعىُّ ابنَ أبى ذِئْبٍ فى هذا الحديثِ .
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((عبيد)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٣٦/١٣.
(٢) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((المدنى)).
(٣) أخرجه الطبرانى (٤٦٨٨) من طريق يحيى بن عبد الله به.
(٤) أخرجه الشاشى (١٠٤٩)، والطيرانى (٤٦٨٨) من طريق أبى مسلم به.
٨٦
الموطأ
حدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، التمهيد
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ قُطَيسٍ، قال: حدّثنا بحرُ بنُ
نصرٍ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ بكرٍ (١) ، قال: حدَّثنا الأوزاعىُ، أخبرنى الزهرىُّ،
قال: حدَّثنى عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةً، قال: حدَّثنى أبو طلحةً الأنصارىُّ،
أن رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ))(١).
قال أبو عمرَ : "هذا عندهم خطأً مِن الأوزاعىّ، وكان فى حفظه شىءٌ،
لم يكنْ بالحافظِ . وقد تابَع ابنَ أبى ذِئْبٍ عبدُ العزيزِ بنُ أبى سلمةَ الماجشونِ
ومعمرٌ.
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
نصرِ بنِ بُجَيْرٍ(١) القاضى الذُّهْلُ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكَشِّئُ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ رَجاءٍ، قال: حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ الماجشون ، عن ابن شهاب ، عن
تُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ، عن أبى طلحةً، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ
نَّه يقولُ: ((لا تدخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ)) "(٥).
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((بكير)). وينظر تهذيب الكمال ٤ / ٩٥.
(٢) أخرجه الشاشى (١٠٤٦) من طريق بشر بن بكر به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (٩٧٦٨)،
والطبرانى (٤٦٩٢) من طريق الأوزاعى به .
(٣ - ٣) فى ص ١٧: ((فإن كان ابن أبى ذئب قد أدخل بين أبي طلحة وبين عبيد الله ابنَ عباس فإن
الأوزاعى خالفه فى ذلك ورواية الأوزاعى تشهد بصحتها رواية مالك عن أبى النضر فى هذا الباب)).
(٤) فى ص ٢٧: ((بحر)). وينظر تاريخ بغداد ٣١٣/١.
(٥) أخرجه البغوى فى الجعديات (٢٩٠٥) عن ابن الماجشون به.
٨٧
الموطأ
التمهيد
« وحدیثُ معمرٍ رواه علىُ بنُ المدینیّ وغیرُه، عن عبد الرزاق ، عن
معمرٍ ، عن الزهرئِّ، قال : أخبرنى ◌ُبیدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ، أنه سمِع ابنَ عباسٍ
يقولُ: سمِعتُ أبا طلحةَ يقولُ. فذكَره١)(٢) . وقد يحتمِلُ أن يكونَ حدیثُ ابنِ
شِهابٍ فى هذا البابِ غيرَ حديثٍ أبى النَّضْرِ ؛ لأن فى حديث ابنٍ شهابٍ عمومَ
الصُّوَرِ دونَ(١) استثناءِ شىءٍ منها ، وفى حديثٍ أبى النَّضْرِ استثناءُ ما كان رَقْمًا
فی ثوپ ، وفيه جمعُ سهلٍ بن حنیفٍ فی ذلك مع أبی طلحةً، فهو غیرُ حديثٍ
أبى النَّضْرِ. واللهُ أعلمُ .
وقد كان ابنُّ شهابٍ يذهَبُ فى هذا البابِ إلى استعمالِ العمومِ فى كراهةٍ
الصُّوَرِ كلِّها، على ما ذكرنا عنه فى بابٍ إسحاقَ من هذا الكتاب . وحديثُ
نافعٍ، عن القاسم بن محمدٍ بمثلٍ حدیثِ ابنِ شهابٍ ، عام أيضًا فى الثيابِ
وغيرها ، وقد ذكّرنا ذلك فى بابٍ نافعٍ من كتابنا هذا(4).
وقد روی عبدُ العزیزِ بنُ عمرانَ، عن مالك بن أنس، عن الزهریّ وأبی
النضرِ جميعًا، عن ◌ُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةً، عن أبى طَلحةً، أن النبى وَله
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ١٧ .
(٢) عبد الرزاق (١٩٤٨٣) - ومن طريقه أحمد ٢٦٧/٢٦ (١٦٣٤٦)، ومسلم (٨٤/٢١٠٦)،
والترمذى (٢٨٠٤) - وأخرجه البخارى (٣٢٢٥، ٤٠٠٢)، والنسائى (٥٣٦٣) من طريق معمر به.
(٣) فى ص ٢٧: ((من غير)).
(٤) ليس فى: الأصل، ص ٢٧.
وينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٨٧٢).
٨٨
الموطأ
نهَى عن التصاويرِ فى البيوتِ. وهو غريبٌ لمالكِ عن الزهرىِّ خاصَّةً ، تفَرَّد به التمهيد
عنه عبدُ العزيزِ بنُ عِمرانَ ، رواه عنه يعقوبُ بنُ محمد الزهرىُّ.
وللعلماءِ فى هذا البابِ أقاوِيلُ ومذاهبُ ؛ منها أنَّه لا يجوزُ أن يُمسِكَ
الثوبَ الذى فيه تصاويرُ وتَماثيلُ، سواءٌ كان منصوبًا أو مَبسوطًا ، ولا يَجوزُ
دخولُ البيتِ الذى فيه التَّصاويرُ والتَّماثيلُ فى حيطانِهِ ، وذلك مكروهٌ كلُّه ؛
لقولِ رسولِ اللهِ وَّه: ((لا تَدْخُلُ الملائكةُ بيتًا فيه تصاويرٌ)). فإن فَعَل ذلك
فاعلٌ بعدَ علمِه بالنهي عن ذلك، كان عاصيًّا عندَهم، ولم يَحْرُمْ عليه بذلك
مِلْكُ(١) الثوبٍ ولا البيتِ، ولكنه يَنبغى له أن يَتَنزََّ عن ذلك كلِّه ويَكْرَهَه
ويُنابِذَه ؛ لما ورد من النهي فيه .
وحُجَّةُ مَن ذهَب هذا المذهبَ فى الثيابِ وفى حيطانِ البيوتِ وغيرِها ؛
حديثُ ابنِ شِهابٍ وغيرِه ، عن القاسم بن محمدٍ ، عن عائشةً ، قالت : دخل علىّ
رسولُ اللهِ وَلِلّه وأنا مُستَيِرةٌ بقِرامٍ فيه صورٌ، فتلَوَّن وجهُه، وتناوَل السّتَرَ فهتَكَه،
ثم قال: ((إنَّ من أشَدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُشَبُّهونَ بِخَلقِ اللَّهِ))(٢).
وروَى نافعٌ هذا الخبرَ، عن القاسم بهذا المعنَى، وزاد أن النبيُّ وَ لَّه قال:
(إنَّ البيتَ الذى فيه الصُّوَرُ لا تَدخُلُه الملائكةُ))(١). وقد ذكرنا هذا الخبرَ من
٠
القبس
(١) فى م: ((مالك)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٠١ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٢).
٨٩
الموطأ
التمهيد طُرقٍ فى بابٍ نافع من كتابِنا هذا، وذكّرنا هناك اختلافَ ألفاظِ ناقلِيه، وأنّ
زيادةَ مَن زاد فيه من الثِّقاتِ الحُفَّاظِ إباحةَ ما يُوَسَّدُ من ذلك ويُرتفَقُ به
ويُمتهَنُ ، يَجِبُ قبولُها ، وإن كان ظاهرُ حديثٍ مالكٍ فى ذلك كراهيةً عمومٍ
الصوَرِ على كلِّ حالٍ، وإلى ذلك ذهَب ابنُّ شِهابٍ، وهو راوِيةٌ
الحديثِ والعالِمُ بمَخرجِه) .
ذكّر ابنُّ أَبِى شَيبةً(٢) ، عن عبدِ الأعلى، عن مَعمَّرٍ، عن الزهرىِّ ، أنه كان
يكرّهُ التَّصاوِيرَ ما نُصِب منها وما ◌ُسِط .
وكان مالكٌ لا يَرَى بذلك بأسًا فى البُسُطِ والوَسائِدِ والثِّيابِ على حديثٍ
سهلِ بنِ مُنیف هذا ، وإلّا ما كان رقمًا فى ثوبٍ . وقد ذكرنا مذهب مالك فى
الصورِ والتَّماثيلِ على كلِّ حالٍ ، ومذهبَ سائرٍ قُقهاءِ الأمصارِ فيها ، فى بابٍ
إسحاقَ بنِ أبى طَلحةً من هذا الكتابِ (١)، فلا وجه لإعادة ذلك هلهنا ، ونذكُرُ
هلهنا ما جاء عن السلفِ مِن الصحابة والتابعين فى ذلك مما بلَغَنا عنهم ، لتَتِمّ
فائدةُ الکتابِ إن شاء اللهُ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغُ، حدَّثنا عفانُ، حدَّثنا حمادُ بنُ
سلمةً، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةً، قالت: كان على بابى دُرْنُوٌ(٤) فيه
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((والله أعلم لمخرجه)).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٢٠/٨.
(٣) تقدم ص ٨١ ، ٨٢ .
(٤) الدُّرْنُوك: سِتر له خَمْل وجمعه درانك. النهاية ١١٥/٢.
٩٠
الموطأ
الخيلُ ذواتُ الأجنحةِ، فقال النبىُ وَّةِ: ((ألْقُوا هذا))(١).
التمهيد
وقال آخرون : إنما يُكرَّهُ من الصورِ ما كان فى الحيطانِ وصُوَّر فى البيوتِ ،
وأما ما كان رَقمًا فى ثوبٍ فلا . واحتَّجُوا بحديثٍ سهلٍ بنِ حُنيفٍ وأبى طلحةً،
وهو حديثُ أبى النَّضرِ المذكورُ فى هذا البابِ فيه عن النبيِّ وَلَهِ: ((إلّا ما كان
رقمًا فی ثَوپ» . فكلّ صورة مرقومةٍ فی ثوپ فلا بأس بها على كل حالٍ ؛ لأن
رسولَ اللهِ وَلِّ اسْتَثْنَى الرَّقْمَ فى الثوبٍ، ولم يَخُصَّ من ذلك شيئًا ولا نوعًا .
وذكروا عن القاسم، وهو راوِيةُ حديثٍ عائشةً، ما رواه ابنُ أبى شيبةً(١)، عن
أَزْهَرَ، عن ابنِ عَونٍ، قال: دخَلتُ على القاسم، وهو بأعلى مكةً فى بيتِه،
فَرَأيتُ فى بيتِهِ حَجَلةً فيها تصاويرُ القُنْدُسِ(٢) والعنقاءِ(٤). وقال آخرون: لا
يجوزُ استعمالُ شيءٍ من الصَّوَرِ، رَقْمًا كان فى ثوبٍ أو غيرِ ذلك(٥)، إلّا أن
يكونَ الثوبُ يوطّأَ ويُمتهَنُ، فأمَّا أن يُنصَبَ كالسّترِ ونحوِه فلا. قالوا : وفى
حديثٍ عائشةً من رواية ابنٍ شهابٍ ما يَخصُّ الثيابَ ويُعيَّنُها) ، وهو يُعارِضُ
حديثَ سهلٍ بن ◌ُنيفٍ وأبى طلحةَ ، إلَّا أَنَّا قد رُوِّينا عن عائشةَ أنَّ ذلك من
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٨٥/٤٢، ٤٨٦، ٩٠/٤٣، ٩١ (٢٥٧٤٤، ٢٥٩٢١)، والبخارى (٥٩٥٥)،
ومسلم (٩٠/٢١٠٧)، والنسائى (٥٣٦٧) من طريق هشام به عروة به .
(٢) ابن أبى شيبة ٣٢١/٨.
(٣) فى النسخ: ((السندس)). والمثبت من مصدر التخريج، وفتح البارى ٣٨٨/١٠، والقندس:
حيوان قارض من الفصيلة القندسية ، كث الفروة ، له ذنب قوى مفلطح، وغشاء بين أصابع رجليه
يستعين به على السباحة ، يستوطن أوربة وأمريكة الشمالية. الوسيط (قندس).
(٤) العَنْقاء: طائر عظيم معروف الاسم، مجهول الجسم، لم يره أحد. النهاية ٣/ ٣١٢.
(٥) فى ص ١٧: ((ثوب)).
(٦) فى ص ٢٧: ((بعينها)).
٩١
الموطأ
التمهيد الثيابِ فيما يُنصَبُ دونَ ما يُسَطُ ، فبان بذلك وجهُ الحديثَينِ، وأنهما غيرُ
مُتعارِضَين، وعائشةُ قد عَلِمتَ مَخرَجَ حديثها، ووقَفْتَ عليه. وذكروا من
الأثرِ ما رواه وكيعٌ وغيرُه، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن
أبيه، عن عائشةً، قالت : ستَرتُ سهوةً(١ لى بسترٍ فيه تصاويرُ، فلما قدم النبىُّ
وَرِ هْتَكَه، فجعَلتُ منه مِنبذَتَينٍ(٢)، فرأيتُ النبيُِّ وَةِل ◌ُ مُتَكِئًا على
إِحدَاهما). قالوا: ألا تَرَى أن رسولَ اللهِ وَالَه كَرِه من ذلك ما كان سِترًا
مَنصوبًا ، ولم يَكْرة ما اتَّكأُ عليه مِن ذلك وامتَهَنه ؟
قال أبو عمرَ: وقد يَحتمِلُ أن يكونَ السّترُ لما هتَكَه رسولُ اللهِ وَِّ تغيَّرَت
صُوَرُهُ(٤) وتهَتَّكَت ، فلمَّا صُنِعِ منه ما يُتَّكأَ عليه لم تَظهَرْ فيه صورةٌ بتمامِها ، وإذا
احتُمِل هذا لم يكنْ فى حديثٍ عائشةَ هذا حُجَّةٌ على ابنٍ شهابٍ ومَن ذهَب
مذهبَه، إِلَّ أنَّ مِن سَلَفٍ(٥) العلماءِ جماعةً ذهَبوا إلى أنَّ ما كان من رَقْمِ الصوَرِ
فیما يُوطَأُ وُمتَهَنُ وبُتكأُ علیه من الثيابِ لا بأسَ به .
ذكّر ابنُ أبى شيبةً(١) ، عن حفصٍ بنِ غِياثٍ، عن الجَعْدِ ، رجلٍ مِن أهلِ
القبس
1
(١) الشهوة: بيت صغير منحدر فى الأرض قليلا، شبيه بالمخدع والخزانة وقيل: هو كالصّفَّة تكون
بين يديى البيت. وقيل: شبيه بالرّفِّ أو الطاق يوضع فيه الشىء. النهاية ٢/ ٤٣٠.
(٢) المنبذَة: الوسادة، سميت بها لأنها تُنَذُ، أى تطرح. النهاية ٦/٥.
(٣ - ٣) فى ص ٢٧: ((يتكئ على أحدهما بعد ذلك)).
والحديث أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٧/٨، وابن ماجه (٣٦٥٣) من طريق وكيع به .
(٤) فى ص ١٧، م: ((صورته)).
(٥) بعده فى الأصل، ص ١٦، ص ٢٧، م: ((من)).
(٦) ابن أبى شيبة ٣١٧/٨.
٩٢
الموطأ
المدينةِ ، قال : حدَّثتنى ابنةُ سعدٍ ، أَنَّ أباها جاء من فارِسَ بوَسائدَ فيها تَماثيلُ، التمهيد
فكنّا نَبسُطُها .
وعن ابنِ فُضَيلِ، عن ليث ، قال: رأيتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ مُتَكًا على
وِسادةٍ حمراءَ فيها تَماثيلُ، فقلتُ له فى ذلك، فقال: إنما يُكرَّهُ هذا لمن يَنْصِبُه
(١)
ويَصنَعُه(١).
وعن ابنِ المباركِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، أنَّه كان يَتَّكِئُ على
المرافقِ فيها التماثيلُ ؛ الطيرُ والرجالُ(٢) .
وعن ابنٍ عُلَيَّةَ ، عن سلمةَ بنِ عَلْقمةَ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال : كانوا
لا يَرَونَ ما وُطِئَ وبُسِطَ مِن التَّصاويرِ مثلَ الذى نُصِب (١).
وعن إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّةً أيضًا ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، أَنَّه كان يقولُ فى
التَّصاويرِ فى الوسائدِ والبُسُطِ التى تُوَطأُ: هو أَذَلَّ لها(٣).
وعن أبى مُعاويةً، عن عاصم، عن عكرمةً ، قال : كانوا يَكرَّهون ما نُصِب
من التَّماثيلِ نَصبًا، ولا يَرَونَ بأسًا بما وَطِئَتْه الأَقدامُ(٤).
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣١٧/٨، ٣١٨.
(٢) ابن أبى شيبة ٣١٨/٨.
(٣) ابن أبى شيبة ٣٧٠/٨، ٣٧١ (طبعة الرشد) .
(٤) ابن أبى شيبة ٣٧١/٨ (طبعة الرشد).
٠ ٩٣
الموطأ
التمهيد
وعن ابنٍ إدريسَ، عن هشامٍ بنِ حسانَ ، عن ابنٍ سِيرينَ، أنه كان لا يَرَى
بأسًا بما ؤُطِئ من التَّصاويرِ " .
وعن ابنٍ يَمانٍ ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ ، قال : لا
بأسَ بالصورةِ إذا كانت تُوطَاً(١) .
و "عن ابنٍ يَمانِ" ، عن الربيعِ بنِ المُنذِرِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لا
بأسَ بالصورةِ إذا كانت تُوطَاً(١).
وعن عبد الرحيم بن سليمانَ ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ فى التَّماثيلِ:
ما کان مبسوطًا يُوطَّأُ و(°)يُسَطُ ، فلا بأس به، وما كان منہ ◌ُنصَبُ، فإنى
(٣)
أكرَمُها(٣).
وعن الحسن بن موسى الأشْيَبِ(١٢)، عن حمادِ بنِ سَلَّمةً، عن عمرو بنٍ
دينارٍ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ، قال: كانوا لا يَرونَ بما وُطِئ من التَّصاويرِ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣١٩/٨.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) ابن أبى شيبة ٣٢٠/٨.
(٤) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((بن).
(٥) فى ص ١٧، م: ((أو)).
(٦) فى ص ١٧: ((أبى الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٨/٦.
(٧) فى م: ((الأشهب)).
٩٤
الموطأ
بأسًا(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : هذا أغدَلُ المذاهبِ وأوسطُها فى هذا الباب ، وعلیه أکثر
العلماءِ، ومَن حمَل عليه الآثارَ لم تَتَعارَضْ على هذا التأويلِ، وهو أولى ما اعتُّقِد
فيه . واللهُ الموَفِّقُ للصوابِ .
وقد ذهَب قومٌ إلى أنَّ ما قُطِع رأسُه فليس بصورةٍ. روى أبو داودَ
الطيالسىُ(٢)، قال: حدَّثنا ابنُ أبى ذِئْبٍ، عن شُعبةً مولی ابنِ عباسٍ، قال :
دخَل المِسوَرُ بنُ مَخرَمةَ على ابنِ عباسٍ وهو مريضٌ ، وعليه ثوبُ إِستَبرَقٍ ، وبينَ
يديه كَانونٌ(١) عليه تصاويرُ، فقال المِسوَرُ: ما هذا يا ابنَ عباسٍ؟ فقال ابنُ
عباسٍ: ما عَلِمتُ به، وما أُرَى رسولَ اللهِِّ نْهَى عن هذا إلَّا للتَّكُرِ()
والتَّجَبَّرِ، ولسنا بحمدِ اللهِ كذلك. فلمَّا خرَج المِسوَرُ أَمَر ابنُ عباسٍ بالثوبِ
فُتُزِع عنه ، وقال : اقطَعوا رُءُوسَ هذه التَّصاويرِ.
وروَى ابنُّ المبارَكِ قال: أخبرنا يونُشُ بنُّ أبى إسحاقَ ، قال: حدَّثنا
مجاهدٌ، قال: حدَّثنا أبو هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ جبريلَ أتانى
البارِحةَ، فلم يَمنَعْه أن يَدخُلَ إلىَّ إلَّا أَنَّه كان فى البيتِ ("تِمثالُ رجالٍْ)، وسِترٌ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٢١/٨.
(٢) الطيالسى (٢٨٥٣).
(٣) فى م: ((ثوب)). والكانون: هو الموقد. اللسان ( ك ن ن ).
(٤) فى م: ((للكبر)).
(٥ - ٥) فى ص ٢٧: ((تمثال))، وفى م: ((حجال)).
٩٥
الموطأ
:
التمهيد فيه تَماثيلُ، وكلبٌ)). فأمَر برأسِ التِّمثالِ أن يُقطَعَ، وبالسترِ أن يُشَقَّ(١)،
ويُجعلَ منه وسادتینٍ ثُوطَانٍ ، وبالكلبِ أن يُخرَجَ " .
وذكَر ابنُ أبى شيبةً(١) ، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن عكرمةً ، قال : إنَّما
الصورةُ الرأسُ ، فإذا قُطِعِ فلا بأسَ .
وعن يحيى بن سعيد، عن سلمةً أبى بشرٍ()، عن عكرمةً فى قوله: ﴿الَّذِينَ
يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. قال: أصحابُ التصاويرِ (١) .
i
وذهَب جماعةٌ من أهلِ العلم إلى أنَّ الصورةَ) المكروهةَ فى صَنعتِها
واتِّخاذِها ما كان له رُوحٌ. وحجتُهم حديثُ القاسم، عن عائشةً، عن النبيِّ
وَ لّ أنه قال: ((مِن أَشَدِ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامة المصوّرونَ ، ◌ُقالُ لهم : أُحیُوا ما
خَلَقْتُم))(١) . ففى هذا دليلٌ على أنَّ الحياةَ إنَّما قُصِد بذ کرِها إلى الحیوانِ ذواتٍ
الأرواح.
وقد حدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدّثنا
القبس
٠
(١) فى م: ((يثنى)).
(٢) أخرجه الترمذى (٢٨٠٦) من طريق ابن المبارك به .
(٣) ابن أبى شيبة ٣٢٠/٨.
(٤) فى ص ١٦: ((بشير)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦٦/١١.
(٥) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((الصور)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٨٧٢)، ص ١٠٠، ١٠١.
٩٦
الموطأ
الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ ، قال: حدَّثنا هَؤْذةُ بنُ خَليفةً، قال: حدَّثنا عوفٌ ، عن التمهيد
سعيدٍ بنٍ أبى الحسنِ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ إذ جاءَه رجلٌ ، فقال: إنى
أرَدْتُ أن أَنَمِّىَ مَعيشتى مِن صَنعةٍ يدى، وإِنِّى أصنَعُ هذه التصاويرَ. فقال ابنُ
عباسٍ: لا أُحَدِّثُك إلَّا ما سمِعتُ رسولَ اللهِ إِلَّهِ يقولُ، سمِعتُه يقولُ: ((مَن
صَوَّرَ صُورَةً فإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُه يومَ القيامةِ حتى يَنفُخَ فيها الرُّوحَ، وليس بنَافخٍ فيها
أبدًا)). قال: فكبًا لها الرجلُ كَبوةً شديدةً، واصفَرَّ وجهُه، ثم قال: وَيُحَك! إِنْ
أبيتَ إلا أن تَصنعَ، فعليك بهذا الشجرِ، وكلٌّ شىءٍ ليس فيه رُوحٌ(١).
وقد كان مُجاهدٌ يَكرَّةُ صورةَ الشجرِ ، وهذا لا أُعْلَمُ أحدًا تابَعَه على ذلك .
ذكَر ابنُّ أبى شَئِبةً(١ ، عن عبدِ السلامِ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ ، أَنَّه كان
يَكرَّهُ أن يُصوّرَ الشجر المثمِرَ.
ومما يَدُلُّ علی أن الاختلاف فى هذا الباب قدیم، ما ذكره ابنُ أُبی
شيبةً(١)، عن ابنٍ عُليَّةً، عن ابنِ عَوْنٍ، قال: كان فى مجلسٍ محمدِ بنِ
سِيرِينَ وَسائدُ فيها تَماثيلُ عَصافِيرَ، فكان أُناسٌ يقولونَ فى ذلك، فقال
محمدٌ : إن هؤلاء قد أكثَروا علينا، فلو حوَّلتُموها؟ وهذا من وَرَعِ ابنِ
سِیرینَ، رحمه اللهُ .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٨١/٥، ٣٨٢ (٣٣٩٤)، والبخارى (٢٢٢٥) من طريق عوف به .
(٢) ابن أبى شيبة ٣١٩/٨.
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/٢٣ )
الموطأ
١٨٧٢ - مالك، عن نافع، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةً
زوج النبيِّ بَّهَ، أنها اشترت نُمْرُقةً فيها تصاويرُ، فلمَّا رَآها رسولُ اللهِ
ۈآلټ قام على الباب فلم يدخل ، فعرفت فى وجهه الكراهيةً وقالت : یا
رسولَ اللهِ ، أتوبُ إلى الله ورسوله، فماذا أذنبتُ؟ فقال رسولُ اللهِ
وَله: ((ما بالُ هذه الثُّمْرُقِةِ؟)). قالت: اشتريتُها لك لتقعُدَ عليها
وتَوَسَّدَها. فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((إن أصحابَ هذه الصُّورِ يُعذّبون
يومَ القيامةِ، يقالُ لهم: أَحيُوا ما خلَقتم)). ثم قال: ((إن البيتَ الذى
فيه الصُّوَرُ لا تدخُلُه الملائكةُ )) .
التمهيد
مالك، عن نافعٍ، عن القاسم بن محمدٍ (١ ، عن عائشةَ، أنها أخبرته أنها
اشترَتْ نُمرقةً فيها تصاويرُ، فلمَّا رآها رسولُ اللهِ وَ لِّ قام على البابِ فلم
يَدخُلْ، فعرَفتْ فى وجهِه الكراهيةَ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ، أَتوبُ إلى اللهِ
القبس
(١) قال أبو عمر: ((وهو القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، ذكر الحسن بن على الحلوانى،
قال: حدثنا أشهل، عن ابن عون، قال: قال محمد بن سيرين: مات القاسم بن محمد ولم يكن
أحد أرضى عند الناس منه. قال: وحدثنا القعنبى، قال: ذكر عمر بن عبد العزيز القاسم بن
محمد، فقال: إنه لها . يعنى الخلافة. وذكر ابن البرقى أن القاسم بن محمد توفى سنة ثمان
ومائة، وهو قول الواقدى، ويكنى أبا محمد، وكان قد ذهب بصره. قال ابن عون: رأيت ثلاثة لم
أر مثلهم؛ ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام. وقال ضمرة
عن رجاء بن أبى سلمة: مات القاسم بن محمد فيما بين مكة والمدينة، حاجا أو معتمرا، وقال
لابنه: سن التراب على سنا، وسو على قبرى، والحق بأهلك، وإياك أن يغرك: كان وكان . قال
ضمرة: وتوفى القاسم فى سنة إحدى أو اثنتين ومائة ، فى خلافة يزيد بن عبد الملك)). تهذيب
الكمال ٤٢٧/٢٣، وسير أعلام النبلاء ٥٣/٥.
٩٨
الموطأ
ورسوله، ماذا أذنبتُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((ما بالُ هذه النُّمرُقَةِ؟)). قالتْ: التمهيد
اشتريتُها لتقعُدَ عليها وتَوسَّدَها. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إن أصحابَ هذه
الصُّورِ يومَ القيامةِ يُعذّبونَ، يقالُ لهم: أخيوا ما خلَقتُم)). وقال اَلّ: ((إن
البيتَ الذى فيه الصُّورُ لا تدخُلُه الملائكةُ ))(١).
قال أبو عمرَ : الثُّمرقةُ الوسادةُ، وقال الخليلُ(١): والتُّمروقُ الوسادةُ أيضًا.
وهذا الحديثُ يقتضى تحريمَ استعمالٍ ما فيه التصاويرُ من الثيابٍ
وامتهانها(٢)، والاستمتاع بها ، فی ثوپٍ کانت أو غیرٍ ثوبٍ، کان الثوبُ ممَّا
يُوطأُ أو لم يكنْ؛ لأنَّ النُّمرُقَةَ ممَّا يُوطأُ ويُمتهَنُ، وقد ورَد فيها ما رأيتَ فى هذا
الحديثِ(٤)، ولم يُخُصَّ بيتًا فيه نوعُ تصاويرَ من نوعٍ ما ، ولا فى موضعٍ ما ، ولا
خصَّ ثوبًا من ثوبٍ ، وحکمُ كلِّ ثوپٍ حکمُ النُّمرقةِ، وليس فی شیءٍ من
أحاديثِ هذا البابِ أحسنُ إسنادًا مِن هذا الحدیثِ . وقد رواه الزهرگُّ ، عن
القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن عائشةً مثلَه سواءً، إلّا أنَّه جعَل فى موضع النُّمرُقةِ قِرامًا .
والقِرامُ جمعُ قِرامةٍ ، قال الخليلُ(٥) : القِرامةُ ثوبُ صوفٍ ملوّنٍ. والمعنَى فى
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٢/١٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٠٣٥).
وأخرجه أحمد ١٩٨/٤٣ (٢٦٠٩٠)، والبخارى (٢١٠٥، ٥١٨١، ٥٩٦١)، مسلم
(٩٦/٢١٠٧) من طريق مالك به .
(٢) العين ٢٦٥/٥.
(٣) فى م: ((أمثالها)).
(٤) فى م: ((الباب)).
(٥) العين ١٥٩/٥.
٩٩
الموطأ
التمهيد ذلك كلِّه واحدٌ ؛ لأنها كلَّها ثيابٌ تُمتهَنُ، ولم يرخَّصْ فى شىءٍ منها فى هذا
الحديثِ ، وإن كانت الرُّخصةُ قد ورَدتْ فى غيرِهِ فى هذا المعنَى ، فإنَّ ذلك
متعارِضٌ. وحديثُ عائشةَ هذا من أصحّ ما يُروَى فى هذا البابِ، إِلَّا (٤َ
عبيدَ اللهِ بنَ عمرَ روَى هذا الحديثَ عن القاسم بنِ محمدٍ ، عن عائشةً،
فخالفَ فى معنَاه ، وذكر فيه الرُّخصةَ فيما يُرتفقُ ويُوسَّدُ . وقد مضَى فى الصُّورِ
وكراهيتها فى الثّابِ وغيرِها ذكرٌ فى بابٍ إسحاقَ بنِ أبی طلحةً، من کتابِنا
هذا (١) ، وسيأتى القولُ فى هذا البابِ بما للعلماءِ فيه مِن الوجوهِ والمذاهبِ، فى
بابٍ أبى النَّضرِ، مِن كتابنا هذا ممهَّدًا موعبًا(٢) إن شاء اللهُ.
حدَّثْنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُّ سعدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكرٍ، وحدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبی
حسَّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حبيبٍ،
قالا : حدَّثنا الأوزاعىُ، عن ابنٍ شهابٍ ، قال : أخبرنى القاسمُ بنُ محمدٍ ، عن
عائشةَ، ثَالْت: دخَل علىَّ النبيُّ وَلّ وأنا مستترةٌ بقرامٍ فيه صورٌ، فهتكه،
وقال : ((إنَّ أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُشبّهونَ بخلقِ اللهِ))(١).
:.
القبس
(١) تقدم ص ٨١، ٨٢ .
(٢) تقدم ص ٨٩ - ٩٧ .
(٣) أخرجه أحمد ١١١/٤١ (٢٤٥٦٣)، والطحاوى فى شرح المشكل (٧)، والبيهقى ٢٦٧/٧
من طريق الأوزاعى به .
١٠٠