النص المفهرس
صفحات 281-300
الموطأ
قال الطحاوىُّ(١): وروَى المغيرةُ بنُ شعبةَ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ أَخَذ مِن التمهيد
شاربِه(١) على سِواكٍ. وهذا لا يكونُ معه إخفاءٌ.
وروَى عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يَجُزُّ شاربَه.
قال: وهذا الأغلبُ فيه الإخفاءُ، وهو مُخْتَمِلُ الوجهين .
وروَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ ◌َلِّ قال: ((أَحفُوا الشوارِبَ، وأعفُوا
اللُّحى)).
وروَى العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ نَّه
قال: ((مُجُزُّوا الشَّوارِبَ، وأرْخُوا اللِّحَى))(١). قال: وهذا يَحْتَمِلُ الإخفاءَ أيضًا .
وقد روَى عمرُ بنُ أبى سلمةَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لّ أنه قال :
((أَعْفُوا الشَّوارِبَ، وأَعْفُوا اللِّحَى))(٤). فبان بهذا أن الجَزَّ فى حديثه الآخَرِ
الإخفاء .
وذكَر الطحاوىُّ(٥) هذه الآثارَ كلَّها بأسانيدِها مِن طرق ، وذكّر أيضًا
بالأسانيد ، عن أبى سعيد الخدرىِّ ، وأیی اسیدٍ ، ورافع بن خديج ، وسهلٍ بن
سعدٍ، وعبدِ اللهِ بنٍ عمرَ، وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، وأبى هريرةَ، أنهم كانوا يُحْفُون
القبس
(١) الطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٢٣٠.
(٢) عند الطحاوى: ((شاربى)).
(٣) أخرجه أحمد ٣٨٥/١٤ (٨٧٧٨)، ومسلم (٢٦٠) من طريق العلاء به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٤/١٢ (٧١٣٢)، والبخارى فى تاريخه ١/ ١٤٠، والطحاوى فى شرح المعانى
٢٣٠/٤ من طريق عمر به .
(٥) الطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٢٣١.
٢٨١
م
الموطأ
التمهيد شَواربَهم . وقال إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ حاطبٍ : رأيتُ ابنَ عمرَ يُخْفِى شاربَه كأنه
يَنْتِفُه . وقال بعضُهم: حتى يُرَى بَياضُ الجلدِ .
-
وقال الطحاوىّ: لما كان التَّقْصيرُ مَسْنونًا عندَ الجميع فى الشارب، كان
الحلقُ فيه أفضلَ قياسًا على الرأسِ. قال: وقد دعا رسولُ اللهِ وَّهِ للمُحَلِّقِين
ثلاثًا ، وللمُقَصِّرِين واحدةً، فجعَل حلقَ الرأسِ أفضلَ مِن تقصيرِه، فكذلك
الشاربُ. قال : وما احْتَجَّ به مالكٌ أن عمرَ كان يَفْتِلُ شاربَه إذا غضِب أو اهْتَمَّ،
فجائڑأن یکون کان یٹُ گُه حتی یُفکِنَ فَتُلُه ، ثم يحلِقُه کما تری کثیرًا مِن الناسِ
يَفْعَلُه .
قال أبو عمرَ: إنما فى هذا البابِ أضْلان؛ أحدُهما، (١ قولُه ◌َلَةٍ(١):
((أَعْفُوا الشَّوَارِبَ))(٢). وهو لفظٌ مُجْمَلٌ مُخْتَمِلٌ للتَّأويل. والثانى، قصّ
الشارب، وهو مُفَسِّرٌ، والمفَسِّرُ يَقْضِى على المجْمَلِ ، مع ما رُوِى فيه أن إِبراهيمَ
أولُ مَن قصَّ شاربَه (٣) . وقال رسولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((قَصُّ الشَّارِبِ مِنِ الفِطْرَةِ))(٤).
يعنى فطرةَ الإسلام(١) ، وهو عملُ أهلِ المدينةِ، وهو أولَى ما قيل به فى هذا
البابِ ، واللهُ الموَفَّقُ للصوابِ. وقد كان أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الجهمِ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ص ١٧، ص ٢٧، م.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٦٤١ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٧٦).
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٦٨ - ٢٧٠، ٢٨٠.
(٥) بعده فى ص ١٦: ((قوله هو سماكم المسلمين وقوله أن اتبع ملة إبراهيم واتبعت ملة آبائى الآية)).
٢٨٢
الموطأ
يقولُ: الشاربُ إنما هو أطْرافُ الشعرِ الذى يُشْرَبُ به الماءُ. قال: وإنما اشْتُقَّ له التمهيد
لفظُ شارپ لقربه من موضع شرب الماءِ. وذكر خبرَ سماكٍ ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَ يَقُصُ مِن شارِبِهِ، وكان إبراهيمُ خليلُ اللهِ
يَقُصُّ شاربَه ، أو مِن شاربِهِ .
وهذا الحديثُ حدَّثناه سعيدُ بنُّ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال :
حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ،
عن حسنٍ بن صالحٍ، عن سماكٍ . فذكره (١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدّثنا وكيع، عن مِسْعَرٍ،
قال: حدَّثنى أبو صَخْرةَ، عن المغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ الثَّقَفىِّ ، عن المغيرة بنِ
شعبةَ، قال: ضِفْتُ رسولَ اللهِ وَِّهِ ذاتَ ليلةٍ، فأمَر بجَنْبٍ فشُوِى، ثم أخَذ
الشَّفْرةَ، فجعَل يَكُّ(٢) منها ، فجاء بلالٌ فَآذَنه بالصلاةِ ، فألقَى الشَّفْرةَ، فقال :
((ما له، تَرِبَتْ يَدَاه؟)). وكان شاربى قد وفَى بعضُه، فقصَّه لى على سِواكٍ(١).
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (١١٧٢٥) من طريق الحسن بن صالح به .
(٢) كذا فى النسخ، وفى تهذيب الكمال ٣٧٨/٢٨: ((اليشكرى الكوفى)).
(٣) فى ص ١٦، ٢٧: ((يجزّ)).
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٥٥٠)، والطبرانى ٤٣٥/٢٠ (١٠٥٩) من طريق
ابن أبى شيبة به، وأخرجه أحمد ١٥١/٣٠ (١٨٢١٢)، وأبو داود (١٨٨)، والترمذى فى الشمائل
(١٥٩) من طريق و کیع به .
٢٨٣
الموطأ
التمهيد
وروَى ابنُّ وهب ، عن محيىٌّ (١) بنِ عبدِ اللهِ المَعافرىِّ، عن أبى عبد الرحمنِ
الحُبُلَىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى، أن إبراهيمَ أولُ رجلِ اخْتَتَن ، وأولُ
رجلٍ قصَّ شاربه، وقلَّم أظْفَارَه، واسْتَنَّ، وحلَق عانتَه.
وذكَر عبدُ الرزاق(١) ، عن معمرٍ ، عن ابنٍ طاوسٍ ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ
فى قولِهِ: ﴿وَإِذِ أَبَْلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال: ابتلاه اللهُ
بالطَّهارةِ ؛ خمسٍ فى الرأسِ ، وخمسٍ فى الجسدِ ؛ قصّ الشاربِ ، والمضمضةُ ،
والاسْتِنشاقُ، والسواكُ، وَفَوْقُ الرأسِ، وفى الجسدِ تَقْليمُ الأَظْفارِ، وحَلْقُ
العانةِ ، والاخْتِتانُ، ونَتْفُ الإبْطِ، وغسلُ مكانِ الغائطِ والبولِ بالماءِ .
وذكَر مَطَرّ، عن أبى العاليةِ، قال: ابْتُلِى إبراهيمُ بعشَرةٍ أشياءَ، هنَّ فى
الإنسانِ سنةٌ؛ الاستنشاقُ، وقصَّ الشاربِ، والسواكُ، ونتفُ الإِبْطِ ، وتقليمُ
الأظفارِ، وغسلُ البَراجمِ، والخِتانُ، وحلقُ العانةِ، وغسلُ الدُّبُرِ والفرجِ(٣) .
فهذا ما انتهى إلينا فى قصِّ الشارب وحلقِه، وقد روَى مُشَئْمٌ ، عن عبد
الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ ، أنه قال: مِن السنةِ قصُّ
الأظفارِ، والأخذُ مِن الشاربِ، وحلقُ العانةِ، ونتفُ الإِبْطِ، وأخذُ العارضَيْن(٤).
القبس
(١) فى م: ((حى)). وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٨٨.
(٢) عبد الرزاق فى تفسيره ٥٧/١.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢/ ٥٠٠، وفى تاريخه ٢٨٠/١ من طريق مطر، عن أبى الجلد.
(٤) العارض: صفحة الخدٍّ من الإنسان، وهما عارضان. التاج (ع رض).
والأثر أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٢٦/١٦ من طريق هشيم به .
٢٨٤
الموطأ
ولم أجِدْ أخذَ العارضَيْن إلا فى هذا الخبرِ، وسيَأْتِى ذكرُ إعفاءِ اللحيةِ التمهيد
والحكم فى ذلك فى بابٍ أبى بكرِ بنِ نافعٍ مِن هذا الكتابِ () إن شاء اللهُ .
وأما قصُّ الأُظْفارِ وحلقُ العانةِ ، فمُجْتَمعٌ على ذلك أيضًا، إلا أن مِن أهلِ
العلمِ مَن وقَّت فى حلقِ العانةِ أربعين يومًا ، وأكثرُهم على أن لا تَوقيتَ فى شىءٍ
من ذلك . وبالله التوفيقُ .
ومَن وقَّت ذهَب إلى حديثٍ حدَّثناه أحمدُ بنُّ فتح، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
أحمدَ بنِ حامدٍ بنِ ثَوْثالٍ (١) ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيبِ، قال: حدَّثنا
الحسنُ بنُ عمرَ بنِ شَقِيق الجرمىُ وقَطَنُ بنُّ نُسيرٍ (٢) ، قالا: حدَّثنا جعفرُ بنُ
سليمانَ ، عن أبى عمرانَ الجَوْنىٌّ ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، قال: وقَّت لنا رسولُ اللهِ
وَلَّ فى حلقِ العانةِ، وقصِ الشاربِ، وتقليم الأظفارِ، ونتفِ الإبْطِ، فى كلِّ
.(٤)
أربعين يومًا (٤) .
وهذا حديثٌ ليس بالقوىِّ مِن جهةِ النقلِ ، ولكنه قد قال به قومٌ .
وذگرهسُنْدٌ ، قال : حدثنا جعفر بنُ سليمان ، عن أبى عمران الجونى ، عن
القبس
(١) سيأتى ص ٦٤٤ - ٦٤٦ .
(٢) فى الأصل: ((ترثال))، وفى ص ٢٧: ((ثوبال)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٢٠.
(٣) فى النسخ: ((بشير)). وينظر تهذيب الكمال ٦١٧/٢٣.
(٤) بعده فى الأصل: ((يوما)).
والحديث أخرجه مسلم (٥١/٢٥٨)، وابن ماجه (٢٩٥)، والترمذى (٢٧٥٩) من طريق جعفر
به، ولفظ مسلم وابن ماجه: ((وُقّتِ لنا )).
٢٨٥
الموطأ
١٧٧٦ - مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ،
أنه قال: كان إبراهيمُ وَ لّ أُولَ الناسِ ضِيَّفَ الضيفَ، وأولَ الناس
اختََّن، وأولَ الناسِ قصَّ شاربَه ، وأولَ الناسِ رأى الشَّيْبَ ، فقال : يا
ربِّ، ما هذا؟ فقال اللهُ تباركَ وتعالى: وَقارٌ يا إبراهيم. فقال: ربِّ
زِڈنی وقارًا .
التمهيد أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: وُقِّت لنا. فذكره سَواءً، ولم يقلْ: رسولُ اللهِ مَّهِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ الغَلَائِىُّ غَسَّانُ بنُ المفَضَّلِ، قال: حدَّثنا
عمُ(١) بنُ علىّ بنٍ مُقَدَّمٍ، قال: قال سفيانُ بنُ حسينٍ: أَتَدْرِى ما السَّمْتُ
الصالح؟ ليس هو بحلقِ الشاربِ، ولا تَشْميرِ الثوبِ، وإنما هو لزومُ طريقٍ
القومِ، إذا فعَل ذلك قيل: قد أصاب السَّمْتَ، وتَدْرِى ما الاقتصادُ؟ هو
الشىءُ(١) الذى ليس فيه غُلُوٌّ ولا تَقْصيرٌ.
الاستذكار
وأما الاختتانُ ، فذكر مالك فى هذا الباب من (( الموطاً))، عن يحيى بنٍ
سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه قال: كان إبراهيمُ أولَ الناسِ ضيَّف
الضيفَ، وأولَ الناسِ احْتَتَن، وأولَ الناسِ قصَّ شاربَه، وأولَ الناسِ رأى
الشَّيْبَ ، فقال: يا ربِّ ما هذا؟ فقال اللهُ تبارك وتعالى: وَقَّارٌ يا إبراهيمُ . فقال:
القبس
حديثٌ: أوَّلُ مَن ضَيَّفِ الضَّيْفَ إبراهيمُ عليه السلام، وهى سُنَّةٌ كريمةٌ،
(١) فى ص ٢٧: ((عمران)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٧٠.
(٢) فى م: ((المشى)).
٢٨٦
قال يحيى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ: يُؤخذُ من الشاربٍ حتى يبدوَ طَرَفُ الموطا
الشَّفَةِ ، وهو الإطارُ ، ولا يَجُزُّه فيُمثِّلَ بنفسِه .
ربِّ زِدْنى وَقَارًا (١).
الاستذكار
قال أبو عمرَ : كانت العربُّ تَخْتِنُ من ١ زمنِ إسماعيلَ، ودليلُ ذلك فى
حديثِ ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عباسٍ ، عن أبى سفيانَ
ابنِ حربٍ فى حديثِ هِرَقْلَ(١)، وكانت اليهودُ تَخْتِنُ وذلك مِن شرعِهم أيضًا .
وحَضلةٌ(٤) شريفةٌ، كان إبراهيمُ عليه السلامُ لا يأْكُلُ وحدَه، فصارَت تلك سُنَّةٌ القبس
بعدَه، وقد ذكّر المُفسِّرون أن إبراهيم عليه السلامُ دعَا مَن يأْكُلُ طعامَه، فلما تقدَّم له
قال: سَمِّ اللهَ. قال: لا أذرِى ما اللهُ؟ قال له : فاخرُجْ عن طعامى. فنزَل إليه جبريلُ
عليه السلامُ، فقال له : إن اللهَ يُطعِمُه منذُ خلَقه وهو كافرٌ به، وبخِلْتَ أنتَ عليه
بِلُقْمةٍ . فخرج يَعْدُو حتى أدرَ كه، فقال له : ارجع. فسألَه فأخبره . فَآمَن وسمَّى الله
معه وأكل(٥) .
۔۔۔۔
وقد اختلف الناسُ فى الضِّيافةِ ؛ فرآها الليثُ بنُ سعدٍ واجبةً؛ لقولِ النبيِّ وَّةٍ:
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٨٠)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١٧ و، ١٢ ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٢٨). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٦٣٩٢)، وابن عساكر ١٩٩/٦،
٢٠٠ من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((فى)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٧٣، ٢٧٤.
(٤) فى د: ((خطة)).
(٥) تفسير القرطبى ٦٨/٩.
٢٨٧
الموطأ ز -
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه سمع سعيدَ بنَ المسئَّبِ يقولُ: سمِعتُ أبا
التمهيد
هريرةَ يقولُ: اختْتَتَن إبراهيمُ بَّهِ بِالقدومِ" وهو ابنُّ مائةٍ وعشرين سنةٌ ، ثم
عاش بعدَ ذلك ثمانين سنةً (١).
القبس ((مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيُكْرِم ضيفَه، جائزتُه يوم وليلةٌ ، وما زاد على ذلك
فهو صَدَقةٌ)(١). ورُوِى أنهم قالوا: يا رسولَ اللهِ، نَمُرُّ بهم فلا يَقْرُوننا، فقال النبيُّ
{َ له : ((خُذُوا الذى لكم))(١).
فين الناسِ مَن قال : إنه منسوخٌ بأخبارٍ ؛ مِن جملتِها: ((لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم
إلا عن طِيبٍ نفسٍ منه)). ومِن الناسِ مَن قال: إنها واجبةٌ(٢) فى القُرَى، حيثٌ
لا طعامٌ ولا مأوى (١) ، بخلافِ الحواضرِ ، فإِنَّ كلَّ مَن دخَلها يَجِدُ فيها ؛ أينَ يَأْوِى
وما يَشْترِى. والحديثُ الأُولُ لا مُجَّةً فيه؛ لأن النبيَّ ◌َِّقال: ((فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه)) .
والكرامةُ ليست بواجبةٍ ، والذى يُتَخَّلُ(١) عند التحقيقِ، حسب ما بٹَّاه فى ((شرحٍ
الحديثِ))، أنها فرضٌ على الكفايةِ كسائرٍ فروضٍ الكفاياتِ .
وإبراهيمُ عليه السلامُ أولُ مَن رأى الشَّيْبَ، فقال: ما هذا يا ربِّ؟ فقال:
(١) القدوم: قيل: هى قرية بالشام، ويروى بغير ألف ولام، وقيل: القدوم بالتخفيف والتشديد :
قدوم النجار. النهاية ٤/ ٢٧.
(٢) أخرجه ابن سعد ٤٧/١ من طريق مالك به .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٩٤) .
(٤) سيأتى تخريجه ص٤٠٧ .
(٥) تقدم تخريجه فى ٤٠٩/١٨ .
(٦) فى د، ج: (( جائزة)).
(٧) فى ج، م: ((ماء)).
(٨) تنخَّل الشىء: صفاه واختاره . القاموس المحيط (ن خ ل).
٢٨٨
الموطأ
مثلُ هذا لا يكونُ رأيًا ، وقد تابَع مالكًا على توقيفٍ هذا الحديثِ جماعةٌ عن التمهيد
يحيى بن سعيدٍ ؛ منهم يحيى بنُ سعيد القطانُ، وعلىُّ بنُ مُشهِرٍ .
ورواه الأوزاعُ ، عن یحیی بن سعيد ، عن سعیدِ بنِ المسئَّب ، عن أبی
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((اخْتَتَن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومائةٍ سنةٍ ،
ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنةً )) .
ورُوِی مسندًا مِن غیرٍ روایة یحیی بن سعیدٍ مِن ◌ُجوهٍ ؛ منها ما ذكره ابنُ
◌ُكَيرٍ ، عن الليثِ، عن ابنٍ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، عن رسولِ اللهِ
وَالّ قال: ((اختَتَن إبراهيم حين بلَغ ثمانين، واختَتن بقدوم)) (١).
وَقَارٌ. فقيل: الخبرُ(١) هو الكلامُ كلُّه، فإِنَّ مَن كان قبلَ إبراهيم عليه السلامُ يَراه القبس
ولا يسألُ عنه، فلما نَجَم (٢) على إبراهيم عليه السلامُ وأنكره، سألَ ربَّه عنه،
فأعلَمه بصفتِهِ الحُسْنَى، وسكَت له عن غبيه (٤) ، وإنما جعَله وَقَارًا؛ لأنه يُنْبِئُ
عن ضَعْفِ القُوى، ويَذْهَبُ بِشِرَّةٍ(٢) الفُتُوَّةِ والصِّبَا، فَتَسْكُنُ الحركاتُ لضَعْفٍ
الشهوات .
وقد قال كبار الصحابةِ : إن الله تعالى ما شَان رسولَه بالشَّيْبِ ، ولو كان محمودًا
(١) أخرجه ابن حبان (٦٢٠٥) من طريق الليث به .
(٢) فى ج: ((المخبر)).
(٣) فى ج: ((فجم))، وفى م: (( غم)).
(٤) فى ج، م: ( عيبه)).
(٥) فى ج ( بشدة)).
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/٢٢ )
الموطأ
قال ابنُ بُكَيرِ: وحدَّثنى بمثلها عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ،
التمهيد
عن النبيِّ وَلَد .
وروَى يحيى القطانُ، عن ابنِ عَجْلانَ، سمِع أباه ، سمِع أبا هريرةَ ، من
النبيِّ وَلِّ مثلَه(١).
ورواه المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ(٢) وورقاءُ بنُ عمرَ اليَشْكُرِىِّ، عن أبى الزنادِ ،
عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ. إلا أن حديثَ أبى الزنادِ، عن
الأعرج، عن أبى هريرةً مرفوعًا: ((أن إبراهيمَ اختَتن بعدَما مرّ عليه ثمانون سنةً ،
واختَتن بالقدومِ » .
القبس ما خُضِب، فإنه لا يُسْتَرِ إلا ما يُكْرَهُ. وقد يَخْتمِلُ أن يكونَ الشَّعَرُ كان لا يَتَغْيَّرُ لمَن
سبق، حتى وجَده إبراهيمُ عليه السلامُ. والأُولُ أقلُّ عَنَاءً، وإذا قلنا: إن الشَّيْبَ يُغَيّرُ
بالخِضَابِ . فلا تُبالِى على أىِّ لونٍ كان التَّغَيْرُ، بخِطْرٍ أو بِفاغِيةٍ(١)، أسود أو أحمرَ،
وإنما غيَّه أصحابُ النبيِّ وَّله بالحُفرةِ؛ لأنه هو الذى عرفوه، وأمكّنهم فى
مواضعهم، وقد رُوِى عن النبيِِّ﴿ أنه خَضَب بالحِنَّاءِ، ولم يَصِحَّ، وهو مُسْتَثْنَى
مِن الزُّورِ کتوصیلِ الشّعرِ، مُلحق فى التحسینِ کاكتسابِ الگُخْلِ ، وقد اسْتَوفَینا
الفَرْقَ بينَ التحسينِ المَأْذونِ فيه، وبينَ الزُّورِ فى ((شرحِ الحديثِ)) اسْتِيفاءً شافِيًّا .
(١) أخرجه أحمد ٣٨٣/١٥ (٩٦٢٢) عن يحيى به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٣٩/١٥ (٩٤٠٨)، والبخارى (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠) من طريق المغيرة
به .
(٣) الخِطّر: نبات يجعل ورقه فى الخضاب الأسود. وقيل: هو شبيه بالكتم. والفاغية: نَوْر الحناء .
أو يغرس غصن الحناء مقلوبًا فيثمر زهرًا أطيب من الحناء . التاج (خ ط ر، ف غ و).
(٤) تقدم تخريجه فى ١٧٤/١٠ .
٢٩٠
٠
الموطأ
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ بنِ يوسفَ ، حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أبى التمهيد
غالب بمصرَ، حدَّثنا محمد بنُ محمدِ بنِ بدٍ ، حدثنا رزقُ اللهِ بنُ موسی ،
حدثنا شبابةُ بنُّ سوَّارٍ ، حدثنا ورقاءُ بنُّ عمرَ ، عن أبى الزنادٍ ، عن الأعرج، عن
أبى هريرةَ، أن النبيَّ بِ ◌ّرِه قال: ((اختَتَن إبراهيمُ بعدَما مرَّ عليه ثمانون سنةً،
واختَتن بالقدومِ))(١) .
وذكر المروزىُّ حديثَ الأوزاعىِّ، عن أبى الوليدِ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
قال : حدثنا الوليدُ ، قال : أخبرنى أبو عمرو - يعنى الأوزاعىَّ - عن يحيى بنٍ
سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ:
((اختَن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومائةٍ سنةٍ، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنةً))(٢) .
قال: وحدَّثنا أبو قُدَامةً ، قال : حدثنا يحيى، عن يحيى بنِ سعیدٍ ، عن
سعيدِ بنِ المسئَّبِ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: اختَتَن إبراهيمُ وهو ابنُ
عشرين ومائةٍ سنةٍ ، ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنةً .
قال: وحدَّثنا أبو همام، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُشهِرٍ، عن يحيى بنِ
سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن أبى هريرةَ، قال: اخْتَتَن إبراهيمُ وهو بالقدومِ
وهو ابنُ عشرين ومائةٍ سنةٍ . قال سعيدٌ: وهو أولُ مَن اختَتَن، وأولُ مَن أضاف
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٤/١٤ (٨٢٨١) من طريق ورقاء به.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٧١.
(٣) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٢٢/٣١.
٢٩١
الموطأ
التمهيد الضيفَ، وأولُ مَن استَحدَّ ، وأولُ مَن قلَم الأظفارَ، وأولُ مَن قصَّ الشارب،
وأولُ مَن شاب، فلما رأى الشَّيبَ قال: ما هذا؟ قال: وقارٌ. قال: يا ربِّ،
زِڈنی وقارًا .
قال : وحدَّثنا أبو كاملٍ، قال : حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ ، قال: حدثنى عُمارةُ ،
قال: حدَّثنى عكرمةُ، قال: أوْحَى اللهُ إلى إبراهيمَ: إنك قد أكْمَلت الإسلامَ إلا
بَضْعةٌ(١) منك فألقِها. فقدِم يَخْتِنُ نفسَه بالفأسِ، فصرّف بصرَه عن عورتِه أن(٢)
يَنْظُرَ إليها. قال عكرمةُ: واحْتَتَن إبراهيمُ وهو ابنُّ ثمانين سنةً. قال: ولم يَطُفْ
بالبيتِ بعدُ على مَّةٍ إِبراهيمَ إلا مَخْتونٌ .
قال أبو عمرَ: هكذا قال عكرمةُ فى إبراهيمَ : إنه اختَتَن وهو ابنُ ثمانين
سنةً . وقد قاله المسيَّبُ بنُ رافع، كذلك ذكر المَزوزِىُّ، قال : حدثنا محمدُ بنُ
الصَّبَّاح، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن المسيَّبِ بنِ رافعٍ: أوحَى اللهُ إِلى
إبراهيم أن تطهَّرْ، فتوضَّأ، فأوحى اللهُ إليه أن تطهَّرْ، فاغتسل ، فأوحى اللهُ إليه أن
تطهَّرْ، فاختَتَن بالقدومِ بعدَ ثمانينَ سنةً. وهذا هو المحفوظُ فى حديثٍ(٢)
عجلانَ وحديثِ الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ بَلِّ، وقد مضَى القولُ فى
الختانِ فى بابٍ سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ، وتقصَّينا هنالك ما للعلماءِ فى ذلك(٤).
القبس
(١) البضعة: القطعة من اللحم. اللسان (ب ض ع).
(٢) فى فى: ((ألا)).
(٣) بعده فى ف: ((ابن)).
(٤) ينظر ما تقدم ص ٢٧١- ٢٧٧.
٢٩٢
الموطأ
وفى هذا الحديث دليلٌ على جوازِ القولِ فى سِيرِ الأنبياء والصالحين ، وفى التمهيد
معنى ذلك الحديثُ عن الماضين وأيامِ الناسِ جملةً . وباللهِ التوفيقُ .
قرأتُ على أبى عمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ ، أن أبا عبدِ اللهِ محمدَ بنَ
عيسى حدَّثهم ، قال : سأل رجلٌ يحيى بنَ أيوبَ بنِ بادى العلَّافَ ونحن عنده،
عن ختانِ النبيَِّ نَّهفقال: قد طلَبتُ ذلك عندَ أكثرٍ مَن لقِيتُ ممَّن كتبتُ عنه،
فلم أجِدْه حتى أتَيتُ محمدَ بنَ أبى السَّرِىِّ العَشْقلانيّ فى سَفْرتى الثانيةِ ، فسألتُه
عنه عندَ توديعى له منصرفًا ، فقال : حدثنى الوليدُ بنُ مسلم ، عن شعیبٍ ، عن
عطاءِ الخُراسانىٌّ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، أن عبدَ المطّلبِ ختَن
النبىَّ ◌َ ◌ّهُ يومَ سابعِه، وجعَل له مأدبةً، وسمَّاه محمدًا (١).
وقد قيل: إن النبيَّ نَّهِ وُلِد مختونًا. فاللهُ أعلمُ .
وقد ذكّرنا ما للعلماءِ فى هذا المعنى مجرَّدًا فى بابٍ سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ عندَ
قولِه عليه السلامُ: ((خمسٌ مِن الفطرةِ)). فذكَر منها الختانَ(٢).
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٧٥.
(٢) ينظر ما تقدم ص ٢٧٢ - ٢٧٧.
٢٩٣
الموطأ
النهىُ عن الأكلِ بالشّمالِ
١٧٧٧ - مالكٌ، عن أبى الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ السَّلَميِّ،
أن رسولَ اللهِ وَّلَهِ نهَى أَن يَأْكُّلَ الرجلُ بشمالِه، أو يمشى فى نعلٍ
واحدةٍ ، وأن يشتمِلَ الصَّمَّاءَ، وأن يَحتبىَ فى ثوبٍ واحدٍ كاشفًا عن
فرجه .
التمهيد
مالكٌ، عن أبى الزُّبِيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ نْهَى أنْ يَأْكُلَ الرجلُ
بشمالِهِ، أو يمشىَ فى نعلٍ واحدةٍ ، وأن يشتملَ الصَّمَّاءَ، وأن يَحتَیِىَ فى ثَوپٍ
واحدٍ كاشفًا عن فَرجِه (١).
القبس
التَّهْىُ عن الأکلِ بالشّمَالِ
ذکر حدیث جابٍ : نھی النبىُ ێ ان یاكُلَ الرجلُ بشماله، أو يمشى فى
نَعْلٍ واحدةٍ ، أو يَشْتمِلَ الصَّمَّاءَ، أو يَحْتَبِىَ فى ثوبٍ واحدٍ كاشِفًا عن فَرْجِه(٢).
فأما الثلاثُ فإنها مكروهةٌ ، وأما الرابعُ فإنه حرامٌ؛ لوجوبٍ سَتْرِ العَوْرةِ. وَالنَّكْتَةُ
التى تَعْتمِدُونها فى الفَرْقِ بينَ المَكْروهِ والحرامِ ، أنه إذا جاء النَّهْىُ مَقْرونًا بالوعيدِ دَلَّ
على تَخْرِيمِه، وإذا جاء مُطْلَقًا كان أَدَبًا، إلّا أن تَقْتِنَ به قرينةٌ تَدُلُّ على أنه مَصْلحةٌ فى
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٢٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٢/١٧ ، ١٣و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٩٣٠). وأخرجه أحمد ٥٤/٢٣ (١٤٧٠٥)، ومسلم (٧٠/٢٠٩٩)،
والترمذى فى الشمائل (٨٠)، وأبو عوانة (٨٦٨٠)، وابن حبان (٥٢٢٥)، والبيهقى ٢٢٤/٢ من
طريق مالك به . وليس عند الترمذى ذكر الصماء ولا الاحتباء.
(٢ - ٢) فى د، ج: ((أن يأكل)).
(٣) فى د: ((عورته)).
٢٩٤
الموطأ
قد مضَى القولُ فى الأكلِ بالشِّمالِ فى بابٍ ابنِ شهابٍ ، عن أبى بكرِ بنِ التمهيد
عُبيدِ اللهِ (بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ(٢) . وليس فى الأكلِ بالشّمالِ ما يحتاج إلى
تفسيرٍ ؛ لأنَّ كلَّ سامع له يَستوونَ فى فهمِه، وكذلك النهى عن المشي فى نعلي
واحدةٍ ، يستوى أيضًا لفظُه ومعنَاه فى الفهم، ومَن فعَلَ شيئًا من ذلك عالِمًا
بالنهي ، مُستَخِفًّا به، فهو للهِ عاصٍ ، وأمرُه إليه، إن شاء غفَرله، وإن شاء عذَّبَه ،
فلا ينبغى للمرء أن يَمشِیَ فی نعلٍ واحدةٍ . وقد رُوِى عن عائشةَ رضِى اللهُ عنها
أنَّها كانت تنكِرُ على أبى هريرةَ حديثَه بهذا(٢) ، وليس فى إنكارٍ مَن أنكَر حجةٌ
على مَن علِيم. وقد رُوِى عنها) عن النبيِّ وَّهِ أَنَّها رأته يمشِى فى نعلٍ
واحدةٍ ، ولا يَصِحُ حديثُها ذلك. وقد روَى هذا الحديثَ مع جابرٍ أبو هريرةً
وغيرُه، وهو صحيحٌ عن النبيِّ وَله .
البَدَنِ ، أو فى المالِ ، على الاختصاصِ بالمرءِ، فإنه يكونُ مكروهًا على حالِه، ولا القبس
" يتَزَقَّى إلى تخريمِه) ، فإن كان لمصلحةٍ تَعُمُّ الناسَ صار حرامًا ، والدليلُ على ذلك
أن للمرءِ أن يَحتمِلَ الضَّرَرَ فى نفسِه، إن كان ذلك يسيرًا ، وليس له أن يُلْحِقَه بغيرِهِ؛
یسیرًا كان أو كثيرًا .
(١ - ١) سقط من النسخ .
(٢) سيأتى ص٣٠٦، ٣٠٧.
(٣) تقدم فى الموطأ (١٧٦٧).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت كما تقدم ص ١٨٩.
(٥) تقدم تخريجه ص١٨٩، ١٩٠.
(٦ - ٦) فى ج: ((يترخى إلى التحريم))، وفى م: ((يرتقى إلى التحريم)).
٢٩٥
٠
-
الموطأ
التمهيد
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدّثنا أبو الوليدِ الطيالسىُّ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو
الزُّبِيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إذا انقطَعَ شِشْعُ أحدٍ كم ، فلا
یمش فی نعلٍ واحدةٍ حتى يُصلِح شِشْعَه، ولا یَمْشِ فی خُفِّ واحدةٍ ، ولا يأكُلْ
(١)
بشمالیِ ))() .
وروَى مالكٌ(٢) ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ
اللهِ وَ لّ قال: ((لا يمشِينَّ أحدُكم فى النعلِ الواحدةِ)).
وأما قولُه فى هذا الحديثِ: وأن يشتمِلَ الصَّمَّاءَ. فللعلماءِ وأهلِ اللغةِ فى
ذلك أقوالٌ، وقد جاء فى الآثارِ المرفوعةِ ما هو أولى ما قيلَ به فيها إن شاء اللهُ .
قال ابنُ وَهبٍ: اشتِمالُ الصَّمَّاءِ: أن يَرمِىَ بطَرَفَى الثوبِ جميعًا على شِقٌّه
الأيسرِ، وقد كان مالكُ بنُ أنسٍ أجازَها على ثَوبٍ ، ثم كرِهها . وفى سمَّاعِ ابنِ
القاسِمِ: سُئِل مالكٌ عن الصَّمَّاءِ، كيف هى؟ قال: يشتمِلُ الرجلُ، ثم يُلقِى
الثوب علی منکتیہ ، ويُخرِج یده الُسری من تحت الثوب ، ولیس علیه إزارٌ . قیل
له : أرأيتَ إن لُبِسَ هكذا، ولُبِس(٢) عليه إزارٌ؟ قال: لا بأس بذلك. قال ابنُ
القاسمِ: ثم كرِهه بعدَ ذلك وإن كان عليه إزارٌ. قال ابنُّ القاسم: وتَركُه أحبُّ
القبس
(١) أبو داود (٤١٣٧). وأخرجه أحمد ٢٠/٢٢ (١٤١١٨)، ومسلم (٧١/٢٠٩٩)، والنسائى فى
الکبری (٩٧٩٨) من طريق زهير به .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٧٦٧).
(٣) فى م: ((ليس)).
٢٩٦
الموطأ
إلىَّ؛ للحديثِ، ولستُ أَرَاه ضيّقًا إذا كان عليه إزارٌ. قال مالكٌ: والاضْطِباعُ أن التمهيد
يرتدِىَ الرجلُ ، فيُخرِجَ ثوبَه من تحتِ يدِه اليمنى . قال ابنُ القاسم: وأرَاه من
ناحيةِ الصَّمَّاءِ. وقال أبو عبيدٍ (١): قال الأصمعىُّ: اشتمالُ الصَّمَّاءِ عندَ العربِ أن
يشتمِلَ الرجلُ بثوبِهِ فَيُجَلِّلَ به جسدَه كلَّه، ولا يرفعَ منه جانِبًا فيُخرِجَ منه يدَه،
وربَّما اضطَجع فيه على تلك الحالِ. قال أبو عُبيدٍ: كأَنَّه يذهَبُ إلى أنَّه لا يَدِى
لعلَّه يصيبُه شىءٌ يريدُ الاحتِراسَ منه، وأن يَقِيَه بيدِه، فلا يقدِرُ على ذلك ،
لإدخالِهِ إِيَّاها فى ثيابِهِ، فهذا كلامُ العربِ. قال: وأمَّا تفسيرُ الفُقهاءِ، فإنَّهم
يقولون : هو أن یشتمِلَ الرجلُ بثوبٍ واحدٍ لیس علیه غیرُه، ثم يرفعه من أحدٍ
جانبيه، فيضعَه على مَنكِبِهِ، فيبدُوَ منه فَرِجُه . قال أبو عُبيدٍ : والفُقهاءُ أعلمُ
بالتَّأويلِ فى هذا، وذلك أصحُ معنَى فى الكلامِ. وقال الأخْفَشُ : الاشتِمالُ أن
يَلتَفَّ الرجلُ برِدائِه أو بكسَائِه من رأْسِه إلى قدمَيه (٢) ، يَرُدُّ طَرَفَ الثوبِ الأيمنَ
على مَنكِبِهِ الأيسرِ، هذا هو الاشْتِمالُ، فإن هو (٢) لم يَرْدَّ طَرَفَه الأيمنَ على مَنكِبِه
الأيسرِ، وتَرَكَه مَرسَلًا إلى الأرضِ، فذلك السَّدْلُ الذى نُهِىَ عنه. قال: وقد
رُوِى فى هذا الحديثُ أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ مَرَّ برجلٍ وقد سَدَل ثوبَه، فعطفه عليه
حتى صار مُشتَمِلًاً(®) . قال: فإن لم يكنْ على الرجلِ إلَّ ثوبٌ واحدٌ، فاشتمَل
القبس
(١) غريب الحديث لأبى عبيد ١١٧/٢، ١١٨.
(٢) فى ى: ( قدمه)) .
(٣) سقط من : م.
(٤) أخرجه ابن عدى ٢/ ٧٨٩، والبيهقى ٢٤٣/٢ من حديث أبى جحيفة .
٢٩٧
الموطأ
التمهيد به، ثم رفَع الثوبَ عن يسارِهِ حتى ألقاه عن مَنكِبِهِ ، فقد انكشف شِقُّه الأيسرُ
كلُّه، وهذا هو اشتِمالُ الصَّمَّاءِ الذى نُهِى عنه، فإن هو أخَذَ طَرَفَ الثوبِ الأيسرَ
من تحتِ يدِه اليُسرَى، فألقَاه على مَنكِبِه الأيمنِ ، وأَلْقَى طَرَفَ الثوبِ الأيمنَ
من تحتِ يدِه اليمنى (١) على مَنكِبِهِ الأَيْسَرِ، فهذا التَّوَشُّحُ الذى جاء عن رسولٍ
اللهِ وَّ أَنَّهِ صَلَّى فى ثَوبٍ واحدٍ مُتَوَشِّحًا به(٢). قال: وأما الاضْطِباعُ، فإِنَّه
للمُحرِمِ؛ وذلك أنَّه يكونُ مُؤْتدِيًا بالرِّداءِ، أو مُشتمِلاً، فيكشِفُ مَنكِبَه الأيمنَ
حتى يصيرَ الثوبُ تحتَ إبطَيه ، وهذا معنَى الحديثِ الذى جاء عن رسولِ اللهِ
وَّ أَنَّه طاف وسعى مُضْطَبِعًا بُردٍ أخضرَ ) . ويُروَى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ
مثلُه. قال : والارتداءُ أن تأخُذَ بطرفَي الثَّوبِ فتُلقيَهما على صدرِك ومَنكِبَيكَ،
وسائر الثوبِ خلفَك .
قال أبو عمرَ: الذى جعله أبو داودَ(٤) تفسِيرَ اللِّسةِ الصَّمَّاءِ؛ حديثُ
الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: نهَى رسولُ اللهِ وَلِّ عن
لِيسَتَينٍ؛ أن يَحتَبِىَ الرجلُ مُفضيًا بفَرجِه إلى السماءِ، ويَلْبَسَ ثوبًا واحدًا
جانِيُّه خارِجٌ، ويُلقِىَ ثوبَه على عاتقِه. ذكره عن عثمانَ بنِ أبى شيبةً،
عن جريرٍ، عن الأعمشِ .
وقد أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
القبس
(١) فى النسخ: ((اليسرى)). والمثبت من الاستذكار ٢٤٨/٢٦ من النسخة المطبوعة.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢١٩/٤.
(٣) أخرجه ابن سعد ٤٥٣/١، وأبو داود (١٨٨٣)، والبيهقى ٧٩/٥ من حديث يعلى بن أمية.
(٣) أبو داود (٤٠٨٠).
٢٩٨
الموطأ
حدَّثنا المطَّلِبُ بنُ شُعيبٍ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُّ صالح، قال: حدَّثنى التمهيد
الليثُ ، قال : حدَّثنى يُونُسُ، عن ابنِ شهابٍ، أَنَّه قال: أخبرنى عامِرُ بنُ سعدٍ ،
أنَّ أبا سعيد الخدرىَّ قال: نهى رسولُ اللهِ وَهِ عن لِيسَتَيْنٍ؛ اشتِمالُ الصَّمَّاءِ،
والصَّمَّاءُ أن يَجعَلَ طَرَفَىْ ثوبِه على أحدٍ عاتِقَيه، ويندُوَ أَحدُ شِقَّيْه ليسَ عليه
ثوبٌ . واللَّيْسَةُ الأُخرى، احتِباؤُه بثوبٍ وهو جالسٌ ليس على فرجِه منه
شىءٌ(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةً، عن
الزهرىٌّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن أبى سعيدٍ، قال: نهَى رسولُ اللهِ وَله عن
لِمْسَتَينِ؛ اشتمالُ الصَّمَّاءِ، وأن يَحتَبِىَ الرجلُ بثوبٍ واحدٍ ليس على عورتِه منه
(٢)
شىءٌ .
وأخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبى أسامةً ، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: حدّثنا
جعفرُ بنُّ بُرقانَ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: نهى رسولُ اللهِ وَّهُ
عن لِيْسَتَين؛ الصَّمَّاءُ، وهو أن يَلتَحِفَ بالثوبِ الواحدِ ، ثم يَرفَعَ جانِبَه على
القبس
(١) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١١٧٥) عن عبد الله بن صالح به، وأخرجه البخارى .
(٥٨٢٠)، وأبو داود (٣٣٧٩) من طريق يونس به .
(٢) ابن أبى شيبة ٢٩٧/٨ - وعنه ابن ماجه (٣٥٥٩) - وأخرجه الحميدى (٧٣٠)، وأحمد ١٧ / ٦٧،
٦٨ (١١٠٢٢)، والبخارى (٦٢٨٤)، وأبو داود (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٥٥٩)، والنسائى
(٥٣٥٦) من طريق سفيان بن عيينة به .
٢٩٩
الموطأ
التمهيد مَنكِبَيه، ليس عليه ثوبٌ غيرُه، أو يَحتِىَ الرجلُ فى الثوبِ الواحدِ ليس بينَ فرجِه
وبينَ السمَاءِ شىءٌ ، يعنِى سِترًاً) .
وعن مالك(٢) ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ، قال : نھی
رسولُ اللهِ وَ لِّ أن يشتمِلَ الرجلُ بالثوبِ الواحدِ على أحدِ شِقَّيه. وبهذا فسّر ابنُ
وَهبِ الصَّمَّاءَ، واللهُ أعلمُ ، إلّا أنَّه قال: على شِقِّه الأيسرِ. وسيأتى من هذا
المعنى ذِكرٌ كافٍ فى بابٍ أبى الزِّنَادِ(٣) . وقد مضَى القولُ مُستوعَبًا فى سَتْرٍ
العورة، فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ (٤) . والحمدُ للهِ .
وأما كشفُ الفرج، فحرام فى هذه اللِّسَةِ وفى غيرِها ، لا يَحِلُّ لأحدٍ أن
يُدِىَ عورته، ويكشِفَ فرجَه إلى آدمىٌّ ينظُرُ إليه من رجل أو امرأةٍ ، إلّا مَن كانت
حليلتَه؛ امرأته ، أو سُرِّيَّتَه، وهذا ما لا أعلَمُ فيه خلافًا بينَ المسلمينَ، وحسبُك
قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ يَبَفِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِيَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وأجمعوا أنَّه أراد بذلك سَترَ العورةِ؛ لأَنَّهم كانوا يطُوفونَ عراةً ، فنزَلت هذه
الآيةُ. وأجمعوا على أنَّ سَترَ العورةِ فرضٌ عن عُيونِ الآدميِّينَ. واختلفوا أهى من
فرائضِ الصلاةِ أم لا؟ وقد ذكّرنا ذلك فى غيرِ هذا الموضع. وقد كانوا
يستحِبُون ألَّا يكشِفَ أحدٌ عورته فى الخلاءِ، وقد رُوِّينا أنَّ فى بعضٍ ما أوحَى اللهُ
عزَّ وجلَّ إلى إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: إن استطَعتَ ألَّا تُرِىَ الأرضَ عورتَكَ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٩٩.
(٢) تقدم فى الموطأ (١٧٧٠).
(٣) تقدم ص ١٩٧ - ١٩٩.
(٤) تقدم فى ٤٣٧/٥ - ٤٤٢، ٤٥٠ - ٤٥٢.
٣٫٠٠