النص المفهرس

صفحات 121-140

الموطأ
إسماعيلَ، عن موسى بنِ وَرْدانَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ: التمهيد
(تهادوا تحابوا ))().
وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا علىّ، حدَّثنا أحمدُ ، حدَّثنا سُخْنونٌ، حدَّثنا
ابنُّ وهبٍ ، قال : أخبرنى يونُسُ بنُّ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ ، قال: بلَغَنا أن رسولَ
اللهِ وَّرِ قال: ((تَهادَوا بينكم، فإنَّ الهديَّةَ تُذهِبُ السَّخِيمةَ(١))). قال ابنُ
وهبٍ : سألتُ يونُسَ عن السَّخيمةِ(٢) ما هى؟ فقال: الفِلُّ.
قال أبو عمرَ: هذا الحديثُ وَصَلَه عثمانُ الوقَّاصىُّ(٢)، عن الزهرىِّ،
حدَّث به ابنُّ صاعدٍ ، قال: حدَّثنا زيادُ بنُّ يحتى أبو الخطابِ ، حدَّثنا أبو عَتَّابٍ
الدَّلَالُ، حدَّثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، حدَّثنى الزهرىُّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ وهبٍ
ابنِ زَمعةً، عن أمِّ سَلَمَةَ، عن النبيِّ ◌َلِّ قال: ((نِعمَ العونُ الهديَّةُ على طَلبٍ
الحاجةِ)). وبإسنادِه قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((تَهادَوا، فإنَّ الهَديَّةَ تُذهِبُ
السَّخِيمةَ)). قيل: وما السّخِيمةُ؟ قال: ((الحِنَةُ(٤) تكون فى الصَّدرِ)).
أخبرنا محمدٌ، حدَّثنا علىُ بنُ عمرَ الحافظُ ، حدَّثنا علىُّ بنُّ محمدِ بنِ
القبس
(١) أخرجه الدولابى فى الكنى (١١٤٨)، والبيهقى ١٦٩/٦ من طريق محمد بن بكير به،
وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٥٩٤)، وأبو يعلى (٦١٤٨)، وابن عدى ١٤٢٤/٤ من طريق
ضمام به .
:
(٢) فى ص ٢٧: ((الشعنة)).
(٣) فى ص ١٧، م: ((الوضاحى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠/٣٥.
(٤) فى ص ٢٧، م: ((الجنة)). والحنة: العداوة، وهى لغة قليلة فى الإحنة. النهاية ٤٥٣/١.
١٢١

الموطأ
التمهيد أحمدَ المصرىُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ بَحِيرٍ، حدَّثنا أبى ، حدّثنا
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن معاويةً بنِ الحكمِ ،
أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَالل يقولُ: ((تهادوا ، فإنه يُضاعفُ الؤُدَّ ، ویَذهَبُ
بغوائلِ الصَّدرِ )) . قال أبو الحسن : تفرّد به ابنُ بحیرٍ ، عن أبيه ، عن مالك ، ولم
يكن بالرّضا، ولا يَصِحُ عن مالكِ ولا عن الزهرىِّ(١).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ عيسَى بنِ شَيبةَ التَغدادِىُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ ، قال :
حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، عن ضِمامِ بنِ إسماعيلَ
المَعافرىِّ، عن موسى بنٍ وَردانَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَآلِتٍ:
( تهادوا تحابوا)»(٢).
قال أبو عمرَ: كان رسولُ اللهِ وَهِ يَقبَلُ الهديَّةَ، وندَب أَمَّتَه إليها ، وفيه
الأُسوةُ الحسنةُ(٢) ◌ِِّ. ومن فضلِ الهديَّةِ مع اتباعِ السنةِ أنها تُورِثُ المودةَ،
وتُذهِبُ العَداوةَ، على ما جاء فى حديثٍ مالكِ وغيرِه مما فى معناه .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحتِى ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمدُ
القبس
(١) الدارقطنى فى الغرائب - كما فى تفسير القرطبى ١٩٩/١٣.
(٢) أخرجه الحاكم فى المعرفة ص ٨٠، والقضاعى فى مسند الشهاب (٦٥٧) من طريق يحيى بن
بكير، عن ضمام، عن أبى قبيل المعافرى، عن عبد الله بن عمرو. وينظر نصب الراية ٤/ ١٢٠.
(٣) بعده فی م: « به).
١٢٢
٠

الموطأ
ابنُّ إبراهيمَ الدَّيْثِلىُّ، حدَّثنا الحسينُ(١) بنُ الحسنِ المَروَزِىُّ، حدَّثنا ابنُّ التمهيد
المباركِ، قال: أخبرنا أبو مَعْشَرٍ (١) ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيبِ يُحدِّثُ ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((تَهادَوا، فإِنَّ الهديَّةَ تُذهِبُ وَحَرَ(١)
الصُّدُورِ، ولا تَحقِرِنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِها ولو فِرْسِنَّ(٤) شَاةٍ))(٥) .
ولقد أَحسَن القائلُ(٦):
تُولِّدُ فِى قُلوبِهِمُ الوصالا
هدايا الناسٍ بعضِهم لبعضٍ
وتَكْشُوهم إذا حضَروا جَمالًا
وتَزْرَعُ فى الضميرِ هَوَى وؤُدًّا
وقال غيره(٧):
القبس .
(١) فى ص ١٦: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٦١.
(٢) فى ص ١٦: ((معتمر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٧/٣٤.
(٣) الؤَخَر: الحقد والغيظ. النهاية ١٦٠/٥.
(٤) الفِزْسِن : عظم قليل اللحم، وهو خف البعير كالحافر للدابة ، وقد يستعار للشاة فيقال فرسن شاة ،
والذى للشاة هو الظلف، والنون زائدة، وقيل: أصلية . النهاية ٣/ ٤٢٩.
(٥) أخرجه ابن أبى الدنيا فى مكارم الأخلاق (٣٥٩) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الطيالسى
(٢٤٥٣)، وأحمد ١٤١/١٥ (٩٢٥٠)، والترمذى (٢١٣٠)، والقضاعى فى مسند الشهاب
(٦٥٦) من طريق أبى معشر به، وعند القضاعى: سعيد بن أبى سعيد. وهو المقبرى كما جاء مصرحا
به عند الطيالسى، وكما نقله الحافظ فى التكت الظراف ٩/ ٥٠٠، وأطراف المسند ٢٤٢/٧، وذكر
المزى فى تحفة الأشراف ٧٤/١٠ أنه سعيد بن المسيب.
(٦) هو أبو العتاهية ، والبيت فى ديوانه ص ٦٠٨.
(٧) البيت فى المحاسن والأضداد للجاحظ ص ١٧٨، وبهجة المجالس ٢٨٢/١ غير منسوب.
١٢٣

الموطأ
أُخْظَى مِن الإبنِ عندَ الوالدِ الحَدِبِ(٢)
إِنَّ الهدايا لها خَظُّ (١) إذا ورَدَت
التمهید
حدَّثنا خلفُ بنُّ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ الخَصِیبِ
القاضِى بمصرَ، حدَّثنا يوسُفُ بنُ يعقوبَ، حدَّثنا محمدُ بنُ أبى بكرٍ ، حدَّثنا
فُضَيلُ بنُّ سُليمانَ ، عن أبى مالكِ الأشْجَعيِّ ، عن رِئْعِىٌّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ
وَّه قال: ((المعروفُ كلُّه صَدَقَةٌ))(٣).
ورُوِى عن النبيِّ وَلَهِ: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقةٌ)). مِن حديث جابرٍ ، وابنٍ
عباسٍ ، وابنٍ مسعودٍ()، وابنِ عمرَ(٧) ، وغيرِهم. وفى حديثٍ ابنٍ مسعود
وابنٍ عمرَ: ((كلَّ مَعْرُوفٍ صَنعته إلى غنىٍّ أو فقيرٍ، فهو صَدَقةٌ )).
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيْئِلُ، قال: حدَّثنا أبو يونُسَ(٨) المدنىُ(٩) ، حدَّثنى هارونُ
القبس
(١) فى م: ((حفظ)).
(٢) الحَدِب: العطوف الشفيق. اللسان (ح د ب).
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٨/٣٨ (٢٣٢٥٢)، والبخارى فى الأدب المفرد (٢٣٣)، ومسلم (١٠٠٥)،
وأبو داود (٤٩٤٧) من طريق أبى مالك به .
(٤) أخرجه أحمد ٥٧/٢٣ (١٤٧٠٩)، وعبد بن حميد (١٠٨١)، والبخارى (٦٠٢١)، والترمذى
(١٩٧٠).
(٥) أخرجه ابن أبى الدنيا فى اصطناع المعروف (١٥)، والبيهقى فى الشعب (٧٦٥٧).
(٦) أخرجه ابن أبى الدنيا فى اصطناع المعروف (١٢)، والبزار (١٥٨٢)، والنسائى فى الكبرى
(١١٧٠١)، والطيرانى (١٠٠٤٧)، وأبو نعيم ٤٩/٣.
(٧) أخرجه أحمد بن منيع - كما فى المطالب (١٠١٤) - وابن أبى الدنيا فى اصطناع المعروف (١٤).
(٨) فى ص ١٦: ((أويس)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٣/٢٤.
(٩) فى الأصل، م: ((المدينى)).
١٢٤

الموطأ
ابنُّ يحيى الحاطِبِىُّ، حدَّثنى عثمانُ بنُ عثمانَ بنِ خالدِ بنِ الزبيرِ ، عن أبيه ، عن التمهيد
علىّ بنِ محسينٍ، عن أبيه، عن علىٍّ بن أبى طالبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ:
((إنَّما تكون الصَّنِيعةُ إلى ذِى دِينٍ أو ذِى حَسَبٍ، وجِهادُ الضعيفِ الحُ،
وجِهادُ المرأةِ حُسنُ التَّعْلِ لزوجِها ، والتّوَدُّدُ نصفُ الدِّينِ، وما عالَ امرُؤٌ على
اقتصادٍ ، واستَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصدقةِ، أَتَى اللهُ أن يرزُقَ عبادَه المؤمنين(١). من
حيثُ(٣) يَحَسِبون))(٣).
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيم بن أحمدَ الحَلَىُّ
بيتِ المقدسِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ الحَرَّانيُّ، حدَّثنا أبو مُصعَبٍ، حدَّثنا
مالكٌ، عن جعفرٍ بن محمدٍ ، عن أبيه، عن جدِّه، قال : اجتمع علىُّ بنُ أبى
طالبٍ ، وأبو بكرٍ ، وعمرُ، وأبو عُبَيدةَ بنُ الجَرَّحِ، فَتَمارَوا فى أشياءَ ، فقال لهم
علىَّ بنُّ أبى طالبٍ: انطَلِقوا بنا إلى رسولِ اللهِ وَلَه نسألُه، فلمَّا وَقَفوا على النبيِّ
وَ لَه قالوا: يا رسولَ اللهِ، جِئْنا نسألُك. قال: ((إن شئتُم سألتُمونى، وإن شئتُم
أخبرتُكم بما جِئتُم له )). قالوا: أُخبِرْنا يا رسولَ اللهِ. قال: ((جئتُم تسألُونى عن
الصَّنِيعَةِ لمن تکونُ ؟ ولا ينبغى أن تكونَ الصَّنیعةُ إلّا لذی حسبٍ أو دِیٍ ، وجئتُم
تَسألُونى عن الرِّزقِ يَجلِبُه اللهُ على العبدِ ، اللهُ يَجلِيُّه عليه، فاستَنزِلوه بالصدقةِ ،
وجِئتُم تسألُونى عن جِهادِ الضعيفِ، وجِهادُ الضعيفِ الحجّ والعُمرَةُ، وجِئْتُم
القبس
(١) بعده فى م: ((إلا)).
(٢) بعده فى م: ((لا)).
(٣) أخرجه البيهقى فى الشعب (١١٩٧) من طريق هارون بن يحيى به.
١٢٥

الموطأ
١٧٥١ - مالكٌ، عن شهيلٍ بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى
هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلِهِ قال: ((تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنينِ ويومَ
الخميس ، فيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ مسلم لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا ، إلا رجلًا كانت
بينَه وبينَ أخيه شحناء، فيقالُ: أَنْظِرُوا هذين حتى يَصطَلِحا، أنظِرُوا
هذينٍ حتى يَصطَلِحا)) .
التمهيد تسألُونى عن جِهادِ المرأةِ ، وجِهادُ المرأةِ حُسْنُ التَّبَعْلِ لزوجها ، وجِعتُم تسألُونى
عن الرِّزْقِ مِن أين يأْتِى، وكيف يَأْتِى (١)؟ أبى اللهُ أن يرزُقَ عبده المؤمنَ إلَّا من
حیثُ لا يَحتَسِبُ )).
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثٍ مالكِ، وهو حديثٌ
حسنٌّ، ولكنَّه مُنكَرٌ عندَهم عن مالكِ، ولا يَصِحُ عنه، ولا أصلَ له
فى حديثه .
مالكٌ، عن شُهيلٍ بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ
وَإِلّه قال: ((تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنینِ ويومَ الخميسِ ، فُغْفَرُ لكلّ عبدٍ مسلم
لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّ رجلًا كانت بينَه وبينَ أخيه شحناءُ، فيقالُ : انظروا هذينِ
حتى يَصطلِحا، أنظروا هذين حتى يَصطلِحا))(١).
.
القبس
(١) بعده فى ص ٢٧: ((الله به)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/١٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٩٧). وأخرجه
أحمد ١٠٧/١٥، ٦٣/١٦ (٩١٩٩، ١٠٠٠٦)، والبخارى فى الأدب المفرد (٤١١)، ومسلم
(٣٥/٢٥٦٥)، وابن حبان (٥٦٦٦، ٥٦٦٨) من طريق مالك به .
١٢٦

الموطأ
فى هذا الحديثِ دليلٌ على أن الجنةَ مخلوقةٌ(١) ، وأن لها أبوابًا، وقد جاءَ التمهيد
فی الآثارِ الصحاح)) ( آن لها) ثمانية أبوابٍ. وقد ذكّرنا ذلك فی باپِ ابنِ
شهابٍ ، عن حميدٍ بنِ عبدِ الرحمنٍ ، من هذا الكتابِ من طُرقٍ شتَّى ، فلا وجه
لإِعادةِ ذلك ههُنا (1) .
وفيه أن المغفرةَ لا تكونُ إلا للعبدِ المسلم الذى لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا ، قال اللهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾
[النساء: ٤٨، ١١٦].
1
وفيه أن المُهاجَرةَ والعداوةَ والشحناءَ والبغضاءَ مِن الذنوبِ العِظامِ،
والسيئاتِ الجِسامِ ، وإن لم تكنْ فى الكبائرِ مذكورةً ، ألا ترى أنه استئنَى فى هذا
الحديثِ غُفرانَها وخَصَّها بذلك؟ وقد بيَّنَّا الوجه فى الهِجرةِ ، وما يجوزُ منها وما
لا يجوزُ، وكيف المخرَجُ والتوبةُ منها(٥) ، فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن أنسٍ وغيرِه
من هذا الكتاب() .
وفيه أن الذنوبَ إذا كانت بينَ العبادِ فوقَعت بينَهم فيها المغفرةُ والتجاوزُ
القبس
(١) بعده فى ص ٢٧: ((موجودة)).
(٢ - ٢) فى ص ٢٧: ((الأثر الصحيح)).
(٣ - ٣) فى ص ١٧: ((أنها)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٥١٦/١٢ - ٥٢٠.
(٥) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((عنها)).
(٦) ينظر ما تقدم ص١٠٧، ١٠٨.
(٧) فى ص ٢٧، ص ١٧: ((من)).
١٢٧
٠
ح
:

الموطأ
التمهيد والعفوُ، سقَطَت المطالَبةُ بها من قِبَلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، أَلَّا تَرَى إلى قوله: ((حتى
يَصطلِحا))؟ فإذا اصْطَلَحا غُفِر لهما ذلك وغيرُه من صغائرٍ ذنوبِهما بأعمالِ البِرّ؛
من الطهارةٍ ، والصلاةِ، والصيامِ ، والصدقةِ .
وفيه دليلٌ على فضلٍ يومٍ الاثنين والخميس على غيرِهما مِن الأيامِ، وكان
رسولُ اللهِ نَّهِ يصومُهما ويَنْدُبُ أَمَّتَه إلى صيامِهما، وكان يَتَحرَّاهما بالصيامِ .
وأظنُّ هذا الخبرَ إنما تَوجّه إلى أُمَّةٍ وطائفةٍ كانت تصومُهما تأكيدًا على لزومٍ
ذلك، واللهُ أعلمُ، وُلد رسولُ اللهِ ێ( يومَ الاثنین، وتُئ(١) يومَ الاثنینِ،
ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وتُوِّىَ يومَ الاثنينِ وَ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغُ، قال: حدَّثنا
بكرُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ وأبو عَوانةَ،
قالا: حدَّثنا (" سُهَيلُ بن١ُ) أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ كلّ يومٍ اثنين وخميسٍ، فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ(٢)
لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلا ("رجلًا كانت" بينَه وبينَ أخيه شحناءُ، فيُقالُ: أنظِروا
هذين حتى يَصطلِحا)) (١).
القبس
(١) فى م: ((نبئ).
(٢ - ٢) فى ص ٢٧: ((سفيان عن)).
(٣) بعده فى ص ٢٧: ((مسلم).
(٤ - ٤) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((رجل)).
(٥) فى ص ٢٧: ((هؤلاء)).
(٦) أخرجه أبو داود (٤٩١٦) عن مسدد ، عن أبى عوانة وحده به ، وأخرجه ابن حبان (٥٦٦١)=
١٢٨

الموطأ
١٧٥٢ - مالكٌ، عن مسلم بن أبى مريمَ، عن أبى صالح
السَّانِ، عن أبى هريرةَ، أنه قال: تُعرَّضُ أعمالُ الناسِ كلَّ مُجُمُعَةٍ
مَرَّتينٍ ؛ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميس، فيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ مؤمنٍ، إلا عبدًا
كانت بينَه وبينَ أخيه شحناءُ، فيقالُ : اتركُوا هذين حتى يَفِيئا . أو :
أزگُوا هذينٍ حتى يَفِيئا .
مالكٌ ، عن مسلم بن أبى مريمَ ، عن أبى صالحِ السَّمَّانِ، عن أبى هريرةَ ، أنه التمهيد
قال: تُعرّضُ أعمالُ الناسِ فى كلِّ مُجُمُعَةٍ مَرَّتَيْنٍ؛ يومَ الاثنينِ، ويومَ الخميسِ،
فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ مُؤمنٍ ، إلَّا عبدًا كانت بينَه وبينَ أخيه شَحناءُ، فيُقالُ: اتركُوا
هذين حتى يَفِيئًا، أو أرْكُوا(٢) هذينٍ حتى(٣) يَفِيقًا((٤).
قال أبو عمرَ : هکذا روی یحیی بنُ یحیی هذا الحدیثَ موقوفًا علی أبی
هُريرةَ، وتابَعَه عامَّةُ رُوَاةِ ((الموطأُ)) ومجمهورُهم على ذلك . ورواه ابنُ وَهبٍ،
حديثٌ: قال النبيُّ وَّةِ (تُغْرَضُ الأعمالُ)) إلى آخرِه.
القبس .
أفادَ فى هذا الحديثِ فائدةً عظيمةً، وهى أن المعاصىّ تُوقِفُ المغفرةَ ولا
تُبْطِلُها، وأفادَ أيضًا عِظَمَ المُجاهَرةِ فى المعاصى، حتى لا تنفَعَ الأعمالُ الصالحةُ
معها فى الحالِ، حتى تَفَعَ المُقابلةُ فى المآلِ .
= من طريق مسدد، عن خالد بن عبد الله وحده به، وأخرجه الخطيب ٣١٤/١٤ من طريق خالد
وحده به .
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى ى، م: ((اتركوا)). والمثبت من الموطأ .
(٣) سقط من: ى، م. والمثبت من الموطأ.
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/١٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٩٨).
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/٢٢)

الموطأ
التمهيد عن مالكِ مَرفوعًا إلى النبيِّ وَلَهبإسنادِه هذا، وذكَرناه فى كتابِنا على شَرطِنا أن
نَذكُرَ فيه كلَّ ما يُمكِنُ إِضَافْتُه إلى النبيِّ بَهِ من قولِه. ومَعلومٌ أنَّ هذا ومثلَه لا
يجوزُ أن يكون رَأيًا من أبى هريرةَ، وإنَّما هو تَوقِيفٌ، لا يَشُكُّ فى ذلك أحدٌ له
أقلّ فهمٍ وأذْنَى مَنزِلةٍ من العلم ؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يُدرَكُ بالرأي ، فكيفَ وقد رواه
ابنُّ وَهبٍ، وهو من أجَلُ أصحابٍ مالكِ، عن مالكِ مَرفوعًا؟ ورُوِىَ عن النبىِّ
حَ ظله مرفوعًا من وُجوهٍ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يُوسُفَ قِراءَةً مِنِّى عليه، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ
ابنُ محمدِ بنِ علىٍّ، ومحمدُ بنُّ محمدٍ بنٍ أبی دُلَیمٍ ، وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
عبد الرحيمِ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا : حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ ،
قال : حدثنا يحيى بنُ عمرَ، قال : حدثنا الحارثُ بنُ مِسكينٍ، قال : أخبرنا ابنُ
وهب، قال: حدثنا مالكٌ، عن مسلم بنِ أبى مريمَ، عن أبى صالحِ السَّمَّانِ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ بِّهِ قال: ((تُعرّضُ أعمالُ الناسِ)). فذكره حرفًا
بحَرفٍ .
قال أحمدُ بنُ خالدٍ: وحدثنا ابنُ وضَّاحِ، قال : حدثنا أبو الطَّاهرِ، عن ابنِ
وَهبٍ، عن مالكِ، عن مسلمٍ بن أبى مَريمَ، عن أبى صالحِ السَّمَّانِ، عن
أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِ. فذكره(١) .
القبس
-
(١) أخرجه مسلم (٣٦/٢٥٦٥) عن أبى الطاهر وحده به.
=
١٣٠
٠

الموطأ
وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ خالدٍ ، قال : حدثنا تَمِیمُ بنُّ محمدٍ ، التمهيد
قال : حدثنا عيسى بنُ مِسكينٍ، قال: حدثنا سُحنُونٌ ، قال : حدثنا ابنُ وَهبٍ .
فذكره پاسنادِه مثلَه مَرفوعًا .
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِمٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زكريا ، حدَّثنا محمدُ
ابنُّ أحمدَ بنِ جَعَفَرِ الوَكِيعىُّ (١)، حدَّثنا عمرُو بنُ سَوَادٍ (٢)، و(٢) حدّثنا
خَلَفْ (٤) ، حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ، حدَّثنا مَكُولٌ، حدثنا
أحمدُ بنُ عبد الرحمنِ بن وهب، حدثنا عَمِّی عبدُ اللهِ بنُ وهب، حدثنا
مالكٌ، عن مسلم بنِ أبى مريمَ، عن أبى صالحِ السَّمَّانِ ، عن أبى هريرةً، عن
رسولِ اللهِ وَ ل﴿ قال: ((تُعرَضُ أعمالُ الناسِ فى كلِّ مُجُمُعةٍ مَرِّتينٍ؛ يومَ الاثنينِ
ويومَ الخميسِ، فيُغفَرُ لكلِّ مؤمنٍ، إِلَّا عبدٌ كانت بينَه وبينَ أخيه شَحنَاءُ،
فيقالُ(٥): اتؤكُوا هذين حتى يَفِيئًا))(١).
وهكذا رواه أحمدُ بنُ صالح، وثُونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، وسلیمانُ بُ داودَ ،
كلُّهم عن ابنٍ وَهبٍ مثلَه مُسنَدًا(٧) .
القبس
(١) فى الأصل: ((الربيعى)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٣٨.
(٢) فى الأصل: ((سوار))، وفى ى: ((سوادة)). وينظر تهذيب الكمال ٥٧/٢٢.
(٣) سقط من: ى، م.
(٤) فى ى، م: ((ابن وهب حدثنا مالك و)).
(٥) فى ى، م: ((فیقول)).
(٦) أخرجه مسلم (١٣/٢٥٦٥) عن عمرو بن سواد وحده به .
(٧) أخرجه ابن خزيمة (٢١٢٠)، وابن حبان (٥٦٦٧) من طريق يونس بن عبد الأعلى به .
١٣١

الموطأ
كتابُ اللباسِ
ما جاء فى لُبسِ الثيابِ للجمالِ بها
التمهيد
وقد روَى مَعنَى هذا الحديثِ مَرفوعًا عن النبيِّ وَّهِ، مالكٌ) وغیرُه، عن
شهيلٍ بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلَّهِ.
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: شَحنَاءُ. فالشحناءُ العداوةُ .
وأمّا قولُه : ازگُوا() هذين حتى یفیئا . فمعناه: اخژُوا هذين حتى تَرجِعا
ويَنْصَرِفا إلى الصُّحبةِ على ما كانا عليه . تقولُ العربُ: أخِّوْ هذا، وأرج هذا،
وأَرْكِ هذا. وكلُّ ذلك بمعنَى واحدٍ ، أى: اتركُه . قال ذلك الأصْمَعِىُّ وغيرُه.
وقولُه : حتى يَفِيئًا. أى: تَرجِعا ويَتراجعا . والفىءُ فى لِسانِ العربِ الرُّجوعُ،
يُقالُ: فاء الظُّلُّ. أى: رجَعَ. وفاء الرجلُ. أى: رجَعَ. ومثلُه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ:
﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. أى: فإِن رَجَعوا إلى ما كانوا
عليه من وَطْءٍ أزوَاجِهم، وحَنَّثوا أنفسَهم. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى
چ
حَقِّ تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. أى: تُراجِعَ أمرَ اللهِ، وتَرجِعَ إلى أمرِ اللهِ.
القبس
بابُ اللَّاسِ
إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خَلَق العبدُ لا يعلَمُ شيئًا، ولا يَمْلِكُ شيئًا ، وإلى هذه الحالِ يَؤُدُّه
كما قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدٌٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ثم كَلَّفه سَتْرَ العَوْرةِ،
(١) تقدم فى الموطأ (١٧٥١).
(٢) فى م: ((اتركوا)).
١٣٢

الموطأ
التمهيد
ومَكَّنه مما كَلَّفه، فقال: ﴿قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِشًا﴾ الآية القبس
[الأعراف: ٢٦]. وأذِن فى التَّجْمُّلِ بالَِّاسِ، لِما علِم مِن تَعَلُّقِ الأَنْفُسِ بذلك، ولم
يجعَلْه وَلِّ مِن الكِبْرِ والظَّهُورِ المَنْهِىِّ عنه فى حديث ثابت بن قيسٍ، وقال ◌َله:
(خَيْرُ ثيابِكم البَاضُ))(١). وكَرِه لباسَ الخَلَقِ دائمًا، وقد خرَّج وعليه أَسْمَالُ مُلَيْنِ(٣)
فى حديثٍ قَيْلَةَ(٤) ، وقد أنكَر على الرَّاعِى لباسَ البُرْدَينِ الخَلَقَين، حتى لَيس ثوتيه
الجديدَين، فقال النبيُّ وَّهِ: ((أليس هذا خيرًاً)؟)). قال علماءُ الباطنِ: إنما كان
الرّاعى قد تَعلَّقَ أملُه بالبقاءِ، فحبس الثوبَين على طُولِ الأملِ (١)، فأراد النبيُّ وَّ أن
يُقطَعَ هذا الأملَ الذى ربَّما أفسد عليه العملَ، وقد قال النبيُّ بَلّ: ((إذا أنعَم اللهُ على
العبدِ أحَبَّ (أن يُرى - أو يرَى، على اختلافٍ الروايتَيْن) - أَثَر (٨) نِعْمتِه عليه))(٩).
فإن كان ((يُرَى)) بضَمِّ الياءِ، فيعودُ ذلك إلى رُؤْيةِ الناسِ ، وذلك مِن بابٍ إظهارِ العبدِ
نعمةَ المَوْلَى، وهو مِن بابِ الشُّكْرِ ، وإن كان ((يَرى)) بفتح الياءِ، عاد ذلك إلى اللهِ
(١) الآحاد والمثانى ٤٦٢/٢ (١٩٢١)، ومسند الرويانى ١٧٥/٢ (١٠٠٣).
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٤٣/٧ .
(٣) أسمال : جمع سَمَل، وهو الخَلَق من الثياب . والمُلَّة: تصغير الملاءة ؛ وهى الإزار . النهاية
٤٠٣/٢، ٤٠٤.
(٤) أبو داود (٣٠٧٠)، والترمذى (٢٨١٤) .
(٥) بعده فى ج، م: (( لك )).
(٦) فى ج، م: ((الأجل)).
(٧ - ٧) فى ج، م: ((أن يرى)).
(٨) سقط من : ج .
(٩) سيأتى تخريجه ص١٣٧.
١٣٣

الموطأ ١٧٥٣ - مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارىِّ،
أنه قال: خرَجنا مع رسولِ اللهِ وَ له فى غزوةٍ بنى أنمارٍ. قال جابر:
فبَيْنا أنا نازلٌ تحتَ شجرةٍ، إذا رسولُ اللهِ وَّهِ قَالَ، فقلتُ:
يا رسولَ اللهِ، ھلُمَّ إلى الظُّلِّ. قال: فنزَل رسولُ اللهِ وَلِّ، فقمتُ
إلى غِرارةٍ لنا ، فالتَمَستُ فيها فوجَدتُ جِرْوَ قِنَّاءٍ، فكسَرتُه، ثم قرَّبُه
إلى رسولِ اللهِ وَله، فقال: ((من أين لكم هذا؟)). فقلتُ: خرجنا
به يا رسولَ اللهِ من المدينةِ. قال جابرٌ: وعندَنا صاحبٌ لنا نُجَهِّزُه
يَذْهَبُ يَرعَى ظَهرَنا. قال: فجهَّزتُه، ثم أَدبَرِ يَذْهَبُ فى الظّهرِ،
وعليه بُزْدانٍ له قد خلَقا. قال: فنظَر رسولُ اللهِ وَلَّه إليه فقال: ((أمَا
له ثوبانِ غيرُ هذينٍ؟)). فقلتُ: بَلَى يا رسولَ اللهِ ، له ثوبانٍ فى العَيْبَةِ
كسَوتُه إِيَّاهما. قال: ((فادْعُه فمُرْه فَلْيَلْبَشْهما)). قال: فدعَوتُه
فليِسهما، ثم ولَّى يَذْهَبُ. قال: فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما له؟
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ(١)، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارىِّ، أنَّه قال:
التمهيد
القبس عزَّ وجلَّ، فإنه إن لم يَلْبَسْها، لم تَرَه اللهُ لابِسًا، فإن لبسها رآه، إذ هو تعالى يعلَمُ
المعدومَ والموجود، ولا يرى إلا الموجود.
(١) قال أبو عمر: «قال قوم: لم يسمع زيد بن أسلم من جابر بن عبد الله، وقال آخرون : سمع منه،
وسماعه من جابر غیر مدفوع عندی، وقد سمع من ابن عمر، وتوفی ابن عمر قبل جابر بن عبد الله
بنحو أربعة أعوام، توفى جابر سنة ثمان وسبعين، وتوفى ابن عمر سنة أربع وسبعين)). تهذيب الكمال
١٢/١٠، وتحفة التحصيل ص ١١٧، ١١٨.
١٣٤

ضرَّب اللهُ عُنُقَه، أليسَ هذا خيرًا؟)). قال: فسمِعه الرجلُ، فقال: الموطأ
يا رسولَ اللهِ، فى سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: «فى
سبيلِ اللهِ)). قال: فقُتل الرجلُ فى سبيلِ اللهِ.
خرَجنا مع رسولِ اللهِ وَّهفى غزوةِ بنِى أَنْمارٍ. قال جابرٌ: فبينا أنا نازلٌ تحتَ التمهيد
شجرةٍ إذا رسولُ اللهِ وَّه قال(١)، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، هلُمَّ إِلى الظُّلِّ. قال:
فنزَل رسولُ اللهِهِ، فَقُمتُ إلى غِرارَةٍ(١) لنا، فالتَمَسْتُ فيها فوجَدتُ جِرْوَ
قِنَّاءٍ(١)، فكسَرتُه، ثم قَرَّبْتُه إلى رسولِ اللهِ وَلّل، فقال: ((مِن أين لكم هذا؟)).
فقلتُ : خرجنا به یا رسولَ اللهِ مِن المدینةِ. قال جابر: وعندنا صاحبُ لنا
نُجَهِّزُه يذهبُ يَرْعَى ظَهْرَنا. قال: فجَهَّزْتُه، ثم أَدْبَرَ يَذهبُ فى الظَّهْرِ، وعليه
بُرْدانِ له قد خلَقا. قال: فنظَرَ رسولُ اللهِ وَِّفقال: ((أمَا له ثوبان غيرُ هذين؟)).
فقلتُ : بلی یا رسولَ اللهِ ، ثوبانٍ فى العَنْةِ (٤) کسوتُه إياهما. قال: «فادْعُه نمُرْه
فلْيَلْتَسْهما)). قال: فدعَوتُه فَلَبِسَهما ثم ولَّى يذهَبُ. قال: فقال رسولُ اللهِ
وَه: ((ما له؟ ضرَّب اللهُ عُنقَه، أليس هذا خيرًا؟)). قال: فسمِعه الرجلُ،
فقال: يا رسولَ اللهِ، فى سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((فى سبيلِ اللهِ)).
فَقُتِل الرجلُ فى سبيلِ اللهِ(٥).
القبس
(١) من القيلولة، وهى الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. اللسان (ق ی ل).
(٢) الغرارة: الجُوالق، واحدة الغرائر. اللسان (غ ر ر).
(٣) جرو قثاء: صغار القثاء. النهاية ٢٦٤/١.
(٤) العيبة : ما يجعل فيه الثياب، التاج (ع ی ب).
(٥) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٨٩٩). وأخرجه =
١٣٥

الموطأ
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطّ))، لم يَختلِفْ فيه الرواةُ، وقد حدَّث
التمهيد
أبو نُعيم الحليِىُّ عُبيدُ بنُ هشامٍ ، عن ابنِ المباركِ ، عن مالكِ بحديث هو عندهم
خطأٌ إِنَّ أرادَ حديثَ زيدِ بنِ أسلمَ هذا .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، قال: حدَّثنا أبو الحسينِ علىّ بنُ الحسينِ بنُ بُندَارٍ ،
قال : حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الحَليِىُّ ، قال :
حدَّثنا ابنُ المباركِ ، عن مالكِ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أنسٍٍ ، أنَّ النبيَّ
وَل﴿ قال لرجلٍ: ((يا فلانُ، ضرَب اللهُ عُنُقَكَ)). قال: فى سبيلِ اللهِ يا رسولَ
اللهِ؟ قال: ((فى سبيلِ اللهِ). قال: وهى كانت نِيَّةَ رسولِ اللهِ وَلَ(١).
رواه عن أبى نُعَيْم الحلبىِّ جماعةٌ هكذا بهذا الإسنادِ ؛ منهم أبو عِمرانَ
موسَى بنُ محمدٍ الأَنْطاكِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مروانَ الحَلَيِىُّ .
فى هذا الحديثِ إباحةُ طلبِ الظُّلِّ والراحةِ، وأنَّ الوقوفَ للشمسِ مع
وجودِ الظُّلِّ ليس من البِرّ، فى غَزْوٍ كان ذلك أو غيرِهِ؛ لأَنَّهم كانوا غازينَ
مُجاهدِين حينئذٍ . وفيه الخروج بالزَّادِ . وفى ذلك رَدِّ على مَن قال من الصُّوفِيَّةِ:
لا يُدَّخَرُ لِغَدٍ . وفيه إكرامُ الرجلِ الجليلِ السَّيِّدِ بيَسيرِ الطعامِ ، وقَبولُ الجِلَّةِ ليسيرِ
ما يُذْعَوْن إليه .
-
القبس
= البزار (٢٩٦٣ - كشف)، وابن حبان (٥٤١٨)، والحاكم ١٨٣/٤، والبيهقى فى دلائل النبوة
٢٤٤/٦ من طريق مالك به .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى العلل (٢٣٥٦)، والذهبى فى ميزان الاعتدال ٢٤/٣ عن أبى نعيم الحلبى
به ، من حديث جابر.
١٣٦

الموطأ
وفيه أنَّ للرجلِ أن يسألَ : من أين هذا الطعامُ ؟ إذا خاف منه شيئًا ، أو خاف التمهيد
مِن صاحبِهِ غفلةً لمعنّى معهودٍ، فيُنَبِّهُه على ذلك، وكان جابرٌ يومَئذٍ حَدَثًا ،
واللهُ أعلمُ، بمعنَى سُؤالِ رسولِ اللهِ بَلَّهِ إِيَّاه عن ذلك، ولم یکنْ جابرٌ ممَّن
يُتَّهَمُ ، ولكنَّ رسولَ اللهِ بُعِث مُعَلِّمًا، صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
وفيه أنَّ مَن وسَّع اللهُ عليه ، لم يَجُزْ له إدمانُ لُبْسِ الخَلَقِ مِن الثيابِ ، وقال
وَّهِ : ((إذا أنعَم اللهُ على عبدٍ بنعمةٍ، أحبَّ أنْ يُرَى أثرُها عليه)) (١) . وقال عمرُ بنُ
الخطابِ رَضِى اللهُ عنه: إذا وسَّعَ اللهُ عليكم فأوسِعوا على أنفسكم، جمَع
الرجلُ(٢) عليه ثيابَه(٣) .
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباسِ الحَلَيِىُّ،
قال: حدَّثنا علىُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضائِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعِ،
قال: حدَّثنى أبى، عن أشْعَثَ، عن بكرِ المُزَنِىٌّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَله
قال: ((إنَّ اللهَ يُحبُّ أنْ يُرَى (٤) أَثَرِ نعمتِه على عبدِه)).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣١٢/١١ (٦٧٠٨)، والترمذى (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو ، وأخرجه
أحمد ٤٦٦/٢٨ (١٧٢٢٩) من حديث مالك بن نضلة، و ١٥٩/٣٣ (١٩٩٣٤) من حديث
عمران بن حصين .
(٢) فى س: ((امرؤ)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٥٥).
(٤) فى س: (( ترى)).
(٥) بعده فى ك ١، م: ((وهذا الحديث يعارض ما روى عن النبى ◌َّ أنه قال البذاذة من الإيمان.
والبذاذة رثاثة الهيئة)).
١٣٧

الموطأ
التمهيد
وفيه إباحةُ الكلامِ بالمعارِيضِ، وبما فَخْواه يَسمُجُ (١) ، إذا كان المُتَكَلِّمُ بِهـ
يريدُ به وجْهًا محمودًا، ألا ترَى إلى قوله: ((ما لَه؟ ضرَب اللهُ عنقَه))؟ وهو يريدُ
بذلك الشهادةَ له، وكان ◌َّ قَلَّما يقولُ مثلَ هذا إلَّا كان كما قال. أَلَا تَرَى إِلى
ما رُوِى عن أصحابٍ رسولِ اللهِ وَ لَه أنهم قالوا حين بعث رسولُ اللهِ وَّلِ بَعْثَه
إلى مُؤْتَّةَ ، وأَمَّرَ عليهم زيد بن حارثةَ ، فقال: ((إِن قُتِلَ فجعفرُ بنُّ أبى طالبٍ ، وإن
قُتِل جعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةً)). قالوا: فلمَّا قال ذلك علِمْنا أنهم سيُقتَلون (١).
ومثلُ هذا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال : حدَّثنا هاشم
ابنُ القاسم، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنی إياسُ بنُ سلمَةَ بنِ
الأكوع، قال: أخبرنى أبى - فى حديثٍ ذكَره - أنَّ عامرَ بنَ الأكوَعِ حين خرَج
إلى خيبَرَ، جعَل يَوْتجِزُ بأصحابٍ رسولِ اللهِ وَله، وفيهم النبيُِّ وَلَه، فجعَل
يَسُوقُ بهم الرِّكابَ وهو يقولُ :
تاللهِ لولا اللهُ ما اهْتَدَیْنا
ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنَا
إِنَّ الذين قد بغَوا علينا
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يسمع)) .
(٢) أخرجه أحمد ٢٤٤/٣٧، ٢٥٧ (٢٢٥٥١، ٢٢٥٦٦)، والنسائى فى الكبرى (٨١٥٩،
٨٢٤٩، ٨٢٨٢) من حديث أبى قتادة، وأخرجه أحمد ٢٧٨/٣ (١٧٥٠)، والنسائى فى الكبرى
(٨٦٠٤) من حديث عبد الله بن جعفر.
١٣٨

١٧٥٤ - مالكٌ ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطّابِ قال: إنى لأُحِبُ الموطأ
أن أَنظُرَ إلى القارئ أبيضَ الثيابِ .
التمهيد
إذا أرادوا فِتنةً أُبَيْنَا
ونحن عن فضْلِك ما اسْتَغْنَيْنا
فِثَبَتِ الأقدامَ إِنْ لاقَيْنَا
وأَنْزِلَنْ سكينةً علينا
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن هذا؟)). قالوا: عامرٌ يا رسولَ اللهِ. قال: ((غفَر
لك ربُّكَ)). قال: وما استغفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخُصُّه إلَّ استُشْهِد. قال: فلمَّا سمِع
ذلك عمرُ بنُ الخطابِ قال: يا رسولَ اللهِ، لو مَنَّعْتَنا بعامٍ. فقام عامرٌ إلى
الحربِ، فبارَزه مَرْحَبٌ اليهودِىُّ، فاسْتُشْهِد. وذكّر تمامَ الحديثِ(١).
أَلَا تَرَى إلى قوله: وما استغفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخُصُّه إلَّ اسْتُشْهِد؟ وإلى قولٍ
عمرَ: لو مَثَّعْتَنا بعامٍ؟ وهذا كلُّه فى معنَى قولِه: ((ما له؟ ضرَب اللهُ عُنْقَه)).
وفيه إجابةُ دعوةِ رسولِ اللهِ وَّهِ، ودعاؤه كلُّه عندَنا مُجابٌ إن شاء اللهُ.
وسيأتى القولُ فى معنَى حديثه ◌َله: ((فاختباْتُ دعوتی شفاعةً لأُمَّتی)) . فى
موضِعِه من كتابنا (١) هذا إن شاء الله تعالى .
مالك، أنه بلَغه أن عمرَ بنَ الخطابٍ قال: إنى لأُحِبُ أن أنظُرَ إلى القارئ الاستذكار
أبيضَ الثيابِ(٢) .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤٥٨/١٤.
(٢) تقدم فى ٢١٠/٧ - ٢١٢.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٩٠٥). وأخرجه
أبو نعيم فى الحلية ٣٢٨/٦ من طريق مالك به .
١٣٩

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : القارئُ هلهنا العابدُ الزاهدُ المُتَقَشِّفُ، والقُرَّاءُ عندَهم العبادُ
العلماءُ، و"مِن هذا ما كان يُقالُ للخوارج قبلَ خُرُوجِهم: القُرَّاءُ. لِما كانوا
فيه مِن العبادةِ والاجتهادِ . ومِن ذلك أيضًا قولُهم: مَن لم يَتَفتَّى (١) لم يُحسِنْ
يتقرّى(٢) . أى: يتعبَّدُ ويزهدُ فى الدنيا. فقولُ عمرَ رضِى اللهُ عنه فى هذا
الحديثِ يدلُّ على أن الزهدَ فى الدنيا والعبادةَ ليس بلباسِ الخَشِنِ الوَسِخِ مِن
الثيابِ، فإن الله تعالى جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ، وفى رسولِ اللهِ وَلَه وما سنَّه
وندَب إليه الأسوةُ الحسنةُ .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ، حدَّثنى قاسمٌ، حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ السلامِ،
حدَّثنى محمدُ بنُ بشارٍ ، حدَّثنی يحيى بنُ حمادٍ ، حدَّثنی شعبةُ ، حدَّثنى أبانُ
ابنُ تَغْلِبَ، (" عن فُضِيلِ الفُقَيمىِّ) ، عن إبراهيمَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ ، عن
النبيِّ نَ ◌ّه قال: ((لا يدخُلُ الجنةَ مَن كان في قلبه مثقالُ ذَرَّةٍ مِن كبْرٍ، ولا يدخُلُ
النارَ مَن كان فى قلبِهِ مثقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ )) . فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ، الرجلُ
يُحِبُّ أن يكونَ ثوبُه حسنًا ونَعْلُه حسنةً. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إن الله جميلٌ
٠
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((لهذا ما))، وفى م: ((لهذا)).
(٢) يتفتى: يتخذ الفتوة سبيلا، والفتوة فى اللغة: الكرم والسخاء، وفى اصطلاح أهل الحقيقة : أن
تؤثر الخلّق على نفسك بالدنيا والآخرة . التعريفات ص ٧١.
(٣) أخرجه الخطابى فى العزلة ص٩١ من قول سفيان .
(٤ - ٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٧٨/٢٣.
١٤٠