النص المفهرس

صفحات 381-400

الموطأ
التمهيد
الأيمانُ عليهم ، إلا أن يَنكُلَ أحدٌ مِن ؤلاةٍ المقتولِ الذین یجوزُ عَفۇُهم ،
فلا يُقتَلَ حينئذٍ أَحدٌ ، ولا سبيلَ إلى الدَّم إذا نكل واحدٌ منهم، ولا تُردُّ
الأيمانُ على مَن بَقِى إذا نكَل أحدٌ ممَّن يجوزُ له العفو عن الدَّم ، وإن كان
واحدًا . قال مالكٌ: وإنما تُردُّ الأيمانُ على مَن بقِى إذا نكل أحدٌ ممَّن لا
يجوزُ له عفوٌ، فإن نكل واحدٌ ممَّن يجوزُ له العفو، فإنه إذا كان ذلك ،
رُدَّتِ الأيمانُ حينئذٍ على المدَّعَى عليهم الدَّمُ، فيخَلِفُ منهم خمسُون
رجلًا خمسِين يمينًا ، فإن لم يبلغوا خمسين رجلاً، رُدَّتِ الخمسون يمينًا
على مَن حلَف منهم حتى تكمُلَ الخمسون يمينًا ، فإن لم يُوجَدْ أحدٌ
يحلِفُ إلا الذى ادُّعى عليه الدَّمُ، حَلَف وحدَه خمسين يمينًا . قال مالكٌ:
لا يُقسِمُ فی قتلِ العمدِ إلا اثنان من المدَّعِین فصاعدًا ، یحلفان خمسین
يمينًا تُردَّدُ عليهما، ثم قد استحَقًّا الدَّمَ وقتَلا مَن حلَفا عليه، و كذلك إن
كان ولىُّ الدَّمِ الذى ادّعاه واحدًا بُدىً به ، فحلَف وحدَه خمسين يمينًا ،
فإذا حلَف المدَّعون خمسين يمينًا، استحَقُّوا دمَ صاحبِهم، وقتلوا مَن
حَلَفوا عليه ، ولا يُقتَلُ فى القسامةِ إلا واحدٌ ، ولا يُقتَلُ فيها اثنان. هذا كلُّه
قولُ مالك فى ((موطَّئِه)» و «موطاً)) ابنٍ وهبٍ.
قال أبو عمرَ : إنما جعَل مالكٌ قولَ المقتولِ : دَمِى عندَ فلانٍ . شُبهةٌ
ولِطْخًا، وَب به تَبدئةُ أوليائه بالأيمانِ فى القَسامةِ؛ لأن المعروفَ مِن
طِباعِ الناسِ عندَ حضورِ الموتِ الإنابةُ والتوبةُ والتندُّمُ على ما سلَف من
القبس
٣٨١

الموطأ
التمهيد سيِّئ العمل، ألا ترَى إلى قولِ اللهِ عزّ وجلّ: ﴿لَوْلَا أَغْتَنِّ إِلَ أَجَلِ قَرِيبٍ
فَأَّدَقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا
حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْقَلْنَ﴾ [النساء: ١٨]؟ فهذا معهودٌ مِن
طباعِ الإنسانِ، وغيرُ معلومٍ مِن عادتِهِ أن يعدِلَ عن قاتلِه إلى غيرِه ويدعَ
قاتله، وما خرج عن هذا فنادر فی الناسِ لا محکم له، فلهذا وشِبهِه ممّا
وصَفنا ، ذهَب مالكٌ إلى ما ذكرنا . واللهُ أعلمُ. وقد نزَع بعضُ أصحابِنا فى
ذلك بقصةٍ قتيلِ البقرة ؛ لأنه قُبِل قولُه فى قاتلِه. وفى هذا ضُروبٌ من
الاعْتِراضاتِ، وفيما ذكّرنا كفايةٌ إن شاء اللهُ .
وذكر ابنُّ القاسم عن مالكِ ، قال : إذا شهِد رجلٌ عدلٌ على القاتلِ ،
أقسم رجلان فصاعدًا خمسين يمينًا . وقال ابنُّ القاسم: والشاهدُ فى
القَسامةِ إنما هو لَوْثٌ وليست شهادةٌ ، وعندَ مالكِ أن ولاةَ الدم إذا كانوا
جماعةٌ لم يُقسِمْ منهم (١) إلا اثنان فصاعدًا. واعتَلّ بعضُ أصحابِه لقولِه هذا
بأن النبيَّ وَلَّه إنما عرَضها على جماعةٍ ، والقَسامةُ فى قتل الخطأًّ کھی فی
العمدِ ، لا تُستحَقُّ بأقلَّ مِن خمسين يمينًا ، مِن أجل أن الدِّیةَ إنما تجِبُ عن
دم، والدَّمُ لا يُستحَقُّ بأقلَّ مِن خمسين يمينًا. فالقَسامةُ على الخطأ وإن لم
يكنْ يجِبُ بها قتلٌ ولا قوَدٌ، كالقَسامةِ فى قتلِ العمدِ ، واليمينُ فى القَسامةِ
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
٣٨٢

الموطأ
على مَن سمَّى أنه ضَرَبه، وأن مِن ضَرْيَتِه مات، فإن أقسم ولاةُ المقتولِ التمهيد
على واحدٍ - لأنه لا يُقتَلُ بالقَسامةِ أكثرُ مِن واحدٍ - قُتِل المحلوفُ عليه ،
فإن كان معَه ممَّن ادُّعِى عليه الدَّمُ جماعةٌ غيرُه، ضُرِبوا مائةً مائةً ، وسُچِنوا
سنةً، ثم خُلِّى عنهم .
والدِّيةُ فى قتل الخطأُ على عاقلةِ الذى يُقسِمون عليه أنه مات مِن فعله
به خطأً . قال مالكٌ: وإنما يحلِفون فى قسامةِ الخطأُ على قدرٍ ميراثِ كلِّ .
واحدٍ منهم مِن الدِّيةِ ، فإن وقَع فى الأيمانِ كسورٌ، أَتْممتِ اليمينُ على
أكثرِهم ميراثًا. ومعنى ذلك أن يحلِفَ هذا يمينًا وهذا يمينًا، ثم يُرجَعَ إلى
الأول فيَحلِفَ، ثم الذى يليه(١)، حتى تتمّ الأيمانُ كلُّها.
وقال مالكٌ: إذا ادَّعَى الدمَ بنون أو إخوةٌ، فعفا أحدُهم عن المدَّعَى
عليه، لم يكنْ إلى الدَّمِ سبيلٌ ، وكان لمن بقى(٢) منهم أنصباؤهم من الديَةِ
بعدَ أيمانِهم. وقال ابنُ القاسم: لا يكونُ لهم من الديَةِ شىءٍ إلا أن يكونوا
قد أقسموا، ثم عفَا بعضُهم ، فأما إذا نكَل أحدُهم عن القَسامةِ ، لم يكنْ
لمن بقِى شىءٌ مِن الديَةِ. ولأصحابٍ مالكِ فى عفوِ العَصَباتِ مع البناتِ
وفى نوازلِ القسامةِ مسائلُ لا وجهَ لذكرِها هلهنا .
القبس
(١) بعده فى ف: ((ثم الذى يليه)).
(٢) فى الأصل: ((يقع)).
٣٨٣

الموطأ
التمهيد
وقال مالكٌ فى ((الموطأُ)): إنما فُرِق بينَ القسامةِ فى الدم وبينَ الأيمانِ
فى الحقوقِ (١) ، أن الرجلَ إذا دايَن الرجلَ استَثْبت عليه فى حقِّه، وأن
الرجلَ إذا أراد قتلَ (١) الرجلِ لم يقتُلْه فى جماعةٍ مِن الناسِ، وإنما يلتمِسُ
الخَلوةَ . قال: فلو لم تكنِ القَسامةُ إلا فيما ثبَت بالبيّنةِ ومعُمِل فيها كما
يُعمَلُ فى الحقوقِ ، هلَكِتِ الدِّماءُ وبطَلت، واجترَأَ الناسُ عليها إذا عرَفوا
القضاءَ فيها، ولكن إنما جُعِلتِ القَسامةُ إلى وُلاةِ المقتولِ يُتَدَّئُون فيها ؛
ليكفَّ الناسُ عن الدَّمِ، وليَحذرَ القاتلُ أن يُؤْخَذَ فى ذلك بقولِ المقتولِ(٢).
۔
وقال الشافعىُّ: إذا وُجِد القتيلُ فى دارِ قوم محيطةٍ أو قبيلةٍ وكانوا
أعداءً للمقتولِ، وادَّعَى أولياؤه قتلَه ، فلهم القَسامةُ ، وكذلك الزحامُ إذا لم .
يفتَرِقوا حتى وجَدوا بينَهم قتيلًا، أو فى ناحيةٍ ليس إلى جانبِه إلا رجلّ
واحدٌ، أو يأتىَ شهودٌ متفرّقون مِن المسلمين مِن نواح لم يجتمِعوا فيها ،
يُثْبِتُ كلُّ واحدٍ منهم على الانفرادِ على رجلٍ أنه قتله ، فتتواطأَ شهادتُهم،
ولم يسمَعْ بعضُهم بشهادةِ بعضٍ، وإن لم يكونوا ممّن يُعَدَّلُ، أو شهِدَ
رجلٌ عدلٌ أنه قتله ؛ لأن كلّ سببٍ مِن هذا يغلِبُ على عقلِ الحاكم أنه
القبس
(١) بعده فى م: ((و)).
(٢) فى الأصل، م: ((أن يقتل)).
(٣) بعده فى ف: ((وروى ابن عيد الحكم - والصواب: عن - مالك أن الشاهد الواحد العدل
واللوث من البينة وإن لم تكن قاطعة توجب القسامة وكذلك قوله دمى عند فلان)). وتقدم فى
موضعه ص ٣٨٠ .
٣٨٤

الموطأ
كما ادُّعَى ولِيُّه، فللولىّ حينئذٍ أن يُقسِمَ على الواحدِ وعلى الجماعةِ ، التمهيد
وسواءٌ كان مجزع أو غيرُه ؛ لأنه قد يُقْتَلُ بما لا أثر له. قال: ولا يُنظَرُّ إلى
دعوَى الميتِ . وقال الأوزاعىُ: يُستحلَفُ مِن أهل القريةِ خمشون رجلًا
خمسِين يمينًا: ما قتلنا، ولا علِمنا قاتلاً. فإن حلَفوا بَرُوا، وإن نقَصَتْ
قَسامتُهم ولِيّها المدَّعون، فأُحلِفوا بمثلٍ ذلك على (١) رجلٍ واحدٍ، فإِن
حَلَفوا استحَقُّوا، وإن نقَصتْ قَسامتُهم، أو نكَل رجلٌ منهم، لم يُعطَّوًا
الدَّمَ ، وعُقِل قتيلُهم إذا كان بحضرةِ الذين ادُّعِى عليهم فى ديارهم . وقال
الليثُ بنُ سعدٍ : الذى يوجِبُ القَسامةَ أن يقولَ المقتولُ قبلَ موتِه : فلانٌ
قتَلنى. أو يأتىَ مِن الصبيانِ أو النساءٍ أو النصارى ومَن أَشبَههم ممَّن لا
يُقطَعُ بشهادِهِ ، أنهم رأوا هذا حينَ قتَل هذا ، فإن القَسامةَ تكونُ مع ذلك .
وقال أبو حنيفةً: إذا وُجِد قتيلٌ فى مَحِلَّةٍ وبه أثرٌ، وادّعَى الولىُّ على أهلٍ
المحلةِ أنهم قتلوه، أو على واحدٍ منهم بعينِه ، استُحلِف مِن أهلِ المحلّةِ
خمسون رجلًا باللهِ : ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلاً. يختارُهم الولىُّ، فإن لم
يبلُغوا خمسين، كوَّر عليهم الأيمانَ، ثم يَغْرَمون الديَةَ، وإن نكلوا عن
اليمينٍ، مُحُبِسوا حتى يُقِرُّوا أو يَحلِفوا. وهو قولُ زُفَرَ. وروَى الحسنُ بنُ
زيادٍ، عن أبى يوسفّ: إذا أبوا أن يَحلِفوا ترَكهم ولم يَحبِسهم، وجعَل
الديةَ على العاقلةِ فى ثلاثٍ سنينَ. وقالوا جميعًا - يعنى أبا حنيفةً
وأصحابَه: إن ادَّعَى الولىُّ على رجلٍ مِن غيرِ أهلِ المحِلَّةِ، فقد أبرَأُ أهلَ
القبس
(١) فى فى: ((عن)).
٣٨٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٥/٢١)

الموطأ
التمهيد المحلةٍ، ولا شىءَ له عليهم. وقال الثورىُّ فى هذا كلِّه مثلَ قولٍ أبی
حنيفةً، إلا أن ابنَ المباركِ روَى عن الثورىِّ أنه إن ادَّعَى الولىُّ على رجلٍ
بعينِه مِن أهلِ المحِلَّةِ ، فقد بَرِئ أهلُ المحِلةِ. ١ وقال ابنُ شُبْرمةَ: إذا ادَّعى
الولُّ على رجلٍ بعينه من أهلِ المحِلة، فقد برِئ أهلُ المحِلةِ)، وصار دمُه
هَدْرًا ، إلا أن يُقيمَ البينةَ على ذلك الرجلِ . وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ: يحلِفُ
مَن كان حاضرًا من أهلِ المحِلَّةِ مِن ساكنٍ أو مالك خمسين يمينًا : ما
قتَلتُه، ولا علِمتُ قاتلًا. فإذا حلَفوا كان عليهم الديَةُ ، ولا يُستحلَفُ مَن
كان غائبًا وإن كان مالكًا، وسواءٌ كان به أثرٌ أو لم يكنْ. وقال عثمانُ
البتىُ: يُستحلَفُ منهم خمسون رجلًا: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلاً. ثم لا
شىءَ عليهم غيرُ ذلك ، إلا أن تقومَ البيّنةُ على رجلٍ بعينه أنه قتله .
وكان مسلمُ بنُّ خالدِ الرَّنجىُّ وأهلُ مكةَ لا يَرَون القسامةَ. وهو قولُ
عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وقتادةً ،
والحسنٍ. وإليه ذهَب ابنُ عليةً. وقال الحسنُ البصرىُّ: القتلُ
پ(٢)
بالقسامة جاهلية
.
قال أبو عمرَ : مِن حجة مالكِ، والشافعیّ فی أحدٍ قولَيْه أنه یوچِبُ
القَوَدَ فى القَسامةِ، ومَن قال بقولِهما، مع٣) الآثارِ المتقدِّمِ ذكرُها فى هذا
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ١٧٨/٥ ومما سيأتى ص
٣٩٨، ٣٩٩.
(٢) أخرجه ابن معين فى تاريخه ٢٦/٤، والبيهقى ١٢٩/٨.
(٣ - ٣) فى ف: ((أما مالك والشافعى ومن قال بقولهما قالحجة لهم)).
٣٨٦

الموطأ
الباب - ما حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكر ، قال: التمهيد
حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا محمودُ (١) بنُ خالدٍ وكَثيرُ بنُ عُبيدٍ ، قالا:
حدثنا الوليدُ بنُ مسلم ، عن الأوزاعيِّ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن أبيه،
عن جدِّه، أن رسولَ اللهِ وَّهَ قتَل بالقَسامةِ رجلاً من بنى نَصرِ بنِ
(٢)
مالك(٢) .
وقد رُوِى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنه قضَى فيها بالقوَدِ، وقِضَى بها
عبدُ اللهِ بنُّ الزبيرِ، وحسبُك بقولٍ مالكٍ: إنه الذى لم يزَلْ عليه علماءُ أهلِ
المدینة قديمًا وحديثًا .
واحتجّ بعضُ أصحاب أبى حنيفةً لقوله فى هذا الباب بحديث مالك ، عن
أبى ليلى، عن سهلِ بنِ أبى حَثْمةً فى هذه القصةِ قولَه: ((إما أن يَدُوا
صاحبكم، وإما أن يُؤْذِنوا بحربٍ)). قالوا: ومعلومٌ أنَّ النبيَّ وَّه لم يقلْ ذلك
لهم إلَّا وقد تحقَّق عندَه(١) قبلَ ذلك بحمد الله ومنه وجودُ القَتيلِ بخيبرَ ،
فدَلّ ذلك على وجوبٍ الديَةِ على اليهودِ ، لوجودِ القتيلِ بينَهم ؛ لأنه لا يجوزُ
أن يُؤذَنوا بحربٍ إلا بمنعِهم حقًّا واجبًا عليهم . واحتَُوا أيضًا بما رُوِى عن
القبس
(١) فى الأصل: ((محمد). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٥/٢٧.
(٢) أخرجه البيهقى ١٢٧/٨ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (٤٥٢٢).
(٣) فى م: ((عندهم)) .
٣٨٧

الموطأ
التمهيد عمرَ بنِ الخطابِ فى رجلٍ وُجِد قتيلًا بينَ قَرِيتَين، فجعَّله على أقربِهما ،
وأحلَفهم خمسين يمينًا: ما قتَلنا، ولا علِمنا قاتلاً. ثم أغرَمهم الديَةَ . فقال
الحارثُ بنُ الأزمع: نحلِفُ ونَغَمُ؟ قال: نعم(١) . قالوا: وحديثُ سهلٍ
مضطرب. قالوا: والمصيرُ إلى حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ، وأبى سلمةً ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ، عن رجالٍ مِن الأنصارِ فى هذه
القصةِ أولَى(٢) ؛ لأنَّ نَقَلتَه أئمةٌ فقهاءُ حفّاظٌ لا يُعدّلُ بهم غيرهم ، وفيه :
فجعَلها رسولُ اللهِ وَ﴿ِ دِيَةٌ على اليهودِ، لأنه وُجِدِ بينَ أَظُرِهم .
وأما مالكٌ، والشافعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، فقالوا: إذا وُجِد قتيلٌ فى
محلّةِ قوم ، أو فى قبيلة قوم ، لم يُستحقَّ عليهم بوجوده شىءٌ، ولم تجِبْ به
قَسامةٌ. حتى تكونَ الأسبابُ التى شرّطوها، كلٌّ على أصلِه الذى قدَّمنا
عنه . قال ابنُ القاسم عن مالكٍ: سواءٌ وُجِد القتيلُ فى محلّةِ قوم، أو دارٍ
قومٍ، أو أرضٍ قومٍ، أو فى سوقٍ ، أو مسجدٍ جماعةٍ ، فلا شىءَ فيه ولا
قسامةً ، وقد طُلّ دمُه .
قال أبو عمرَ : المحلةُ قريةُ الْبَوَادِى والمجَاشِرِ(٣) والقَيَاطِنِ(٤)، وكذلك
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٢/٣.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٧٠.
(٣) المجاشر، من الجَشَر: وهم القوم يبيتون مع الإبل فى المرعى لا يأوون بيوتهم. التاج (ج ش ر).
(٤) القياطن، من قطن بالمكان يقطن قطونا؛ أقام به وتوطن فهو قاطن. اللسان (ق ط ن ).
٣٨٨

الموطأ
القبائلُ والمياهُ والأحياءُ.
التمهید
وقال الشافعىُّ: إذا وُجِد فى محلَّةٍ أو قبيلةٍ قتيلٌ ، وهم أعداؤه ، لا
يُحيطُ بهم غيرُهم ، فذلك لَوْثٌ يُقْسَمُ معه ، وإن خالَطهم غيرُهم ، فقد طُلّ
دمُه، إلا أن يدَّعِىَ الأولياءُ على أهلِ المحلة، فيحلفون ويٹرءون . وفّق
الشافعىُّ بينَ أن يكونَ أهلُ القبيلةِ والمحلَّةِ أعداءَ المقتولِ فيُجعَلَ عقلُه
عليهم معَ القَسامةِ، أو لا يكونوا فلا يلزَمَهم شىءٌ، وكذلك لو وُجِد قتيلٌ
فى ناحيةٍ ليس بقُربِهِ إلا رجلٌ واحدٌ ، وؤُجِد بقُربِه رجلٌ فى يدِه سكينٌ
ملْطوخةٌ بالدَّم ، فإنه يجعَلُ ذلك لؤْثًا يُقْسَمُ معَه، وسواءٌ كان به أثَر أم لم
يكنْ. واعتبر أبو حنيفةَ إن كان بالقتيلِ أَثَرَ فيجعَلُه على القبيلةِ ، أو لا يكونُ
له أثَّرَ فلا يجعَلُه على أحدٍ. وقولُ الثورىِّ، وابنِ شُبرمةً ، وعثمانَ البَتَىِّ ،
وابنٍ أبى ليلى، فى القَسامةِ كقولٍ أبى حنيفةَ ، إلا أنه سواءٌ عندَهم كان به
أَثَرَ أم لم يكنْ به أثَرٌ .
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، والثورىُّ، والأوزاعىُّ، وسائرُ أهلِ العلمِ
غيرَ مالكِ والليثِ: لا يُعتبَرُ بقولِ المقتولِ: دمِى عندَ فلانٍ. ولا يُستحَقُّ
بهذا القولِ قَسامةٌ . واحتَجَّ جماعةٌ مِن المالكيين لمذهبٍ مالك فى ذلك
بقصةِ المقتولِ مِن بنى إسرائيل، إذ ذُبحتِ البقرةُ وضُرِب ببعضِها (١) فأحياه
القبس
(١) فى ف: (به بعضها)).
٣٨٩

الموطأ
التمهيد اللهُ ، فقال : فلانٌ قتَلنى. فأُخِذ بقولِه . ورَدّ المخالفُ هذا بأن تلك آيةٌ لبنى
إسرائيلَ لا سبيلَ إليها اليومَ، وبأن شريعتنا فيها أن الدماءَ والأموالَ لا
تُستحَقُّ بالدَّعاوَى دونَ البيّناتِ، ولم نَتعبَّدْ بشريعةٍ مَن قبلَنا؛ لقولِه عزّ
وجلّ: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]. (١ وقتيلُ بنى
إسرائيلَ لم يُقْسِمْ أحدٌ عليه مع قولِه: هذا قتلنى. وهذا لا يقولُه أحدٌ مِن
علماءِ المسلمين أن المدَّعَى عليه يُقتَلُ بقولِ المدَّعِى دونَ بينةٍ ولا قسامةٍ ،
فلا معنَى لذكرٍ قتيلٍ بنى إسرائيلَ هلهنا، وقد أجمَع العلماءُ على أن(١) قولَ
الذى تحضُرُه الوفاةُ لا يُصدَّقُ على غيرِهِ فى شىءٍ مِن الأموالِ ، فالدِّماءُ
أحقُّ بذلك، و "قد علِمنا أن) من الناس مَن يُحِبُّ الاستراحةَ مِن الأعداءِ
للبنين والأعقابِ، ونحو هذا مما يطولُ ذكرُه.
وقال مالكٌ: إذا كان القتلُ عمدًا حلَف أولياءُ المقتولِ خمسين يمينًا
على رجلٍ واحدٍ وقتلوه. قال ابنُ القاسم: لا يُقسِمُ فى العمدِ إلا اثنان
فصاعدًا، كما أنه لا يُقتَلُ بأقلَّ مِن شاهدين، وكذلك لا يُحلَّفُ النساءُ فى
العمدِ ؛ لأن شهادتَهن لا تجوزُ فيه ، ويُحلَّفن فى الخطأُ مِن أجل أنه مالٌ ،
وشهادتهن جائزةٌ فى الأموالِ . وعندَ الشافعىِّ: يُقسِمُ الولىُ، واحدًا كان
أو أكثرَ، على واحدٍ مُدَّعَى عليه، وعلى جماعةٍ مُدَّعَى عليهم . ومن حجةٍ
القبس
(١ - ١) فى ف: ((واعترضوا فى ذلك بأن)).
(٢ - ٢) فى ف: ((لا يعلم)).
٣٩٠

الموطأ
الشافعيّ أنه ليس فى قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((يُقسِمُ منكم خمسون على التمهيد
رجلٍ منهم فيُدفَعُ إليهم برُمَّتِه)). ما يدُلَّ على أنه لا يجوزُ قتلُ أكثرَ مِن
واحدٍ ، وإنما فيه التَّنبيهُ على تعيينِ المدَّعَى عليه الدم، واحدًا كان أو
جماعةٌ. ومِن حجتِه أيضًا فى ذلك أن القَسامةَ بدلٌ مِن الشهادةِ ، فلمَّا
كانت الشَّهادةُ تُقْتَلُ بها الجماعةُ، فكذلك القَسامةُ. واللهُ أعلمُ .
والاحتجاج على هذه الأقوالِ ولها يطولُ. واللهُ المستعانُ .
وقال أبو حنيفةً : لا يُستحَقُّ بالقَسامةِ قَوَدٌ. خلافَ قولٍ مالك . وعلى
كلا القولينِ جماعةٌ مِن السلفِ . وعن الشافعيّ روايتان؛ إحداهما ، أن
القَسامةَ يُستحَقُّ بها القَوَدُ ويُقتَلُ بها الواحدُ والجماعةُ إذا أقسموا عليهم فى
العمدِ؛ لقولِهِ وَ له: ((وتَستَحِقُّونَ دَمَ صاحبِكم، أو قاتلِكم)). والقولُ
الآخَرُ، كقولٍ أبى حنيفةَ، أن القَسامةَ تُوجِبُ الديَةَ دونَ القَوَدِ فى العمدِ
والخطأ جميعًا، إلا أنها فى العمدِ فى أموالِ الجناةِ ، وفى الخطأ على
العاقلةِ . والحجةُ مِن جهةِ الأثَرِ فى إسقاطِ القَودِ فى القَسامةِ حديثُ أبى
ليلى، عن سهلِ، عن النبيِّ. وَلَ قولُه: ((إمّا أن يَدُوا صاحِبَكم، وإمّا أَن
يُؤْذِنُوا بحَوْبٍ))(١). وتأول مَن ذهَب إلى هذا فى قوله: ((دَمَ صاحِبِكم)):
ديَّةً صاحبِكم ؛ لأن مَن استحقَّ دَةً صاحبِه فقد استحقَّ دمَه ؛ لأَن الديَةَ قد
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٦٩٣).
٣٩١

الموطأ
التمهيد تؤخَذُ فى العمدِ ، فيكونُ ذلك استحقاقًا للدمِ .
قال أبو عمرَ: الظاهرُ فى ذكرِ الدَّمِ القَوَدُ، واللهُ أعلمُ. وسيأتى ذكر
حديثٍ أبى ليلى فى موضعه من هذا الكتابٍ إن شاء اللهُ ، ويأتى القولُ فى
هذا المعنى فيه هناك(١) بعونِ اللهِ .
قال أبو عمرَ: كلُّ مَن أوجَب الحكمَ بالقَسامةِ من علماءِ الحجازِ
والعراقٍ ، فهم فى ذلك على معنيين وقولَين؛ فقومٌ أوجبوا الديَةَ والقَسامةَ
بوجوبِ القتيلِ فقط، ولم يُراعُوا معنًى آخرَ، وقوم اعتبروا اللَّوْثَ، فهم
يطلُبون ما يغلِبُ على الظنِّ وما يكونُ شُبهةً يُتطرّقُ بها إلى حراسةِ الدماءِ،
ولم يطلُبوا فى القَسامةِ الشهادةَ القاطعةَ ولا العلمَ البتَّ ، وإنما طلَبوا شبهةً
وسقَوه لَوْثًا، لأنه يَلطَّخُ المُدَّعَى عليه، ويوجِبُ الشبهةَ، ويتطرّقُ به(٢) إلى
حراسةِ الأنفسِ وحقنٍ الدماءِ ، إذ فى القصاصِ حياةٌ ، والخيرُ كلَّه فى ردع
السفهاءِ والجناةِ . وقد قدَّمنا عن مالك وغيره هذا المعنى ، فلذلك وردَت
القَسامةُ ، واللهُ أعلمُ ، ولا أصلَ لهم فى القسامةِ غيرُ قصةٍ عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ
الحارثيّ الأنصارىِّ المقتول بخيبرَ، على ما قد ذكرنا مِن (١) الرواياتِ بذلك
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص٣٥٦ - ٣٦٢.
(٢) فی ف: ((بها)).
(٣) ليس فى: الأصل.
٣٩٢

الموطأ
قال يحيى: قال مالكٌ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندنا، والذى
سمِعتُ مَّن أرضَى فى القسامةِ، والذى اجتمّعت عليه الأئمةُ فى
القديم والحديث ، أن يُدَّأُ بالأيمانِ المُدَّعون فى القَسامةِ ، فيحلِفون ،
وأن القسامةً لا تجِبُ إلا بأحدٍ أمريْن ، إمّا أن يقولَ المقتولُ: دمی عند
فلانٍ . أو يأتىَ ولاةُ الدم بلَوْثٍ مِن بيّنةٍ ، وإن لم تكنْ قاطعةً على الذى
يُدَّعَى عليه الدمُ ، فهذا يوجِبُ القَسامةَ للمُدَّعينَ الدمَ على مَن اذَّعَوه
التمهيد
على اختلافِها مُوعَبةً واضحةٌ فى هذا البابِ . والحمدُ للهِ .
وفى ردِّ رسولِ اللهِ وَلِّ الأيمانَ فى القَسامةِ دليلٌ على ردِّ اليمينِ على
المدَّعِى إِذا نَكَل المدَّعَى عليه عنها فى سائرِ الحقوقِ ، وإلى هذا ذهب
مالك والشافعىُّ فى ردِّ اليمينِ، وهذا أصلُّهم فى ذلك. وأما أبو حنيفةً
وأهلُ العراقِ فهم يَقضُون بالنُّكولِ، ولا يرَونَ ردًّ يمينٍ فى شىءٍ مِن
الحقوقٍ والدعاوَى . والقولُ بردِّ اليمينِ أولى وأَصَحُ؛ لما رُوى مِن الأثرِ فى
ذلك، وأما التُّكُولُ ، فلا أثرَ فيه ولا أصلَ يَعضُدُه، ولم نرَ فى الأصولِ حقًّا
ثبت على مُنكِرٍ بسببٍ واحدٍ ، والتُّكولُ سببٌ واحدٌ ، فلم يكنْ بُدٌّ مِن ضَمّ
شىءٍ غيرِه إليه، كما ضُمَّ شاهدٌ إلى شاهدٍ مثلِه، أو يمينِ الطالبِ. واللهُ
الموفقُ للصواب .
قال مالكٌ فى ((موطئه)): الأمرُ المجتمَعُ عليه عندنا، والذى سمِعتُ الاستذكار
ممن أرضّى فى القَسَامةِ، والذى اجتمّعت عليه الأئمةُ فى القديم
القبس .
٣٩٣

الموطأ عليه، ولا تجبُ القسامةُ عندَنا إلا بأحدٍ هذين الوجهَين .
قال مالكٌ: وتلك السُّنَّةُ التى لا اختلافَ فيها عندنا، والذى لم
يزَلْ عليه عملُ الناسِ ، أن المُبَدَّئِينَ بالقَسامةِ أهلُ الدمِ والذين يدَّعونَه
فى العَمْدِ والخطأ .
قال مالكٌ: وقد بدَّأ رسولُ اللهِ وَّلَهِ الحارثيّينَ فى صاحبهم الذى
قُتِل بخيبرَ .
الاستذكار والحديثِ، أن يُبدَّأَ بالأيمانِ المُدَّعُون فى القَسَامةِ، فيحلِفون(١)، وأن
القَسَامَةَ لا تجِبُّ إلا بأحدٍ أمرَيْن؛ إما أن يقولَ المقتولُ : دمِى عندَ فُلانٍ .
أو يأتىَ ولاةُ الدمِ بَلَوْتٍ مِن بَيِّنةٍ ، وإن لم تكنْ قاطعةً على الذى يُدَّعَى عليه
الدمُ ، فهذا يُوجِبُ القَسَامَةَ للمُدَّعِين الدمَ على مَن ادَّعَوه عليه ، ولا تجِبُ
القَسَامةُ عندَنا إلا بأحدٍ هذَيْن الوجهين .
قال مالكٌ: وتلك الشُّنَّةُ التى لا اختلافَ فيها عندَنا، أن أهلَ الدم
يُيدَّعون بالأيمانِ فى العمدِ والخطأ. قال: وقد بدَّأ رسولُ اللهِ وَه
الحارثيّين فى صاحبِهم الذى قُتِل بخيبرَ.
قال أبو عمرَ: لم يختلِفْ قولُ مالكِ وأصحابِهِ ، أن قولَ المقتولِ قبلَ
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
٣٩٤

الموطأ
موتِه : دمِى عندَ فلانٍ . أنه لَوْثٌ يُوجِبُ القَسَامةَ ، ولم يُتابع مالكًا على ذلك الاستذكار
أحدٌ مِن أئمةِ أهلِ العلم إلا الليثَ بنَ سعدٍ ؛ فإنه تابعه فقال : الذى يوجبُ
القَسَامَةَ أن يقولَ المقتولُ : فلانٌ قتَلنى. أو يأتىَ مِن الصِّبْيانِ والنساءِ
والنصارى ومَن يُشبِهُهم ممن لا يُقطعُ بشهادتِه أنهم رأوا هذا حين قتَل
هذا، فإن القَسَامةَ تكونُ مع ذلك .
واختلَف أصحابُ مالكٍ فيما رَوَوه عن مالكٍ (١ وقالوه) فى معنى
اللَّوْثِ المُوجِبِ للقسامةِ؛ فروَى ابنُّ القاسم، عن مالكٍ، أن الشاهدَ
الواحدَ العدلَ لَوْثٌ. وروَى عنه أشهبُ ، أن "الشاهدَ الواحدَ" لَوْثٌ وإن
لم يكنْ عدلاً. قال: وقال لى مالك: اللَّوْثُ: الأمر الذى ليس بقَوِىِّ ولا
قاطعٍ. واختلَفوا فى المرأةِ الواحدةِ ؛ هل تكونُ شهادتُها لَوْثًا تُوجِبُ
القَسامَةَ؟ وكذلك اختلفوا فى النساء والصبيانٍ ، وقد ذكرنا اختلافَهم فى
ذلك فى كتابٍ ((اختلافِ أقوالٍ مالكٍ وأصحابِهِ)).
وقال الشافعىُّ: إذا كان مثلُ السببِ" الذى قضَى فيه رسولُ اللهِ
وَلَه بالقَسامَةِ حكَمَتُ بها، وجعَلتُ الديةَ على المُدَّعَى عليهم. فإن
القبس
(١ - ١) سقط من م، وفى الأصل: ((فقالوا))، وفى ح: ((وقال))، وفى هـ: ((وقالوا)).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((الواحد العدل)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((كان مثل الطيب مثل السلب))، وفى ح، هـ: ((كان مثل الميت))، وفى
م: ((مثل الطيب مثل السلب)).
٣٩٥

الموطأ
الاستذكار قيل: وما السببُ الذى حكم فيه رسولُ اللهِ وَله؟ قيل: كانت خيبرُ دارَ
يهودَ مَخْضةً لا يُخالِطُهم غيرُهم، وكانت العداوةُ بينَ الأَنصارِ
وبينَهم ظاهرةً، وخرَج عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ بعدَ العصرِ، فؤُجِد قتيلًا
قبلَ الليلِ، فيكادُ أن يغلِبَ على مَن سمِع هذا أنه لم يقتُلْه إلا بعضُ
اليهودِ. فإذا كانت دارٌ(١) مَحْضَةٌ أو قبيلةٌ، وكانوا أعداءَ المقتولِ،
فادَّعى الولىُّ قتلَه عليهم، فلهم القَسَامةُ .
قال: وكذلك لو دخَل نفرٌ بيتًا لم يكنْ معهم غيرُهم ، أو كانوا فى
صحراءَ، أو كان زحامٌ فلا يَفْترِقون إلا وقتيلٌ بينَهم ، أو وُجِد قتيلٌ فى ناحيةٍ
ليس إلى جَنْبِهِ عينٌ ولا أثَرَّ إلا رجلٌ مختَضِبٌ بدمِه فی مَقامِه ذلك ، أو تأتی
بَيِّنَةٌ متفرّقةٌ مِن المسلمين مِن نَوَاحِ شتَّى لم يجتمِعوا، فيَشهدُ كلُّ واحدٍ
منهم على الانفرادِ أنه قتله، فتتواطأ شهادتُهم ، ولم يسمَعْ بعضُهم شهادةَ
بعضٍ وإن(١) لم يكونوا ممن يعدلُ، أو يشهَدُ رجلٌ عدلٌ أنه قتَله؛ لأن كلُّ
شىءٍ مِن هذا يغلِبُ على عقلٍ(١٢) الحاكم أنه كما ادَّعَى وَلِىُ المقتولِ.
قال الشافعىُّ: والأصلُ المُجتمَعُ عليه أن اليمينَ لا يُستحقُّ بها شىءٌ،
وإنما هى لدفع الدَّعْوى، إلا أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ سَنَّ فى الأموالِ أن تُؤخذَ
القبس
(١) بعده فى ح، هـ، م: ((يهود).
(٢) سقط من: ح، هـ، م.
(٣) فى الأصل، م: ((حكم)).
٣٩٦

الموطأ
باليمينِ مع الشاهدٍ (١) ، وفى دَغْوى الدماءِ أن تُستحقَّ بها إذا كان معها ما الاستذكار
يغلِبُ على عقولٍ (١) الحكام أنه ممكنٌ غيرُ مدفوع مِن الأمورِ " التى وصَّفنا .
قال: وللولىِّ أَن يُقسِمَ على الواحدِ والجماعةِ، وكلٍّ من أمكن أن
يكونَ معهم وفى جملتِهم ، وسواءٌ كان بالقتيلِ مجرْعٌ أو أثَرٌ أو لم يكنْ؛ لأنه
قد يُقتلُ بما لا أثَرَ له .
قال : فإن أنگر المُدَّعَی علیه أن یکونَ فیھم ، لم يُقسِم الولىُّ عليه إلا
بيّنةٍ أنه كان فيهم ، أو إقرارٍ منه بذلك .
قال: ولا يُنظرُ إلى دَعْوى الميتِ وقولِه: دمِى عندَ فلانٍ. لأن الشُنَّةَ
المُجتمَعَ عليها ألَّا يُعطَى أحدٌ بدَغواه شيئًا؛ دمًّا ولا غيره. قال: ولوَرَثةِ
القتيلِ أن يُقسِموا وإن كانوا غَيْبًا عن موضع القتيل؛ لأنه ممكنٌ أن يَعلموا
ذلك باعتراف القاتل عندَهم ، (٢أو ببينةٍ" لا يقبلُها الحاكمُ مِن أهلِ الصدقِ
عندَهم ، وغيرِ ذلك مِن وُجوهِ ما يُعلَمُ به ما غاب . وينبغى للحاكم أن يقولَ
لهم: اتَّقوا اللهَ، ولا تحلفوا إلا بعدَ الاستثباتِ واليقينِ على مَن تَدَّعُون عليه
الدمَ . وعليه أن يَقبلَ أيمانَهم متى حلَفوا؛ مسلمين كانوا أو كافرين، على
القبس
(١) تقدم تخريجه فى شرح الحديث (١٤٦٢) من الموطأ .
(٢) فى الأصل، و، ط ١، م: ((قلوب)).
(٣) فى الأصل، ح، هـ، و، م: ((الأموال)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((أو بشهادة بينة))، وفى م: ((وبشهادة بينة)).
٣٩٧

الموطأ
الاستذكار مسلمين وعلى كافرين؛ لأن كُلَّا ولىُ دمِه ووارثُ ديتِه .
قال أبو عمرَ : ليس أحدٌ مِن أهلِ العلم يُجيزُ لأحدٍ أن يَحلِفَ على ما لم
يَعلمْ ، أو أن يَشهدَ بما لم يَعلمْ ، ولكنه يحلِفُ على ما لم يَرَولم يَحضُرْ، إذا
صحّ عندَه وعَلِمه بما يَقَتُ العلم بمثله، فإذا صحّ ذلك عندَه واستیقَنه حلَف
علیه ، وإلا لم يَحِلُّ له .
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : إذا وُجِد قتيلٌ فی مَحِلَّةٍ وبه
أَثَر، وادَّعَى الوَلِىُّ على أهلِ المَحِلَّةِ أنهم قتلوه، أو على أحدٍ منهم بعينِه،
استُحلِف مِن أهلِ المَحِلَّةِ خمسون رجلاً باللهِ: ما قتَلنا ، ولا علِمنا قاتلاً.
يختارُهم الوَلِىُّ، فإن لم يَتْلُغوا خمسين، كُرِّرت عليهم الأيمانُ، ثم
يَغْرَمون الديةَ، وإن نكلوا عن اليمينِ حُبِسوا حتى يُقِرُّوا أو يَحلِفوا . وهو
قولُ زُفَرَ. وروَى الحسنُ بنُ زيادٍ، عن أبى يوسفَ : إذا أبَوا أن يُقْسِموا
ترَكهم ولم يَحبِسْهم، وجعَل الديةَ على العاقلةِ فى ثلاثٍ سنينَ. وقالوا
جميعًا: إن ادَّعَى الوَلِىُّ على رجلٍ مِن غيرِ أهلِ المَحِلَّةِ، فقد أبرَأُ أهلَ
المَجِلَّةِ ، ولا شىءَ له عليهم. وقولُ الثورىِّ مثلُ قولِ أبى حنيفةً فى ذلك
كلِّه، إلا أن ابنَ المباركِ روَى عنه: إن ادَّعَی الولُ على رجلٍ بعينه ، فقد
أبْرَأُ أهلَ المحِلَّةِ غيرَه(١) . وقال ابنُ شُبْرُمةَ: إذا ادَّعَى الولىُّ على رجلٍ بعينه
القبس
(١) فى و: ((عنده).
٣٩٨

الموطأ
مِن أهلِ المحِلَّةِ ، فقد برَئَّ أهلُ المحلَّةِ ، وصار دمُّه هَذْرًا ، إلا أن يُقيمَ البينةَ الاستذكار
على ذلك الرجلِ . وقال عثمانُ البَتِّىُ: يُستحلَفُ مِن أهل المحِلَّةِ خمسون
رجلاً: ما قتَلْنا ، ولا علِمنا قاتلًا. ثم لا شىءَ عليهم غيرُ ذلك، إلا أن يُقيمَ
البَيِّنَةَ على رجلٍ بعينه أنه قتله .
قال أبو عمرَ : قولُ عثمانَ البَِّّيَّ مُخالِفٌ لِما قضَى به عمرُ، رضِى اللهُ
عنه، مِن رواية الکوفیِین .
عن الثورىٌّ وغيرِهِ، عن أبى إسحاقَ ، عن الحارثِ بنِ الأُزمع ، أن عمرَ
ابنَ الخطابِ أحلَف الذين وُجِد القتيلُ عندَهم وأغرَمهم الديةَ ، فقال له
الحارثُ بنُ الأُزمع: أيحلفون ويغرَمون؟ قال: نعم(١).
وروَى الحسنُ، عن الأحنفِ ، عن عمرَ ، أنه اشتَرط على أهلِ الذمةِ :
إِن قُل رجلٌ مِن المسلمين بأرضِكم فعليكم الديةُ(٢).
قال أبو عمرَ : اتَّفَق مالكٌ، والليثُ ، والشافعىُّ، أنه إذا وُجِد قتيلٌ
فى مَحِلَّةٍ قوم أو فى قبيلةٍ(١)، لم يُسْتَحَقَّ عليهم بوجودِه فيهم شىءٌ،
ولم تجِبْ فيه(٤) قَسَامةٌ بؤُجُودِه حتى تكونَ الأسبابُ التى شرَطوها(٥)
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٣٨١، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠١/٣ من طريق أبى إسحاق به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٧/١٢، والبيهقى ١٩٦/٩ من طريق الحسن به.
(٣) فى الأصل، م: ((فنائهم)).
(٤) فى الأصل، م: ((فيهم).
(٥) فى هـ، م: ((شروطه))، وفى ط ١: ((شرطنا).
٣٩٩

الموطأ
قال مالكٌ : فإن حلَف المُدَّعون استحقُّوا دمَ صاحبِهم ، وقتَلُوا مَن
حلَفوا عليه، ولا يُقتلُ فى القسامةِ إلا واحدٌ ، لا يُقتلُ فيها اثنانٍ ،
يَحلِفُ مِن ولاةِ الدمِ خمسون رجلاً خمسين يمينًا ، فإن قلَّ عددُهم أو
نكَل بعضُهم، رُدِّدتِ الأيمانُ عليهم، إلا أن يَنْكُلَ أحدٌ مِن ولاةٍ
المقتول ولاةٍ الدم الذين يجوزُ لهم العفوُ عنه، فإن نكل أحدٌ مِن أولئك
فلا سبيلَ إلى الدمٍ إذا نكّل أحدٌّ منهم.
قال مالك: وإنما تُرَدَّدُ الأيمانُ على مَن بقِى منهم إذا نكَل أحدٌ
ممّن لا يجوزُ له عفوً .
الاستذكار فى وُجوبِ القَسَامةِ عندَهم، على ما قدَّمنا عنهم. وهو قولُ أحمدٌ ،
وداود .
قال مالكٌ: فإِن حلَف المُدَّعون استحقوا دمّ صاحبهم ، وقتلوا مَن
حلّفوا عليه ، ولا يُقتلُ فى القَسَامةِ إلا واحدٌ ، ولا يُقتلُ فيها اثنان ، يحلِفُ
مِن وُلاةٍ الدم خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن قلَّ عددُهم أو نكّل
بعضُهم ، رُدِّدت الأيمانُ عليهم ، إلا أن يَنْكْلَ أحدٌ مِن وُلاةٍ المقتول ، وُلاةٍ
الدمِ الذين يجوزُ لهم العفوُ عنه ، فإن نكّل أحدٌ مِن أولئك فلا سبيل إلى الدم
إذا نكل أحدٌّ منهم.
قال مالك : وإنما تُردّدُ الأیمانُ علی من بقی منهم إذا نگل أحدٌ ممن لا
.
القیسی
٤٠٠