النص المفهرس

صفحات 361-380

الموطأ
حماد بن زيد وغيره، عن یحیی بنِ سعید لهذا الحدیث ، عن ◌ُشیرِ بنِ
یسارٍ، وقد ذكرناه فى بابِه من هذا الكتاب(١).
التمهيد
وجَدتُ فى أصلِ سماعٍ أبى رحِمه اللهُ بخطّه، أن محمدَ بنَ
أحمدَ بنِ قاسمِ حدَّثْهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثْنا
نصرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا ابنُ لَهيعةَ ،
قال: حدَّثنا عمرُو بنُ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أن عبدَ اللهِ بنَ
سهل الأنصارىَّ وُجِد مقتولًا بخيبرَ عندَ فناءٍ (١) رجلٍ من اليهودِ ، فَأَتَّوْا
به رسولَ اللهِ وَ له، فأراد " عبدُ الرحمنِ بنُ سهل أن يتكلَّمَ، فقال
رسولُ اللهِ مَّهِ: ((إنه(٤) الكُبْرُ(٥) يا عبد الرحمنِ، فليتكلّمِ الأكبرُ)).
فتكلَّم عُّه فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا وجَدْنا أخانا مقتولًا عندَ فناءٍ(٢)
هذا اليهودىِّ. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((تُقسمون خمسينَ يمينًا أنه قتل
صاحبَكم فأدفَعَه إليكم بؤُمَّتِه؟)). قالوا: كيف نُقْسِمُ على ما لا عِلمَ
القبس
= بالحبل الذى شد به تمكينا منه لئلا يهرب، ثم اتسعوا فيه حتى قالوا: أخذت الشىء برمته .
أى: كله. النهاية ٢٦٧/٢.
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٦٤، ٣٦٥.
(٢) فى الأصل، م: ((قباء)).
(٣ - ٣) فى الأصل، ر، و١: ((عبد الله)).
(٤) سقط من: ر ١.
(٥) فى ف: ((الكبير))، وبعده فى ر١: ((الكبر)).
٣٦١

الموطأ
١٦٩٤ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ ، أنه
أخبره أن عبدَ اللهِ بنَ سهل الأنصارىَّ ومحيِّصةَ بنَ مسعودٍ خرَجا إلى
خيبرَ ، فتفرَّقا فى حوائجِهما ، فقُتِل عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ، فقدِمَ محِّصةٌ ،
فَأَتَى هو وأخوه حويِّصَةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ إلى النبيِّ بَِّ، فَذْهَب
عبدُ الرحمنِ ليتكلَّمَ؛ لمكانِه مِن أخيه، فقال رسولُ اللهِ وَاله: (( کبُرْ
التمهيد لنا به؟ فقال: ((يُناقِلونكم (١) خمسينَ يمينًا ما قتلوا صاحبَكم)).
فقالوا : يا رسولَ اللهِ ، إنهم يهودُ ونحن مسلمون. فكتَب رسولُ اللهِ
وََّ إلى أهلِ خيبرَ أن أَدُوا مائَةً من الإبلِ، وإلا فأُذَنوا بحربٍ من اللهِ
ورسوله. وأعانهم بيضعٍ وثلاثينَ ناقةً، وهو أولُ دمٍ كانت فيه
يـ (٢)
القَسامةُ(٢).
قال أبو عمر : فی هذا الحدیثِ من الفقهِ ضروبٌ قد ذكرناها وذكرنا
مَن تعلَّق بها من الفقهاءِ ومَن خالَفها وإلى ما خالَفها من الأثرِ ، فی بابٍ
يحيى بن سعيدٍ ، عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ(٢) . والحمدُ للهِ .
مالكٌ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ ، أنه أخبره أن عبدَ اللهِ
القبس
(١) فى ف: ((یناقلو کم))، وفی ر: ((يحلفون لكم)).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٦٧٨)، والنسائى (٤٧٣٤) من طريق عمرو بن شعيب به.
(٣) ينظر ما سيأتى ص ٣٧٠ - ٣٩٣.
٣٦٢

الموطأ
كبِّ)). فتكلَّمَ محيّصةُ وحويِّصةُ فذكرا شأنَ عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ ، فقال
لهم رسولُ اللهِ وَ لَّهِ: ((أتحلِفون خمسين يمينًا وتَستحِقُون دمَ
صاحبِكم، أو قاتلِكم؟)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، لم نشهَدْ ولم نحضُرْ.
فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((فتُبرِتُكُم يهودُ بخمسين يمينًا؟)) فقالوا : يا
رسولَ اللهِ، كيف نقبَلُ أيمانَ قومٍ كفَّارٍ؟
قال يحيى بن سعيدٍ: فزعَم بُشيرُ بنُ يسارٍ أن رسولَ اللهِ وَله وَداه
مِن عنده .
ابنَ سهلِ الأنصارىَّ ومُحَيِّصةَ بنَ مسعودٍ خرَجا إلى خيبرَ فتفرَّقا فى التمهيد
حوائجِهما، فقُتِل عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ، فقدِم مُحَيِّصةٌ، فَأَتَّى هو وأخوه
حُويِّصةُ وعبدُ الرحمنِ بنُّ سهلٍ إلى النبيِّ بََّ، فذهَب عبدُ الرحمنِ
ليتكلَّمَ؛ لمكانِه من أخيه، فقال رسولُ اللهِ وَظله: ((كبُرْ كَبِّزْ)). فتكلِّم
مُحَيِّصةُ وحُوَيِّصةُ، فذكَرا شأنَ عبدِ اللهِ بنَ سهلٍ ، فقال لهم رسولُ اللهِ :
((أُتَحلِفون خَمسينَ يَمِينًا وتَستَحِقُون دَمَ صاحبكم ، أو قاتلكم؟)) . قالوا :
يا رسولَ اللهِ، لم نَشهَدْ ولم نَحضُرْ. فقال رسولُ اللهِ وَله: «فتُبْرِثُكم
يهودُ بخَمسِينَ يَمينًا؟)). فقالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف نقبَلُ أيمانَ قومٍ
كُفّارٍ؟ قال يحيى: فزعَم بُشَيْرٌ أن رسولَ اللهِ وَلِهِ ودَاه من عندِه(١) .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٥ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٥٣، ٢٣٥٤).
وأخرجه عبد الرزاق ٣٠/١٠، والنسائى (٤٧٣٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٧/٣، وفى =
٣٦٣

الموطأ
التمهيد
لم يَختلِفِ الرواةُ عن مالكِ فى إرسالٍ هذا الحديثِ ، وقد رواه حمادُ
ابنُ زيدٍ، وسفيانُ بنُ عيينةَ(١)، والليثُ بنُ سعدٍ(٢)، وعبدُ الوهابِ
الثّقفئ(٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بُشَیرِ بنِ یَسارٍ ، عن سهلٍ بنِ أُبی
حَتْمَةَ. وبعضُهم يجعَلُ معَ سهلٍ بنِ أبِى حَثْمَةَ رافعَ بنَ خَديج، جميعًا عن
النبيِّ وَّهُ(٤)، وكلُّهم يجعَلُه عن سهلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ مسندًا .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : حدثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ ميسرةَ ومحمدُ بنُ عبيدٍ
المعنَى، قالا: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشَيرِ بنِ
يسارٍ، عن سهلٍ بنٍ أبِى حَثْمةً ورافعٍ بنٍ خَديجٍ، أن مُحَيِّصةَ بنَ مسعودٍ
وعبدَ اللهِ بنَ سهلٍ انطلَقا قِبَلَ خيبرَ فتفرَّقا فى النخلِ ، فَقُتِل عبدُ اللهِ بنُ
سهلِ، فأتَّهَموا اليهودَ ، فجاء أخوه عبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ ("وابنَا عمّه"
القبس
= شرح المشكل (٤٥٨٧) من طريق مالك به .
(١) سيأتى تخريجه ص٣٦٦، ٣٦٧.
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٦٧، ٣٦٨.
(٣) أخرجه الشافعى ٦/ ٩٠، ومسلم (١٦٦٩)، والنسائى (٤٧٣٠)، والبيهقى ١١٨/٨ من
طريق عبد الوهاب الثقفى به .
(٤) بعده فى ف: ((وربما لم يذكر بعضهم رافع بن خديج)).
(٥) فى م: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٠/١٩.
(٦ - ٦) فى ف: ((أتباعه))، وفى م: ((أنبأُ عميه)).
٣٦٤

الموطأ
محُوَّيِّصةُ ومُحَيِّصةٌ، فَأَتَوُا النبيَّ ◌َ، فتكلَّم عبدُ الرحمن فى أمْرِ أخيه وهو التمهيد
أصغرُهم، فقال رسولُ اللهِ وَلَيهِ: ((الكُبْرَ الكُبْرَ)). أو(١) قال: ((لِيبدَأُ
الأكبرُ)). فتكلَّموا فى أمرِ صاحبِهم، فقال رسولُ اللهِ وَله: «يُقْسِمُ مِنكم
خَمْسون(٢) على رجلٍ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟)). قالوا: أمرٌ لم نَشهَدْه، كيف
نَحلِفُ؟ قال: ((فتُبْرِثُكم يهودُ بأيمانِ خَمْسین مِنهم». قالوا: يا رسولَ
اللهِ، قومٌ كفارٌ! قال: فودَاه رسولُ اللهِ وَلَه مِن قِبَلِه. قال: قال سهلٌ:
دخَلتُ (" مِزبدًا لهم٢) يومًا (٤) فركَضتنِى ناقةٌ مِن تلك الإبلِ ركضةٌ برجلها .
هذا أو نحوه(٥).
قال أبو داود : رواه مالكٌ وبشرُ بنُ المُفضَّلِ، عن يحيى، فقالا فيه :
((أتخلفون خمسین یمِینًا وتستحقُّون دم صاحبكم، أو قاتلكم؟)). ولم
يَذْكُرْ بشرٌ(١) ((دَمَ)). وقال عبدةُ ("عن يحيى) كما قال حمادٌ .
القبس
(١) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) بعده فى ف: ((يمينا)).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((مربد التمر)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه البيهقى ١١٨/٨، ١١٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود
(٤٥٢٠). وأخرجه أحمد ٥١١/٢٨ (١٧٢٧٦)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٨/
٥١٣ (١٧٢٧٧)، والبخارى (٦١٤٢، ٦١٤٣)، ومسلم (٢/١٦٦٩)، والنسائى (٤٧٢٧)
من طريق حماد بن زيد به .
(٦) فى م: (( بشیر)).
(٧ - ٧) سقط من: ف.
٣٦٥

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : فى حديثِ حمادٍ بنِ زيدٍ هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّه لا
يُقتَلُ بالقسامةِ إلا واحدٌ ؛ لأنه أمَرهم بتعيينٍ رجلٍ يُقسِمون عليه فيُدفَعُ إليهم
بؤمَّتِه، وهو حُجةٌ لمالكِ وأصحابِه فى ذلك، وكذلك فى حديثٍ
الزهرىِّ، عن سهلٍ بنٍ أَبِى حَثْمةً: ((تُسمُون قاتلكم، ثم تخلِفون عليه
خمسين يَمِينًا، فيُسَلَّمُ إليكم؟))(١). ومن جهةِ النظَرِ فلأنَّ الواحدَ أقلُّ مَن
يُستيقنُ أنه قتلَه ، فوجب أن يُقتصَرَ بالقسامةِ عليه .
قال أبو داودَ(٢): وروَاه ابنُ عيينةَ، عن يحيى، فبدَأ بقولِه: « تُبْرِتُكم
يَهُودُ بِخَمْسين يَمِينًا يخْلِفون)). ولم يذكُرْ الاستحقاقَ. هكذا قال أبو
داودَ، وليس عندَنا حديثُ ابنٍ عيينةً كذلك، وهو عندَنا من روايةٍ
الحميدىِّ - وهو أثبتُ الناسِ فى ابنٍ عيينةً - على غيرِ ما ذكره .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ ، قال:
حدَّثنا سفيانُ ، قال: حدّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال : أخبرنى بُشَيرُ بنُ يَسارٍ ،
أنه سمِع سهلَ بنَ أبى حَثْمَةَ يقولُ : وُجِد عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ قتيلاً فى فَقيرٍ أو
قَليبٍ من قُلُبٍ خيبرَ(٢)، فأَتَى أخوه النبىَّ وَّهِ؛ عبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٦٨ - ٣٧٠.
(٢) أبو داود عقب الحديث (٤٥٢٠).
(٣) فى ف: ((حنين)).
٣٦٦

الموطأ
وعمّاه حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ ابنا مسعودٍ ، فذهَب عبدُ الرحمن يتكلّمُ ، فقال التمهيد
النبيُّ ◌َةِ: ((الكُبْرَ الكُبْرَ)). فتكلّم مُخَيِّصةُ، فذكر مقتلَ عبدِ اللهِ بنِ
سهلٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا وجدنا عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ قتيلًا، وإن
اليهودَ أهلُ كُفرٍ وغدرٍ، وهم الذين قتلوه. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ:
((تحْلِفون خَمسِين يَمينًا وتسْتَحِقُون صاحِبَكم، أو دَمَ صاحبِكم؟)).
قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف نَحلِفُ على ما لم نَحضُرْ ولم نَشهَدْ؟ قال :
((فتُبْرِتُكُم يهودُ بخمسين يمينًا؟)). قالوا: كيف نقبَلُ أيمانَ قوم
مشركين؟ قال: فودَاه رسولُ اللهِ وَ له مِن عندِه. قال سهلٌ: فلقد
ركَضَتنى بَكْرَةٌ منها(١) .
وروَاه الشافعىُّ(٢) وغيرُه جماعةٌ، عن ابنٍ عيينةَ كما قال أبو داود .
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وأحمدُ بنُ محمدٍ ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ
مُطرّف ، قال : حدّثنا عبيدُ اللهِ بنُ یحیی ، قال : أخبرنى أبى ، عن الليثِ ،
عن يحيى بن سعيدٍ، عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ، عن سهلٍ بن أبى حَثْمةً - قال
يحيى: حَسِبتُ أنه قال: وعن رافعٍ بنٍ خَديج - أنهما قالا: خرَج عبدُ اللهِ
ابنُ سهلِ بنِ زیدٍ ومُحَيِّصةُ بنُ مسعودٍ بن زیدٍ ، حتى إذا كانا بخيبر تفرّقا فی
القبس
(١) الحميدى (٤٠٣). وأخرجه مسلم (١٦٦٩)، والنسائى (٤٧٣١) من طريق ابن عيينة به .
(٢) الشافعى ٦/ ٩٠.
٣٦٧

الموطأ
التمهيد بعض ما هُنالك، ثم إذا مُحَيِّصةُ يجِدُ عبدَ اللهِ قتيلًا، فدفَنه ثم أقبل إلى
رسولِ اللهِ وَ لِّه هو وحُوَيِّصةُ بنُ مسعودٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ - وكان
أصغرَ القوم - فذهَب عبدُ الرحمنٍ ليتكلَّمَ قبلَ صاحبيه ، فقال رسولُ اللهِ
وَلَه: ((كَبُرْ)). للكُبْرِ فى السّنِّ، فصمَتَ وتكلّم صاحباه ثم تكلّم
معَهما، فذكروا لرسولِ اللهِ وَلّ مقتلَ عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ، فقال:
((أَتَحْلِفونَ خَمسين يمينًا فتسْتَحِقُّونَ صاحبكم، أو قتيلَكم؟)). فقالوا :
وكيف نحلِفُ ولم نَشهَدْ؟ قال: ((فتُبْرِتُكُم يَهودُ بخَمسين يَمِينًا؟)).
قالوا: وكيف نقبَلُ أيمانَ قوم كفارٍ؟ فلمَّا رأى ذلك رسولُ اللهِ فَهِ أَعْطَى
عَقْلَهُ(١) .
وقد (٢) روَاه بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بُشَيرِ بنِ
يسارٍ، عن سهلِ بنِ أبى حَثْمةً ، قال: وُجِد عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ قتيلًا، فجاء
أخوه وعمّاه . وذكر الحديثَ(٣).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ ، قال:
القبس
(١) أخرجه مسلم (١/١٦٦٩)، والنسائى فى الكبرى (٦٩١٥) من طريق الليث بن سعد به.
(٢) سقط من: ف.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٦٩)، والنسائى (٤٧٢٨، ٤٧٢٩)، من طريق بشر بن المفضل به .
٣٦٨

الموطأ
حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: فحدَّثنى الزهرىُّ، عن التمهيد
سهلٍ بنِ أبِى حَثْمَةَ. قال ابنُ إسحاقَ: وحدّثنى أيضًا بُشيرُ بنُ يسارٍ مَوْلى
بَنِى حارثةً )، عن سهلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ ، قال: أُصيب(٢) عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ
بخيبرَ، وكان خرَج إليها فى أصحابٍ له يَعْتارُ(١) منها تمرًا، فؤُجِد فى عينٍ
قد كُسِرت ◌ُنقُه ثم طُرِح فيها، فأخذوه فغيَّوهُ(٤) ، ثم قدِموا على رسولٍ
اللهِ وَلِّ فذكَروا له شأنَه، فتقدَّم إليه أخوه عبدُ الرحمنِ ومعه ابنا عمِّه
حُوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ ابنا مسعودٍ ، وكان عبدُ الرحمنِ من أحدثهم سنًّا، وكان
صاحبَ الدَّمِ، وكان ذا قَدَمِ فى القومِ، فلما تكلّم قبلَ ابنَىْ عمِّه، قال
رسولُ اللهِ وَِّ: ((الكُتْرَ الكُبْرَ)). فسكَّت، فتكلَّم حُوَيِّصُ ومُحَيِّصةُ ، ثم
تكلَّم هو بعدُ، فذكَروا لرسولِ اللهِ وَِّ قتلَ صاحبِهم، فقال رسولُ اللهِ
وَ لَه(( تُسَقُّون قاتِلَكم ثم تَحلِفون عليه خمسين يمينًا فيُسَلّمُ إليكم؟)).
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ما كنّا لنَحلِفَ على ما لا نعلَمُ. قال: ((فيَحلِفون
لكم باللهِ خَمسِينِ يَمينًا ما قتلوه ولا يعلَمُون له قاتِلًا، ثم يَتْرَغُون من
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) فى الأصل: ((أصبت)).
(٣) فى الأصل، ف: ((يمتاز)). ومارهم ميرا من باب باع، أتاهم بالميرة، بكسر الميم، وهى
الطعام، واستارها لنفسه. المصباح المنير ( م ی ر ).
(٤) سقط من: ف .
٣٦٩
(موسوعة شروح الموطأ ٢٤/٢١ )

الموطأ
التمهيد دمِه؟)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، ما كنا لنقبَلَ أيمانَ يهودَ، ما فيهم مِن الكفرِ
أعظمُ مِن أن يَحلِفوا على إثم. قال: فودَاه رسولُ اللهِ وَّهِ مِن عندِه مائَةً
ناقةٍ . قال سهلٌ : فواللهِ ما أنسَى بَكْرةً منها حمراءَ ضرَبتنى وأنا أَحوزُها(١).
ففى هذه الرواياتِ لمالكِ وغيرِه إثباتُ تَبدِئة المدَّعِین بالأيمانِ فی
القَسامةِ . وفى حديثٍ مالكِ هذا من الفقهِ إثباتُ القَسامةِ فى الدَّمِ ، وهو أمرٌ
كان فى الجاهليةِ، فأقرّها رسولُ اللهِ وَلّ فى الإسلامِ.
ذكّر معمرٌ ويونسُ، عن الزهرىِّ، قال: أخبرنى أبو سلمةً بنُّ
عبد الرحمنِ وسلیمانُ بنُ یسارٍ ، عن رجال أو رجلٍ من أصحاب رسولٍ
اللهِ وَلَهُ مِن الأنصارِ، أن رسولَ اللهِ وَ لَهِ أَقَرّ القَسامةَ على ما كانت عليه
فى الجاهلية .
ذگره عبد الرزاق(٢)، عن معمرٍ، وذكره ابنُ وهپٍ(٣)، عن يونسَ،
قال يونسُ: عن رجلٍ. وقال معمرٌ: عن رجالٍ. وقال معمر، عن
الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ : كانت القَسامةُ فى الجاهليةِ فأقرّها رسولُ اللهِ
وَ﴿ وقضى بها فى الأنصارىِّ الذى وُجِد مقتولًا فى مجبٌّ اليهودِ بخيبرَ.
القبس
(١) ابن إسحاق (٣٥٥/٢ - سيرة ابن هشام) . - ومن طريقه المروزى فى السنة (٢٣٢)،
والبيهقى ١٢٠/٨.
(٢) عبد الرزاق (١٨٢٥٢).
(٣) أخرجه مسلم (٧/١٦٧٠)، والنسائى (٤٧٢١) من طريق ابن وهب به.
٣٧٠

الموطأ
وفيه أن القومَ إذا اشترَكوا فى معنًى مِن معانى الدَّعوَى وغيرِها ، كان التمهيد
أَوْلاهم بأن يبدأ بالكلام أكبرَهم، فإذا سُمِعٍ منه تكلّم الأصغرُ فشُمِع منه
أيضًا إن احتيج إلى ذلك، وهذا أدبٌ وعلمٌ، فإن كان فى الشُّركاءِ فى
القولِ والدَّعوَى مَن له بيانٌ، ولِتَقْدِمَتِه فى القولِ وَجةٌ، لم يكنْ بتقديمِه
بأس إن شاء اللهُ .
أخبرنا محمدُ بنُ زكريا ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدّثنا مروانُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبو حاتم،
عن العُتْبِيِّ ، قال: قال سفيانُ بنُ عبينةَ: قدِم وفدٌّ من العراقِ على عمرَ بنِ
عبدِ العزيزِ، فنظَر عمرُ إلى شابٌّ منهم يريدُ الكلامَ ويهَشُ(١) إليه، فقال
عمرُ: كَبَّرُوا كَبّروا. يقولُ: قدِّموا الكبارَ. قال الفتى: يا أميرَ المؤمنين، إن الأمرَ
ليس بالسنِّ، ولو كان الأمر كذلك، لكان فى المسلمين من هو أسنُّ منك .
قال: صدقْتَ ، فتكلَّمْ ، رحمك اللهُ. قال: إنّا وفدُ شُكّرٍ. وذكَر الخبرَ.
وفیه أنّ المدعین الدم ◌ُدَُّون بالأيمانِ فی القَسامةِ خاصّةً ، وهو یخصُّ
قولَ النبيِِّ وَلَّهِ: ((البينةُ على المدَّعِى، واليمينُ على المنكِرِ))(١). فكأنه
قال بدليلٍ هذا الحديثِ : إلا فى القسامة . ولا فرقَ بينَ أن يجىءَ ذلك فى
القبس
(١) فى الأصل: ((بهش)).
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٧٤.
٣٧١

الموطأ
التمهيد حديثٍ واحدٍ أو حديثَين؛ لأن ذلك كلَّه بسنتِهِ وَالَهِ .
وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدَّثنا أبو يحيى بنُ أبى مسرةَ، قال: حدَّثنا مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال :
حدَّثنا مسلمُ بنُ خالدِ الزَّنْجِىُّ ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن أبيه، عن جدِّه،
قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((البيّنةُ على المدَّعِى، واليمينُ على مَن أنكَر،
إلا فى القَسامةِ)) (١).
وهذا الحديثُ وإن كان فى إسنادِهِ لِينٌ، فإن الآثارَ المتواتِرةَ فى
حديثٍ هذا البابِ تَعْضُدُه، ولكنه موضِعٌ اختلف فيه العلماءُ ؛ فقال مالكٌ
رحِمه اللهُ: الأمرُ المجتَمَعُ عليه عندَنا ، والذى سمِعتُ ممَّن أرضَى فى
القَسامةِ ، والذى اجتمَعتْ عليه الأئمةُ فى القديم والحديثِ ، أن يُبدَّأَ
بالأيمانِ المدَّعون فى القَسامةِ. قال: وتلك الشُّنّةُ التى لا اختلافَ فيها
عندَنا ، والذى لم يزَلْ عليه عملُ الناسِ ، أنّ المُبَدَّئين فى القَسامةِ أهلُ الدَّمِ
الذين يدَّعونه فى العمدِ والخطأ؛ لأن رسولَ اللهِ وَلَ بدَّأْ الحارِثِيِّين فى
صاحبِهم الذى قُتِل بخيبرَ. وذهَب الشافعىُّ فى تَبدِئةِ المدَّعين الدَّمَ
بالأيمانِ إلى ما ذهب إليه مالكٌ فى ذلك، على ظواهرِ هذه الأحاديثِ
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢١٨/٤، والبيهقى ١٢٣/٨ من طريق مطرف بن عبد الله به، وأخرجه
الترمذى (١٣٤١) من طريق عمرو بن شعيب به.
٣٧٢

الموطأ
المتقدِّمِ ذِكرُها فى هذا البابِ. ومن حُجةٍ مالكِ والشافعيِّ فى تَبدِئةِ التمهيد
المدَّعينَ الدَّمَ باليمينِ - مع صحةِ الأَثَرِ بذلك - قولُ اللهِ عزّ وجلّ :
﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وقولُه عزّ وجلّ: ﴿لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [المائدة: ٨٢].
فِلِلِعَداوةِ (١) التى كانت بينَ الأنصارِ واليهودِ بَدَّأ الحارِئِين بالأيمانِ، وجعَل
العداوةَ سببًا تَقوَى به دعواهم ؛ لأنه لَطْخٌ يليقُ بهم فى الأغلبِ لعداوتهم ،
ومن سُنّتِهِ وَ لّ أنّ من قوِى سببُه فى دَعواه، وجَبَت تَبَدِئتُه باليمينِ ، ولهذا
جاء اليمينُ مع الشاهدِ، واللهُ أعلمُ، معَ ما فى هذا من قطعِ التطرُّقِ إلى
سفكِ الدماءِ، وقبضٍ أيدى الأعداءِ عن إراقةٍ دمٍ مّن عادَؤه على الدنيا .
واللهُ أعلمُ .
وذهب (٢ جمهور أهل٣) العراقِ إلی تبدئة المدَّعَی علیھم بالأیمانِ فی
الدماءِ، كسائرِ الحقوقِ . وممّن قال ذلك ؛ أبو حنيفةً وأصحابُه ، وعثمانُ
البِّىُ، والحسنُ بنُ صالح، وسفيانُ الثورىُّ، وابنُ أبى ليلى ، وابنُ شُبْرمةَ ،
كلُّ هؤلاء قالوا: يُبدَّأُ المَدَّعَى عليهم. على عمومٍ قولِ رسولِ اللهِ وَالٍ:
((البينةُ على مَن ادّعَى، واليمينُ على مَن أنكَر)).
القبس
(١) فى م: ((فالعداوة)).
(٢ - ٢) فى ف: ((طائفة من)).
٣٧٣

الموطأ
التمهید
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال :
حدَّثنا الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا المزني، قال: حدثنا الشافعىُّ، قال :
أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنٍ جريجٍ، عن ابنٍ أَبی مليكةً، عن ابنِ
عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَ هِ قال: ((البينةُ على المدَّعِى، واليمينُ على
المدَّعَى عليه))(١).
قالوا : وهذا على عمومِه فى سائرِ الحقوقِ مِن (١) الدماءِ أو غيرِها؛ لأنه
قد روى أن مخرج هذا الخبرِ کان فى دعوى دمٍ .
وذكَروا ما حدّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُّ قاسم، قالا:
حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ بمكةً
والحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قالا : حدثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ ، قال : حدثنا نافعُ
ابنُّ عمرَ، عن ابنٍ أبى مُلَيكةً، قال: كتبتُ إلى ابنِ عباسٍ فى امرأتين
أُخرَجت إحداهما يدَها تَشْخَبُ دمًا ، فقالت : أصابتنى هذه. وأنگرچٍ
ءِ
الأخرى، فكتَب إلىَّ ابنُ عباسٍ: إن رسولَ اللهِ وَ لِّقال: ((إنَّ اليَمينَ على
المُدَّعَى عليه)). وقال: ((لو أنَّ الناسَ أَعطُوا بدَغْوَاهم لادَّعَى ناسٌ دِماءَ قوم
وأموالَهم)). ادعُها فاقرَأَ عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا
قَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ اَلْأَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] . فقرَأْتُ عليها ،
القبس
(١) الشافعى ٧/ ٩٣.
(٢) فى ف: ((فى)).
٣٧٤

الموطأ
التمهید
فاعترَفت ، فبلَغْه فسرّه(١) .
وحدّثنا عبدُ الوارث ، قال: حدثنا قاسم، حدثنا محمدُ بنُ الجَهم ،
حدثنا عبدُ الوهابِ ، قال : أخبرنا ابنُ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى مليكةً ،
عن ابنِ عباسٍ، أنّ رسولَ اللهِ وَ الإِقال: ((لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادَّعَی
ناسٌ دماءً قومٍ وأموالهم، ولكنَّ اليمينَ على المُدَّعَى عليه))(١).
قالوا : فهذا عندَنا فى جميعِ الحقوقِ .
وعارضوا الآثارَ المتقدمةَ بما حدّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ علىٍّ،
قال : حدثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً
ابنِ عبدِ الرحمنٍ وسليمانَ بنِ يسارٍ، عن رجالٍ (١) مِن الأنصارِ، أن النبىّ
وَّ قال ليهودَ(٤) وبدَأ بهم: ((أيَحلِفُ منكم خمسون رجلاً؟)). فأَبَوا،
فقال للأنصارِ: ((اسْتَحِقُّوا)). فقالوا: نَحلِفُ على الغيبِ يا رسولَ اللهِ؟
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٤١/١٨.
(٢) أخرجه البخارى (٤٥٥٢)، ومسلم (١/١٧١١)، وابن ماجه (٢٣٢١)، والنسائى فى
الکبری (٥٩٩٤) من طريق ابن جريج به .
(٣) فى الأصل، ومصنف عبد الرزاق: ((رجل)).
(٤) فی م، وسنن أبى داود: ((لليهود)).
٣٧٥

الموطأ
التمهيد فجعَلها رسولُ اللهِ وَِّ على يهودَ؛ لأنه وُجِد بينَ أظهُرِهم(١).
وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ يحيى الحرّانىُ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
سلمةَ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدثنى أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ ،
قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، جميعًا عن محمدِ بنِ إسحاقَ - واللفظُ
لحديثِ عبدِ الوارثِ - قال: حدثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن
عبد الرحمنِ بنِ بُجَيْدِ بنِ قَيْظِيِّ أحدٍ بنى حارثةَ - قال محمدُ بنُ إبراهيمَ :
وايمُ اللهِ ، ما كان سهلٌ بأكثرَ علمًا منه، ولكنه كان أسنَّ منه - أنه قال :
واللهِ ما كان الشأنُ هكذا، ولكنَّ سهلًا أَوْهَمَ، ما قال رسولُ اللهِ وَله
اخْلِفُوا على ما لا عِلْمَ لكم به . ولكنه كتَب إلى يهودَ حينَ كلَّمته الأنصار :
((إنه قد وُجِد قتيلٌ بينَ أبياتِكم(١) فدُوه)). فكتَبوا إليه يحلِفون باللهِ ما قتلوه ،
ولا يعلَمون له قائلاً. فودَاه رسولُ اللهِ وَلَّ مِن عندِه(٢).
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٢١/٨ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٤٥٢٦)،
وعبد الرزاق عقب الحديث (١٨٢٥٢) - ومن طريقه أبو عوانة (٦٠٤٩).
(٢) فى ف: ((أبنائكم)).
(٣) أبو داود (٤٥٢٥)، وابن إسحاق (٣٥٥/٢ - سيرة ابن هشام ) - ومن طريقه
البيهقى ١٢٠/٨.
٣٧٦

الموطأ
قال أبو عمر : لیس قول عبد الرحمن بن ◌ُجيد هذا مما يُرَدُّ به قول سهل التمهيد
ابن أبى حَثْمةً؛ لأن سهلًا أخبر عما رأى وعاين و" شاهد حتى" رحّضتْه
منها ناقةٌ واحدةٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ بُجيدٍ لم يَلقَ النبيَّ وَلِّ ولا رآه، ولا
شهد هذه القصةً ، وحديثه مرسل ، وليس إنكار من انگر شيئًا بحجةٍ على
مَن أثبته ، ولكنْ قد تقدَّم عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ وسليمانَ بنِ یسارٍ ، عن
رجالٍ مِن الأنصارِ، مخالَفةً فى تَبدئةِ الأيمانِ فى هذه القصةِ ، وهو حديثٌ
ثابتٌ . وكذلك اختُلِف فى حديثِ سهلِ بنِ أبى حَثْمةً أيضًا، ولكنّ الرّوايةَ
الصحیحةً فی ذلك إن شاء اللهُ، روایةُ مالك ومن تابعه ، عن يحيى بنٍ
سعیدٍ وغیرِه علی ما ذكرناه فى هذا البابِ .
ومن الاختلافِ فى حديثٍ سهلِ ما حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سفيان،
قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ،
قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سعيدٌ - يعنى ابنّ عُبيدٍ الطائىَّ - عن
بُشَيرِ بنِ يسارٍ ، أن رجلاً من الأنصارِ يقالُ له: سهلُ بنُّ أبى حَثْمَةً . أخبره،
أنَّ نفَرًا من قومِه انطلقوا إلى خيبرَ فتفَرَّقوا فيها ، فوجَدوا منهم قتيلًا ، فقالوا
للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا. قالوا: ما قتلناه ولا علِمنا له قاتلًا .
قال : فانطلقوا إلى النبى پټ فقالوا : يا نبى الله ، انطلقنا إلى خيبرَ ، فوجدنا
القبس
(١ - ١) فى ف: ((شهد حين).
٣٧٧

الموطأ.
التمهيد أحدَنا قتيلاً. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((الكُبْرَ الكَبْرَ)). فقال لهم: ((تَأْتُونَ
بالبيِّنَةِ عَلَى مَن قتَل؟)). فقالوا: ما لنا بينةٌ. قال: ((فيَحلِفون لكم؟)).
قالوا: ما نَرضَى (١) أيْمانَ يهودَ. فَكَرِه رسولُ اللهِ وَلَهُ أَن يُطِلَ دَمَه، فوَدَاه
بمائةٍ مِن إبلِ الصدَقةِ(٢) .
قال أبو عمرَ: هذه روايةُ أهلِ العراقِ عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ فى هذا
الحديثِ ، وروايةُ أهلِ المدينةِ عنه أَثبَتُ إن شاء اللهُ، وهم به أقعَدُ ، ونقلُهم
اصڅ عند أهل العلم ، وقد حگی الأثرمُ عن أحمد بن حنبلٍ أنه ضَّف
حديثَ سعيدِ بنِ عبيدِ هذا، عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ ، وقال : الصحيحُ عن بُشَيرٍ
ابنِ يسارٍ ما رواه عنه يحيى بنُ سعيدٍ. قال أحمدُ : وإليه أذهبُ.
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داود ، قال : حدثنا الحسنُ بنُ علیّ بن راشدٍ ، قال : حدثنا هشیم ، عن
أبي حيانَ الثَّميِّ، قال: حدثنا عَبَايةٌ(٢) بنُ رفاعةً، عن رافعٍ بنِ خَدیجٍ،
قال: أصبَح رجلٌ مِن الأنصارِ مقتولًا بخيبرَ، فانطلَق أولياؤه إلى النبيِّ وَله
القبس
(١) فى الأصل: ((ترضى)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٢٥٥، وأبو عوانة (٦٠٤٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٨/٣
من طريق أبى نعيم به، وأخرجه مسلم (٥/١٦٦٩)، وابن خزيمة (٢٣٨٤) من طريق سعيد بن عبيد
الطائی به .
(٣) فى ف: ((عبادة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦٨/١٤.
: ٣٧٨

الموطأ
التمهيد
فذگروا ذلك له، فقال لهم: ((شاهِدان یشْهَدان علی قتلِ صاحبِكم)) .
قالوا : يا رسولَ اللهِ ، لم يكنْ ثَمَّ أحدٌ مِن المسلمين، وإنما هم يهودُ ، وقد
يجتَرِئون على أعظمَ من هذا. قال: ((فاختاروا مِنهم خمسين
فاستحلِفوهم(١))). فأَبَوا، فوَدَاه رسولُ اللهِ وَلِّ مِن عندِه(١).
قال أبو عمرَ: فى هذه الأحاديثِ كلِّها تَبدئةُ المدَّعَى عليهم بالأيمانِ
فى القَسامةِ ، وفى الآثارِ المتقدِّمةِ عن سهلٍ بنِ أبى حَثْمةً تَبدئةُ المدَّعِين
بالأيمان ، وقد روى ابنُ شهاب هذه وهذه، وقضی بما فی حديث سهلٍ،
فدَلّ على أن ذلك عندَه الأَثبَتُ والأُوْلَى على ما قال أحمدُ بنُ حنبلٍ ، وعلى
ما ذهب إليه الحجازيون . واللهُ أعلمُ .
فإن قيل : قد روَى مالكٌ()، عن ابنِ شهابٍ، عن عِراكِ بنِ مالكٍ
وسليمانَ بن يسارٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ بَدَّأ المدَّعَی علیهم بالأيمانِ فی
القَسامةِ(٤). °قيل له°): المصير إلى المسندِ الثابتِ أولى من قولِ الصاحبِ
القبس
(١) فى ف: ((فاستحلفهم)).
(٢) أخرجه البيهقى ١٣٤/٨، ١٤٨/١٠ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود
(٤٥٢٤). وأخرجه الطبرانى (٤٤١٣) من طريق الحسن بن على به .
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه الشافعى فى مسنده ٢٣٢/٢ (٣٨٤ - شفاء العی)، والبيهقى ١٢٥/٨، ١٨٣/١٠
من طريق مالك به .
(٥ - ٥) فى ف: ((لكن)).
٣٧٩

الموطأ
التمهيد من جهةِ الحجةِ .
وفى هذا الحديث ، حديثٍ يحيى بنِ سعيدٍ ، عن بُشَيرِ بنِ یسارٍ ،
نُكولُ الفريقين عن الأيمانِ ، وفى ذلك ما يدُلَّ على أن الدِّيةَ إنما جعَلها
رسولُ اللهِ وَلَه مِن عندِه تبرُّعًا؛ لئلا يُطَلّ ذلك الدم، وذلك ليس بواجبٍ.
واللهُ أعلَمُ .
وقد روى ابنُ عبدِ الحكم عن مالكِ فى قتيلٍ ادَّعَى بعضُ ؤُلاتِه أنه
قُتِل عمدًا، وقال بعضُهم: لا علمَ لنا بمَن قتله، ولا نحلِفُ. فإن دمَه
يُطَلُّ.
وللفقهاءِ فی القسامة وفیما یوچئها من الأسباب ، وفیما یجبُ بها مِن
القَوَدِ أو الدِّيةِ، مذاهبُ نحن نذكُرُها هلهنا ليتبيَّنَ للناظرِ فى كتابِنا معنى
القَسامةِ بيانًا واضحًا إن شاء اللهُ تعالى. قال مالكٌ رحِمه اللهُ : القسامةُ لا
تجِبُ إلَّ بأحدٍ أمرين؛ إما أن يقولَ المقتولُ: دمِى عندَ فلانٍ. أو يأتىَ وُلاةُ
المقتولِ بلوثٍ(١) مِن بيّنةٍ وإن لم تكنْ قاطعةً على الذى يُدَّعَى عليه الدمُ ،
فهذا يوجِبُ القَسامةَ لمدَّعِى الدم على من الدَّعَوه، فيحلِفُ مِن ؤُلاةِ الدم(١)
خمسون رجلاً خمسين يمينًا، فإن قلَّ عددُهم أو نَكَل بعضُهم، رُدَّت
القبس
(١) اللَّوث: هو أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانًا قتلنى، أو يشهد
شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، وهو من التَّلوث: التَّلطُّخ. النهاية ٢٧٥/٤.
(٢) فى الأصل: ((القوم)).
٣٨٠