النص المفهرس

صفحات 181-200

فهو فى مالِ الجارِحِ خاصَّةٌ .
الموطأ
الديةِ فصاعدًا، فما بلَغ الثُّلُثَ فهو على العاقلةِ، وما كان دونَ الثُّلُثِ فهو الاستذكار
فى مالِ الجارحِ(١) خاصَّةٌ .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم ذكرُ إجماع العلماءِ على أن العاقلةَ تحمِلُ الديةَ
الكاملةَ(٢) فى قتلِ المؤمنِ الحرّ خطأً، ذكرًا كان أو أُنْقَى .
واختلفوا فى مبلغ ما تحمِلُهُ العاقلةُ مِن دِيَاتِ الجِراحاتِ(٢) الخطّ(٤) ؛
فقولُ مالكِ ما ذكّره فى ((موطئِه))، وعليه(٥) جماعةُ أصحابِهِ ، أن العاقلةَ لا
تحمِلُ إلا الثُّلُثَ "فصاعدًا من ديةِ الخطأُ )) . وهو قولُ(٧) الفقهاءِ السبعةِ من
أهلِ المدينةِ ، وبه قال ابنُ أبى ذئبٍ ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبى سلمةً . وقال أبو
حنيفةً(٨) وأصحابُه: إذا (" بلَغت الجراحةُ) من المرأةِ عُشْرٌ ديتِها، ومن
القبس
(١) فى الأصل، ح، هـ: ((الجانى).
(٢) فى الأصل، م: ((كاملة)).
(٣) فى الأصل: ((الجنايات)).
(٤) فى الأصل، م: ((فى الدماء بعد إجماعهم أن العاقلة تحمل دية المؤمن المقتول خطأ ذكرا
كان أو أنثى وبعد إجماعهم على أنها لا تحمل شيئا من جنايات الأموال)».
(٥) بعده فى الأصل، م: ((جمهور).
(٦ - ٦) فى الأصل، م: ((فما زاد)).
(٧) بعده فى الأصل، م: ((سعيد بن المسيب و)).
١
(٨) فى الأصل، م: ((سلمة)).
(٩ - ٩) فى الأصل، م: ((بلغ)).
١٨١

الموطأ
الاستذكار الرجل نصفَ عُشْرِ ديتِه، حَمَلَتْه(١) العاقلةُ، (" وما دونَها ففى مالٍ الجانى لا
تحمِلُه العاقلة٢ُ) . وقال الثورىُّ وابنُ شُبْرُمةَ: "المُوضِحةُ فما زاد على
العاقلة٢ٍ) . فدلَّ على أنهما اعتَبرا مِن الرجلِ والمرأةِ مقدارَ مُوضِحةِ الرجلِ .
وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ(٤). وقال عثمانُ البَّىُّ والشافعىُّ: تحمِلُ
العاقلةُ القليل والكثيرَ مِن أُرُوشِ الدماءِ فى الخطأُ(٥)، مِن حرّ وعبدٍ، وذكرٍ
وأُنثى. قال الشافعىُّ: لأن رسولَ اللهِ وَ ◌ّه لمَّا حمَّل العاقلةَ الأكثرَ، دلَّ
على " تحمُّلِها الأيسر).
قال أبو عمرَ: وجهُ قولِ مالكِ، والحُجّةُ له، أن الأصلَ أَلَّ يَحمِلَ
أحدٌّ جنايةً غيره؛ لأن الله تعالى يقولُ فى كتابه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال النبيُّ وَّه لرجلٍ فى اينه: «إنك لا
تَجْنى عليه، ولا يَجْنى عليك))(٨). فلا تكسِبُ كلُّ نفسٍ إلا عليها ) فى دمٍ
القبس
(١) فى ح، هـ، و، ط١، ((حملت ذلك)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ، و، ط ١: ((ولم تحمل ما دون ذلك)).
(٣ - ٣) فى ح، هـ، و، ط ١: ((تحمل العاقلة من ديات جراح الخطأ ما بلغ أرش الموضحة
فصاعدا، ولا تحمل ما دون ذلك)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٣٧٤.
(٥) بعده فى الأصل، م: ((من قتل وجرح).
(٦ - ٦) فى ح، هـ: ((أنها تحمل الأكثر))، وفى و: ((أنها تحمل الأولى)). وفى ط ١: ((أنها لا
تحمل الأقل)).
(٧ - ٧) فى ح، هـ، و، ط ١: ((لأنه لا تكسب كل نفس إلا عليها)).
(٨) تقدم تخريجه فى ١٧/٨.
١٨٢
ء -

الموطأ
ولا مالٍ، إلا أن يَخُصَّ ذلك سُنَّةٌ قائمةٌ أو إجماعٌ، وقد أجمعوا الاستذكار
أن العاقلةَ تحمِلُ ثُلُثَ الديةِ فصاعدًا). (٢ خرَج ذلك مِن معنى ما
تَلَونا، وبقِى ما اختلف فيه على الأصلِ المعلوم فى؛ ﴿أَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ
وِزْرَ أَغْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. و﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا
عَلَيَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]). فكان استثناءً مجتمعًا عليه مِن أصلٍ مُجتَمعٍ
عليه؛ لأن مَن قال: تحمِلُ العاقلةُ العُشْرَ ونصفَ العشرِ فصاعدًا. ومَن
قال: تحمِلُ القليلَ والكثيرَ. قد أجمَعُوا(٢) فى تحمُّلِ الثُّلُثِ فصاعدًا ،
فوجب أن يكونَ ما نقَص مِن الثُّلُثِ مردودًا إلى الإجماع؛ فى أنه لا يحمِلُ
أحدٌ إلا ما جنَتْ يدُه لا ما جنَی غیرُه .
وأمّا الشافعىُ ، فالحجةُ له فيما ذهَب إليه من ذلك إجماع المسلمين
على أن رسولَ اللهِ وَله سنَّ لأَمتِه أن العاقلةَ تحمِلُ الديةَ كاملةً فى قتلٍ
الخطأُ ، ومعلومٌ أن ذلك حملٌ لجميع أجزاءِ الديةِ، فمَن زعم أن جزءًا
منها؛ عشْرًا أو نصفَ عُشرٍ أو ثلثًا (٤)، لا تحمِلُه العاقلةُ ولا تحمِلُ ما
دونَه، فقد قال بما لا يَعضُدُه نظرٌ ولا قياسٌ، ولم يرِدْ فيه أصلٌ يجبُ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((ما بلغ الثلث من الدية فما زاد منحته العاقلة)).
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، و، ط ١.
(٣) فى ط ١، م: ((اجتمعوا)).
(٤) فى ح: ((مثلها)).
١٨٣

الموطأ
قال مالكٌ: الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا فيمَن قُبِلَت منه الديةُ
فى قتلِ العمْدِ، أو فى شىءٍ مِن الجِراح التى فيها القِصاصُ ، أن عقلَ
ذلك لا يكونُ على العاقلةِ إلا أن يشاءُوا، وإنما عقلُ ذلك فى مالٍ
القاتلِ أو الجارحِ خَاصَّةً ، إن وُجِد له مالٌ، فإن لم يُوجَدْ له مالٌ كان
دَينًا عليه، وليس على العاقلةِ منه شىءٌ إلا أن يشاءُوا.
الاستذكار التسليمُ له، لوجودِ الاختلاف فيه. فالقياسُ ما قاله الشافعىُّ فى ذلك.
واللهُ أعلمُ(١).
قال مالك : الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا فيمَن قُبِلت منه الديةُ فى
قتلِ العمدِ، "أو شىءٍ مِن الجراح التى فيها القِصاصُ، أن عقلَ ذلك لا
يكونُ على العاقلةِ إلا أن يشاءُوا ، وإنما عقلُ ذلك فى مالِ القاتلِ أو الجارحِ
خاصةً ،إن ◌ُچِد له مالٌ ، فإِن لم يُوجد له مالٌ کان دَیْنًا علیه ، وليس على
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((قال أبو عمر: قد تجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، قال الله
عز وجل ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم ب﴾. وروى عن النبى والفل أنه قال: «تجاوز الله عن
أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). وما تجاوز الله عنه فلا وزر فيه. ولا معنى لقول من
احتج فى هذا الباب بقول الله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقد سن رسول الله وسل* فى قتل
المؤمن خطأ ألا يطل دمه، وأن يحمله غيره الذى أخطأ فيه ولم يرد قتله، وأن يتعاون فيه قبيله
ورهطه . وما سنه رسول الله {پڼ فذلك مدی الله، قال الله تعالى : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((أرش)).
١٨٤

قال مالكٌ: ولا تعقِلُ العاقلةُ أحدًا أصاب نفسَه عَمْدًا أو خطأً الموطأ
بشىءٍ، وعلى ذلك رأىُ أهلِ الفقهِ عندَنا، ولم أسْمَعْ أن أحدًا
ضَمَّن العاقلةَ مِن ديةِ العمدِ شيئًا، ومما يُعرّفُ به ذلك أن الله
تبارك وتعالى قال فى كتابه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ
بِاَلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. فتفسيرُ ذلك فيما
نُرَى، واللهُ أعلم، أنه مَن أَعْطِى مِن أخيه شىءٌ مِن العقلِ فليَتْبَعْه
بالمعروف ، ولیُؤَدِّ إلیه یاحسانٍ .
العاقلةِ منه شىءٌ إلا أن يشاءُوا .
الاستذكار
قال أبو عمر: قد مضى هذا المعنى من قول ابنٍ شهاب ویحیی بنِ
سعيدٍ فى أولِ هذا البابِ . والذى عليه أهلُ العلم بالحجازِ والعراقِ وأتباعِهم
فى سائرِ البلدانٍ ، أن العاقلةَ لا تحمِلُ عمدًا ولا اعترافًا ولا صُلْحًا مِن عمدٍ،
كما قال ابنُ عباس رضِى اللهُ عنه (١)، وما شذَّ عن هذا الأصل مِن مذاهبٍ
أصحابنا) فواجبٌ رگه(٣) إلیه. وبالله التوفيقُ.
قال مالك : ولا تعقِلُ العاقلةُ أحدًا أصاب نفسَه عمدًا أو خطأ بشىءٍ ،
وعلى ذلك رأىُ أهلِ الفقهِ عندَنا ، ولم أسمَعْ أن أحدًا ضمّن العاقلةً مِن ديةِ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٢٥.
(٢ - ٢) فى ح، هـ، و: ((مسائل أصحابنا))، وفى ط ١: ((مسائل أصحابه)).
(٣) فى ح، ههو بط١: ((أن يرد)).
١٨٥

الموطأ
الاستذكار العمدِ شيئًا، ومما يُعرفُ به ذلك أن الله تعالى قال فى كتابِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنْ﴾ . وتفسيرُ ذلك فيما
نُرى، واللهُ أعلمُ، أنه مَن أَعطِى مِن أخيه شىءٌ من العقلِ فَلْيَتْبَعْه
بالمعروف ، ولیؤدِّ إلیه یاحسان .
قال أبو عمرَ : أما قولُه: لا تعقِلُ العاقلةُ أحدًا أصاب نفسَه عمدًا أو
خطأٌ ، وعلى ذلك رأىُ أهلِ الفقهِ عندَنا . فهو قولُ أكثرِ العلماءِ. وقد اتَّفَق
مالكٌ ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً ، والشافعىُّ ، فيمَن قتَل نفسَه خطأ أو عمدًا،
أنه لا يجِبُّ على عاقلتِه شىءٌ . وقال الأوزاعىُّ: لو أن رجلًا ذهَب یضرِبُ
بسيفِه فى العدوّ فأصاب نفسَه، فعلى عاقلتِه الديةُ .
وروَى معمرٌ، عن الزهرىِّ وقتادةً، أن رجلاً فقَأُ عينَ نفسِه خطأً ،
فقضَى له عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه بديتِها على عاقلتِه، وقال :
أصابته يدٌ مِن أيدى المسلمين(١).
قال أبو عمرَ : القياسُ والنظرُ يمنعُ مِن أن يجِبَ للمرءِ على نفسِه دَیْنٌ ،
والعاقلةُ إنما تحمِلُ عن المرءِ (٢) ما لزِمه٢) لغيرِهِ، ألا ترى أن مَن(٣) لا عاقلةً له
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٢٦) من طريق الزهرى وقتادة به .
(٢ - ٢) فى ح، هـ، م: ((ما)).
(٣) فى الأصل، م: ((ما)).
١٨٦

الموطأ
قال مالكٌ فى الصبىّ الذى لا مالَ له والمرأةِ التى لا مالَ لها ، إذا
جنَى أحدُهما جِنايةً دونَ الثلثِ : إنه ضامنٌ على الصبىّ أو المرأةِ فى
مالِهما خاصَّةٌ ، إن كان لهما مالٌ أُخِذ منه، وإلا فجنايةُ كلِّ واحدٍ
لزمته جنايتُه عندَ أكثرِ أهلِ العلم، فلما استحالَ أن يجبَ له على نفسِه الاستذكار
شىءٌ، استحالَ أن يجبَ على عاقلتِه ما لم يجِبْ عليه . واللهُ أعلمُ .
وأما قولُه: ولم أَسمَعْ أن أحدًا ضمَّن العاقلةَ مِن ديةِ العمدِ شيئًا. فهذا
يقضِى (١) مِن قولِه، على صحةٍ روايةٍ مَن روَى عنه أن ديةً الجائفةِ والمأمومةِ
وكلّ ما يُخافُ منه التلفُ مِن الجراح فى العمدِ ، أنه فى مالِ الجانى لا على
العاقلة .
وأما قولُه : ومما يُعرَفُ به ذلك أن الله عزَّ وجلَّ يقولُ فى كتابِهِ:
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ . فقد اختلف قولُه وقولُ أصحابِه وسائرٌ
الفقهاءِ فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ﴾. هل هو القاتلُ أو وَلِيُّ
المقتولِ ؟
وقد أفرَدْنا لهذه المسألةِ جزءًا استوعَبْنا فيه معانيَها وما للعلماءِ فيها ،
وأوضَحنا الحُجَّةَ لِما اخترناه(١) مِن ذلك . وباللهِ التوفيقُ .
قال مالكٌ فى الصبىّ الذى لا مالَ له ، والمرأةِ التى لا مالَ لها إذا جنَى
القبس
(١) فى و، م: ((يقتضى)).
(٢) فى الأصل، م: ((أخبرناه)).
١٨٧

منهما دَيْنٌ عليه، ليس على العاقلةِ منه شىءٌ، ولا يُؤْخَذُ أبو الصبىِّ
الموطأ
بعقلٍ جناية الصبى ، وليس ذلك عليه .
قال مالك : الأمرُ عندَنا الذى لا اختلافَ فيه ، أن العبدَ إذا قُتَّل
الاستذكار أحدُهما جنايةً دونَ الثُّلُثِ : إنه ضامنٌ على الصبىِّ والمرأةِ فى مالِهما
خاصَّةً، إن كان لهما مالٌ أُخذ منه، وإلا فجنايةُ كلِّ واحدٍ منهما دَيْنٌ
عليه، وليس على العاقلةِ منه شىءٌ، ولا يُؤْخذُ أبو الصبىِّ بعقلٍ جنايةٍ
الصبى ، وليس ذلك عليه .
قال أبو عمرَ : إنما ذكّر المرأةَ مع الصبىِّ هنا؛ لأنه سُئِل عنهما، واللهُ
أعلمُ، لأن الصبىّ عمدُه خطأٌ، وفعلُه خطأً كلُّه إذا كان فى الدماءِ،
وكذلك خطأُ الرجل والمرأةِ . وأصلُه أن العاقلةَ لا تحمِلُ ما دونَ الثُّلُثِ مِن
جنايةِ الخطأ .
وقد ذكرنا الاختلافَ فى ذلك، فما كان دونَ الثُّلُثِ فهو فى مالٍ
الجانى، وما لزِم ذمَّةً (١) المُوسرِ فهو دَيْنٌ على المعسرِ، ولا يؤخذُ(٢) الأبُ
بجنايةِ الابنِ الصغيرِ ولا الكبيرِ، وهذا ما لا خلافَ فيه. والحمدُ للهِ.
قالٍ مالكٌ: الأمرُ عندَنا الذى لا اختلافَ فيه ، أن العبدَ إذا قُتِل كانت
القبس
(١) فى الأصل، ح، هـ، م: ((دية).
(٢) فى م: ((يأخذ».
١٨٨

الموطأ
كانت فيه القيمةُ يومَ يُقتَلُ ، ولا تَحمِلُ عاقلةُ قاتِلِهِ مِن قيمةِ العبدِ شيئًا ،
قلَّ أو كثُر، وإنَّما ذلك على الذى أصابه فى مالِه خاصَّةً، بالغًا ما بلَغ،
وإن كانت قيمةُ العبدِ الدِّيَةَ أو أكثرَ، فذلك عليه فى مالِه ؛ وذلك لأنَّ
العبدَ سِلعَةٌ مِن السلعِ .
٠
فيه القيمةُ يومَ يُقتلُ، ولا تحمِلُ عاقلةُ قاتِلِه مِن قيمتِهِ شيئًا، قلَّ أو كثُر، الاستذكار
وإنما ذلك على الذى أصابه فى مالِه خاصةً ، بالغًا ما بلَغ، وإن كانت قيمةُ
العبدِ الديةً أو أكثرَ، فذلك عليه فى مالِه ؛ وذلك أن العبدَ سلعةٌ من السّلَعِ .
قال أبو عمرَ: قد بيَّن مالكٌ بقولِه أن العبدَ سلعةٌ من السلع. ما هو
مُحُجَّةٌ لمذهبِهِ ، فى أن قيمةَ العبدِ لا تحمِلُها العاقلةُ ؛ لأن العاقلةَ لا تحمِلُ
شيئًا مِن جناياتِ الأموالِ عندَ الجميع. وقد قال بقول مالك فى ذلك ؛
ابنُّ أبى ليلى، وعثمانُ البَتِّىُّ، وسفيانُ الثورىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ ،
والحسنُ بنُّ حىٍّ، وأبو يوسفَ فى إحدى الرِّوايتَيْن عنه، قالوا: قيمةٌ
العبدِ على الجانى فى مالِه خاصةً. وقد رُوِى عن الشافعىِّ مثلُ ذلك،
والأكثرُ الأشهرُ عن الشافعىِّ - وهو الظاهرُ مِن مذهبِه - أن العبدَ إذا قُتِل
خطأً ، فقيمتُه على عاقلةٍ قاتلِه فى ثلاثٍ سنينَ. وهو قولُ أبى حنيفةً،
وزُفَرَ، ومحمدٍ ، وأبى يوسفَ .
قال أبو عمرَ: قد ذكّرنا فيما تقدَّم مِن كتابِنا هذا، عن الشعبىِّ
القبس
١٨٩

الموطأ
الاستذكار وإبراهيمَ (١) ، أن العاقلةَ لا تحملُ(٢) عمدًا ولا عبدًا(٢). وقال إبراهيمُ: لا
يعقِلُ العبدُ ولا يُعقلُ عنه (٤). وقال الحسنُ: إِذا قتَل الحرّ العبدَ خطأً فعليه
الديةُ وعتقُ رقبةٍ(٥) . وقال مكحولٌ: ليس على العاقلةِ مِن دية العبدِ شىءٌ.
وأما الذين قالوا : إن قيمةَ العبدِ المقتولِ على عاقلةِ القائلِ؛ فمنهم عطاءٌ،
والحكم، وحمادً، والزهرىُ(٦).
قال شعبةٌ() : سألتُ الحكمَ وحمادًا عن رجلٍ قتَل دابةً خطأ، قالا : فى
مالِهِ. قالا: وإن قتَل عبدًا فهو على العاقلةٍ ().
وقال يونسُ، عن الزهرىِّ فى حرِّ قتَل عبدًا خطأً، قال: قيمتُه على
(٩)
العاقلةِ(٩) .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم مِن قولِ الشافعيّ أن قياسَ العبدِ على الحرِّ فى
النفس وما دونَها أولَى مِن قياسِه على الأموالِ والبهائم. وقد استحسَن
القبس
(١) فى الأصل، م: ((القاسم)).
(٢) فى الأصل، م: ((تكون)).
(٣) تقدم تخريجه ص ١٢٥، ١٢٦.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٨١.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٨٢.
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٩/ ٢٨٢.
(٧) فى ح، هـ: ((الزهرى)).
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٢/٩ من طريق شعبة به.
(٩) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٢/٩ من طريق يونس به.
١٩٠

الموطأ
الاستذكار
مالك الكفارةَ فی قتل العبد ، ولم يستحسنها هو ولا أحدٌ من العلماءِ فی
البهائم والأموالِ . ولم يُوجِبْ مالكٌ الكفارةَ فى قتلِ العبدِ ، وقال : الكفارةُ
التى فى القرآنِ (" فى الأحرارِ)؛ لأنه ذكَر معها الديةَ، وليس فى قتلِ العبد
ديةٌ. قال: والكفارةُ فى قتلِ العبدِ حسنةٌ(٢). وقال الطحاوىُّ معترِضًا
عليه: قد قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. فأوجب الكفارةً بلا ديةٍ ، فعلِمنا
أن وجوبَ الكفارةِ غيرُ مقصورٍ علی حالٍ وجوبِ الدیةِ .
قال أبو عمرَ: الكفارةُ فى قتلِ العبدِ خطأً واجبةٌ على عاقلتِه(٣) عندَ
الكوفيين والشافعىِّ .
وأما قولُ مالكِ : وإنما ذلك على الذى أضابَه فى مالِه خاصةً ، بالغًا ما
بلَغ، وإن كانت قيمةُ العبدِ الديةً أو أكثرَ. فهو مذهبُ الشافعىِّ وأبى
يوسفَ. وهو قولُ سعيدٍ بنِ المسيَّبِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وشريحٍ،
·ومکحولٍ ، وابنٍ شهابٍ الزهرىِّ، والحسنِ ، وابنٍ سيرينَ، كلّهم قال فی
الرجلِ يَقتُلُ العبدَ خطأ : قيمتُه(٤) بالغًا ما بلغَت ، وإن زادَتْ على ديةِ الحرِّ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م، وفى هـ: ((فى الإخوان)).
(٢) بعده فى الأصل: ((قال والكفارة فى قتل العمد خطأ)).
(٣) فى ح، هـ، ط ١، م: ((قاتله)).
(٤) بعده فى الأصل، هـ، م: ((عليه)).
١٩١

الموطأ
الاستذكار أضعافًا (١) . ورُوِى ذلك عن علىَّ وابنٍ مسعودٍ(١) . وقال أبو حنيفةً، وزُفَرٍ،
ومحمدٌ : إذا قُتِل العبدُ خطأً وقيمتُه أكثر من عشرةِ آلافٍ درهم، لم يُزَدْ
صاحبُه على عشرةِ آلافٍ درهم شيئًا(٣) . وهو قولُ الحكمِ بنِ عُتيبةً وحمادٍ
ابنِ أبى سليمانَ، فهؤلاء يقولون : لا يُزادُ فى قيمةِ العبدِ على ديةِ الحرّ.
وقالت طائفةٌ من فقهاءِ الكوفةِ: لا يُتلَّغُ به ديةُ الحرّ ؛ يُنقَصُ منها شىءٌ .
رُوِى ذلك عن الشعبىِّ وإبراهيمَ() . وقال سفيان الثورىُّ: يُنقَصُ منها
الدرهمُ ونحوه. وقال غيرُه مِن الكوفيّين: يُنْقَصُ منها عشَرةُ دراهم .
واحتجّ الطحاوىُّ بأن قال : الرّقُّ حالُ نقصٍ ، والحريةُ حالُ كمالٍ وتمامٍ،
فمحالٌ أن یچِب فی حالٍ نُقصانِه ◌ُ کثُ مما یجِبُ فی حالٍ تمامِه ، فمِن هنا
وجَب ألا يُجاوَزَ بقيمتِه(٥) الدیةَ.
قال أبو عمرَ: قد أجمَعوا أنها قيمةٌ لا ديةٌ، فوجب أن يُلَغَ بها
حيثُ بلَغت كسائرٍ قيّمِ المُستهلكاتِ التى لا توقيفَ فيها. واللهُ
أعلمُ.
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨١٧١، ١٨١٧٤ - ١٨١٧٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٣٨/٩،
٢٣٩ .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨١٧٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٣٩/٩.
(٣) ليس فى : الأصل ، م .
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٨١٧٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٤٠/٩.
(٥) فى ح، هـ، و، م: ((بقيمة)).
١٩٢

الموطأ
ميراثُ العقلِ والتغليظُ فيه
١٦٨١ - حدثنى يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، أن عمرَ بنَ
الخطاب نشّد الناسَ بمِنَّى: مَن كان عندَه علمٌ مِن الدِّيَةِ أَن يُخبِرَنى .
فقام الضَّحّاكُ بنُ سفيانَ الكِلابِيُّ فقال: كتَب إليَّ رسولُ اللهِ وَلِ أَن
أَوْرَّثَ امرأةَ أَشْيَمَ الضِّبائِّى مِن ديةِ زوجِها . فقال له عمرُ بنُ الخطابِ :
ادخُلِ الخِباءَ حتى آتِيَك. فلمَّا نزَل عمرُ بنُ الخطابِ أُخبرَه الضحاكُ ،
فقضَى بذلك عمرُ بنُ الخطابِ .
قال ابنُ شهاب : وكان قتلُ أشیمَ خطأ.
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ نَشَد الناسَ بَمِنَّى: مَن التمهيد
كان عندَه عِلْمٌ مِنِ الدِّيَةِ أن يُخبِرَنى . فقام الضحاكُ بنُّ سفيانَ الكِلابِىُّ ،
فقال: كتَب إِلىَّ رسولُ اللهِ وَهِ أن أُورِّثَ امرأةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِن دِيَةِ
زوجها. فقال له عمر: ادْخُلِ الخِباءَ حتى آتِيَكَ. فلمَّا نزَل عمرُ بنُّ
الخطابِ أخبَره الضحاكُ. فقضَى بذلك عمرُ بنُ الخطابِ. قال ابنُ
شهابٍ: وكان قتلُ أشْيَمَ خطأً(١).
هکذا روی هذا الحدیث جماعةُ أصحاب مالكِ، فیما عَلِمتُ ، فی
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٧٢)، وبرواية أبى مصعب (٢٣١١، ٢٣١٢). وأخرجه
الشافعى ٨٩/٦، والبيهقى ١٣٤/٨ من طريق مالك به.
١٩٣
(موسوعة شروح الموطأ ١٣/٢١)

الموطأ
٠
التمهيد ((الموطاً)) وغيرِه، ورَواه أصحابُ ابن شهابٍ عنه، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ. وهو صحيح عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وروايةُ سعيدِ بنِ المسئَّبِ
عن عمرَ، قد تكلّمنا فيها فى غيرِ هذا الموضع، وأنَّها تَجْرِى مَجْرَى
المتَّصِلِ، وجائزٌ الاحتجاج بها عندَهم؛ لأَنَّه قد رآه، وقد صَحَّح بعضُ
العلماءِ سماعَه منه ، وؤُلِد سعيدُ بنُ المسيَّبِ لسنَتَين مضَتا مِن خلافةٍ عمرَ .
وقال سعيدٌ: ما قضَى رسولُ اللهِ وَّه بِقَضِيَّةٍ ، ولا أبو بكرٍ، ولا عمرُ ، إلّا
وأنا أحفَظُها . وهذا الحديثُ عندَ جماعةِ أهلِ العلم صحيحٌ، معمولٌ به،
غيرُ مُختَلَفٍ فيه، سُنَّةٌ مسئُونَةٌ عندَهم، فأغنَى ذلك عن الإكثارِ والبيانِ .
والله المستعانُ .
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ،
قال : حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا أبو جعفر الطحاوىُّ، قال :
حدَّثنا المزني، قال: حدَّثنا الشافعىُّ، وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال :
حدَّثنا وهبُ بنُ مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ
أبى شيبةَ ، قالوا: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، أَنَّ
عمرَ كان يقولُ : الدِّيَّةُ للعاقِلَةِ ، ولا تَرِثُ المرأةُ مِن دِيَةِ زوجِها . حتى کتَب
إليه الضحاكُ بنُّ سفيانَ أنَّ النبيَّ وَّهِ وَرَّثَ امرأةً أَشْيَمَ مِن دِيَّةِ زوجِها(١)
٠٨
القبس
.
(١) الشافعى ٢١٧/٢ (٣٦٠ - شفاء العى)، وابن أبى شيبة ٣١٣/٩. وأخرجه أحمد =
١٩٤

الموطأ
وأخبرنا خلفُ بنُّ سعيدٍ ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمد٢١ٍ ، قال: التمهيد
حدَّثنا أحمدُ بنُّ خالدٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا
عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ ، أَنَّ عمرَ
ابنَّ الخطابِ قال: ما أَرَى الدِّيَةَ إِلَّ للعَصَبَةِ ؛ لأنَّهم يعقِلون عنه ، فهل سَمِع
أحدٌ منكم مِن رسولِ اللهِ وَلّه فى ذلك شيئًا؟ فقال الضَّحاكُ بنُ سفيانَ
الكِلابِىُّ، وكان رسولُ اللهِ وَهِ استَعْمَله على الأعرابِ: كتَب إلىَّ رسولُ
اللهِن ◌َّ أن أُوَرِّثَ امرأةَ أَشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن دِيَةِ زوجِها. فَأَخَذَ بذلك
(٢)
عمر
وذكره عبدُ الرزاقِ أيضًا(٣) ، عن ابن جريج، عن الزهرىِّ، عن ابنٍ
المسيبِ، عن عمرَ مثلَه سواءً، وزاد فيه : وكان قتلُ أشيّمَ خطأً .
وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُه : وكان قتلُ اشْتَمَ خطأ . مِن قولِ سعیدِ بنِ
المسئَّبِ أيضًا، ويَحتَمِلُ أن يكونَ مِن قولِ ابنِ شهابٍ ، كما قال مالكٌ ،
القبس
= ٢٤/٢٥ (١٥٧٤٦)، وأبو داود (٢٩٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٢)، والترمذى (١٤١٥،
٢١١٠)، والنسائى فى الكبرى (٦٣٦٣، ٦٣٦٤) من طريق سفيان به.
(١ - ١) سقط من: م. وينظر بغية الملتمس ص ٣٣١.
(٢) أخرجه الطبرانى (٨١٣٩)، وابن حزم ٢٣٧/١٢ من طريق إسحاق بن إبراهيم به. وهو
عند عبد الرزاق (١٧٧٦٤) - ومن طريقه أحمد ٢٢/٢٥ (١٥٧٤٥)، وأبو داود عقب
الحديث (٢٩٢٧) - وأخرجه سعيد بن منصور (٢٩٧) من طريق معمر به .
(٣) عبد الرزاق (١٧٧٦٥).
١٩٥

الموطأ
التمهيد وهو المعروفُ مِن ابن شهابٍ ؛ إدخالُه كلامه فى الأحاديثِ كثيرًا، وهو
الذی یُشبِهُ أن یکونَ مِن قول ابن شهاب، کما قال مالِكٌ، لا مِن قولٍ
سعيد .
وقد رُوِى عن ابنِ المباركِ، عن مالك، عن الزهرىِّ ، عن أنسٍ ، قال :
كان قتلُ أَشْيَمَ خطأٌ . وهو غريبٌ مِن حديثِ مالكِ جدًّا .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَيُونٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ
حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ أبانٍ مُشْكُدَانَةُ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن مالك، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: كان قَتْلُ
أَشْيَمَ خطأٌ(١)
هکذا رواه مُشْکَدَانُ ، عن ابنِ المبارك ، عن مالك ، عن الزهرىِّ،
عن أنس .
وروَاه حَبَّانُ بنُّ موسى ، عن ابنِ المباركِ ، عن مالكِ ، عن الزهرىِّ قولَه
كما فى ((الموطأُ)).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ،
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٨١٤٣) عن عبد الله بن أحمد به، وأخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد
والمثانى (١٤٩٨)، والدارقطنى ٧٧/٤ من طريق عبد الله بن عمر به.
١٩٦

الموطأ
قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن الزهرىِّ، عن التمهيد
سعيدِ بنِ المسيبٍ ، قال: جاءتٍ امرأةٌ إلى عمرَ تسألُه أن يورِّثَها مِن دِيَةٍ
زوجها، فقال: ما أعلَمُ لكِ شيئًا. فنشَد الناسَ: مَن كان عندَه عن النبىِّ
وَلَّهِ عِلِمٌ فَلْيَقُمْ. فقام الضَّحاكُ بنُ سفيانَ الكِلابِىُّ، فقال: كتَب إلىَّ
رسولُ اللهِ وَّلِ أن أُورِّثَ امرأةً أشيمَ مِن دِيَةِ زوجِها (١). قال أبو إسحاقَ :
ولم يسمَعْه هشيمٌ مِن الزهرىِّ .
قال أبو عمرَ: هكذا فى حديثٍ ابنِ شهابٍ، أنَّ الضَّحَّاكَ بنَ سفيانَ
اختر بهذا الخبر عمر بن الخطاب ، وهذا بێِّنّ فی حدیث مالك ، وهشیم،
وابن جريجٍ(١) ، وغيرِهم، فى هذا الحديثِ. وقال فيه ابنُ عيينةَ: حتى
كتَب إليه(١) الضَّحاكُ. وهو عندِى وهمٌ، وإنَّما الحديثُ أنَّ رسولَ اللهِ
وَّ كِتَب إلى الضَّحاكِ، لا أنَّ الضَّحاكَ كَتَبَ بذلك(٤) إلى عمرَ، أَلَا تَرَى
إلى حديثٍ مالكِ وغيرِهِ : فقام الضحاكُ حينَ نشَدهم عمرُ، وأخبر به
عمرَ، وقال له: ادْخُلِ الخِبَاءَ حتى آتِيَك. فلمَّا نزَلَ عمرُ أخبره الصَّحاكُ .
وفى حديثٍ غيرِهِ: مَن كان عندَه علْمٌ فَلْيَقُمْ. فقام الضحاكُ. وهذا كلُّه
القبس
(١) أخرجه سعید بن منصور (٢٩٦) عن هشیم - على الشك فی سماعه من الزهری - عن الزهرى به ،
وأخرجه الطبرانى (٨١٤١) من طريق هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهرى به .
(٢) تقدم تخريجه ص ١٩٥ .
(٣) فى ی: (فيه)).
(٤) سقط من: ى.
١٩٧

الموطأ
التمهيد يَدُلُّ على أنَّ ابنَ عيينةَ وَهِم فى قوله: حتى كتَب إليه الضحاكُ. وأنَّ
الصحیح ما قاله مالِكٌ وغیرُه .
وقد روَى زفرُ بنُ وَثِيمَةَ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ ، أَنَّ الذى أخبَر بهذا
الحديثِ عمرَ، زُرَارَةُ بنُ جِزْي، رجلٌ مِن الصحابةِ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا يوسفُ بنُ أحمدَ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو بنِ موسى ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
الوليدِ الأنطاكىُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المباركِ الصُّورِىُّ، قال: حدَّثنا
صَدَقةُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الشُّعينئ(١)، عن زفرَ بنِ
وَثِيمَةَ، عن المغيرة بن شعبةَ ، أَنَّ زُرَارَةَ بنَ جِزْي قال لعمرَ بنِ الخطابِ : إِنَّ
النبىَّ وَّهَ كتَب إلى الضحاكِ بنِ سفيانَ أنَّ يُوَرِّثَ امرأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن
(٢)
دِیته
وهذا الحدیثُ لا تقومُ به الحُجَّةُ ، ولیس ممَّا يُعَارَضُ به حدیثُ ابنٍ
شهاب، وأصَحُ ما فى هذا البابِ حديثُ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ
صلىالله
المسئّب ، عن عمر بن الخطاب ، عن الضحاكِ بنِ سفيان ، عن النبىِّ
وسلم
القبس
(١) فى ى: ((الشعبى)). وينظر تهذيب الكمال ٥٥٩/٢٥.
(٢) أخرجه الطبرانى (٥٣١٥) وفى مسند الشاميين (١٤٣٧) من طريق صدقة بن خالد به،
وأخرجه الدارقطنى ٧٦/٤ من طريق الشعيثى به، وأخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان - كما
فى الإصابة ٥٥٩/٢ - من طريق زفر بن وثيمة به .
١٩٨

الموطأ
وفيه مِن الفقهِ أنَّ الرجلَ العالمَ الخيّرَ الجليلَ قد يَخْفَى عليه مِن السُّنَنِ التمهيد
والعلم ما يكونُ عندَ غيرِهِ ممَّن هو دُونَه فى العلم، وأخبارُ الآحادِ علم
خاصَّةٍ، لا يُنكَرُّ أن يخفَى منه الشىءُ على العالمِ وهو عندَ غيرِه .
وفيه أنَّ القِياسَ لا يُستَعمَلُ مع وجودِ الخبرِ وصِحَّتِه، وأنَّ الوَّأتىَ لا
مَدَخَلَ له فى العملِ (١) مع ثبوتِ السنةِ بِخِلافِه، ألا تَرَى عمرَ قد كان عنده
فى رأيِه أنَّ مَن يَعْقِلُ بَرِثُ الدِّيَةَ، فلمَّا أخبره الضَّحاكُ بما أخبره ، رجع إليه
وقضَى به ، واطّرَح رأيه .
وفيه إثباتُ العَمَلِ بخبرِ الواحدِ . وفيه ما يُبيِّنُ مَذهَبَ عمرَ فی خبرٍ
الواحدِ ، أَنَّه عندَه مقبولٌ معمولٌ به ، وأنَّ مُراجعته لأبی موسی فی حدیثِ
الاستئذان لم تكنْ إلّ للاستِظهارِ، أو لغيرِ ذلك مِن الوجوهِ التى قد بيَناها
فى كتابٍ ((العلم))، فأغنَى ذلك عن ذِكرِها هلهنا .
ولا خِلافَ بينَ الفقهاءِ والقُرّاضِ فى هذا الباب ، وجاء فيه عن الحسنِ
البصرِىِّ وحدَه أنَّ الإخوَةَ للأُمِّ، والمرأةَ، والزوجَ، لا يَرِثُونَ مِن الدِّيَّةِ
شيئًا (٢) . ورُوِى مثلُ ذلك عن على بن أبى طالبٍ رضِىَ اللهُ عنه (٢) . وژُوِى
القبس
(١) فى م: ((العلم)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٣٠٧)، والدارمى (٣٠٨٦).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٣٠٦)، والدارمى (٣٠٨٥).
١٩٩

الموطأ
١٦٨٢ - مالك ، عن یحیی بن سعيد ، عن عمرو بن شعيب ، أن
رجلًا مِن بنى مُدْلِج يقالُ له : قتادةُ . حذَف ابنته بسيفٍ فأصاب ساقَه ،
فتُزِى فى جُرحِه فمات ، فقَدِم سُراقَةُ بنُ مُعْشُم على عمرَ بنِ الخطابِ
فذكر ذلك له ، فقال له عمرُ: اعدُد علی ماءٍ قُدَيْدٍ ، عشرين ومائةً بعيرٍ
حتى أَقْدَمَ عليك . فلمَّا قدِمِ عليه عمرُ بنُ الخطابِ أَخَذ مِن تلك الإبلِ
ثلاثين حِقَّةً، وثلاثين جَذَّعَةٌ، وأربعين خَلِفَةٌ، ثم قال: أين أخو
المقتولِ؟ قال: هأنذا . فقال: ◌ُذْها فإن رسولَ اللهِ آلآ قال: «لیس
لقاتلٍ شىءٌ)) .
التمهيد عنه أيضًا أنَّه قال: قد ظلَم مَن لم يُوَرِّثُ بنى الأُمُّ مِن الدِّيَةِ(١)
-
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، أن رجلًا من
بنى مُدْلِج يقال له: قتادةُ. حذَف ابنَه بالسيفِ فأصاب ساقَه، فتُزِى
فى جرحِه فمات، فقدِم سراقةُ بنُ مُعْشُم على عمر بن الخطاب فذكر
ذلك له، فقال له عمرُ: اعْدُدْ على ماءٍ قُدِيدٍ عشرين ومائةً بعيرٍ حتى
أقْدَمَ عليك. فلما قدِم عليه عمرُ، أَخَذ من تلك الإبلِ ثلاثين حِقّةٌ
وثلاثين ◌َذَعةً وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين أخو المقتولِ؟ قال:
هأنَذا. قال: خُذْها، فإِن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((ليس لقاتلٍ
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٣٠٣)، وابن أبى شيبة ٣١٦/٩، والدارمى (٣٠٨٣).
.
٢٠٠