النص المفهرس
صفحات 341-360
١٦٩١ - مالك، أنه بلغه أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
أقاد من کَشرِ الفخذِ .
الموطأ
مالك ، أنه بلغه أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أفاد من كسر الاستذكار
الفَخِذِ(١).
وهذا تقدَّم القولُ فيه فى هذا البابِ(١). والحمدُ للهِ كثيرًا.
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصحب (٢٣٣٥).
(٢) تقدم ھ٣٣١ - ٣٣٤.
٣٤١
الموطأ
ديةُ السائبةِ وجنایتُه
١٦٩٢ - مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، أن سائبةً
أعتقَه بعضُ الحاجُ، فقتَل ابنَ رجلٍ مِن بنى عائذٍ ، فجاء العائذىُّ أَبو
المقتولِ إلى عمرَ بنِ الخطابِ يطلُّبُ ديةَ ابنه، فقال عمرُ: لا ديةً له .
فقال العائذىُّ: أرأيتَ لو قتَله ابنى؟ فقال عمرُ : إذن تُخرِجون ديته .
فقال العائذىُّ: هو إذن كالأرقم؛ إِن يُتركْ يَلْقَمْ، وإن يُقتَلْ يَنْقَمْ .
الاستذكار
بابُ ديةِ السائبةِ(١) وجنايتِه
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن سائبةٌ أَعتَقه بعضُ
الحاجُ، فقتل ابنَ رجلٍ مِن بنى عائذٍ ، فجاء العائذىُّ أبو المقتولِ إلى عمر
ابنِ الخطابٍ يطلُبُ ديةَ ابنِه، فقال عمرُ: لا ديةً لك. فقال العائذىُّ:
أرأيتَ لو قتله ابنى؟ فقال عمرُ: إذن تُخرِجون ديته. فقال العائذىُّ: هو
إذن كالأَرْقَمِ؛ إِن يُرْ يَلْقَمْ، وإِن يُقْتَلْ يَنْقَمْ (٢) .
قال أبو عمرَ: ليس هذا الحديثُ(٢) عندَ أكثرِ رواةٍ ((الموطأُ))، وسقَط
مِن رواية يحيى صفةُ قتلِه، وقتلُه كان خطأ، لا خلافَ فى ذلك بينَ
القبس
(١) السائبة: العبد يعتق ولا يكون لمعتقه عليه ولاء فيضع ماله حيث شاء. المصباح المنير
(س ی ب).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٧٩)، وبرواية أبى مصعب (٢٢٣٤). وأخرجه
عبد الرزاق (١٨٤٢٥) من طريق مالك به .
(٣) فى ح، هـ: ((الخبر)).
٣٤٢
الموطأ
العلماءِ؛ لأن العاقلةَ لا تحمِلُ إلا عقلَ(١) الخطأ، ولمَّا لم يكنْ للمُعْتَق الاستذكار
سائبةً عاقلٌ ، لم يُوجِبْ عليه(١) عمر شيئًا، والعلماءُ مُختلفون فى ذلك ؛
فأما أهلُ الظاهرِ ؛ داودُ وأصحابُه ، فإنهم لا عاقلةَ عندَهم إلا العصَبةُ خاصةً
دونَ الموالى ودونَ الحلفاءِ(٢) وغيرهم. ومن قتل مؤمنًا خطأً ولا عَصَبةً له،
فلا شىءَ عندَهم عليه غيرَ الكفارةِ . وأما سائرُ أهلِ العلم؛ فمَن قال : إن
ولاءَ السائبةِ للذى أعتقه. جعَل الديةً على عاقلتِه وعصَبِه ؛ لأنهم(٤) يرثون
عنه ولاءَه، ويرِثونه ويرِثون مواليّه، فهم عاقلتُه. ومَن قال: ولاءُ السائبةِ
الجماعةِ المسلمين. يرى الديةَ فى بيتِ مالِ المسلمين. ومَن قال : إن
للسائبةِ أن يوالىَ مَن شاء. رأى أن الذى يُوالِيه يقومُ مقامَ مُعْتِقِه، وحكمُه
وحكمُ عَصَبتِه حکمُه. وقد ذكرنا فى كتابِ الولاءِ اختلافَ العلماءِ فى
ولاءِ المُعْتَقِ سائبةً(٥). فهذه المسألةُ مُتعلِّقةٌ بذلك البابِ. واللهُ المُوفِّقُ
للصواب .
وقد روى عن عمرَ خلافُ ما روَى عنه سليمانُ بنُ یسارٍ فی ھذا
القبس
(١) فى ح: ((حمل))، وفى و: ((قتل)).
(٢) فى الأصل، ح، هـ، م: ((له)).
(٣) فى الأصل، ح، هـ، م: ((الخلفاء)).
(٤) بعده فى ط ١: ((لا)).
(٥) تقدم فى ٣٥٣/١٩ - ٣٥٦.
٣٤٣
الموطأ
الاستذكار الخبر.
ذکّر و کیچ، قال: حذَّثنی رہیعةُ بنُّ عثمانَ التَّییُ، عن سعدٌ پنِ
إبراهیم، أُن أبا موسی کتب إلی عمر : إن الرجلّ پموتُ قبلنا وليس له رجم
ولا ولاء. قال: فكتب إليه عمر: إن ترك ذا رحم فالرحم، وإلا فالولاء، وإلا
فبیتُ مال المسلمین بړثونه ويعقلون عنه(٢) .
وكيت، قال: حدَّثنى سفيانُ، عن مُطَرَّف، عن الشعبىِّ فى الرجلِ
يُسلِم وليس له مولّى. قال: ميراثُه للمسلمين، وعقلُه عليهم(٣).
قال: وحدَّثنى سفيانُ، عن يونس، عن الحسنِ مثلَّه (١).
وذكّر أبو بكر(®) ، قال: حدَّثْنى جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ،
قال: إذا أسلم الرجلُ على يدّي الرجل، فله ميراثُه وتَعْقِلُ عنه.
وذکّر عبد الرزاق(٥)، قال: أخبرنا معمر، عن الزهرىِّ، قال فى
السائبة: یعقِلُ عنه المسلمون ، وبرُِه المسلمون، وليس مواليه منه فى
شىءٍ .
القبس
(١) فى ح، هـ: (سعيد).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٤٧/٩، ٢٤٨ (طبعة الرشد) عن وكيع به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٤/٩: ٤٢٥ عن وكيع به.
(٤) ابن أبى شيبة ٤٢٥/٩.
(٥) عبد الرزاق (١٨٤٢٦).
٣٤٤
الموطأ.
قال(١): وأخبرنا معمرٌ، عن جابرٍ، عن الشعبىِّ، قال: المُعْتَقُ سائبةً الاستذكار
يعقلُ عنه مولاه وترِتُه مولاه .
وقال الحارثُ الأُعورُ: سألتُ عليًّا رضِى اللهُ عنه عن سائبةٍ قتل رجلًا
عمدًا. قال: يُقتلُ به، وإن قتل خطأَ نُظر؛ هل عاقد أحدًا؟ فإن كان عاقَّدٌ
أحدًا أَخِذ أهلُ عقدِهِ، وإن لم يُعاقِذْ أُحدًا أَدِّى عنه مِن بيتٍ مالٍ
(٢)
المسلمين(٢).
وقال عبد الرزاق(٢) : أخبرنا مالك، عن أبی الزُّنادِ ، عن سليمان بنٍ
یسارٍ، أن سائبةً أعتقه بعضُ الحائجُ، فکان یلعبُ هو ورجلٌ مِن بنی عائذٍ ،
فقتل السائبةُ العائذىِّ، فجاء أبوه عمرَ بنَ الخطابِ يطلُبُ دمَ ابنِه، فأتى
عمر أن يَدِیه ، قال : ليس له مالٌ . فقال العائذی : أرأيت لو كان ابنى قتله؟
قال عمرُ: إذن تُخرِجون ديته. قال: فهو إذن كالأرقم، إن يُتركْ تَلْقَمْ ، وإن
يُقتَلْ تَنْقَمْ .
ففى رواية عبد الرزاق فی قوله : فکان یلعبُ هو ورجلٌ مِن بنی عائذٍ .
ما يدُلَّ على ما ذكّرنا من قتل الخطأ .
القبس
(١) عبد الرزاق (١٨٤٢٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٢٨) من طريق الحارث به.
(٣) عبد الرزاق (١٨٤٢٥).
٣٤٥
الموطأ
قال(١): وأخبرنا ابنُ جريج، قال: زعَم لى عطاءٌ أن سائبةً مِن سُیَبِ
الاستذكار
مكةَ أصاب إنسانًا، فجاء عمرَ بنَ الخطابٍ ، فقال: ليس لك شىءٌ .
فقال: أرأيتَ لو شَجَجْتُه؟ قال: إذن آخُذ له منك حقَّه. قال: ولا تأخُذُ لى
منه؟ قال: لا. قال: هو إذن الأَرْقَمُ(٢)، قال: إن تترُكونى ألقَمْ، وإن
تقتُلونى أنْقَمْ. فقال عمرُ: هو الأرقم (٣) .
قال أبو عمرَ : الأَرْقَمُ الحَيَّةُ الذ کرُ العادِی علی الناسِ ، إن تركه الذى
يراه التقَمه ، وإن قتَله انتقَم له الذى انتقَم للفتى الشابِّ مِن الحيةِ المنطويةِ
التى وجَدها على فراشِه، فَرز رُمْحَه فيها ورفعها ، فجعلت تضطرِبُ فى
رأسٍ الرمحِ، وخَرَّ الفتى ميًّا، فى حديثٍ مالكِ ، عن صَيْفِىِّ، ويأتى فى
الجامعِ(٤) إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ.
القبس
(١) عبد الرزاق (١٨٤٢٤).
(٢) فى الأصل، ح، هـ، م: ((كالأرقم)).
(٣) فى ح، هـ، و، م: ((كالأرقم).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٨٩٧).
٣٤٦
الموطأ
کتابُ القَسامةِ
تبدئةُ أهلِ الدمِ فى القسامةِ
التمهید
ترجمةٌ : بدَأ مالكٌ رضِى اللهُ عنه القولَ فى الدماءِ ببيانِ القَسامةِ ، والقتلُ يَثْتُ القبس
بثلاثة أشياءَ عندَه؛ أحدُها : البيّةُ العادلةُ . والثانى: الإقرارُ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ
آلْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ﴾ [القيامة: ١٤]. والثالثُ: القَسامةُ، فعندَه أنه يُشاطُ(١) بها
الدمُ. وقال جمهورُ العلماءِ: إنما تُشْتحَقُّ بها الدِّيَّةُ؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ
فى الحديث الصحيحِ: ((تَخْلِفون على رجلٍ منهم يُدْفَعُ إليكم برُمَّتِه )). ويليه
قوله: ((فتحلفون وتشتحقُّون دم صاحبكم)) (١.
(" وفصلُ القسامةِ مُتَّقَقٌّ عليه٢ : القَسَامَةُ مُتَّفَقٌّ عليها فى الجاهليةِ
والإسلامِ؛ روَى مسلمٌ قال: كانت القَسَامةُ فى الجاهليةِ فأقرَّها الإسلامُ) .
وهى مخصوصةٌ مِن قواعدِ الدينِ، فى أنها تَثْبُتُ باللَّوْثِ كما تَتْبُتُ بالبِيّنَةِ ،
واختُلِف فى اللَّوْثِ اختلافًا كثيرًا؛ مشهورُ المذهبِ أنه الشاهدُ العدلُ، وقال
الشافعىُّ وأبو حنيفةَ: هو قتيلُ المَحِلَّةِ. وفيه ورَدت النازلةُ. زاد مالكٌ: وقولُ
المقتولِ: دَمِى عندَ فلانٍ. وزادَ لها مالكٌ مَجِلَّ آخرَ، فقال: إن المجروح إذا
(١) يُشاط : يُهدر . اللسان (ش ی ط) .
(٢) فى د: ((ديته)).
والحديث سيأتى تخريجه ص ٣٦١، ٣٦٢ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦٩٣، ١٦٩٤).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((فضل القسامة متفق عليها)).
(٥) مسلم (١٦٧٠) .
٣٤٧
الموطأ
التمهيد
القبس عاشَ بعدَ الجُرح وأكّل وشرِب، ثم طرّأ عليه الموتُ، لم يجِبِ القَوَدُ لأوليائِه
حتى يُقْسِموا: لقد ماتَ مِن ذلك الجرح. فأما قتيلُ المَحِلَّةِ فليس بشُبْهةٍ؛
لأن العدوّ قد يُلْقِى القتيلَ على غيرِهِ، وذلك معلومٌ حقيقةً، موجودٌ عادةً،
وأما قولُ المقتول: دمی عند فلانٍ . فإن مالگا بنفسه إنما تَعلَّق فيه ؛ لِما روَى
عنه (١ كبراءُ أصحابِه) لحديثٍ بقرة بنى إسرائيلَ؛ حينَ قامَ المقتولُ فقال:
فلانٌ قتَلنى(١) . فإن قيل: هذه الآيةُ لا حُجَّةً فيها مِن وجهَين؛ أحدُهما : أنه
شَرْعُ مَن قبلَنا. والثانى: أنها آيَةً. والأحكامُ إنما تُبنَى على الدلالاتِ لا على
الآياتِ والمُعْجزاتِ. قلنا: أما شَرْعُ مَن قبلَنا فإنه شَرْعُ لنا بلا خلافٍ فى
المسائلِ المالكيةِ، وقد دلَّنا عليه فى أصول الفقهِ، وأما كونُ هذا الدليلِ آيَةً،
فالآيةُ إنما هى فى الإحياءِ لا فى الدَّغْوى، ولو قال نبيِّ: مُعْجِزتى أن يُخْبِىّ
اللهُ هذا الميتَ. فقامَ المَيَّتُ يَنْفُضُ أَضْدَرَيْه(٢) وقال: كذَّبْتُ بك. لم يَقْدَع
ذلك فى مُعجزتِه؛ لأن الآيةَ إنما هى فى الإحياءِ، ويكونُ هذا أُحدَ المبعوثِ
إليهم، فيفعلُ كفعلهم.
ومن خصائصِ القَسامةِ البدايةُ فيها بأيمانِ المُدَّعِى. قال به جمهورُ
العلماءِ، وخالَّفهم أبو حنيفةً فقال: إن البدايةَ بأيمانِ المُنْكرِين. وتَعلَّقَ فى
ذلك بقولِ النبيِّ وَّهِ: ((البيَّةُ على مَن ادَّعَى، واليمينُ على مَن أنكَر))(٤).
(١ - ١) فى ج: ((كثيرا الصحابة))، وفى م: ((كثيرا أصحابه)).
(٢) سیأتی ص٣٨٩، ٣٩٠.
(٣) ينفض أصدريه: أى ينفض منكبيه. النهاية ١٦/٣.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٧٤ .
٣٤٨
الموطأ
التمهيد
وهو الأصلُ، ومُتَعَلَّقُ العلماءِ رحمهُ اللهِ عليهم بحديثِ القَسَامةِ المشهورِ، القبس
وأن النبيََّ﴿ بَدأ بالمُدَّعِى، فقال له: ((أتحلِفُ؟)). فكذلك فليفعَلْ كلُّ
حاكم. فإن قيل: إنما قال ذلك عَرَضًا لا مُحُكْمًا. قلنا: حاشَ للهِ أن يُعَرَّضَ
قلبَ الشريعةِ، أو يقولَ(١) ما لا يفعلُ فى الدنيا فضلاً عن الدين، فكيف فى
الدماءِ؟! فإن قيل: فقد رُوِى فى هذا الحديثِ أنه بدأ باليهودِ، فقال:
((أَتَحْلِفون؟)). فلما أَوْا، رجَع إلى "المُدَّعين فقال لهم: ((أَتَحلفون؟))٢).
خرّجه أبو داودَ وغيرُه١٢ . قلنا: روَى الحديثَ الجماعةُ الأثباتُ الثّقاتُ،
أميرُهم مالكٌ ومَن تبعه، وانْتَقاه الصحيحانِ، فلا يُكْرَكُ هذا كلُّه لروايةٍ
شَدَّتْ. فإن قيل: إن شَدَّتْ فى الروايةِ، فقد اسْتقرَّت فى القاعدةِ. قلنا: إنما
يؤسّسُ القواعدَ قولُ صاحبِ الشريعةِ، وليس يَلْزَمُ أن تَرِدَّ على الاختيارِ" ،
ولا يَتَحتَّمُ فيها على الاطرادِ ، بل تَرِدُ بحكمِ اللهِ تعالى مُتَّسِقَةً ومُتَفرَّقةً،
وأنت يا أبا حنيفةً تَنَقُضُ القواعدَ بالاسْتِحسانِ فى معظم مسائل الشريعةِ ،
فكيف تُتْكِرُ أن يكونَ النبيُِّ ﴿ِ يؤسَّسُ فى نازلةٍ واحدةٍ قاعدتَّيْن تَجْرِى
الدَّغوى فيها والإنكارُ على الحُكْمَين؟! وقد بيَّن مالكٌ رحِمه اللهُ هذه
المسألةَ فى ((الموطأَ)) وأتقنها، فذكّر الحديثَ أولًا فى البدايةِ بأَيْمانِ
(١) فى ج، م: ((يفعل)).
(٢ - ٢) فى ج، م: ((المدعى فقال: أتحلف)).
(٣) أبو داود (٤٥٢٠، ٤٥٢٦).
(٤) فى ج: ((الاختبار)).
(٥) فى ج، م: ((الاضطراد)). وكلاهما بمعنى. ينظر النهاية ٨٧/٣، ٨٨ .
٣٤٩
الموطأ
التمهید
القبس المُدَّعِى، وهو العمدةُ فى الحكم، ثم عَقَّب ذلك ببيانِ الحكمةِ والمعنى،
فقال: وإنما فُرِق بينَ القَسَامةِ والدَّمِ وسائرِ الأيمانِ فى الحقوقِ . إلى قولِه :
يقول المقتول. على أنه قد ثبت مِن طريقِ الدارقطنىّ وغيرِه، أن النبىّ وَله
قال: ((البَيَّةُ على المُدَّعِى، واليمينُ على مَن أنكَر إلا فى القَسامةِ))(١). ولها
فروعٌ كثيرةٌ، بيانُها فى كتبِ الخلافِ. وأما دخولُ القَسامةِ عندَ مالك فى
الموتِ المُتَراخِى عن الجُرْحِ، فإنما كان ذلك لاحتمالٍ أن يكونَ الموتُ
منسوبًا إليه، أو إلى مرضٍ مِن الأمراضِ طرّأ عليه، فاسْتظهرَ لهذا الاحتمالِ
بالقَسامةِ. فإن قيل - وهو سؤالٌ عظيمٌ يُعُمُ هذه المسائلَ كلَّها - : كيف
يَخْلِفُ الولاةُ على أمرٍ يُعْلَمُ أنهم لا يعلَمونه، فيتبنى القاضى حكمه على
قولٍ(١) يَتَحقَّقُ أنه كَذِبٌ؟ ومِن أين يعلَمُ الغائبُ بقَتْلِ الحاضرِ؟ ولذلك قال
المُدَّعون للدمِ فى القَسامةِ: كيف نَحْلِفُ ولم نَحْضُرْ ولم نشهَدْ؟ واختلف
جوابُ الناسِ فى ذلك؛ فمنهم من قال : يقالُ لهم: اخلِفوا. فإذا حلَفوا على
ما علِموا، كان الحكمُ مُطَّرِدًا على الأصلِ. وليس هذا بجوابٍ صحيحٍ؛ لأن
عندَ علمائِنا يَحْلِفون وإن لم يعلموا، وهذه المسألةُ مِن مفرداتِنا. قال
المُحقِّقون مِن علمائنا: لا تَقِفُ اليمينُ على علم قطعىٌّ، إنما تقِفُ على
الأمارةِ بخلافٍ أصلِ الشهادةِ ، فإنها موقوفةٌ على العلم، وتگفِی فی اليمينِ
الأمارةُ للظنِّ ولشاهدِ الحالِ، أَوَ لا تَرَى أن النبيَّ وَّ قال فى نازلةٍ خيبرَ وقد
(١) الدارقطنى ١١٠/٣. وسيأتى تخريجه ص ٣٧٢ .
(٢) فى ج، م: ((أمر)).
٣٥٠
الموطأ
التمهيد
القبس
علم مغیتهم عنها وعدم علمِهم بها: ((أتحلفون وتستحقُّون دمَ صاحبكم؟)).
فإن قيل: إنما قال ذلك عَرَضًا (لا محكْمًا). قلنا: قد سبق الجوابُ عن هذا
السؤالِ الفاسدِ، وأما القتلُ بالبيّنةِ فلا خلافَ فيه، وكذلك القتلُ بإقرارٍ(١)
القاتلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَنْلِ﴾
[البقرة: ١٧٨]. وقال: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ومالكٌ رحِمه
اللهُ أُطْنَب فى ((الموطأُ)) فى القَسامةِ والدِّيةِ، واختَصر القولَ فى القصاصِ؛ لأنه
اعتمد بيانَ الأَشْكَلِ(٢)، ووَكَل الأوضحَ إلى معرفةِ الناسِ، وقد قال تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَوَةٌ﴾. وقد كانت العربُ تقولُ: القتلُ أَنفَى(٤) للقتلِ (٥).
لأنها لم تكنْ تأخُذُ حقّها بعدْلٍ، وإنما كانت ( تَشْتوفيه بربًا)، وأعظمُ ما يكونُ
الربا فى الدماءِ، فشرّع اللهُ تعالى استيفاءَ الحقِّ فى القتلِ بالمُساواةِ ، فقال:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ﴾. يعنى المُساواةَ فى القَتْلى. قال علماؤنا: وأرادَ به
المُساواةَ فى الفعلِ والمَحِلِّ، إلا أنه اعتمد فى القرآنِ بيانَ المَحِلُّ فقال: ﴿الْمُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. لأنه كان مَحِلَّ اعتداءِ القومِ، ثم بيَّن
النبىُّ وَّهِ بعدَ ذلك المُساواةَ فى الفعلِ، فثبت أنه أَتِى إليه بيهودىِّ رَضَّ رأسَ
(١ - ١) ليس فى : د.
(٢) فى ج، م: ((فى إقرار)).
(٣) فى ج: ((الإشكال)).
(٤) فى م: (( أبقى )).
(٥) نسبه الثعالبى إلى أزدشير . ينظر ثمار القلوب ص١٧٨ .
(٦ - ٦) فى م، ونسخة أخرى على حاشية د: ((تستوجبه برجاء)).
(٧) فى م: ((الرجاء)).
٣٥١٠
الموطأ
تمهيد
الخميس جاريةٍ على أَوْضّاح(١) لها، فاعترف، فأمر به فَوْضَّ رأسُه بِينَ خَتجرّين(١).
وقال أبو حنيفةً: لا قَوَدّ إلا بالسيف. لآثار تزویھا فی ذلك، لا تساوی
سماقها، ولا تُتْرَضُ على هذا ((القبسِ))، وقد بثّاها فى موضعها، وزعم
أصحابه أن النبيُّ ﴿ إنما قتل هذا اليهودىَّ على الجرابة، إذ كان ◌َتْلُه
للجارية على مالها، وتلك حقيقةُ الجرابةِ. قلنا: ما قتله إلا قصاصًا؛ لأن
الأُمّةَ قد أجمعَتْ على أنه لا يُقْتَلُ فى الجرابةِ بالحجارة، فكيف جازَ لكم
معشرَ الحنفيةِ أن ◌َوْكوا إجماعَ الأُمّةِ وتطلُبوا أَثْرًا بعدَ عَيْنِ()؟! وهذا نصّ
الحديثِ، أنه رَضَّ رأسَ جاريةٍ، فَرضَّ رأسَه بينَ حجرين، فذكّر الحُكْمَ
والعلةً، وليس بعدَ هذا مَطْلَبٌ، ولئًا ثبَتِ بأَنَّفَاقٍ اعتبارُ المساواةِ فى المُجِلِّ،
امتنع قتلُ المسلم بالكافر؛ لأنهما لا يتساويان فى الخُزمةِ. وبذلك قال
جمهورُ العلماءِ، وخالفهم أبو حنيفةً فقال: يُقْتَلُ المسلم باللَّعْىّ الكائنِ(٤) مِن
أهلٍ دارٍ الإسلامِ؛ لأنه مُخْرَُّ الدم على التأبيدِ. قلنا: وإن(٥) كانت المُحزمةُ
مُؤَّدةً، ولكنَّ الشُّبهةَ فى المجلِّ قائمةٌ ، وهى الكفر المُبيخُ لدیه، فکیف
يساوى من فيه ما ثييخ دمه، مع مّن فيه ما يوجبُ له العضمةً فى الدنيا
(١) الأوضاح ، جمع وضح، وهى نوع من الحلى يُعمل من الفضة، سميت بها لبياضها.
النهاية ١٩٦/٥ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٩٠.
(٣) مثل أول من قاله: مالك بن عمرو العاملی ، ومعناه: أنهم تركوا الشئ وهم برونه وتبعوا
أثره حين فانهم . ينظر الفاخر للمفضل ص٤٤ .
(٤) فى م: ((الكافر)) .
(٥) سقط من : م .
٣٥٢
الموطأ
التمهيد
والآخرةِ، ويَقْتَضِى له الخُرْمةَ فى الدين والدنيا)؟! وقد حَرَّر فى ذلك بعضُى القبس
علمائِنا نُكْتَةٌ فقال: قيامُ المُبِيحِ فى المَحِلّ يُوجِبُ مع التحريمِ شُبْهةً فى
إسقاطِ العقوبةِ؛ كوّطءٍ السيدِ للجاريةِ المُزوَّجةِ. حتى إن الأوزاعىَّ قد بالَغ
فى هذه المسألةِ فقال: إذا قتَل كافر كافرًا ثم أسلَم القاتلُ سقَط عنه القَوَدُ.
وهى أحدٌ قولَى الشافعىِّ، وقال علماؤنا: لا يَسْقُطُ عنه القَوَدُ؛ لأن
المُراعَى (١) إنما هى حالةُ الوجوبِ، وقد اسْتَحَقَّ دَمَه، فما(٢) طرَأ بعدَ ذلك لا
يُشْقِطُ ما تقرّر وجوبُه، وشُبْهَةُ الأوزاعيّ أن الإسلامَ صفةٌ وفضيلةٌ طرَأَت على
المَحِلِّ، وإنما وجَب له قتلُ نفسٍ كافرةٍ، فكيف يأخُذُها مسلمةٌ؟ أَلَا تَرِى
أن القِصاصَ إذا وجَب على المرأةِ، ثم طرَأ عليها الحَمْلُ، فإنه لا يُشْتَوفَى
منها؟ قلنا: الحاملُ معها عينٌ أخرى لم تَشْتحِقَّ عقوبةً، فلا تُحْمَلُ عليها
هذه المسألةُ، والمعنى دقيقٌ فَلْيُطْلَبْ فى ((مسائلِ الخلافِ)).
وقد اختلف قولُ مالكِ فى جَريانِ القِصاصِ بينَ المسلمين و(٤) الذمة فى
الأطرافِ، وهى عَضْلَةٌ مِن العُضَلِ؛ لأن علماءَنا الرَّبَّانِين وَهَموا فيها، فظَنُّوا أن
مالكًا لَحَظَ على هذه الروايةِ أن الأطرافَ جاريةٌ مَجْرَى الأموالِ ، كما يُقْضَى فيها
باليمينِ مع الشاهدِ ، ولو كان ناظرًا إلى هذا المَلْمَح لانهدَم عليه قطعُ الأيدِى بيد
(١ - ١) سقط من: ج .
(٢) فى د: ((المراعاة)).
(٣) فى ج، م: ((فيما)).
(٤) بعده فى م: ((أهل)).
٣٥٣
(موسوعة شروح الموطأ ٢٣/٢١)
الموطأ
التمهيد
القبس واحدةٍ ، وإنما نظَر، واللهُ أعلمُ، إلى أن يدَ المسلم تؤخَذُ بالجنايةِ على مالِ الكافرِ ،
وذلك أنه يُقْطَعُ (١) إذا سرَقه، فكذلك(٢) يؤخَذُ بالجنايةِ على يدِه إذا قطعها ، بخلافٍ
النفسِ فإنها أعظمُ حرمةً ، ونظَر على الروايةِ الأُخرى، وهى الصحيحةُ ، فى امتناع
القَوَدِ بينَهما فى الأطرافِ ، إلى أن يدَ المسلم إنما قُطعت (١) بسرقةِ مالِ الكافرِ؛ لأنها
جنايةٌ على جميع المسلمين، ولذلك وجَب قَطْعُ السرقةِ للهِ بخلافِ القِصاصِ ،
فإنه حقُّه خالصًا، فاعْتُبِر فيه مساواتُه ، وصار وِزانُ (١) قطع السرقةِ مِن مسألتنا(٥) ، أن
يَقْتُلَ المسلمُ الكافرَ غِيلَةً، فإنه يُقْتَلُ به عندَنا؛ لأن الجِنايةَ هنالك على جميعٍ
المسلمين ، فلذلك يَتَخلَّصُ الوجوبُ للهِ فيه ، ولا يَقِفُ على خِيَّرَةِ المجنىّ عليه .
ويتَفرَُّ على هذه المسألةِ، أن الحرّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ، سواءٌ كان له أو لغيرِهِ،
وإن كان قد روَى الترمذىُّ وغيرُه عن النبيِّ وَ لِّ أنه قال: ((مَن قتَل عبدَه
قتَلْناه))(١). ولكن هذا لم يَصِحَّ سَنَدًا ولا قال به أحدٌ ممن يُلْتَفتُ إليه، والرّقُّ أَثْر
مِن آثارِ الكفرِ ، فَيَعْمَلُ عملَ الأصلِ فى التحريمِ كالعِدَّةِ ؛ فإنها لمَّا كانت مِن آثارِ
النكاح، عمِلت عملَ أصلِها فى تحريمِ نكاحٍ أختِها وأربعِ سِواها، والذى يَدُلَّ
على اقْتِراقٍ محرمةِ الحرِّ مِن حرمةِ العبدِ فى العِوَضِ الزاجِرِ، وهو القتلُ ، تَفارتُهما
(١) سقط من: ج .
(٢) فى ج، م: ((فكيف لا)).
(٣) فى ج، م: ((قطعناها)).
(٤) فى م: ((دوران)). يقال: هو وزانه، أى: قبالته. اللسان (وزن) .
(٥) فى م: ((مسألتين )).
(٦) تقدم تخريجه ص ٣١٧ .
(٧) فى د، م: ((الغرض)).
٣٥٤
الموطأ
التمهید
فى البَدَلِ الجابرِ (١) ، وهى الدِّيَةُ، فإذا قتل عبدًا لزِم ذمَّتَه عشَرَةُ دنانيرَ، وإذا قتَل حدًّا القبس
لزِمِ ذمَّتَه ألفُ دينارٍ مُقَدَّرَةً(١) شَرْعًا؛ لاخترامِها واحترامِ مَحِلِّها عن مَذَلَّةِ التسويقِ
ومهانةِ التقويم، فإن قيل: فلمَّ لم(١) تُراعُوا المساواةَ حينَ قتَلْتُم الجماعةَ بالواحدِ ،
وهلَّا طرَدْتُم أصلَكم كما فعَل أحمدُ بنُ حنبلٍ حينَ مَنَع مِن ذلك؟! قلنا: إذا
اعترَض اللفظُ على القاعدةِ، وخالَف معنًى مِن آخرِ الكلامِ أوَّلَه ، سقّط، فكيف
إذا خالَفه كلَّ؟ وبيانُه أن اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾
[البقرة: ١٧٩]. المعنى: أن القاتلَ إذا علم أنه يُقْتَلُ كَفَّ، لَصِینَت الأنفسُ فی
مَحَالِّها، ومحقِنت الدماءُ فى أُهُيِها(٤) ، فلو لم تُقْتلِ الجماعةُ بالواحدِ ، لاشتَعانَ
الأعداءُ على العدوِّ فقتلوه، حتى يَتْلُغوا أملَهم فيه، ويَسْقُطَ القَوَدُ عنهم بالاشتراكِ
° فى قتله، وقد وفَّى مالكٌ هذا النظرَ، وأعطاه قِشْطَه مِن الكمالِ، فقال: إنه يُقْتَلُ
المُمسِكُ على القاتلِ مع القاتلِ. وقال أبو حنيفةً والشافعىُّ: لا قَوَدَ على
المُمْسِكِْ؛ لقولِ النبيِّ وَّهِ: ((اقتُلوا القاتلَ، واصبِروا الصَّابِرَ))(). ولأنه(٧) لم
يَقْتُلْ، فكيف يُقتَلُ؟! قلنا: أما الحديثُ فلا يُساوِى سماعَه، وأما المعنى فهو بضِدٌ
ما قالوا؛ المُفْسِكُ هو القاتلُ حقيقةً، أو كلاهما قاتلٌ . والدليلُ عليه إجماعُنا على
(١) فى ج: ((الجائز)).
(٢) فى د: ((مقدمة)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
(٣) سقط من : ج ، م .
(٤) فى م: ((أهلها)). وحقنت الدماء فى أهبها. أى فى أجسادها. النهاية ٨٣/١.
(٥ - ٥) سقط من : ج .
(٦) الدارقطنى ١٤٠/٣، والبيهقى ٥٠/٨ .
(٧) بعده فى ج: (لو)).
٣٥٥
الموطأ
١٦٩٣ - مالك، عن أبی لیلی بن عبدِ اللهِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ
سهلٍ، عن سهلٍ بنٍ أبى حثْمةً ، أنه أخبره رجالٌ مِن كبراءٍ قومِه ، أن
عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ ومحيِّصةً خرجا إلى خيبرَ مِن جهدٍ أصابَهم ، فأُتى
محيّصةُ فأُخبِر أن عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ قد قُتِل وطُرح فى فقيرٍ بثرٍ أو عينٍ،
فَأَتَّى يهودَ فقال: أنتم واللهِ قتَلتموه. فقالوا: واللهِ ما قتلناه . فأقبل حتى
قَدِمِ على قومِه فذكَر لهم ذلك، ثم أقبَل هو وأخوه حويِّصةُ - وهو
أكبرُ منه - وعبدُ الرحمنِ ، فذهَب محيِّصةُ ليتكلِّمَ - وهو الذى كان
بخيبرَ - فقال له رسولُ اللهِ وَله: ((كبّرْ كبّرْ)). يريدُ السُّنَّ. فتكلّم
حويِّصةُ، ثم تكلّم محيّصةُ، فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((إمّا أن يَدوا
مالكٌ، عن أبى ليلى بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ سهلٍ ١١ ، عن
التمهید
سهلٍ بن أبى حَثْمةً ، أنه أخبره رجالٌ من كُبراءِ قومِه ، أن عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ
القبس أنه لو أمسكه على سَبُع فأكّله، لزِمه القَوَدُ، فإن قيل: لأن فعلَ السَّبُع ◌ُجُبَارٌ . قلنا :
وفعلُه هو مُعتَبَرٌ، ألا ترَى أنهما يَشْترِ كان فى الدِّيةِ وهو البدلُ الجابرُ(٢)؟ كذلك
يجِبُّ أن يَشْترِكا فى القصاصِ، وهو العِوَضُ الزاجِرُ.
(١) قال أبو عمر: (اختلف فى اسم أبی لیلی هذا فقیل اسمه عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن
سهل بن أبى حثمة. وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل. وقيل : داود بن
عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل . وقال فيه ابن إسحاق : أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن
ابن سهل بن أبى حثمة)). تهذيب الكمال ٣٤/ ٢٣٤.
(٢) فى ج، ((الجائز)).
٣٥٦
الموطأ
صاحبكم، وإمَّا أن يُؤْذِنوا بحربٍ)). فكتَب إليهم رسولُ اللهِ مَلِّ فِى
ذلك، فكتبوا: إنا واللهِ ما قتَلناه. فقال رسولُ اللهِ وَلَه لحويِّصةً
ومحيِّصةً وعبد الرحمن: ((أتحْلِفون وتَستحِقُّون دمَ صاحبِكم؟))
فقالوا: لا. قال: ((أفتحلِفُ لكم يهودُ؟)) قالوا: ليسوا بمسلمين .
فَوَداه رسولُ اللهِ وَلّ مِن عندِه، فبعَث إليهم بمائةِ ناقةٍ حتى أُدخِلَت
عليهم الدارَ. قال سهلٌ: لقد ركَضَتْنى منها ناقةٌ حمراءُ.
قال مالكٌ : الفقيرُ هو البئرُ.
ومُحَيِّصَةَ خرَجا إلى خيبرَ مِن جَهْدٍ أصابهم، فأتى مُحَيِّصةُ فأخبَر أن التمهيد
عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ قد قُتِل وطَرِح فى فَقَيرِ بثرٍ أو عَيْنٍ ، فَأَتَّى يهودَ فقال : أنتم
واللهِ قتلتموه. فقالوا : واللهِ ما قتلْناه . فأقبل حتى قدم علی قومِه، فذكر
لهم ذلك، ثم أقبَل هو وأخوه حُوَيِّصَةُ - وهو أكبرُ منه - وعبدُ الرحمنِ،
فذهَب مُحيِّصةُ ليتكلَّمَ - وهو الذى كان بخيبرَ - فقال له رسولُ اللهِ
وَلَّه: ((كبّرُ كبِّرْ)). يُريدُ السّنَّ. فتكلُّم حُوَيِّصةُ، ثم تكلّم مُحَيِّصةُ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِمَّا أَن يَدُوا صاحبكم، وإمّا أَن يُؤْذِنوا بحربٍ)) . فكتب
إليهم رسولُ اللهِ وَ لِّ فِى ذلك، فكتبوا: إِنَّا واللهِ ما قتَلناه . فقال رسولُ اللهِ
وَالّ لحُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةً وعبد الرحمنِ: ((أَتَحلِفون وتَستَحِقُّون دمَ
صاحِبِكم؟)) فقالوا: لا. قال: ((فَتَحلِفُ لكم يهودُ؟)). قالوا: ليسوا
القبس
٣٥٧
الموطأ
التمهيد بمسلمين. فوَدَاه رسولُ اللهِ وَ لَه مِن عندِه، فبعث إليهم بمائةٍ ناقةٍ حتى
أُدخِلت عليهم الدارَ. قال سهلٌ: لقد ركضتْنى منها ناقةٌ حمراءُ(١).
هكذا قال يحيى عن مالكٍ فى هذا الحديثِ : عن أبى ليلى بنِ عبدِ اللهِ
ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ سهلٍ، عن سهلٍ ، أنه أخبره رجالٌ من كُبَراءِ قومِه .
وتابعه على ذلك ابنُ وهبٍ(٢) وابنُ بُكَّيْرٍ(٣) ، وليس فى روايتهم ما يدُلُّ على
سماعٍ أبى ليلى من سهلِ بنِ أبى حَثْمةً .
وقال ابنُ القاسمِ(٤)، وابنُ نافعٍ، والشافعىُّ(٥)، وأبو المصعبِ(٦)،
ومُطرّفٌ، عن مالكِ فيه ، أنه أخبره هو ورجالٌ من كُبراءِ قومِه .
وقال القعنبئ(٧)، وپشُ بنُ عمر الزهرانئ(1) فیه، عن مالك ، عن أبی
ليلى ، أنه أخبره ، عن رجالٍ من كُبراءٍ قومِه. وذلك كلُّه وإن اختلف لفظُه،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٨١).
(٢) أخرجه النسائى (٤٧٢٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٩٨/٣ من طريق ابن وهب به.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/ظ - مخطوط).
(٤) أخرجه النسائى (٤٧٢٥) من طريق ابن القاسم به .
(٥) الشافعى ٦/ ٩٠.
(٦) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣٥٢).
(٧) أخرجه الطبرانى (٥٦٣٠)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٤٥٧) من طريق القعنبى به،
وعند الجوهرى عن أبى ليلى ، عن سهل .
(٨) أخرجه مسلم (٦/١٦٦٩)، وابن ماجه (٢٦٧٧) من طريق بشر بن عمر به .
٣٥٨
الموطأ
يدُلُّ على سماع أبى ليلى من سهلٍ بنِ أبى حَثْمةً .
التمهيد
(١ فأما روايةُ يحيى ومن تابَعَه ففى معنَى روايةِ القَعْنبيِّ، وأما روايةُ ابنِ
القاسم ومن تابَعَه ، فمخالفةٌ ؛ لأن الرجالَ يكونون مُخْبرين لأبى ليلى مع
سهلٍ، وفى روايةٍ يحيى أن الرجالَ حدَّث عنهم سهلٌ هذا الحديثَ() .
وروايةُ التّيسيِّ لهذا الحديثِ نحوُ روايةِ ابنِ القاسمِ والشافعىِّ .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا عمرُ بنُ محمدِ بنِ القاسم ، ومحمدُ بنُ
أحمدَ بنٍ كاملٍ، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ المسورِ، قالوا : حدَّثنا بكرُ بنُ
سهلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، حدَّثنا مالكٌ، حدَّثنا أبو ليلى
عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ سهلٍ ، عن سهلٍ بنٍ أبى حَثْمةً ، أنه أخبره هو
ورجالٌ من كُبراءٍ قومِه، أن عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ ومُحَيِّصةً خرَجا إلى خييرَ .
فذكَر الحديثَ بتمامِه(٢).
فلا معنى لإنكارِ مَن أَنكَر سماعَ أبى ليلى من سهلٍ بنِ أبى حَثْمةً ،
وقولِه مع ذلك : إنه مجهول لم پروٍ عنه غیرُ مالك بن أنس . ولیس کما
قال ، وليس بمجهول ، وقد روى عنه محمدُ بنُ إسحاقَ ومالكٌ ، وحديثُه
هذا متصلٌ إن شاء اللهُ، صحیح، وسماغُ أُبی لیلی من سهلٍ صحيحٌ،
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ر، م.
(٢) أخرجه البخارى (٧١٩٢)، والطبرانى (٢٦٣٠) من طريق عبد الله بن يوسف به.
٣٥٩
الموطأ
التمهيد ولأبى ليلى روايةً عن عائشةَ وجابرٍ. وقد مضَى القولُ فى معنى هذا
الحديثِ مُمهَّدًا مبسوطًا فى بابٍ يحيى بنِ سعيدٍ ، عن بُشَيرِ بنِ يسارٍ من
هذا الكتاب (١)، والحمدُ للهِ ، فلا معنى لتكريرِ ذلك ههنا .
قال أبو عمرَ: لا حُجَّةً لمن جعَل قولَه فى هذا الحديثِ: ((إمّا أن يَدُوا
صاحبكم، وإمَّا أن يأذنوا بحربٍ)). حُجَّةٌ فى إبطالِ القَوَدِ بالقَسامةِ ؛ لأن
قولَه فيه : ((تَحلِفون وتَستحِقُّون دمَ صاحبِكم؟ )) يدُلَّ على القَوَدِ . فإن
ادعَی مُدَّع أنه أراد بقوله: (( دمَ صاحبكم )) : ما يجبُ بدمُ ) صاحبِكم -
وهى الدِّيةُ. فقد ادَّعى باطنًا لا دليلَ عليه، والظاهرُ فيه القَوَدُ". وقد بان فى
حديث عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِى فى هذه القصة معنى قوله: ((إمّا أن
يَدُوا صاحبَكم )). أنَّ(٤) ذلك كان بعدَ الإخبارِ بأنهم(٥) إن حلَفوا خمسينَ
يمينًا على رجلٍ أُعطَوه بِرُمَّتِه(٢)، وهذا هو القَوَدُ بعينِه. وكذلك فى رواية
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٣٧٠ - ٣٩٣.
(٢) فى ف، ر، ر١: ((لدم)).
(٣) بعده فى ر، م: ((والله أعلم ولا يخرج حديث أبى ليلى هذا على مذهب مالك إلا أن
يحمل - وفى م: يجعل - مخاطبة النبى ◌َ هر بذلك بعد عفو من يجوز له العفو من ولاة الدم
عن القتل على أخذ الدية، ويخرج على مذهب الشافعى بعد أن يحلف ولاة الدم، ويخرج على
مذهب أبى حنيفة بعد أن يحلف المدعى عليهم للدم)).
(٤) فى م: ((وأن)).
(٥) فى ر: ((وأنهم)).
(٦) الرمة: قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد إلى القصاص، أى: يسلم إليهم =
٣٦٠