النص المفهرس
صفحات 381-400
الموطأ
لا يُلتفتُ إليه ولا يُعرَّجُ عليه. وهو الصحيحُ عن أحمد بن حنبل، أنه ذهَب الاستذكار
إليه. ونحنُ نذكُرُ ما فى كتابٍ أبو بكرٍ ((عبد الرزاقِ بنِ همامٍ)) و
((عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ أبى شيبةَ)) فى ذلك؛ لنرَى(١) ما عليه فى ذلك
جمهورُ العلماءِ إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ .
قال عبدُ الرزاقِ(٢) : أخبرنا ابنُ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: السارقُ
يُوجدُ فی البیتِ وقد جمع المتاعَ ولم يخرُجْ به ؟ قال : لا قطعً علیه حتى
يخرُجَ به . قال ابنُ جريج: وقال لى عمرُو بنُ دينارٍ: لا قطعَ عليه (٢) . قال
ابنُ جريجٍ: وأخبرنى سليمانُ بنُ موسى ، أن عثمانَ قضَى أنه لا قطعَ عليه
حتی یخرج به وإن كان قد جمعه . قال ابنُ جريج: وأخبرنى عمرُو بنُ
شعيبٍ، أن ابن الزبيرِ أراد قطعَه، فقال له ابنُ عمرَ: لا قطعَ عليه
حتى يخرُجَ بالمتاع من البيتِ. وقال له ابنُ عمرَ: أرأيتَ لو أن
رجلًا وُجِد بينَ رِجْلَى امرأةٍ لم يُصِبْها أكنتَ تَحُدُّه؟ قال: لا، لعله
سوف ينزِيُ(١) " قبلَ أن يُواقِعَها). قال: وهذا كذلك، ما يُدْرِيك
القبس
(١) فى ح، هـ: ((ليرى)).
(٢) عبد الرزاق (١٨٨٠٩ - ١٨٨١١).
(٣) بعده فی ح، هـ، م: (حتى يخرج به).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى ح: ((يترك))، وفى هـ: ((ينزل)).
(٦ - ٦) فى الأصل: ((قال لا))، وفى هـ، م: ((قبل أن يوقعها)).
٣٨١
الموطأ
الاستذكار لعله كان نازعًا " تائبًا وتاركًا للمتاع.
قال عبدُ الرزاقِ(٢): أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: إذا وُجِد
السارقُ فی البيتِ قد جمع المتاعَ ولم يخرج به، فلا قطعَ علیه ولکن
يُنكّلُ. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: هو رجلٌ أراد أن يسرقَ ، فلم يَدَعوه .
قال(٢): وأخبرنا الثورىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى السَّفَرِ، عن الشعبىِّ، قال:
لا يُقطُ السارقُ حتى يخرج بالمتاعِ مِن البيتِ . قال: وأخبرنا الثورىُّ، عن
يونسَ ، عن الحسنِ مثلَ قولِ الشعبىِّ . ورُوِی ذلك عن علىِّ رضِى اللهُ عنه،
من حديثٍ حسينٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ضُمَيْرةً (٤) ، عن أبيه، عن جدِّه، عن علىّ
رضِى اللهُ عنه . ومِن حديثٍ مُحصينٍ، عن الشعبىِّ، عن الحارثِ، عن
علىٍّ (°) . وكتب فيه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ أن يُنكِّلَ ويُسجنَ ولا يُقطعَ(٦).
وذگر ابو بکرِ بنُ ابی شیبة(٧) ، قال: حدَّثنی و کیت، عن ابن جريجٍ،
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ، وفى الأصل: ((تائبا)).
(٢) عبد الرزاق (١٨٨١٢، ١٨٨١٣، ١٨٨١٥، ١٨٨١٦).
(٣) عبد الرزاق (١٨٨١٧) .
(٤) فى ح، هـ: ((ضمرة)). وينظر التاريخ الكبير ٣٨٨/٢، والجرح والتعديل ٥٧/٣.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٧/٩ من طريق حصين به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٨٨٢٠).
(٧) ابن أبى شيبة ٩/ ٤٧٧.
٣٨٢
الموطأ
عن سليمانَ بنِ موسى ، عن عثمانَ، قال: ليس عليه قطعٌ حتى يخرُجَ مِن الاستذكار
البيتِ بالمتاعِ .
قال(١): واخترنا و کیٹ، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب ، عن
ابنِ عمرَ، قال : ليس عليه قطعّ حتى يخرُجَ بالمتاعِ .
قال(١) : وحدَّثنى حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن موسى بنٍ أبى
الفُرَاتِ (٢) ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: لا يُقطعُ حتى يخرُجَ بالمتاعِ مِن
البيتِ .
قال(٣): وأخبرنا أبو معاویةً ، عن عاصم، عن الشعبى ، أنه سُئِل عن
رجلٍ سرّق سرقةً ثم گؤّرها(٤) ، فأُدرِك قبلَ أن يخرج مِن البيتِ ، قال : ليس
عليه قطعٌ .
قال(٢): وحدَّثنى علىُ بنُ مُشهرٍ، عن زكريا، عن الشعبىِّ مثلَه .
قال(٢): وحدَّثنى محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنى ابنُ جريج، قال :.
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٩/ ٤٧٧.
(٢) بعده فى م: ((و)).
(٣) ابن أبى شيبة ٩/ ٤٧٨.
(٤) فى الأصل: ((دورها)). وكوّر المتاع: جمعه وشده، وقيل: ألقى بعضه على بعض. التاج
(ك ور).
٣٨٣
قال مالكٌ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا، أنه ليس فى الخُلسَةِ قطعٌ،
الموطأ
الاستذكار قلتُ لعطاءٍ: يُؤخذُ(١) السارقُ(١) قد أخَذ المتاعَ وقد جمَعه فى البيتِ ؟
قال : لا قطعَ عليه حتى يخرُجَ به مِن البيتِ، زعَموا. قال: وقال عمرُو بنُ
دينارٍ: ما أرى عليه قطعًا .
قال(٢): وحدّثنی یزِيدُ بنُّ هارونَ ، عن حماد بن سلمةً، عن حميدٍ ،
أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب فى سارقٍ : لا يُقطعُ حتى يخرُجَ بالمتاعِ مِن
الدارِ ، لعله تَغْرِضُ له توبةٌ قبلَ أن يخرجَ مِن الدارِ .
قال أبو عمرَ: لا أعلَمُ لمَن لم يعتبرِ الحِرْزَ مُتعلّقًا بأحدٍ مِن الصحابةِ
رضِى اللهُ عنهم ، إلا ما رُوى عن عائشةَ رضِى اللهُ عنها .
ذگرہ اُبو بکرِ بنُ ابی شیبةً(٢) ، قال: حدّثنی ابو خالد الأحمر، عن
يحيى بن سعيدٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، قال: بلَغ عائشةً أنهم
يقولون : إذا لم يخرُجْ بالمتاع من البيتِ لم يُقطع. فقالت: لو لم أجِدْ إلا
سكينًا لقطَعْتُه(٤).
قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا ، أنه ليس فى الخُلْسةِ قطعً ، بلَغ
القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((يوجد).
(٢) بعده فى م: ((و)).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٧٩/٩.
(٤) بعده فى ح، هـ، م: ((إذا لم يخرج).
٣٨٤
بلَغْ ثمنُها ما يُقطَعُ فيه أو لم يبلُغْ .
الموطأ
ثمنُها ما يُقطعُ فيه أو لم يبلُغْ .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: هذا كما ذكره مالكٌ أمرٌ مجتمَعٌ عليه لا خلاف فيه ،
وقد مضَى القولُ فى الخُلْسةِ فيما تقدَّم مِن هذا الكتابِ، فلا وجهَ
لإعادتِه (١) . وباللهِ التوفيقُ.
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٣٦٥، ٣٦٦.
٣٨٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٥/٢٠ )
الموطأ
كتابُ الأَشْرِبَةِ
الاستذكار
کتابُ الأشربة
القبس
القولُ فى الأشربةِ
أَنَّفَقِ العلماءُ على حِلِّ الأشربةِ بأجمعِها، إلا ما كان مُشكِرًا، أو كان فى
شُرْبِه ضَرَرٌ. حرَّم اللهُ تعالى الخمرَ فى مُحْكَم كتابِهِ، وروَى مسلمٌّ فى
((صحيحِه)) أن النبىَّ وَّرَ سُئِلِ: أَيْتَدَاوَى بالخمرِ؟ فقال: ((إنها ليست بدّواءٍ،
ولكنها داءٌ)) ().
واختلف فى الخمر؛ هل تُطلَقُ() علی کلِّ شرابٍ مُشکٍِ، أو تختصُّ بما
يُعْصَرُ مِن العنبِ وحدَه؟ وإنى لأعجَبُ ممن قال ذلك مِن الفقهاءِ ومَن سَلَّك
مِن علماءِ مَن مضَى، مع أن الصحابةَ رضِى اللهُ عنهم لمَّا محُرِّمَت عليهم الخمرُ
أَرَاقُوها، وكسروا دِنانَها، وبادروا إلى امتثالِ الأمرِ فيها، مع أنهم لم يكنْ
عندَهم بالمدينةِ عصيرُ عنبٍ، وإنما كان جميعُه نبيذَ تمرٍ . وقد روَى المُصَنِّفون
عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، أن النبىَّ ◌َّقال: ((إِن مِن العِنَبِ خَمْرًا، وإن مِن الزَّبيبِ
خَمْرًا، وإن مِن البُرّ خَمْرًا، وإن مِن الشعيرِ خَمْرًا، وإن مِن العَسَلِ خَمْرًا،
(١) مسلم (١٩٨٤) .
(٢) فى د، ج: ((ينطلق)).
(٣) فى د: ((الزبيب)).
(٤) الدِّنان واحدها دٌَّّ: وعاء ضخم للخمر ونحوها . الوسيط ( د ن ن).
(٥ - ٥) سقط من: ج .
٣٨٦
الموطأ
الاستذكار
والخمرُ ما خامرَ العقلَ))(١).
القبس
وفى ((الصحيح))، أن عمرَ قالَه وكان (" يُشِيدُ به" على المنبرِ(١). والتَّبِيهُ(٤).
قد وقَع فى القرآنِ عليه ، بحيثُ لا يَخْفَى على ذى لُبِّ حاضرٍ ولا قلبٍ سليمٍ،
وذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [المائدة: ٩١].
وقد لعَن رسولُ اللهِ وَّله فى الخمرِ عَشَرَةً؛ الخَمْرَ، وعاصرَها، ومُعْتصِرَها ،
وبائعَها، ومُبتاعَها، وشارِبَها، وساقِيَها، وحامِلَها، والمحمولةَ إليه،
(٥)
وشاهِدَها(٥).
وفى الصحيحِ المشهورِ، أن النبىَّ بَّ سُئِلِ عن البِتْعِ؛ وهو نَبِيذٌ يُصْنَعُ مِن
عسلٍ، فقال: ((كُلِّ شَرابٍ أَسْكَرَ فهو حرامٌ))(١). فأجابَ وَلَّ على الجِئْسِ لا
على القَدْرِ ، سمِعتُ عن بعضِ العلماءِ مِن أصحابٍ أبى حنيفةً عنه(٧) ، أنه قال:
لو جُعِل السيفُ على رأسى أن أشرَبَ النَّبِيذَ ما شَرِبْتُه، ولو بجعِل السيفُ على رأسِى
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٧٤، ٤٧٥.
(٢ - ٢) فى د: ((يشير على به)). وأشاد بالشىء: رفع به صوته، القاموس المحيط (ش ی د).
(٣) البخارى (٥٥٨١، ٥٥٨٨)، وسيأتى تخريجه ص٤٧٥، ٤٧٦.
(٤) بعده فى د، م: (( به )) .
(٥) أبو داود (٣٦٧٤)، والترمذى (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٦٣٧) .
(٧) سقط من : ج ، م .
٣٨٧
الموطأ
الحدُّ فی الخمرِ
الاستذكار
بابُ الحدِّ فى الخمرِ
القبس ان ◌ُحرّمَه ما خوَّمْتُه؛ لأن أصحاب النبيِ پټ قد شربوه . وهذا القولُ لا يَصِحُ ، ما
شرِبه قطُّ أحدٌ منهم، إنما الذى ثبت عن النبيِّ وَلِّ، أنه كان يُتْبَذُ له فيشرَبُ ، فإذا
تَغَيَّر سَقاه الخَدَمَ (١)، يريدُ : تغيَّ طَعمُه ولم يَتْلُغْ حَدَّ الإسكارِ، ويدخُلُ فى لعنِ النبىِّ
(وَّ بائعَ الخمرِ، مَن باعَ عِنْبًا ممن (١) يَعلَمُ أنه يَعْصِرُه خمرًا، ما لم يكنْ ذِمِّيًّا ، فإن
كان ذِمِّيًّا؛ فإن العلماءَ اختلفوا فيه لاختلافِهم فى مُخاطبتِهم بتحريم الخمرِ، وفى
مسائلِ المُساقاةِ مِن ((الكتابِ)): ولا بأسَ بمُساقاةِ الذِّميِّ فى الكَرْمِ إِذا أَمِنْتَ أن
يَعْصِرَه خمرًا". ولو لم تكنْ عندَه مُحَرَّمةً عليهم ما منَعهُ مِن مُساقاتِهِ .
فصلٌ: الحَدُّ فيها
كان النبيُّ وَ ل﴿ يَجْلِدُ فى الخمرِ بالنعالِ، والجرِيدِ، والثيابِ، مِن غيرِ
تَحْديدٍ (١) ولا تَقْدِيرٍ (١) ، إلا أن الصحابةَ قَدَّرُوها بالأربعينَ، واستمرّت الحالُ
على ذلك خلافةً أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، فلما تتايَع (٧) الناسُ فى زمانٍ عمرَ استشارَ
(١) مسلم (٢٠٠٤) .
(٢) فى د: ((من مسلم يعصره)).
(٣ - ٣) ليس فى : د .
(٤) فى م: ((منعته)).
(٥) فى ج: (( تجريد )).
(٦) مسلم (٣٦/١٧٠٦).
(٧) فى د: ((تبايع))، وفى م: ((تبايع)). والتتابع ، الوقوع فى الشر من غير فكرة ولا روية،=
٣٨٨
الموطأ
الاستذكار
فى حدٍّ (١) الخمرِ، فقال له علىٍّ: إذا سَكِر هَذَى، وإذا هذَى اقْتَرَى، فاجْلِدْه القبس
حدَّ المُفْتَرِى(١) . فكان هذا اتفاقًا مِن الصحابة على اتفاقٍ الأحكام بالقياسِ ، ثم
جلَد علىَّ الوليدَ بنَ عقبةً فى زمانٍ عثمانَ أربعينَ(١) ، ثم استقرّت الحالُ عندَ
استواءِ الأمرِ لمعاويةً على ثمانينَ. قال بذلك مالكٌ وأبو حنيفةً، وقال الشَّافعىُّ:
الحكمُ فى ذلك(٢) ما قُدِّر فى زمانِ النبيِّ بَلَ، وحكم به أبو بكرٍ. وهو
مَحْجوجٌ بإجماع الصحابةِ فى زمانٍ معاويةً ، لا سيَّما بانهِماكِ الناسِ اليومَ فيها ،
فلو أمكنَت الزيادةُ على ثمانينَ لكانوا أهلَها .
توحيدٌ: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَن شرِب الخمرَ فى الدنيا ثم لم يَتُبْ منها ،
مُحُرِمَها فى الآخرةِ))(٥) . قال علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم: قد ثبت بالدلائلِ القاطعةِ
دخولُ العصاةِ الجنةَ بعدَ الاقتصاصِ منهم بالعذابِ والمغفرةِ ، ومَن دخَل الجنةً لم
يمتنع عليه منها١ نعيمٌ؛ فيكونُ معنى قوله: ((مُرِمَها فى الآخرةِ)). فى الوقتِ
الذى يَجِدُ(٧) فيه الظَّمَأَ ويطلُبُ الراحةَ؛ عندَ العذابِ، أو عندَ انتظارِ المغفرةٍ،
وذلك مبسوطٌ فى موضعِه .
= والمتابعة عليه، ولا يكون فى الخير، وقيل: التتابع: التهافت. النهاية ٢٠٢/١، والقاموس
المحيط (ت ی ع).
(١) فى د: ((حديث)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٦٣٠).
(٣) مسلم (١٧٧) .
(٤) بعده فى ج، م: ((إلى الإمام))
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٦٣٩).
(٦) سقط من : ج .
(٧) فى د: ((يحل)).
٠٣٨٩.
الموطأ
١٦٢٩ - مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيدَ، أنه
أخبَرَه أن عمرَ بنَ الخطابِ خرَج عليهم فقال : إنى وجَدتُ مِن فُلانٍ
ريحَ شرابٍ، فزعَم أنه شَرِب الطَّلاءَ، وأنا سائلٌ عمَّا شرب ، فإن كان
يُسكِرُ جلَدتُه. فجلَده عمرُ الحدَّ تامًّا.
الاستذ کار
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ ، أنه أخبره أن عمرَ بنَ
الخطابِ خرَج عليهم فقال : إنى وجَدتُ مِن فلانٍ ريحَ شرابٍ ، فزعم أنه
شرب (١) الطُّلاءَ، وأنا سائلٌ عنه، فإن كان يُسكِرُ جَدتُه. فجلده عمُ
الحدَّ تاءًا(٢) .
قال أبو عمرَ: هذا الإسنادُ أصحُ ما يُروى مِن أخبارِ الآحادِ .
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ وجوبُ الحدِّ على مَن شرِب مسكًا؛
اسگر أو لم ◌ُسکِزْ، خمرًا كان من خمر العنبِ أو نبيذًا ، إلا أنه" ليس فى
الحديثِ ذكرُ الخمرِ، ولا أنه كان سكرانَ، وإنما فيه مِن قولٍ عمرَ أن
الشرابَ الذى شرِب منه إن كان يُسكرُ جلَده الحدَّ، وهذا يدُلَّ على أنه
القبس
(١) فى الأصل: ((شراب)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٠٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/١٣ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٨٢٥). وأخرجه الشافعى ١٤٤/٦، ١٨٠، والنسائى (٥٧٢٤)،
والطحاوى فى شرح معانى الآثار ٢٢٢/٤، والبيهقى ٢٩٥/٨ من طريق مالك به.
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((لأنه))، وفى ح: ((لا أنه)).
٣٩٠
الموطأ
كان شرابًا لا يعلَمُ أنه الخمرُ المحرّمُ قليلُها وكثيرُها ، ولو كان ذلك ما سأل الاستذكار
عنه . وقد أجمعوا على أن قليلَ الخمرِ مِن العنبِ فيه مِن الحدِّ مثلُ ما فى
كثيرِها ولا يُراعَى السّكرُ فيها، وإنما اختلفوا فيما سواها مِن الأنبذةِ
المسكِرةِ ، على ما نذكُرُه بعدُ إن شاء اللهُ عزَّ وجلّ .
وفيه القضاءُ بالحدِّ علی مَن ◌ُجِد منه ريح الخمر ، وهذا موضع اختلف
فيه العلماءُ قديمًا؛ فرُوِى عن عمرَ بنِ الخطابُِ ، وعبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ(١)، وميمونةَ زوج النبيِّ وَلٍَّ(١) ، أنهم كانوا يرون الحدَّ على مَن
وُجِد منه ريحُ الخمرِ . وهو قولُ مالكٍ وأصحابِهِ وجمهورِ أهلِ الحجازِ ، إذا
أقرَّ شارُها أنها ريح خمرٍ، أو شُهِد عليه بذلك. و کذلك عندهم ريح
المُسکر سواء؛ لأن كلّ مُسکرٍ عندهم خمرٌ، على ما رَوَوا فی ذلك عن
النبيِّ وَّ، وسيأتى بعدُ فى موضعِه مِن هذا الكتابِ(٤) إن شاء اللهُ
عزَّ وجلّ .
وخالَفهم فى ذلك جمهورُ أهلِ العراقِ وطائفةٌ مِن أهلِ الحجازِ ،
فقالوا: لا حدَّ على أحدٍ فى رائحة الخمرِ "وهو يعقِلُ، ولا رائحةٍ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٣٩٣، ٣٩٤.
(٢) سیأتی تخريجه ص ٣٩٤، ٣٩٥.
(٣) سیأتی تخريجه ص٣٩٥.
(٤) سيأتى ص ٤٧٧ - ٤٨٢.
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ط ١.
٣٩١
الموطأ
الاستذكار المُسكرِ .
ذكّر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابنِ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: الريحُ توجدُ
مِن شارب الخمرِ وهو (١) يعقلُ. قال: لا حدَّ إلا بالبينةِ، قد تكونُ الرائحةُ
مِن الشرابِ الذى ليس به بأسٌ. قال: وقال عمرُو بنُّ دينارٍ: لا حدَّ فی
الريح .
وبه قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، قال الشافعىُّ: لا يُحدُّ
الذى توجَدُ منه ريحُ الخمرِ إلا أن يقولَ: شرِبتُ خمرًا أو مسكرًا. أو يُشهَدُ
بذلك علیه ، وسواء سکِر أو لم یسگر. قال : ولو شرِب شرابًا فلم يَسگرْ،
وشرِب من ذلك الشرابِ غيرُه فسكِر، كان عليهما جميعًا الحدُّ؛ لأن كلَّ
واحدٍ منهما شرب مُسکرًا .
وأما العراقيُون؛ إبراهيم النخعىُ، وسفيان الثوریُّ، وابنُ أبی لیلی ،
وشريكٌ، وابنُ شُبرمةَ ، وأبو حنيفةً، وسائرُ فقهاءِ الكوفةِ ، وأكثرُ علماء
البصرة ، فإنهم لا یرون فی شُربِ المُسکرِ حدًّا إلا علی مَن سکِر منه، ولا
يُراعُون الريحَ مِن الخمرِ ولا مِن المُسكرِ ١، ولا يرون فى الريحِ مِن ذلك
كلِّه حدًّا .
القبس
(١) عبد الرزاق (١٧٠٣٧).
(٢) بعده فى الأصل: ((لا)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((قال)).
٣٩٢
الموطأ
وهذا خلافٌ على (١) السلفِ مِن الصحابةِ الذين لم يُخالفْهم مثلُهم. الاستذكار
ذكَر أبو بكرٍ(٢)، قال: حدَّثْنى وكيع، عن ابنِ أبى ذئبٍ، عن
الزهرى، عن السائب بن یزید، أن عمر کان یضرِبُ فی الریحِ .
وذكر عبدُ الرزاقِ(٣)، قال: أخبرنا ابنُ جريجٍ، قال: حدَّثنی ابنُ
شهاب ، عن السائبِ بنِ يزيدَ ، أنه حضَر عمرَ بنَ الخطابِ وهو يجلِدُ رجلًا
وجد منه ریحَ شرابٍ ، فجلَده الحدَّ تامًا .
قال أبو عمر : لم ◌ُسَمّ مالكٌ ولا ابنُ جريج فی حديثهما هذا عن ابنٍ
شهاب الموجود منه ريحُ الشراب المجلودَ فيه، وقد سمَّاه فى هذا
الحدیثِ ابنُ عيينةً ومعمرٌ .
روَى الحُميدىُّ وغيرُه، عن ابنٍ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن السائبِ بنِ
يزيدَ ، قال: قال عمرُ: ذُكِر لى أن عبيدَ اللهِ وأصحابَه شرِبوا شرابًا بالشامِ
وأنا سائلٌ عنه، فإن كان مُسكرًا جَدتُهم. قال ابنُ عيينةً: وحدَّثنى معمرٌ،
عن الزهرىِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ ، قال: رأيتُ عمرَ حدَّهم(٤).
القبس
(١) فى م: ((عن)).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٧/١٠، ٣٨.
(٣) عبد الرزاق (١٧٠٢٩).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى تغليق التعليق ٢٦/٥ - وابن أبى شيبة ٤٦٥/٧،
والبيهقى ٣١٢/٨ من طريق ابن عيينة به .
٣٩٣
الموطأ
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : حديثُ ابن عيينةَ هذا ليس فيه أنه جلَدهم فى ريحِ
الشراب ، بل ظاهرُه أنه حدَّهم بما ذُكِر له"، وهى الشهادةُ، ولكن ابنَ
عبينةَ لم يأتِ بالحديثِ على وجهِه . واللهُ أعلمُ.
وقد ذكَر عبدُ الرزاقِ هذا الخبرَ(٢)، فقال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ،
عن السائبِ بنِ يزيدَ ، قال : شهِدتُ عمرَ بنَ الخطابِ صلَّى على جنازةٍ ،
ثم أقبل علينا ، فقال : إنى وجدتُ مِن عبیدِ اللهِ بنِ عمر ريح شراب ، وإنی
سألتُه عنها فزعم أنه الطِّلاءُ، وإنى سائلٌ عن الشرابِ الذى شرِب، فإن
كان مُسكِرًا جلَّدتُه. قال: فشهِدتُه بعدَ ذلك يجلِدُه.
قال أبو عمرَ: قد جوَّد معمرٌ ومالكٌ هذا الحديثَ عن عمرَ .
وأما حديثُ ابن مسعودٍ، فذكره عبدُ الرزاقِ(٢) ، عن ابنٍ عيينةً،
وذكره أبو بكرٍ(٤) ، عن أبى معاويةَ، كلاهما عن الأعمشِ، عن إبراهيم
النخعىّ ، عن علقمةَ بنِ قيسٍ ، واللفظُ لحديثِ أبى بكرٍ ، قال: قرأ عبدُ اللهِ
ابنُ مسعودٍ بحِمصَ سورةَ ((يوسفَ))، فقال رجلٌ: ما هكذا أُنزِلت . فدَنا
منه عبدُ اللهِ، فوجَد منه ريحَ الخمرِ، فقال له : تُكذّبُ بالحقِّ وتشرّبُ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((مما ذكر لهم)).
(٢) عبد الرزاق (١٧٠٢٨).
(٣) عبد الرزاق (١٧٠٤١).
(٤) ابن أبى شيبة ٣٨/١٠.
٣٩٤
ـح
الموطأ
الرّجسَ، واللهِ لَهكذا أقرأنيها(١) رسولُ اللهِ وَله، لا أُدَعُك حتى أُحدَّك. الاستذكار
فجلَده الحدَّ .
وذكر أبو بكرٍ (١) ، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُّ هشام، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ ،
عن يزيد بنِ الأصمِّ ، أن ذا قرابةٍ لمیمونةَ دخل عليها، فوجدت منه ريح
شرابٍ ، فقالت: لئن لم تخرجْ إلى المسلمين فيحُدُّونك ويُطهِّرُكْ رِبُّك،
لا تدخُلْ علىَّ بيتى أبدًا .
وذكر أبو بكرٍ أيضًا(٢) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن ابنٍ جريجٍ،
عن ابن أبى مُليكةً ، قال: كتبتُ إلى ابنِ الزبيرِ أسألُه عن الرجلِ يوجَدُ منه
ريح الشراب، فقال: إن كان مُدْمنًا فحدَّه(٣).
وذكر عبدُ الرزاقِ (٤)، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ ابنَ أبى مليكةً
مثله بمعناه .
وذكره وكيعٌ، عن محمدٍ (*) بنِ شريك، عن ابنٍ أبي مليكةً، قال :
أتيتُ برجلٍ يوجَدُ منه ريح الخمرِ ، وأنا قاضٍ على الطائفِ ، فأردتُ أن
القبس
(١) فى الأصل: ((أخبرنيها)).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٨/١٠.
(٣) فى الأصل، ط ١: ((فحدوه))، وفى م: ((فأحدوه)).
(٤) عبد الرزاق (١٧٠٣٢).
(٥) فى الأصل: ((إبراهيم)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٩/٢٥.
٣٩٥
الموطأ
الاستذكار أضرِبَه، فقال: إنما أكّلتُ فاكهةً . فكتبتُ إلى ابنِ الزبيرِ، فكتَب إلىَّ: إن
كان مِن الفاكهةِ ما يُشبِهُ ريحَ الخمرِ ، فادرًاً عنه(١) .
قال أبو عمرَ : ذكرتُ هذه الآثارَ عن السلفِ ؛ لنقفَ على ما ذكره ابنُ
قتيبةً فى كتابٍ ((الأشربةِ))(٢)، وذكَّرَته طائفةٌ مِن أصحابٍ أبى
حنيفةً، ("أن مالكًا) انفرد برأيه فى حدٍّ(٤) الذى يوجدُ منه ريحُ الخمر ، وأنه
ليس له فى ذلك سلفٌ، وهذا جهلٌ واضحٌ أو تجاهلٌ أو مكابرةٌ (٥).
قال أبو عمرَ : أقوى ما احتجَّ به مَن لم يَرَ فى ربحِ الشرابِ حدًّا؛ لأن مِن
الفاكهةِ مثلَ التفاحِ والسّفرجلٍ وشِئْهِهما قد يوجدُ مِن أكلِها رائحةٌ تُشبِهُ
ريحَ الخمرِ ، وتلك شُبهةٌ تمنَعُ مِن إقامةِ الحدِّ فى الريح؛ لأن الأصلَ أن
ظهرَ المؤمنِ حِمَّى لا يُستباح إلا بيقينٍ دونَ الشُّبهةِ والظَّنونِ .
قال أبو عمر : حدیثُ ابن شهاب المذ کورُ فى أولِ هذا البابِ عن عمر
هو فى عبيدِ اللهِ ابنِه ، ولعبد الرحمنِ ابنِه المعروفِ بأبى شَخْمةً مِن بنيه قصةٌ
فى شرب الخمرِ ، جلَده فيها بمصرَ عمرُو بنُ العاصى ، ثم جلَده عمرُ بعدُ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩/١٠ عن وكيع به .
(٢) الأشربة ص ٥٥.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى الأصل: ((حديث)).
(٥) فى هـ: ((مكاثرة)).
٣٩٦
الموطأ
والحديثُ بذلك عن الزهرىِّ، عن سالم ، عن أبيه ؛ رواه معمرٌ، وابنُ الاستذكار
جريج ، عن الزهرىٌّ ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن أبيه ، قال : شرِب
عبدُ الرحمن بنُ عمرَ بمصرَ خمرًا (١) - كذا قال معمرٌ، وقال ابنُ جريجٍ :
شرابًا مسكرًا - فى فِتيةٍ ؛ منهم ("أبو سَرْوَعةً) عقبةُ بنُ الحارثِ ، فحدّهم
عمرو بن العاصی ، وبلغ ذلك عمرَ ، فکتب إلى عمرو ؛ أن ابعثْ إلَّ بابنی
عبد الرحمنِ على قَتَبٍ . فلما قدِم عليه جلَده عمرُ بيدِه الحدَّ . قال ابنُ عمرَ :
فزعَم الناسُ أنه مات مِن ضربٍ عمرَ، ولم يمُتْ مِن ضربِه (١) .
قال أبو عمر : جاء عن الشعبى ، وعن یحیی بنِ أُبی كثيرٍ، وهو شىءٌ
منقطعٌ، أن عمرَ ضرَب ابنَه حدًّا، فأتاه وهو يموتُ، فقال: يا أبتى ،
قتَلتَنى. فقال له : إذا لقِيتَ ربَّك فأخبره أن عمرَ يُقيمُ الحدودَ(٤).
وليس فى هذا الخبرِ ما يُقطعُ به على موتِه لو صحّ، وحديثُ ابنِ عمرَ
أُصُ .
القبس
(١) بعده فى ح، هـ، م: ((قال)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((عطية بن))، وفى ح، هـ، ط ١: ((ابن)). والمثبت من مصدرى
التخريج. وينظر أسد الغابة ٥٠/٤، وتهذيب الكمال ٢٠/ ١٩٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٤٧)، عن معمر به، وأخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٨٤١/٣
من طريق ابن جريج به .
(٤) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٣/ ٨٤١، ٨٤٢ من كلام الشعبى.
٣٩٧
الموطأ
١٦٣٠ - مالكٌ، عن ثَورِ بن زيدِ الدِّيلىّ، أن عمر بن الخطاب
استشار فى الخمرِ يشرّبُها الرجلُ ، فقال له علىّ بن أبى طالب: نَرَى أن
تَجلِدَه ثمانين؛ فإنهُ إذا شرِب سكِر، وإذا سكِر هَذَى، وإذا هَذَی
افتَرَى. أو كما قال. فجلَد عمرُ فى الخمر ثمانين.
الاستذكار
مالكٌ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلِيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ استشارهم فى
الخمرِ يشرَبُها الرجلُ ، فقال له علىّ بن أبى طالبٍ : نرَى أن تجلِدَه ثمانین ؛
فإنه إذا شرِب سَكِر، وإذا سَكِرِ هَذَى، وإذا هَذَى افترى . أو كما قال .
فجَّد عمئ فی الخمر (١) ثمانین
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ منقطئٌ مِن رواية مالك، وقد ژُوِى متصلًا
مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، ذكره الطحاوىُّ فى كتابٍ ((أحكام القرآنِ))(٢)،
قال: حدَّثنَى فَهْدُ(٤) بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ كثيرِ بنِ مُفيرٍ،
قال: حدّثنا یحیی(*) بنُ فُلَیح، عن ثور بن زيد الدِیلیّ، عن عكرمةً ، عن
القبس
(١) فى ح، هـ: ((الحد)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧١٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/١٣ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٨٢٦). وأخرجه الشافعى ٦/ ١٨٠، وابن شبة فى تاريخ المدينة ٧٣٢/٢،
والبيهقى فى المعرفة ٤٥٨/٦ من طريق مالك به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٢٧٤/١١، ٢٧٥.
(٤) فی ح: (مهدی)، وفی م: ( بهز).
(٥) فى النسخ: ((محمد)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٧/١١.
٣٩٨
الموطأ
ابنِ عباسٍ، أن الشِّرَّابَ كانوا يُضربون فى عهدِ رسولِ اللهِ وَ لَ بالأيدِى الاستذكار
والنِّعالِ وبالعِصِىِّ حتى توفِّيَ رسولُ اللهِ وَالِهِ، فكانوا فى خلافة أبى بكرٍ
أكثرَ منهم فى عهدِ النبىِّ وَلَه، فقال أبو بكرٍ: لو فرَضْنا لهم حدًّا. فَتَوَخّى
نحوًا مما كانوا يُضربون عليه فى عهدِ رسولِ اللهِ وَلَّه، فكان أبو بكرٍ
يجلِدُهم أربعين، ثم كان عمرُ بعدَه يجلِدُهم كذلك أربعين، حتى أَتِى
برجلٍ مِن المهاجرين الأوَّلِين وقد شرِب، فأمَر به أن يُجلدَ، فقال: لِم
تجلِدُنى؟ بينى وبينَك كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ. فقال عمرُ: فى أىِّ كتابِ اللهِ
عزَّ وجلَّ تجدُ ألا أجلِدَك؟ فقال: إن الله تعالى يقولُ فى كتابِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]. فأنا مِن الذين اتَّقَوا وآمنوا وعمِلوا
الصالحاتِ، ثم اتَّقَوا وآمَنوا، ثم اتَّقَوا وأحسنوا؛ شهِدتُ مع رسولِ اللهِ
مَ لِّ بدرًا، وأُحُدًا، والخندقَ، والمشاهدَ. فقال عمرُ: أَلَا تَرُدُّون عليه ما
يقولُ؟ فقال ابنُ عباسٍ: إن هؤلاء الآياتِ أَنزِلت عُذْرًا للماضِين وحُجَّةٌ
على الباقِين، فعُذْرُ الماضِين بأنهم لَقُوا اللهَ عزَّ وجلّ قبلَ أن يُحرِّم عليهم
الخمرَ، وحُجَّةٌ على الباقِين؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾. ثم قرَأَ إِلى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿فَهَلَ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
فإن كان مِن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، ثم اتَّقَوا وآمنوا، ثم اتقَوا
القبس
٣٩٩
الموطأ
الاستذكار وأحسنوا، فإن الله عزَّ وجلّ قد نهى أن يُشرَبَ الخمر. فقال عمر:
صدَقتَ، مَن اتَّقَى اجتَنب ما حرَّم اللهُ تعالى عليه . قال عمرُ: فماذا تَرَوْن ؟
قال علىٍّ : إذا شرب سكر، وإذا سکِر هَذَی، وإذا هَذَی افترى، وعلى
المُفترِى ثمانون جلدةً. فأمَر به عمرُ، فجُلِد ثمانين .
وذكر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(١) ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضيلٍ، عن عطاءِ بنِ
السائبٍ ، عن أبى ١ عبدِ الرحمنِ، عن علىٍّ، قال: شرِب قومٌ مِن أهلِ
الشامِ الخمرَ، وعليهم يزيدُ بنُّ أبى سفيانَ ، وقالوا: هى لنا حلالٌ . وتأوَّلوا
هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾
الآية. قال: فكتَب فيهم إلى عمرَ، فكتَب ؛ أن ابعَتْ بهم إلىَّ قبلَ أن يُفسِدوا
مَن قِبَلَك. فلما قدموا على عمرَ استشار فيهم الناسَ، فقالوا: يا أميرَ
المؤمنين ، نرَى أن قد كذَبوا على اللهِ عزَّ وجلَّ، وشرَعوا فى دينِه ما لم يأْذَنْ
به اللهُ، فاضرِبْ رقابَهم. وعلىٍّ ساكتٌ، فقال: ما تقولُ يا أبا الحسنِ
فيهم؟ قال: أرى أن تَسْتَتِيبَهم، فإن تابوا جلَدتَهم ثمانين(١٢)؛ لِشُرْبِهم
الخمرَ، وإن لم يتوبوا ضرَبتَ أعناقَهم ؛ فإنهم قد كذَبوا على اللهِ ، وشرَعوا
فى دينه ما لم يأْذَنْ به اللهُ . فاستتابَهم فتابوا، فضرَبهم ثمانين ثمانين .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٥٤٦/٩.
(٢) فى الأصل: ((على بن)). وينظر تهذيب الكمال ٨٨/٢٠.
(٣) بعده فى الأصل، ط ١: ((ثمانين)).
٤٠٠