النص المفهرس

صفحات 101-120

الموطأ
القاسمُ بنُ محمدٍ : كان أبو بكرٍ ، وعمرُ، وعثمانُ، وعلىٍّ، يُفتُون على عهدِ التمهيد
رسول الله ﴾﴾ . وروی موسی بنُ مَيْسَرَةً ، عن محمد بن سهلِ بنِ أبی
حَثْمَةً، "عن أبيه)، قال: كان الذينَ يُفْتُون على عهدِ رسولِ اللَّهِ وَ له
ثلاثةً(١٢) من المهاجرينَ(٤)؛ عمرُ، وعثمانُ، وعلىٍّ، وثلاثةً من الأنصارِ؛
أُتُ بنُ كعبٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ(٥) .
وفيه أن يَمِينَ رسولِ اللَّهِ وَ لَه كانت: ((والذى نَفْسِى بيَدِه)). وفى
ذلك رَدِّ على الخوارجِ والمعتزلةِ .
وأمَّا قولُه فى الحديثِ: ((لَقَضِيَنَّ بينَكما بكتابِ اللَّهِ». فلأهلِ العلمِ فى
ذلك قَولان؛ أحدُهما ، أن الرجمَ فى كتابِ اللَّهِ ، على مَذهبٍ مَن قال : إن
مِن القرآنِ ما نُسِخ خَطُّه وثَبَت محُكْمُه ، وقد أجمعوا أن من القرآنِ ما نُسِخ
حُكّمُه وثبت خَطَّه، وهذا فى القياسِ مثلُه. وقد ذكَرنَا وُجوه نسخ القرآنِ ،
فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ، من كتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن ذِكْرِه ههُناً) .
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٣٣٥/٢.
(٢ - ٢) سقط من: ر، ى.
(٣) فى ى: ((أربعة)).
(٤) بعده فى ر، ى: ((أبو بكر)).
(٥) أخرجه ابن سعد ٣٥٠/٢ من طريق موسى به .
(٦) ينظر ما تقدم ٤٠٨/٥- ٤١١.
١٠١

الموطأ
التمهید
ومَن ذهَب هذا المذهبَ احْتَجُّ بقولٍ عمرَ بنِ الخطابِ : الرجمُ فى
كتابِ اللَّهِ حَقٌّ على مَن زنَى مِن الرجالِ والنساءِ إذا أَخْصَنَ(١). وقولِه : لولا
أن يُقالَ: إِن عمرَ زاد فى كتابِ اللهِ. لكَتَبَتُها : (الشيخُ والشيخةُ إِذا زَنَيا
فارُمُوهما البََّّةَ). فإِنَّا قد قَرَأْناها(٢). وسَنُبيِّنُ ما لأَهلِ العِلْمِ من التّأْوِيلِ فى
قول عمر هذا بما یچِبُ ، فی بابِ یحیی بن سعيد ، من كتابنا هذا إن شاء
اللَّهُ. ومِن حُجَّتِه أيضًا ظاهرُ هذا الحديثِ، قولُه وَلِّ: ((والذى نفسِى
بيدِهِ، لِأَقْضِيَنَّ بينَكما بكتابِ اللَّهِ). ثم قال لأُنَيِسِ الأسْلَمِىّ: ((إِنِ اعْتَرَفتِ
امرأةُ هذا فارجُمْها)). فاعْتَرَفَتْ، فرجَمها. وأهلُ السنة والجماعةُ
مُجْمِعُون على أن الرجمَ مِن مُحكْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ على مَن أَحْصَن . والقولُ
الآخَرُ، أن معنَى قولِه عليه السلامُ: ((لأَقَضِيَنَّ بينَكما بكتابِ اللَّهِ عزَّ
وجَلَّ)). أى: لأُحْكُمَنَّ بينَكما بحُكْم اللَّهِ، ولأُقَضِيَنَّ بينَكما بقضاءِ اللَّهِ .
ج
وهذا جائزٌ فى اللغةِ، قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿كِتَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
أى: حُكمُه فيكم، وقضاؤُه عليكم. على أن كلَّ ما قَضَى به رسولُ اللَّهِ
وَلَه فهو مُحُكْمُ اللَّهِ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
[النساء: ٨٠]. وقال: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ الْمَوَقَ (٣)
اُلله﴾
يُؤْحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وقد ذكّرنا قبلُ أنَّ مِن الوَحْي قرآنًا وغيرَ قرآنٍ.
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٦).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٨).
١٠٢

الموطأ
ومِن ◌ُحَجَّةٍ مَن قال بهذا القولِ، قولُ علىٍّ بن أبى طالِب فى شُرَاحَةَ التمهيد
الهمْدَانيَّةِ: جَلَدتُها بكتابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُها بسنَّةِ رسولِ اللَّهِ وَلَهِ. وهذا
لَفْظُ حديثٍ قتادةَ، عن علىٍّ، وهو مُنقطِعٌ .
وفيه أن الزانِىَ إذا لم يُحْصِنْ حَدُّه الجلدُ دونَ الرجم ، وهذا لا خِلافَ
بينَ أحَدٍ مِن أَمَّةِ محمدٍ نَّهِ فِيه، قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَِّيَةُ وَاَلَّنِىِ فَأَجْلِدُواْ
كُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فَأَجْمَعُوا أَنَّ الأبْكارَ داخِلُونَ فى هذا
الخطاب .
وأجمَع فقهاءُ المسلِمينَ وعلماؤهم من أهلِ الفقهِ والأثرِ مِن لَّدُنِ
الصحابةِ إلى يومنا هذا، أنَّ المخصَنَ حَدُّه الرجم ، واختَلَفوا هل عليه مع
ذلك جَلْدٌ أم لا؟ فقال جمهورُهم: لا جَلْدَ على المخْصَنِ، وإنَّما عليه
الرجمُ فقط. وممَّن قال ذلك؛ مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ،
وأصحابُهم ، والثورىُّ، والأوزاعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ ، والحسنُ بنُ صالح،
وابنُّ أبى ليلى، وابن شُبْرُمَةَ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ ، والطبرىُّ، كُلَّ
هؤلاءٍ يقولونَ: لا يَجْتَمِعُ جَلْدٌ وَرَجْمٌ . وقال الحسنُ البصرىُّ، وإسحاقُ
ابنُ راهُويَه، وداودُ بنُ علىّ: الزانى المُحْصَنُّ يُجْلَدُ، ثم يُرْجَمُ. وحُجَّتُهم
عمومُ الآيةِ فى الزُّناةِ بقولِه: ﴿الَّانِيَةُ وَالَّانِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةً
جَلْدَةٍ﴾. فعَمَّ الزُّناةَ ولم يَخُصَّ مُحْصَنًا من غيرِ مُحْصَنٍ . وحديثُ عبادةَ بنِ
القبس
(١ - ١) سقط من: ر، ى.
١٠٣

الموطأ
التمهيد الصامتِ، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه قال: ((خُذُوا عَنِّى، قد (١) جعَل اللَّهُ لَهُنَّ
سبيلاً؛ البِكْرُ بالبِكْرِ، جَلْدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامِ، والثّيِّبُ بالثيّبِ ، جَلْدُ مائةٍ
والرجم بالحجارة))(٢). وروَى أبو محُصينٍ(٣)، وإسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ (٤)،
وعَلْقَمَةُ بنُ مَرْتَدٍ(٥)، وغيرهم، عن الشعبىِّ، قال: أَتَى علىِّ بزانِيَةٍ ،
فجَلَّدها يومَ الخميسِ، ورَجَمها يومَ الجُمُعةِ، ثم قال: الرجمُ رَجْمانِ ؛
رجمُ سِرٍّ، ورجمُ عَلانِيَةٍ، فأمَّا رجمُ العَلانِيَةِ فالشُّهُودُ، ثم الإمامُ، ثم
الناسُ، وأمَّا رجم السِّرِّ فالاْتِرافُ، فالإمامُ، ثم الناسُ. ومحُجَّةُ الجمهورِ
أن رسولَ اللَّهِ بَ لهِ رِجَم ماعِزًا الأسْلَمِىَّ(١)، وَرَجَم يهوديًّا(٧)، ورجم
امرأةً(٨)، ولم يَجْلِدْ واحِدًا منهم. وقيل: امرأتين.
روَى عبدُ الرزاقِ(٩)، عن ابن جريجٍ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ ، سَمِعه
يقولُ: رجَم رسولُ اللَّهِ وَ لَه رجلا من أَسْلَمَ، ورجلاً من اليهودِ، وامرأةٌ .
فدَلَّ ذلك على أن الآيةَ قُصِد بها من لم يُحْصِنْ مِن الزُّناةِ ، ورجَم أبو
القبس
(١) فى الأصل: ((فقد)).
(٢) سيأتى تخريجه ص١١٣، ١١٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٥٣)، والدارقطنى ١٢٣/٣ من طريق أبى حصين به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٥٣)، والحاكم ٣٦٥/٤ من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
(٥) أخرجه عبد الرزاق عقب (١٣٣٥٣) من طريق علقمة به .
(٦) تقدم فى الموطأ (١٥٩٠).
(٧) تقدم فى الموطأ (١٥٨٩).
(٨) تقدم فى الموطأ (١٥٩٣).
(٩) عبد الرزاق (١٣٣٣٣).
١٠٤

الموطأ
التمهيد
بکرٍ وعمر، ولم يَجلِدا(٢).
وروَى الحَّائجُ بنُ مِنْهالٍ، عن حمَّادِ بنِ سلَمةَ، قال : أخبرنا
الحجّاجُ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ (١) ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ ، أن عمرَ رجَم
فى الزِّنى رجلًا ولم يَجْلِدْه .
وحدیثُ مالك(٢)، عن يحيى بن سعیدٍ ، عن سلیمانَ بنِ یَسارٍ ، عن
أبي واقد الليثيّ، إذْ بعثه عمرُ إلى امرأةٍ الرجلِ التى زعم أنَّه وجَد معها
رجلًا، فاعْتَرَفت ، وأَبَتْ أَن تَنْزِعَ، وتَمادَتْ على الاعْتِرافِ ، فأمَر بها عمرُ
فرجمت. ولم يَذْكُوْ جَلْدًا .
ورواه الزهرىُّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن أبى واقد الليثيّ ، أن
ذلك كان مِن عمرَ مَقْدِمَه الشامَ بالجابِيَّةِ().
وروَى ابنُّ وَهْبٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ العُمَرِىِّ، عن نافع، أن عمرَ
ابنَ الخطابِ رجَم امرأةً ولم يَجْلِدْها بالشامِ .
وروَى مَخْرَمَةُ بنُ بُكير (٥) ، عن أبيه، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ
وسليمانَ بنَ يَسارٍ ، يقولانٍ: إن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: إن آيةَ الرجم
القبس
(١) فى الأصل: ((يجلدو)).
(٢) فى الأصل: (سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٦/٦.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٧).
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٤٠/٣ من طريق الزهرى به.
(٥) فی ی: ((بكر)).
١٠٥

الموطأ
التمهيد نزَلتْ، وإن رسولَ اللهِ وَ له رِجَم، وَرَجَعْنا بعدَه، فقال عمرُ عندَ ذلك:
ارمجموا الثيِّبَ ، وانجْلِدُوا البِكْرَ.
وسیأتی مِن معانی الرجم ذِ ڭو صالح، فی بابِ یحیی بنِ سعيد(١) . إن
شاء اللهُ .
وأمَّا حديثُ علىٍّ فى قِصَّةٍ شُرَاحَةً(٢)، فليس(٣) بالقَوِىِّ؛ لأَنَّهم
يقولون : إن الشعبیَّ لم يَشْمَغْ منه. وهو مشهورٌ، قد رواه ابنُ أبی لیلی
وغيرُه عنه . ومِن أَوْضَح شىءٍ فيما ذهَب إليه جمهورُ العلماءِ حديثُ ابنِ
شهاب المذكورُ فى هذا البابٍ ؛ قولُه لأُنَيْسٍ أن يَأْتِىَ (٤) امرأةَ الآخَرِ، فإن
اعْتَرَفتْ رَجَمها . فاعْتَرَفت، فرجَمها، ولم يَذْكُروا جَلْدًا .
وأمَّا حديثُ عُبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ وَهَ قولُه: ((الثيُّبُ
بالثيِّبٍ، جَلْدُ مائةٍ والرجمُ ))(٥) . فإنَّما كان هذا فى أوَّلِ نُزُولٍ آيةِ الجَلدِ ،
وذلك أن الزُّناةَ كانت عقُوبَتُهم إذا شَهِد عليهم أربعةٌ مِن العُدُولِ فى أوَّلٍ
الإسلامِ، أن يُمْسَكوا فى البيوتِ إلى الموتِ، أَو يَجْعَلَ اللهُ لهم(٦) سبيلاً،
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ١٣٤ - ١٣٩.
(٢) فى الأصل: ((شريحة)).
(٣) فى ر: ((ليس))، وفى ى: ((فإنه ليس)).
(٤) فى الأصل: (تأتى)).
(٥) سيأتى تخريجه ص١١٣، ١١٤.
(٦) فى الأصل: ((لهن)).
١٠٦

الموطأ
التمهيد
فَلَمَّا نَزَلَت آيَةُ الجَلْدِ التى فى سورةِ ((النورِ))؛ قولُه عز وجل: ﴿الزَّانِيَّةُ وَالزَّنِ
فَاَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِنْتَةَ جَلْدَةٍ﴾، الآية [النور: ٢]. قام ◌َلَهِ فقال: ((خُذُوا
عَنِّى، قد جعَل اللهُ لهنَّ سبيلًا ، البِكرُ بالبِكرِ ، جَلدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامِ ،
والثيِّبُ بالثيِّبٍ، جلدُ مائةٍ ورجم بالحجارةِ)). فكان هذا فى أولِ الأمرِ(١)،
ثم رجَم رسولُ اللهِ وَ له جماعةٌ ولم يَجِدْهم، فعَلِمْنا أن هذا حُكْمٌ أَحدَثه
اللهُ نسَخ به ما قبلَه، ومثلُ هذا كثيرٌ فى أحكامِه وأحكام رسولِه بَ لاه ليَبْتَلِىَ
عبادَه، وإنَّما يُؤْخَذُ بالأخْدَثِ فالأحْدَثِ مِن أمرِ رسولِ اللهِ وَلَه .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٢) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، أنه كان يُنْكِرُ الجلد مع
الرجم، ويقولُ: رجَم رسولُ اللهِ وَلِّ ولم يَجْلِدْ.
وعن الثورىِّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ليس على المرجوم
جلدٌ، بلَغَنا أن عمرَ رجَم ولم يَجْلِدْ(١) .
وفى هذه المسألةِ قولٌ ثالث ، وهو أن الثّبَ مِن الزُّناةِ إِن كان شابًّا
ژُچم، وإن کان شیخًا مجلد ورُجم. رُوِى ذلك عن مسروقٍ، وقالت به
فرقةٌ مِن أهلِ الحديثِ .
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
معاويةً ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المَروَزِىُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بنُ
القبس
(١) فى ر، ى: ((الإسلام)).
(٢) عبد الرزاق (١٣٣٥٨).
(٣) عبد الرزاق (١٣٣٥٧).
٠٫٠
١٠٧

الموطأ
التمهيد هشام البزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو شهاب، عن الأعمشِ، عن مسلم، عن
مسروقٍ ، قال: البِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ سَنةً، والثَّان يُرجمان،
والشيخانِ يُجْلَدان ويُوْجَمان(١) .
فهذا ما لأهلِ السنة من الأقاويلٍ فى هذا البابٍ، وأمَّا أهلُ البدعِ،
فكلُّهم يُنْكِرُ الرجمَ ويَدْفَعُه، ولا يقولُ به فى شىءٍ مِن الزُّناةِ ، ثُيًِّا ولا غيرَ
ثِيِّبٍ، عصَمَنا اللهُ مِن الخِذْلانِ برحمتِه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدّثنا بکر بنُ حمَّادٍ ، قال : حدثنا مُسَدَّدٌ ، قال : حدّثنا حمَّادُ بنُ زيد ، عن
علىٍّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سَمِعْتُ عمرَ
ابنَ الخطابِ يَخْطُبُ ، فقال: أَيُّها الناسُ، إن الرجمَ حقٌّ، فلا تُخْدَعُنَّ
عنه، فإن آيَةً ذلك أن رسولَ اللهِ وَلّه قد رجم، وأن أبا بكرٍ قد رجَم، وأَنَّا
قد رجَمْنا بعدَهما، وسيكونُ قومٌ مِن هذه الأُمَّةِ يُكذِّبون
بالرجم، "ويُكذِّبون بالدجّال٢ِ) ، ويُكذِّبونَ بطُلوع الشمسِ مِن مَغْرِبِها،
ويُكَذِّبَونَ بعذابِ القبرِ، ويُكذِّبونَ بالشفاعةِ، ويُكذّبونَ بقومٍ يَخْرُجونَ
مِنَ النارِ بعْدَما امْتَحَشُوا (٣).
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٦١)، وابن أبى شيبة ٨١/١٠ من طريق الأعمش به.
(٢ - ٢) سقط من : ر ، ى .
(٣) امتحشوا: احترقوا، والمحش: اختراق الجلد وظهور العظم، ويروى: امتُحِشوا. لما لم يسم
فاعله، وقد محشته النار تمحشه محشا. النهاية ٣٠٢/٤.
والأثر أخرجه الطيالسى (٢٥)، وأبو عمرو الدانى فى الفتن (٢٨٣)، والحارث بن أبى أسامة
(٧٥٠- بغية) من طريق حماد بن زيد به .
١٠٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: الخوارج و(١) المعتزلةُ يُكذِّبون بهذا كلِّه، وليس كتابُنا التمهيد
هذا مَوْضِعًا للردِّ عليهم، والحمدُ للهِ الذى عافانا ممَّا ابْتَلاهم به .
" وروَى عن علىٍّ بنِ زيدٍ(٣)؛ حَادُ بنُ سلَمةَ(٤)، وحمَّادُ بنُ زيدٍ (٥)،
والمباركُ بنُ فَضَالةَ(٦) ، وأشعثُ(٧)، وهُشيمٌ(٨)، كُلُّهم بإسنادِه ومعناه.
وقال أحمدُ بنُ حنبل: حدَّثنا عفانُ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، قال :
سَمِعْتُ علىَّ بنَ زيدٍ يقولُ: كنا نُشَبَّهُ حفظَ يوسفَ بنِ مِهْرانَ بحفظِ عمرٍو
٢)(٩)
ابنِ دينارٍ(١)(٩) .
واختلف الفقهاءُ فى الإحصانِ الموجِبِ للرجم ؛ فُجُمْلَةُ قولٍ مالكٍ
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((بعض)).
(٢ - ٢) سقط من : ر ، ى .
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه أبو يعلى (١٤٦)، والآجرى فى الشريعة (٧٦٨)، والبيهقى فى البعث والنشور
(١٧٦) من طريق حماد بن سلمة به .
(٥) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
(٦) أخرجه الآجرى فى الشريعة (٧٦٥) من طريق المبارك به .
(٧) فى م: ((أشعب)). وينظر التاريخ الكبير ١/ ٤٢٨.
والأثر أخرجه ابن أبى عاصم (٣٤٣، ٦٩٧) من طريق أشعث به.
(٨) فى م: ((هشام)).
والأثر أخرجه أحمد ٢٩٦/١ (١٥٦) من طريق هشيم به.
(٩) أخرجه الفسوى ٢/ ٩٩، وابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٢٢٩/٩، وابن عدى ١٨٤١/٥ من
طریق أحمد به .
١٠٩

الموطأ
التمهيد ومَذْهَبِه، أن يكونَ الزانى حُرًّا، مسلمًا، بالغًا(١) ، عاقلًا، قد وَطِئَّ وَطْئًا
مباحًا فى عقدِ نكاح، ثم زنَى بعدَ هذا. والكافِرُ عندَه والعبدُ لا يَثْتُ
لواحدٍ منهما إحصانٌ فى نفسِه، وكذلك العَقْدُ الفاسِدُ لا يَثْبُتُ به
إحصانٌ، وكذلك الوطءُ المحظورُ؛ كالوطءِ فى الإحرامِ ، أو فى الصيامِ،
أو فى الاعتكافِ، أو فى الحيضِ ، لا (٢) يَثْتُ بشىءٍ(٣) مِن ذلك إِحْصَانٌ،
إلّا أن الأَمَةَ الكافرةَ، والصغيرةَ، يُحْصِنَّ (٤) الحَّ المسلمَ عندَه ولا
يُخْصِنُهُنَّ. هذا كلُّه تَحْصِيلُ مَذهبٍ مالكٍ وأصحابِهِ . وحَدُّ الحصانةِ فی
مَذْهَبٍ أبى حنيفةً وأصحابِه على ضَرْبَين؛ أحدُهما ، إحصانٌ يُوجِبُ
الرجمَ، يَتَعَلَّقُ بسبعِ شَرائِطَ ؛ الحريةُ، والبُلوُ، والعقلُ، والإِسلامُ،
والنكاح الصحيح، والدخولُ. والآخَرُ، إِحصانٌ يتَعَلَّقُ به حَدُّ القذفِ ، له
خَمْسُ شَرائِطَ فى المقذوفِ؛ الحريةُ، والبُلوُ، والعقلُ، والإِسلامُ،
والعِقَّةُ. وقد رُوِى عن أبى يوسفَ، فى ((الإملاءِ))، أن المسلمَ يُحْصِنُ
النصرانيةً ولا تُخْصِنُه. ورُوِى عنه أيضًا، أن النصرانيَّ إذا دخَل بامرأته
النصرانيةِ، ثم أسْلَما، أنَّهما مُحْصَنانٍ بذلك الدخولِ. وروَى بِشْرُ بنُ
القبس
(١) سقط من: ر، ى.
(٢) فى الأصل: ((ولا)).
(٣) فى ر، ى: ((فى شىء).
(٤) فى ر: ((لا تحصن)).
١١٠

الموطأ
الوليدِ، عن أبى يوسفَ، قال: قال ابنُ أبى ليلَى: إذا زنَى اليهودىُّ التمهيد
والنصرانىُ بعدَما أَحْصَنا، فعليهما الرجمُ. قال أبو يوسفَ: وبه نَأْخُذُ .
وقال الشافعىُّ: إذا دخَل بامرأتِه وهما حُّانِ، فوطِئَها (١) ، فهذا إحصانٌ ؛
كافِرَيْنِ كانا أو مسلِمَيْن. واخْتَلَف أصحابُ الشافعىِّ على أربعة أوجهٍ ؛
فقال بعضُهم : إذا تزوَّج العبدُ أو الصبىُّ، ووَطِئا، فذلك إحصانٌ . وقال
بعضُهم: لا يكونُ واحِدٌ منهما مُخْصَنًا. كما قال مالِكُ. (٢ وقال
بعضُهم: إذا تزَوَّج الصَّبِىُ، أَحْصَن إذا وَطِىَّ، فإذا بَلَغ وزَنَى، كان عليه(١)
الرجمُ، والعبدُ لا يُخْصِنُ) . وقال بعضُهم: إذا تزوَّج الصبىُّ لا يُحْصِنُ،
وإذا تزوَّج العبدُ أحصَن. وقالوا جميعًا : الوَطْءُ الفاسِدُ لا يقَعُ به إحصانٌ .
وقال مالكٌ: تُحْصِنُ الأمَّةُ الحرّ، ويُخْصِنُ العبدُ الحرّةَ، ولا تُحْصِنُ الحرَّةُ
العبدَ ، ولا الحرّ الأمَةَ، وتُحْصِنُ اليهوديةُ والنصرانيةُ المسلمَ، وتُخْصِنُ
الصبِيَّةُ الرجلَ، وتُخْصِنُّ المجنونةُ العاقلَ، ولا يُحْصِنُ الصبىُّ المرأةَ، ولا
يُحْصِنُ العبدُ الأُمَّةَ، ولا تُحْصِنُه إذا جامَعَها فى حالِ الرِّقِّ . قال: وإذا
تزَوَّجَتِ المرأةُ خَصِيًّا وهى لا تَعْلَمُ أنَّه خَصِىٌّ، فوطِئَها، ثم عَلِمَت أَنَّه
خَصِىٌّ، فلها أن تَخْتارَ فِراقَه، ولا يكونُ ذلك الوطءُ إحصانًا . وقال
الثوریُّ : لا يُحْصَنُ بالنصرانيةِ، ولا بالمملوكةِ . وهو قول الحسنِ بنِ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((ووطئها)).
(٢ - ٢) سقط من: ر، ى.
(٣) فى م: ((عليها)).
١١١

الموطأ
التمهيد حَىٌّ. زاد الحسنُ بنُ حَيٍّ: وتُحْصَنُ المشركةُ بالمسلم، ويُحْصَنُ
المشْرِكَانِ كلَّ واحدٍ منهما بصاحبِه. وقال الليثُ بنُ سعدٍ فى الزوجين
المملُوكَين: لا يكونان مُحْصَنَيْنِ حتى يَدْخُلَ بها بعدَ عِثْقِهماً(١) ، وكذلك
النَّصْرانيَّان لا يكونان مُحْصَنَيْن حتى يدْخُلَ بها بعدَ إِسلامِهما. قال: وإن
تزَوَّج امرأةً فى عِدَّتِها، فوَطِئَها، ثم فُرُّق بينَهما، فهو إِحصانٌ . وقال
الأوزاعىُ فى العبدِ تحتَه الحرّةُ: إذا زنَى فعليه الرجمُ، وإن كان تحتَّه أمَةٌ
وأَعتِقِ ثم زنَى، فليس عليه الرجمُ حتى يَنْكِحَ غيرَها . وقال فى الصغيرة التى
لم " تحِضْ، أَنَّها) تُحْصِنُ الرجلَ، والغُلامِ الذى لم يَحْتَلِمْ: لا يُحْصِنُ
المرأةَ. قال: ولو تَزَوَّج امرأةً فإذا هى أختُه مِنَ الرَّضاعةِ ، فهذا إحصانٌ .
قال أبو عمرَ : إيجابُ الأوزاعيّ الرجمَ على المملوكةِ تحتَ الحُرِّ،
وعلى العبدِ تحتَ الحرّةِ، لا وجه له؛ لأن الله تعالى يقولُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
[النساء: ٢٥]. والرجمُ لا يَنَصَّفُ. وقد قال مَله فى الأمةِ: ((إِن زَنَتْ
فاجْلِدُوها))(١). وقال مالكٌ فى حديثه ذلك: ولم تُخْصِنْ. وستُبَيِّنُ ذلك
بعدَ تَمامِ القولِ فى هذا الحديثِ إن شاء اللهُ .
وأمَّا قولُه فى الحديثِ: جلَد ابنَه مائةَ جَلْدَةٍ ، وغَرَّبِه عامًا . فلا خِلافَ
بينَ علماءِ المسلمينَ أن ابنَه ذلك كان بِكْرًا، وأن الجلد - جلدَ البِكْرِ -
القبس
(١) فى الأصل: (عتقه)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، وفى ر، ى: ((تحصن أنها)). وينظر الإشراف على مذاهب أهل العلم ٣/ ٩، وما
تقدم فى ٣١٣/١٤.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦٠٣).
١١٢

الموطأ
مائةُ جَلْدَةٍ . واخْتَلَفوا فى التَّغْرِيبِ، فقال مالكٌ: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى التمهيد
المرأةُ ولا العبدُ، ومَن نُّفِى مُحبِس فى الموضع الذى يُنْفَى إليه. وقال
الأوزاعىُّ: يُنْفَى الرجلُ، ولا تُنْفَى المرأةُ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : لا
نَفْىَ على زانٍ، وإنَّما عليه الحَدُّ؛ رجلاً كان أو امرأةً ، حُرًّا كان أو عبدًا.
وقال الثورىُّ، والشافعىُّ، والحسنُ بنُ حَىٍّ: يُنْفَى الزانى إذا مجلِد ؛ امرأةً
كان أو رجلًا. واخْتَلَف قولُ الشافعىِّ فى نفى العبدِ ، فقال مَرَّةً: أُستَخِيرُ
اللهَ فى نفي العبيد. وقال مَرَّةً: يُنْفَى العبدُ نصفَ سنةٍ. وقال مَرَّةً أُخرى:
سنةً إلى غيرٍ بلده . وبه قال الطبرئُّ .
قال أبو عمرَ : مِن حُجَّةٍ مَن غَرَّبَ الزُّناةَ مع حديثِنا هذا ، حديثُ عُبادةً
ابنِ الصامتِ : ((البكرُ بالبكرِ، جَلْدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ)). لم يَخُصَّ عبدًا من
حٍُّ، ولا أنْثَى من ذكرٍ .
حدَّثَنِى أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
الحارِثُ بنُ أبى أسامةَ ومحمدُ بنُ الجهم، قالا : حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ
عطاءٍ، قال : أخبرنا سعيدُ بنُ أبى عروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن
حِطَّانَ بنِ عبدِ اللهِ الرَّقَاشِىِّ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ
ابنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ زُهیرٍ وبَكْرُ
ابنُ حمَّادٍ - قال أحمدُ : حدَّثنا أبِى. وقال بَكْرٌ: حدَّثنا مُسَدَّدٌ - قالا:
القبس
(١) فى الأصل، م: ((تغريب).
١١٣
(موسوعة شروح الموطأ ٨/٢٠ )

الموطأ
التمهيد حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن ابنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن
حِطَّانَ بنِ عبدِ اللهِ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّتِ:
(خُذُوا عَنِّى، (١ خُذُوا عنى١)، قد جعَل اللهُ لَهُنَّ سبيلاً، الثيْبُ جلدُ مائةٍ
ورجمٌ بالحجارةِ ، والبكرُ جلدُ مائةٍ ثم نَفْئُ سَنَةٍ »(٢).
ومن محجّتِهم أيضًا ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ مَرْوانَ ، قال: حدَّثنا
الحسنُ بنُ علىٍّ بنِ داودَ ، قال: حدَّثنا موسى بنُ الحسنِ الکوفیُ ، قال :
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن عبيدِ اللهِ، عن(٢) نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَ لِهِ ضِرَب وغرَّب، وأن أبا بكرٍ ضرَب
وغَرَّب ، وأن عمرَ ضرَب وغرّب(٤).
وحُبّةٌ مَن لم يَرَ النفىَ على العبيدِ حديثُ أبى هريرةَ فى الأُمَّةِ ، عن النبىِّ
وَّ؛ ذكّر فيه الحَدَّدُونَ النفي. ومَن رأى نَفْىَ العبيدِ زعَم أن حديثَ الأَمَةِ
معنَاه التأديبُ لا الحَدُّ. وسنُوضِّحُ القولَ فى ذلك فى البابِ بعدَ هذا(٥) إِن
القبس
(١ - ١) سقط من: ر، ى.
(٢) أخرجه البيهقى ٢١٠/٨ من طريق الحارث بن أبى أسامة به، وأخرجه أحمد ٣٨٨/٣٧
(٢٢٧١٥)، ومسلم (١٦٩٠)، وابن ماجه (٢٥٥٠) من طريق سعيد بن أبى عروبة به،
وأخرجه أبو داود (٤٤١٥) عن مسدد به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١٠٩٣) من طريق
يحيى القطان به .
(٣) فى ر: (بن)).
(٤) أخرجه الترمذى (١٤٣٨) عن أبى كريب به.
(٥) ينظر ما سيأتى ص ١٩٤ - ١٩٦.
١١٤

الموطأ
شاء اللهُ. و(١) محُجَّةُ مَن لم ( يَرَنَفْىَ" النساءِ ما يُحْشَى عليهنَّ مِن الفتنةِ، التمهيد
وقد رُوِى عن أبى بكرٍ وعمرَ تَغْرِيبُ المرأةِ البِكْرِ(٣) ، ورُوِى عن علىّ أنَّه لم
يَرَ نَفْىَ النساءِ(٤).
وروَى عبدُ الرزاقِ(٥)، عن أبى حنيفةَ، عن حمَّادٍ، عن(٩) إبراهيمَ،
قال : قال عبدُ اللهِ فى البكرِ يَزْنى بالبكرِ: يُجْلَدانِ مائةً، ويُنْفَيانِ سنةً.
قال: وقال علىٍّ: حَسْبُهما من الفتنةِ أنْ يُنْفَيا .
عبدُ الرزاقِ(٧)، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ ، قال :
غَرَّبَ عمرُ رِبِيعةَ بِنَّ أُمِيئَّةَ بِنٍ خَلَفٍ فى الخَمْرِ(٨) إلى خَيِبرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ،
فتنَصَّر، فقال عمرُ: لا أَغْرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أَبَدًا .
قالوا: ولو كان النفىُ حدًّا للهِ ما ترَكه عمرُ بعدُ، ولا كان علىّ
لِيَكْرَهَه. وهو قولُ الكوفيّين. وأمَّا أهلُ المدينةِ فعلى ما ذكرنا عنهم .
القبس
(١) بعده فى م: ((من).
(٢ - ٢) فى ر: ((ينف)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٣٢٨).
(٤) عبد الرزاق (١٣٣١٥).
(٥) عبد الرزاق (١٣٣٢٧).
(٦) فى ر، ى: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٣/٢.
(٧) عبد الرزاق (١٧٠٤٠).
(٨) فى ى: ((الزنا)).
١١٥

الموطأ
· قال معمرٌ: وسَمِعْتُ الزهرىَّ وسُئِل: إلى كم يُنْفَى الزانى؟ قال: نفاه
التمهيد
عمرُ مِن المدينةِ إلى البصرةٍ، ومِن المدينةِ إلى خيبرَ (١).
عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابن جريج، قال : سمِعتُ ابنَ شهاب وسُئِل،
بمثله سواءً .
أيوبُ وعُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن عمرَ نفَى إلى
فَدَكٍ (٢)، وأن ابنَ عمرَ نفَى إلى فَدَكٍ(٤).
الثورىُّ، عن أبى إسحاقَ، أَنَّ عليًّا نفَى مِن الكوفةِ إلى البصرةِ(٥)
وقال ابنُ مجريج : قلتُ لعطاءٍ: نفَى مِن مكةَ إلى الطائفِ؟ قال : حَسْبُه
(٦)
ذلك
وأما قولُ الرجلِ: إن ابنى كان عسيفًا على هذا، فزنَى بامرأتِه . مع
قولٍ أبى هريرةَ: فجلَد ابنَه مائةَ جَلْدَةٍ، وغرّبِه عامًا. فيَدُلَّ على أن ابنَ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٢١) عن معمر به .
(٢) عبد الرزاق (١٣٣٢٢).
(٣) فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة. معجم البلدان ٨٥٥/٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣١٦، ١٣٣٢٦) من طريق أيوب به، وجعله المحقق فى الموضع
الأول عن ابن عمر أيضا، وكان عنده: ((عن عمر)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٢٣) من طريق الثورى به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٢٥) من طريق الثورى، عن أبى إسحاق، عن عطاء.
١١٦٠

الموطأ
الرجلِ المتَكَلِّمِ أقَوَّ على نفسِه بما قال(١) أبوه أو صَدَّقَهُ" فى قولِه ذلك التمهيد
عليه١)، ولولا ذلك(٣) ما أقام رسولُ اللهِ وَله(٤ الحدَّ عليه(٥)؛ لأنَّ من
شَرِيعَتِهِ نَّهِ ( وسنته" وَلَةِ أَلاَّ يُؤْخَذَ أَحَدٌ بإقْرارٍ غيرِه عليه، قال اللهُ
عز وجل: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨،
الزمر: ٧]. ﴿وَ لَا تَكْسِبُ كُلُ نَفْسِ إِلَّا عَلَهًا﴾ [الأنعام: ١٦٤]: (لا على
غيرِها) . وقد قال رسولُ اللهِ وَّةٍ لأَبِى رَمْثَةَ، (٢فى ابنِه): ((إِنَّكَ لا تَجْنِى
عليه، ولا يَجْنِى عليكَ))(٨). وهذا كلُّه يُوَضِّحُ لك أنَّ إِنَّمَا جَلَده بإقرارِهِ
وكَشْبِه على نفسِه لا بإقرارٍ أبيه عليه، ولولا إقرارُه بذلك على نفسِه،
لكان أبوه قاذفًا له، وهذا ماً) لا خلافَ فى شىءٍ منه عندَ العلماءِ.
والحمدُ للهِ .
٠٠
القبس
(١) فى م: ((لا يؤخذ)).
(٢ - ٢) سقط من: ر، ى.
(٣) فى ر: (إقراره).
(٤ - ٤) فى ر، ى: ((عليه حدا لأنه محال أن يؤخذ بإقرار أبيه أو غيره لأنه)).
(٥) سقط من: م.
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧ - ٧) ليس فى: الأصل.
(٨) أخرجه أحمد ٦٧٩/١١، ٦٨٥ (٧١٠٩، ٧١١٤)، وأبو داود (٤٢٠٦، ٤٤٩٥).
(٩) فى الأصل: (( کله)).
١١٧

الموطأ
التمهيد
واختلفوا فيمَن أقرَّ بالزِّنَى بامرأةٍ بعينها ، وجحَدت هى ؛ فقال مالكٌ:
يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنَى، ( وإن طَلَبَت حَدَّ القَذْفِ أُقيم عليه أيضًا١). قال:
وكذلك لو قالت: زنَى بى فلانٌ. وأَنْكَر، حُدَّثْ للقذفِ، ثم للزِّنَى.
وبهذا قال الطبرىُّ. وقال أبو حنيفةً: لا حَدَّ عليه للزنَى، وعليه حَدُّ
القَذْفِ، (وعليها مثلُ ذلك إن قالت له ذلك) . وقال أبو يوسفَ،
ومحمدٌ ، والشافعىُّ: يُحَدُّ مَنْ أَقَوَّ منهما للزِّنَى فقط؛ لأنَّا قد أحَطْنَا عِلْمًا
أنه لا يجبُ عليه الحَدَّانِ جميعًا؛ لأَنَّه إن كان زانِيًا ، فلا حَدَّ على قاذفِهِ،
فإذا أُقِيم عليه حدُّ الزّنى، لم يُقَمْ عليه حَدُّ القَذْفِ. وقال الأوزاعىُ: يُحَدُّ
للقذفِ، ولا يُحَدُّ للزِّنى. وقال ابنُ أبى ليلَى: إذا أَقَوّ هو بالزِّنى(٣)،
وجَحَدَتْ هى، مجلِدَ وإن كان مُحْصَنًا، ولم يُرجَمْ .
و(٤)فى هذا الحديثِ أيضًا) رَدُّ ما قُضِى بِه مِن الجَهَالاتِ، قال ◌َّه:
((كُلَّ عَمَلِ ليس عليه(٥) أمرنا فهو رَدِّ))(١). وقال عمرُ: رُدُّوا الجهالاتِ إلى
القبس
(١ - ١) فى ر، ى: ((ويقام عليه أيضا حد الفرية إن طلبته)).
(٢ - ٢) سقط من: ر، ى.
(٣) سقط من: ر، ى، م.
(٤ - ٤) فى ر، ى، م: ((فيه).
(٥) فى الأصل: ((على)).
(٦) تقدم تخريجه فى ٨/١١.
١١٨

الموطأ
السنَّةِ(١). " وأجمع العلماء٢) أن الجَوْرَ البَيْنَ، والخَطَأَ ( الواضِحَ المخالِفَ التمهيد
للإجماع والسُّنةِ الثابتةِ المشهورةِ التى لا مُعارِضَ لها ، مَرْدُودٌ على كُلِّ مَن
قَضَی به ) .
ذكَر مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ وربيعةً، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ
كان يقولُ: ما مِن طينةٍ(٤) أهْوَنُ علىَّ فتًّا(٥) ، ولا كتابٍ أَهْوَنُ علىَّ رَدًّا،
مِن كتابٍ قَضَيْتُ به، ثم أبصَرْتُ أن الحقَّ فى خِلافِه. أو قال: فى
(٦)
غيرِه(١) .
وفى هذا الحديثِ أيضًا أن اعترافَ الزانى مرَّةً واحدةً بالزِّنى، يُوجِبُ
عليه الحَدَّ ما لم يَرْجِعْ، ألا تَرَى إلى قولِهِ وَلَه: ((فَإِنِ اعْتَرَفتْ فارجُمْها)).
ولم يَقُلْ : إِن اعترفت أربع مراتٍ . وسَنُبيِّنُ هذا فى بابٍ مُؤْسَلٍ ابنِ شهابٍ
مِن هذا الكتاب() إن شاء اللهُ.
وفى هذا الحديثِ أيضًا إثباتُ خَبَرِ الواحِدِ، وإيجابُ العَمَلِ به فى
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٢٥٤/١٤، ٢٥٥.
(٢ - ٢) فى ر، ى: ((وقدأ جمعوا).
(٣ - ٣) فى ر، ى: ((بمخالفة السنة فى القضاء مردود)).
(٤) فى م: ((طيبة)).
(٥) فى م: (من))، وفى مصدر التخريج: ((فك)).
(٦) أخرجه البيهقى ١١٩/١٠ من طريق مالك به .
(٧) ينظر ما تقدم ص ٧٢ - ٧٦.
١١٩

الموطأ
التمهيد الحُدُودِ، وإذا وجَب ذلك فى الحدودِ، فسائِرُ الأحكام أخْرَى
بذلك١) .
وفيه أن للإمام أن يسألَ المقذوفَ ، فإنِ اعْتَرَف حكم عليه بالواجبِ ،
وإن لم يَعْتَرِفْ ، وطالَبَ القاذِفَ، أَخَذ له بحَدِّه . وهذا مَوْضِعٌ اخْتَلَف فيه
الفقهاءُ، فقال مالكٌ: لا يَحُدُّ الإِمامُ القاذِفَ حتى يُطالِبَه المقذوفُ ، إِلَّ أن
يكونَ الإِمامُ سَمِعه، فيحُدَّهُ(٢) إن كان معه شهودٌ غيرَه(٣) مُدُولٌ. قال: ولو
أن الإمامَ شَهِد عندَه شهودٌ عُدولٌ على قاذِفي ، لم يُقِم الحَدَّ حتى تُرْسِلَ إلى
المقذوفِ ويَنْظُرَ ما يقولُ، لَعَلَّه يُرِيدُ سَتْرًا على نفسِه. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ: لا يُحَدُّ القاذِفُ(٤) إِلَّا بِمُطالِبَةٍ
المقذوفِ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى: يَحُدُّه الإمامُ وإن لم يَطلُبُه(٥) المقذوفُ.
وفيه أن يكونَ الرسولُ (٢ فى مُحُكْمِ الدِّينِ) واحدًا، (٧ كما أن الحَكَمَ
واحدٌ) ، وذلك كلَّ قُوَّةٌ فى العملِ بخَبرِ الواحدِ.
القبس
(١ - ١) فى ر، ى: ((وغيرها فى قول قوم وأبى ذلك آخرون)).
(٢) فى م: «فيجلده)) .
(٣) سقط من: م.
(٤) سقط من: ر، ى، م.
(٥) فى ى، م: ((يطالبه)).
(٦ - ٦) سقط من: ر، ى.
(٧ - ٧) فى ر: ((والحاكم واحد))، وفى ى: ((والحكم واحدًا).
١٢٠