النص المفهرس
صفحات 21-40
الموطأ التمهد فقال الشافعىُّ: يصلّى عليه الإمامُ والناسُ . وقال سائرُ العلماءِ مِن فقهاءِ الأمصار: القيس لا يُصلِّى عليه الإمامُ. وقد اختلفتِ الرواياتُ فى الأحاديثِ المُتقدِّمةِ، وفى بعضِها: ثم صلَّى عليها. ولم يَثْبُتْ ذلك، وإنما الثابتُ تركُ الصلاةِ عليها ، وفى ذلك حِكمةٌ بديعةٌ؛ وهى أن الإمامَ إذا ترَك الصلاةَ عليه كان ذلك رَدْعًا لغيرِه ، ومن الناسِ مَن قال: إن الحِكمةَ فيه أنه قتله غَضَبًا للهِ ، فكيف يُصلِّى عليه رحمةً ، والرحمةُ تناقِضُ الغضبَ؟! وهذا فاسدٌ؛ لأن مَحِلَّ الغضبِ قد انقضَى ، وموضع الرحمةِ قد تَعيَّنَ(١) ، وكان بعضُ الصوفيةِ - وهى فائِدةٌ مِن الذِّكرِ - قد صلَّى العشاءَ الآخِرةَ خلفَ رجلٍ مِن الأئمةِ، فسمِع الإمامَ يقرأُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبٍ اَلْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. فصَعِق، فلما فرَغوا مِن الصلاةِ وجَدوه مَيًِّا، فجَهَّزوه يومًا آخرَ، واحتَمَلوه إلى القبرِ، ثم قالوا: مَن يُصلِّى عليه؟ فقال بعضُ الصوفيةِ: يُصلِّى عليه الذى قتله. فاسْتحسَن الناسُ هذه الإشارةَ . الحكمُ الثانىَ عشَرَ: قولُه: وكَفَلها رجلٌ مِن الأنصارِ. قال أبو حنيفةً: الكفالةُ فى الحدودِ مشروعةٌ لأجلٍ ذلك . وقد اعتضَد ذلك بفعلِ الخليفةِ عمرَ ، حينَ قال فى الحديثِ المعروفِ: وكفّلْهم عشائرهم (١). وقال سائرُ العلماءِ: لا كَفالةً فى الحدودِ . وليس لهم فى ذلك مُحُجَّةٌ ؛ لأنهم يزعمون أن الكفالةَ فى البَدَنِ ليس لها تَعَلَّقٌ بالمالِ، ويقولُ مالكٌ : (١) فى د: ((تغير)). (٢) البخارى (٢٢٩٠) تعليقا، وينظر تغليق التعليق ٢٩٠/٣، ٢٩١، وسنن البيهقى ٧٧/٦. وظاهر قول المصنف أن القائل: ((وكفِّلهم عشائرهم)) هو عمر، وما فى مصادر التخريج من قول جرير بن عبد الله والأشعث بن قيس لعبد الله بن مسعود ، وقال حارثة بن مضرب راوى القصة : فتابوا وكفّلهم عشائرهم . ٢١ الموطأ التمهيد القبس إِن لها بالمالِ تَعَلُّقًّا بدلًا عن البدنِ إذا أُطلِق. (ولم يقلْ": وليست مِن المالِ فى شىءٍ. ولو ) قال لم يكنْ أيضًا فى ذلك محجّةٌ؛ لأن المالَ لو كان لازمًا فى كفالةِ البَدَنِ لَمَا جازَ استثناؤُه منه، وفائدةُ الكفالةِ أمران؛ إما إحضارٌ المطلوب(١) ليتكلَّمَ عن نفسِه أو يُؤدِّىَ ما عليه. وإما قضاء ما عليه مِن المالِ، فيُتَصَوَّرُ فى الحدودِ أحدُ المعنَبِين، فصارَ المذهبُ العراقي أقوى . الحكمُ الثالثَ عشَرَ: لم يَشْجُنْ رسولُ اللهِ وَلِّ الزانىَ حتى يُقيمَ عليه الحدَّ. واختلف العلماءُ فى تأويلِ ذلك على قولَين؛ أحدُهما، أنه يجوزُ له الرجوعُ، فلأىِّ فائدةٍ يُسْجَنُّ؟! هو إن تمادى على إقرارِهِ سیرجِعُ، وإن نزَع فلا يُتبَعُ. وقيل: إنما لم يَشْجُنْ لأن المدينةَ كلَّها كانت سِجْنًا؛ لأنه لم يكنْ للإسلامِ مَقَرّ سِواها يُخافُ أن يختلِطَ المسجونُ بغيرِهِ. وبالتأويلِ الأولِ أقولُ . الحكمُ الرابعَ عشَرَ: قال الشافعىُّ وغيرُه : إن التوبةَ تُشْقِطُ الحَدَّ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. ولأن الأُمّةَ أجمَعت على أن التائبَ مِن الذنبِ كمَن لا ذنب له . وقال سائر العلماءِ: لا تُسقِطُ التوبةُ الحَدَّ؛ لأن النبيُّ وَ حَدَّ مَن تحقَّقْنا توبته بخَبَرِهِ وَلِّعنها. وهذا نصّ. وقولُه عزَّ وجلّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ . نصّ فى تلك النازلةِ مخصوصٌ بها للمصلحةِ ، فإن المُرْتفِعَ فى الجبلِ لو علِم أن توبتَه لا (١ - ١) فى ج، م: ((ويقول)). (٢) سقط من : ج ، م . (٣) فى د: ((الطالب))، وفى م: ((المطالب)). ٢٢ الموطأ التمهيد تُقْبَلُ لَعَمِهَ فى طغيانِه ؛ فشُرِعت التوبةُ اسْتِنْزالًا له عن حالِهِ ، ورجاءً فى إقلاعِه عما القبس هو فيه وزواله . تتميمٌ: قد بَيْنَّا شروطَ الرجم، وذكرنا أن الإحصانَ مِن أولٍ شروطِه وأؤْلَاها ، وذكّرنا الإسلامَ وهو شرطٌ فى صحةِ الإحصانِ ، فإنه لا إحصانَ لمَن لا إسلامَ له ؛ إذ الإحصانُ كمالٌ وفضيلةٌ ، ولا فضيلةَ مع الكفرِ. فإن قيل: فقد رجَم رسولُ اللهِ ◌َا﴾ اليهوديّن. قلنا: إنما فعل ذلك إقامةً للحّة علیھم فی کتمانِ ذکرِه فى التوراةِ . فإن قيل: فكيف يقيمُ الحُبَّةَ عليهم فيما لا يراه حقًّا؟ وهو قد قيل له : ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وليس مِن القِسطِ أن يُرْجَمَ الكافرُ - وعلى هذا عوَّل(١) الأئمةُ مِن أصحابِ الشافعىِّ فى أن الإسلامَ لا يُشترَطُ فى الإحصانِ - قلنا: مَن فهِم مَساقَ المسألةٍ عَلِم (١) وجهَ الحُجَّةِ، وصورتُها أن اليهوديَّيْن زَنّيًا، فلو شاءت اليهودُ لَما جاءت إلى النبيِّ وَل﴿؛ لأنه لم يَكُنْ له حُكْم عليهم بالشرطِ الذى شرطه لهم، ولكنهم قالوا : نمشِی إلیه حتى نَعْلَم حاله فی الرجم ، فإن حگم به فهو نبيٌّ ، وإن مَرَّضَ(٢) فيه فهو مُخْتالٌ. فلما مَثَلُوا بِينَ يدَيهِ وسرَدُوا علبه القصةَ، فهِم النبىُ وَّه الغرضَ ، فرمَى عليه فقال: ((انتونى بأعلمٍ مَن فيكم)). ((أَتَوه بابنَىْ صُوريًا، فقال لهما: ((أنشُدُ كما اللهَ، هل تَجِدون الرجمَ فى التوراةِ؟)). قالوا: لا. قال: ((فأُتُوا (١) فى د: ((قول)). والمثبت من ج، م، ونسخة على حاشية د. (٢) فى م: ((على)). (٣) مرّض فى الأمر: ضجع فيه، أى قصَّر فيه . أساس البلاغة (ض ج ع، م رض) . ٢٣ الموطأ التمهيد القبس بالتوراةِ فاتْلُوها)). فجاءوا بها، فوضَع أحدُهم يدَه على آية الرجم، وجعل يقرأُ ما قبلَها وما بعدها ، فقال عبدُ اللهِ بنُ سلّامٍ: يَرفَعُ يدَه ؛ فإنَّ آيةَ الرَّجمِ تحتَها . فرفَع يَدَه، فإذا آيةُ الرجم تلوحُ، فقال: (( ما حمَلكم على تركِ الرجم؟)). فقالوا . فذكروا(١) الحديثَ إلى آخرِهُ (١) . فإن قيل: فلِمَ اسْتَدعَى شهودَ اليهودِ ؟ قيل: حتى تقومَ الحُبّةُ عليهم مِن قِتَلِ أنفسِهم، فلا يقولون: عجل علينا محمدٌ . فَتَبَيَّن عندَ عامَّةٍ اليهودِ على(٢) يدَى النبيِّ وَِّ، أن علماءَهم فى صفةٍ مَن تُگتُمُ الحقَّ فی کتاب الله تعالی، حتى يُگذِّبوهم فی قولھم : ليس ذ کژ محمدٍ فی التوراة. " وقبلُ وبعد٤ُ)، فإذا لاتحت الحقائقُ فليُقُلِ(٥) المُتَعصِّبُ بعدَها ما شاء، لو جاءونى لحكّمتُ بالرجمِ ولم أعتيرِ الإسلامَ فى الإحصانِ . الحكم الخامسَ عشَرَ: الجَلْدُ فى الزِّنى، إنما هو حقٌّ للهِ تعالى بإجماع، يَشْتوفيه نائبُه فيه وفى أمثالِه، ويقومُ به خليفتُه عليه وعلى غيرِه؛ وهو الإمامُ أو مّن يقومُ بذلك، وهذا مما لا خلافّ فيه ، فمِن العلماءِ مَن أجرَاه على عمومِه، ومنهم من خصّصه، فأخرج حدود العبيد عن حكم الإمام وجعلها بأيدى السّادةِ ؛ وهو مالك والشافعيُ، وتعلَّقوا فى ذلك بأدلةٍ اسْتَوفَيناها فى ((مسائل الخلافِ))، (١) سقط من : ج ، م . (٢) ينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٥٨٩)، ص ٤٤. (٣) فى ج، م: ((بين)). (٤ - ٤) فى د: (( وقيل وبعد))، وفى ج: (( وقبل)) . (٥) فى نسخة على حاشية د: ((فليفعل). ٢٤ الموطأ ١٥٨٩ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه قال: جاءَت اليهودُ إلى رسولِ اللهِ وَلَّ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأةٌ زَنَيا، فقال لهم رسولُ اللهِ وَّهِ: (( ما تَجِدُون فى التوراةِ فى شأنٍ الرجم))؟ فقالوا: نفضَحُهم ويُجلَّدُون. فقال عبدُ اللهِ بنُ سَلَام: كَذَّبْتم، إن فيها الرجمَ . فَأَتَوا بالتوراةِ فتَشَروها، فوضَع أحدُهم يدَه على آية الرجم ثم قرَأْ ما قبلَها وما بعدَها ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سَلام: مالكٌ ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، أن اليهودَ جاءَتْ إلى رسولٍ التمهيد اللَّهِ بَّهِ، فَذكَرُوا أَن رجلًا منهم وامرأةٌ زَنًّا، فقال لهم رسولُ اللَّه ◌َيِّ: («ما تَجِدُونَ فى التوراةِ فِى شأنِ الرجمِ؟)). فقالوا: نَفْضَحُهم ويُجلَّدُون . فقال عبدُ اللَّهِ بنُ سلام: كَذَبْتُم، إن فيها الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بالتوراةِ فتَشَروها، فوضَع أحَدُهم يدَه على آية الرجم ، ثم قرَأُ ما قبلَها وما بعدَها ، الحاضرُ الآنَ منها والأقوى فيها أن الكلَّ كان بيدِ النبيِّ وَلَه، فاسْتَنَابَ يَّاتِ القبس السادةَ عليه، فقال: ((أقيموا الحُدُودَ على ما ملكت أيمانكم؛ مَن أَحْصَنَ منهم ومَن لم يُحْصِنْ)). خرّجه مسلمٌ، والنسائىُ، وأبو داودَ). وقال ◌َله# فى الصحيحِ والمُتَّفَقِ عليه: ((إذا زَنَتْ أَمَّةُ أُحدِكم فلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُقَوّبْ()). وهذا نصٌّ، وليس للقومِ عليه كلامٌ ينفَعُ ، فلا نُطَوِّلُ بذكره فى هذه العجالةِ ، وفى الأحاديثِ كلامٌ، ولبقايا هذا البابِ أحكامٌ . (١) مسلم (١٧٠٥)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٢٣٩، ٧٢٦٨). (٢) ولا يُحرِّب: أى لا يوبخها ولا يقرّعها بالزنى بعد الضرب . وقيل: أراد: لا يقنع فى عقوبتها بالتثريب ، بل يضربها الحد . النهاية ٢٠٩/١. والحديث عند البخارى (٢٢٣٤) ، ومسلم (١٧٠٣). (۔۔ ٢٥ الموطأ ارفَعْ يدَك . فرَفع يدَه فإذا فيها آيةُ الرجم ، فقالوا : صدَق يا محمدُ ، فيها آيةُ الرجم . فأمَر بهما رسولُ اللهِ وَّلَهِ فِرُجِما. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: فرأيتُ الرجلَ يَحْنِى على المرأةِ يَقِيها الحِجارةَ. قال يحيى : سَمِعتُ مالكًا يقولُ: مَعْنَى يَحْنِى: يُكِبُّ عليها حتى تقَعَ الحجارةُ عليه . التمهيد فقال عبدُ اللَّهِ بنُ سلَام: ارْفَعْ يَدَك. فرَفَع يدَه، فإذا فيها آيةُ الرجم، فقالُوا: صدَق يا محمدُ، فيها آيةُ الرجم. فأمَر بهما رسولُ اللَّهِ وَه فرجِما. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: فرأيتُ الرجلَ يَخْنِى على المرأةِ يَقِيها الحجارةَ(١). قال أبو عمرَ: هكذا قال يحيى عندَ أكثرِ شُيوخِنا: يَخْنِى على المرأةِ . وكذلك قال القَعْنَبِىُّ(١)، وابنُ بُكَيْرٍ(٢)، بالحاءِ. وقد قيل عن كُلِّ واحدٍ منهما: يَجْنِى. بالجِيم. وقال أيوبُ، عن نافع: يُجانىُ (١) عنها بيدِه(٥). القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٩٤)، وبرواية أبى مصعب (١٧٥٥). وأخرجه أحمد ١٢٥/٨، ٩/ ٣٣٢،٢٢١ (٤٥٢٩، ٥٣٠٠، ٥٤٥٩)، والبخارى (٣٦٣٥، ٦٨٤١)، ومسلم (٢٧/١٦٩٩)، والترمذى (١٤٣٦)، والنسائى فى الكبرى - كما فى تحفة الأشراف (٨٣٢٤) - من طريق مالك به . (٢) أخرجه أبو داود (٤٤٤٦) عن القعنبى به . (٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/١٣ظ - مخطوط). (٤) فى الأصل: ((يحانئ))، وفى م: (يجافى)). (٥) أخرجه الحميدى (٦٩٦)، وأحمد ٨٧/٨ (٤٤٩٨)، والبخارى (٧٥٤٣) من طريق أيوب . ٢٦ الموطأ وقال مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ: يُجافِى بيدِهُ . التمهيد والصوابُ فيه عندَ أهلِ اللغةِ: يَجْنَأُ عن المرأةِ ، بالهمزِ، أى: يَمِيلُ عليها. يُقالُ منه: جَنَا يَجْنَأُ جنَثًا وُجُنُوءًا، إِذا مال، والأجْنَأُ: المُنْحَنِى، ويَجْتَأُ ویتَجَنَّی بمعنى واحدٍ . وفى هذا الحدیث مِن الفقهِ سؤال أهل الكتاب عن کتاپھم ، وفى ذلك دليلٌ على أن التوراةَ صحيحةٌ بأيدِيهم، ولولا ذلك ما سألهم رسولُ اللَّهِ وَّه عنها، ولا دَعَا بها، وفيما ذكَوْنا دليلٌ على أن الكتابَ الذى(١) كانوا يَكتبونَه بأيديهم، ثم يقولون: هذا مِن عندِ اللَّهِ. هى كتبُ أحبارِهم وفقهائِهم ورُهبانِهم، كانوا يَصنَعُون لهم كُتُبًا مِن آرَائِهم وأهوائِهم، ويُضيفُونها إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ؛ ولهذا وشِئْهِه مِن إِشْكالٍ أَمْرِهم نُهِينا عن التصديقِ بما حدَّثونا (١) به، وعن التكذيبِ بشىءٍ مِن ذلك، لئلّا نُصَدِّقَ بباطلِ ، أو تُكَذِّبَ بحَقٌّ، وهم قد خَلَطوا الحقَّ بالباطلِ، ومَن صحَّ عندَه شىءٌ مِن التوراةِ بنَقْلٍ مِثلِ ابنِ سلَامِ وغيرِهِ من أحبارِ اليهودِ الذين أسلموا ، جاز له أن يقرَأَه ويَعمَلَ بما فيه إن لم يكنْ مُخالِفًا لِما فى شريعتنا مِن کتابِنا وسنةٍ نبيّنا وََّ، أَلَا تَرى إلى قولِ عمرَ بنِ الخطابِ حين قال لكعبٍ: إن القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٣٣٠) عن معمر به . (٢) فى الأصل، م: ((الذين)). (٣) فى ن: ((حدثوا)). ٢٧ الموطأ التمهيد كنتَ تَعْلَمُ أنَّها التوراةُ التى أَنزَلها اللَّهُ على موسى بن عمرانَ بطُورِ سيناءَ، ٠ فاقْرَأْها آناء الليلِ وآناء النهارِ (١). وقد أفْرَدْنا لهذا المعنى بابًا فى كراهية مُطالعةٍ كتبٍ أهلِ الكتابِ فى(٢) كتابٍ ((العلم))(٣)، يَشْفِى الناظِرَ فيه إن شاء اللهُ . وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّهم كانوا يكذبون على توراتِهم ، ويُضِیفون گذِبھم ذلك إلی ربّهم و کتاپھم ؛ لأنّھم قالوا : إنّھم یچِدون فی التوراةٍ أن الزُّناةَ يُفْضَحُون ويُجْلَدُون؛ مُخْصَنِينَ كانوا بالنكاحِ أو غيرَ مُحصَنِين. وفى التوراةِ غيرُ ذلك مِن رجم الزُّناةِ المُحْصَنِينَ . وفيه دليلٌ على أن شرائعَ مَن قبلَنا شرائِعُ لنا ، إلّا ما(4) ورَد فى القرآنِ أو فى سنَّةِ النبيِّ محمدٍ وَلَ نَسْخُه وخِلاقُه، وإنَّما يَمْنَعُنا مِن مُطالعةِ التوراةِ ؛ لأن اليهودَ الذين بأيدِيهم التوراةُ غيرُ مُؤْتَمَنِينَ عليها بما(٥) غيّروا وبَدَّلوا مها، ومَن عَلِمَ منها ما قال(٦) عمرُ لكعب الأحبارِ، جاز له مُطالعَتُها . وفيه أيضًا دليلٌ على ما اليهودُ عليه مِن الخُبثِ والمكرِ والتَّبديلِ. (١) ذكره المصنف فى جامع بيان العلم وفضله (١٤٩٩). (٢) فى م: ((ذكرناه فى آخر)). (٣) جامع بيان العلم وفضله ٧٩٩/٢ وما بعدها. (٤) فى ن، م: ((بما)) . ( ٥٠) فى الأصل، م: (إنما). (٦) بعده فى الأصل، م: ((ابن)). ٢٨ الموطأ وفيه إثباتُ الرجمِ والحُكّمُ به على الثيّبِ الزانى، وهو أَمْرٌ أَجمَع (١) التمهيد أهلُ الحقِّ - وهم الجماعةُ أهلُ الفقهِ والأَثَرِ - عليه ، ولا يُخالِفُ فيه من يَعُدُّه أهلُ العلم خِلافًا، وقد ذكَرْنا المعنَى الذى اختلَف فيه أهلُ العلم منه ، فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عُبَيدِ اللَّهِ(١)، وذلك الجلدُ مع الرَّجْم، وجُمْعُهما على الثيِّبٍ ، فلا معنى لإعادةِ شىءٍ مِن ذلك هلهنا . وفيه أن أهلَ الكتابِ، وسائرَ أهلِ الذمَّةِ، إذا تَحاكمُوا إلينا ورَضُوا بڅگمحاکینا ، حَگم بينهم بما فی شريعتنا ؛ كان ذلك مُوافِقًا لِما عندهم أو مُخالِفًا، وأَنْزَلهم فى الحكم مُنزِلْتَنا ، وعلى هذا عندَنا كان حكمُ رسولِ اللَّهِ وَّل﴿ بالرجم على اليهوديّينِ؛ لأنَّه قد رجم ماعِزًا وغيرَه مِن المسلمين، ومعلومٌ انّه إنما رجم من رجم من المسلمین بأمر الله ومحکمه ؛ لأنّه كان لا یَنطِقُ عن الهوى، ولا يَتَقَدَّمُ بِينَ يَدَى اللَّهِ، وإنَّما يحكُم بما أَراه اللَّهُ ، فوافق ذلك ما فى التوراةٍ، وقد كان عندَه بذلك علمٌ، فلذلك سألهم عنه . واللهُ أعلمُ . واختلف أهلُ العلم فى أهلِ الذمةِ إذا تَرافَعوا إلينا فى خصوماتِهم وسائرٍ مظالمهم وأحكامِهم ؛ هل علينا أن نّحكم بينهم فَرضًا واجبًا ؟ أم نحن فى ذلك مُخيُّونَ؟ فقال جماعةٌ مِن علماءِ الحجازِ والعراقٍ: إنَّ الإِمامَ ( القبس (١) فى ن: ((اجتمع). (٢) ينظر ما سيأتى ص ١٠٣ - ٠١٠٨ ٢٩ الموطأ التمهيد والحاكِمَ مُخَّرَ؛ إن شاء حكَم بينَهم بحكم اللَّهِ علينا إذا تَحاكَمُوا إلينا، وإن شاءَ رَدَّهم إلى حاكمِهم ؛ لقولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِن جَآءُولَكَ فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. ومِمَّن قال ذلك؛ مالكٌ، والشافعىُّ فى أحَدٍ قوليه. وهو قولُ عطاءٍ، والشعبىّ، والنخعىّ . ذكره عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابنِ نجريجٍ، عن عطاءٍ . وذكَّره وكيع، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبىِّ(١) . ومجملةُ مَذهبٍ مالكِ فى هذا البابِ ، أنَّ تَرْكَ الحُكْم بينَ أهلِ الذمَّةِ أُحَبُّ إليه، ويُرَدُّون إلى أهلِ دينِهم، وإن حكَم بينَهم إذا تَحاكَمُوا إِليه ؛ حكَم بحُكّم الإسلام، وهو مُخيٌّ فى ذلك؛ إن شاء نظَر، وإن شاء لم ينظُرْ، ولا يَغْرِضُ(٢) لهم فى تعاملهم بالرِّباً(٤) ، ولا فى فسادٍ بيعِ، ولكنْ من امتنع منهم من دَفْعٍ ثمنٍ أو مَثْمونٍ فى البيعِ، حكم بينَهم ؛ لأن هذا من - القبس (١) عبد الرزاق (١٠٠٠٦، ١٩٢٣٧). (٢) سيأتى تخريجه ص ٤٧، ٤٨ . (٣) فى ن: ((ينظر)). (٤) فى الأصل : ((بالزنا)). ٣٠ - الموطأ التمهيد التظالُم. قال: والذين حكَم بينَهم رسولُ اللَّهِ وَ لّهِ لم يكونوا أهلَ ذمَّةٍ. وقال يحيى بنُّ عمرَ : إذا رَضِى الذِّمَّانِ بحُكمِه ، أخبرهم بما يَحكَمُ به، فإن رَضِياه حكَم، وإن أتى أحدُهما ترَك، وإن كانا أهلَ مِلَّتَيْن(١) حكَم بينَهما ولو (٢) كَرِه ذلك أحدُهما. وقاله سُحنُونٌ . وذكَر العُتْبِىُّ فى كتابِ السلطانِ من ((المسْتَخْرَجَةِ): قال عيسى : قال ابنُ القاسم: إن تَحاكم أهلُ الذِّمَّةِ إلى حُكْمِ المسلمين ورَضِيا به جميعًا، فلا يُحْكَمُ بينَهم إلّا برضًا من أساقِفَتِهم، فإن حَرِه ذلك أسَاقِفتُهم فلا يُحْكُمُ بينَهم، وإن رَضِى أساقِفتُهم بحُكْمِ الإسلامِ وأتى ذلك الخَضْمانِ أو أحدُهما لم يَحْكُمْ بيْنَهم المسلمونَ. وقال الشافعىُّ : ليس للإمامِ الخِيارُ فى أحدٍ من المعَاهَدِين الذين يَجْرِى عليهم الحُكْمُ إذا جاءُوه فى حَدٍّ للَّهِ، وعليه أن يُقِيمَه؛ لقولِ اللَّهِ : ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة : ٢٩]. قال المزنئُ : هذا أشبهُ مِن قوله فى كتابٍ الحُدود : لا يُحَدُّونَ إِذا جاءُوا إِلينا فى حَدِّ للَّهِ، وأَرْفَعُهم إلى أهلٍ دينهم . وقال الشافعىُ : وما كانوا يَدینُون به فلا يجوزُ حُكمُنا عليهم پابطالِه إذا لم يَوْتَفِعوا إلينا، ولا يُكْشَفُوا عَمَّا اسْتَحَلُّوا، مالم يكنْ ضَرَرًا على مسلم، أو مُعَاهَدٍ ، أو مُشْتَأْمَنٍ من غيرِهم ، فإن جاءَتِ امرأةٌ منهم تَسْتَعْدِى بأنَّ زوجها القبس (١) بعده فى الأصل: ((فليس)). (٢) فى ن: ((إن)). ٣١ 1 الموطأ طَلَّقَها أو آلى منها، حَكَمْتُ عليه محُكَّمِى على المسلمين . التمهيد ذكَّر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن الثورىِّ، عن قابوسَ بنِ أبى ظَئِيانَ ، عن أبيه قال: كتَب محمدُ بنُ أبى بكرٍ إلى علىٍّ يسألُه عن مسلمٍ زَنَا بنصرانيةٍ ، فكتب إليه : أقِمِ الحَدَّ على المسلم، ورُدَّ النصرانيةَ إلى أَهلِ دِينِها . قال عبد الرزاق(١): وأخبرنا معمر، عن ابن شهاب الزهرىِّ، وذكره ابنُ وَهْبٍ ، عن يُونسَ، عن ابنٍ شهابٍ، بمعنى واحدٍ، قال: مَضَتِ السنةُ أن يُرَدُّوا فى حُقُوقِهم ودَعاوِيهم ومُعاملاتِهمٌ ومواريثهم(٤) إلى أهل دينهم ، إلّا أن يَأْتُّوا راغِين فى حَدٍّ، فَيَحْكُمَ بينهم فيه بكتابِ اللَّهِ، قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. قال أبو عمرَ : وقال آخرونَ: واجبٌ عليه أن يَحْكُمَ بينَهم بما أنزل اللَّهُ إذا تَحاكَمُوا إِليه. وزَعَموا أن قوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. ناسِخٌ للتَّخْبِيرِ المذكورِ فى الآيةِ قبلَ هذا . القبس (١) عبد الرزاق (١٠٠٠٥، ١٩٢٣٦). وعنده: عن الثورى، عن سماك، عن قابوس بن الخارق ، عن أبيه . (٢) عبد الرزاق (١٠٠٠٧، ١٩٢٣٨). (٣) فى ن: ((تعاملاتهم). (٤) فى م: ((موازينهم). ٣٢ الموطأ رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ(١)، ومجاهدٍ(٢)، وعكرمةَ(٣). وهو قولُ التمهيد الزهرىِّ(٤)، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ(*)، والسُّدِّىِّ(٢)، وأحدُ قولَي الشافعىِّ، وقولُ أبى حنيفةً وأصحابِهِ ، إِلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال : إذا جاءتِ المرأةُ والزوج ، فعليه أن يَحكَمَ بينَهما بالعدلِ ، فإن جاءتِ المرأةُ وحدَها، ولم يَرْضَ الزوج، لم يَحْكُمْ. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وزُفَرُ: بل يَحْكُمُ. وكذلك اختلف أصحابُ مالكٍ على هذَيْنِ القَولَين؛ إذا شَكًا أَحَدُ الزَّوجَينِ الذَِّيْنِ وأتَى صاحِبُه من التَّحاكُم بينَهما ، والمشهورُ مِن مَذْهَبٍ مالكٍ فى الذمَِّيْنِ يشْكُو أحدُهما ويأتى صاحبُه من التَّحَاكم عندَنا، أَنَّا لا نَحْكُمُ بينَهما إلَّا بأن يَتَّفِقا جميعًا على الرّضا بحُكْمِنا، فَإِن كَان ظُلْمًا ظاهرًا، مُنِعوا مِن أن يَظْلِمَ بعضُهم بعضًا. وقد قال مالكٌ، وجمهورُ أصحابِه، فى الذمِّيّ، أو(٧) المعاهدِ، أو (٢) المُسْتَأْمَنِ، يَشْرِقُ مِن مَالٍ القبس (١) سيأتى تخريجه ص ٤٥. (٢) سيأتى تخريجه ص ٤٦، ٤٧. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠١٠، ١٩٢٣٩)، وأبو عبيد فى ناسخه ص ١٨١، وابن جرير فى تفسيره ٤٤٢/٨، ٤٤٣. (٤) سيأتى تخريجه ص ٤٨. (٥) سيأتى تخريجه ص ٠.٤٩ (٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٨/ ٤٤٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٦/٤ عقب الأثر (٦٣٨٨) . (٧) فى ن: ((و)). ٣٣ (موسوعة شروح الموطأ ٣/٢٠) الموطأ التمهيد ذِمِّيٌ، أَنَّه يُقْطَعُ كما يُقْطَعُ لو سرَق مِن مالٍ مسلم؛ لأن ذلك مِن الجرابةِ(١)، فلا يُقَرُّوا عليها، ولا على التَّلَصُّصِ. قال أبو عمرَ: الصحيحُ فى النَّظَرِ عندى ألَّ يُحْكَمَ بنسخِ شىءٍ مِن القرآنٍ ، إلَّا بما قام عليه الدليلُ الذى لا مَدْفَعَ له، ولا يَحتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وليس فى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. :دليلٌ على أنَّها ناسِخةٌ للآيةِ قبلَها؛ لأَنَّها يَحْتَمِلُ معنَاها أن يكونَ : وأنٍ احْكُمْ بِينَهم بما أنزل اللهُ إن حَكَمْتَ ، ولا تَتَّبِعْ أهواءَهم. فتكونُ الآيتان مُستَعْمَلَتَيْنِ غيرَ مُتدافِعَتَيْنِ . واختلف الفقهاءُ أيضًا فى اليهوديَّيْن الذمَِّيْن إذا زَنَيا، هل يُحَدَّانِ أم لا؟ فقال مالكٌ: إذا زَنَى أهلُ الذمَّةِ، أو شَرِبوا الخمرَ، فلا يَعْرِضُ لهم الإمامُ، إلَّا أن يُظْهِرُوا ذلك فى دِيارِ المسلمين، ويُدْخِلُوا عليهم الضَّرَرَ، فِيَمْنَعَهم السلطانُ مِن الإِضْرَارِ بالمسلمين. قال مالكٌ(٢) : وإنَّما رجَم رسولُ اللَّهُ وَّهِ اليهوديَّيْنِ لأَنَّه لم يكنْ لليهودِ(٣) يَومَئِذٍ ذِئَّةٌ، وتَحاكموا إليه . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: يُحَدَّان إذا زَنَيا كحَدِّ المسلم. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعىِّ . وقال فى كتابٍ الحدُودِ : إِن تَحاكَموا إلينا فلنا أن نَحْكُم أو 1 القبس (١) فى م: ((الخيانة)). (٢) سقط من: م. (٣) ليس فى: الأصل، وفى م: ((لهم)). ٣٤ الموطأ التمهيد نَدَعَ، فإن حكَمْنا حَدَدنا المحْصَنَ بالرجم؛ لأن النبيَّ بَّهِ رَّم يهودِيَّيْنِ زَنَيا، وجَلَدْنا البكرَ مائةَ جلدةٍ (١) ، وغرّبناه عامًا. وقال فى كتابٍ الجزية: لا خِيارَ للإمامِ ولا للحاكم إذا جاءُوه فى حَدِّ للهِ، وعليه أن يُقِيمَه عليهم؛ لقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. والصَّغارُ أن يَجرِىَ عليهم محكمُ الإسلامِ. وهذا القولُ اخْتِيارُ المزنيّ، واختَار غيرُه مِن أصحابِ الشافعىِّ القولَ الأَوَّلَ . وقال الطحاوىُّ حينَ ذكَر قولَ مالكٍ: إنَّما رجَم رسولُ اللَّهِ اليهوديّئْنِ لاُنَّھم لم یکنْ لهم ذمَّةٌ ، وتحاگمُوا إلیه . قال : ولو لم يكنْ واجِبًا عليهم، لما أقامَه النبىُ وَلّهِ. قال: وإذا كان مَن لا ذمَّةً له قد حَدَّه النبيُّ وَّهِ فِى الزنى، فمَن له ذِمَّةٌ أُخْرَى بذلك. قال: ولم يَخْتَلِفوا أن الذمِّىَّ يُقْطَعُ فى السرقةِ . قال أبو عمرَ : إذا سرَّق الذمُِّ مِن ذَمِّىٌّ ولم يَتَرَافَعوا إلينا ، فلا يُعْرَضُ لهم عندَنا، وإن تَرافَعُوا إلينا حكَمْنا بحُكْم اللـهِ فيهم ؛ لأَنَّ هذا مِن تَظالمِهم الذى يجِبُ علينا المنْعُ منه إذا رُفِع إلينا، وإذا سرَق ذمِّيٌ مِن مسلم كان الحكمُ حِينَذٍ إلينا، فوجب القطعُ، والحديثُ المشهورُ يَدُلُّ على أن رسولَ اللَّهِ وَلّ إنما رجَم اليهوديّينِ لأَنَّهم تَحاكموا إليه . القبس (١) ليس فى: الأصل، م. ٣٥ الموطأ التمهيد وقد ذكَرْنا اختلافَ الفقهاءِ فى حَدِّ الإخصانِ الموجِبِ للرجمِ، فى كتابِنا هذا، عندَ ذِكْرٍ حديثِ ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللَّهِ(١)، فلا وَجْهَ لإعادَتِه ههُنا. وكلَّهم يَشْتَرِطُ فى الإحصانِ الموجِبِ للرجمِ الإِسلامَ . هذا مِن شُرُوطِه عندَ جميعِهم، ومَن رَأَى رَجْمَ أهلِ الذمَّةِ منهم إذا أُحْصِنُوا إِنَّما رآه مِن أجلِ أنَّهم إذا تَحاكموا إلينا لَزِمنا أن نَحْكُمَ بينَهم بحُكْمِ اللهِ فينا، وكذلك فعَل رسولُ اللهِ وَلِّ باليهودِيَّيْنِ المذكورَيْن فى هذا الحدیثِ حینَ تحاكمُوا إليه . وقالت طائفةٌ ممَّن يَرَى أن قولَ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ناسخٌ للآيةِ قبلَها؛ يعنى قوله: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] الآية . قالوا : على الإمامِ إذا عَلِم مِن أهلِ الذمَّةِ حَدًّا مِن محُدُودِ اللهِ أن يُقِيمَه عليهم وإن لم يتَحاكّمُوا إليه ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ﴾. ولم يقلْ: إِن تَحاكّمُوا إليك . قالوا : والسنةُ تُبَيِّنُ ذلك. واخْتَبُوا بحديث البراءِ فى ذلك. وهو ما حدثناه عبدُ الله بن محمد بنِ عبد المؤمن، قال : حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدثنا أبو داودَ ، وأخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قالا : القبس (١) ينظر ما سيأتى ص ١٠٩ - ١١٢. ٣٦ الموطأ حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ أبو كُرَيْبٍ، وأخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال: التمهيد حدثنا أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ زيادٍ ، قال : حدثنا الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّاحِ الزَّعْفَرَانِىُ، قالوا(١) جميعًا: حدثنا أبو معاويةً، قال: حدثنا الأعمشُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، عن البراءِ، قال: مُوَّ على رسولِ اللَّهِ وَلَه بيهودىِّ مُحَمَّم(٢) مَجْلُودٍ، فدعاهم، فقال: ((هكذا(٣) تَجِدون حَدَّ الزانى فى كتابِكم؟)). قالُوا: نعَم. فدَعا رجلًا مِن علمائِهم، فقال: ((أَنْشُدُك باللّهِ الذى أُنزَل التوراةَ على موسى ، أهكذا تَجِدون حَدَّ الزانى فى كتابِكم؟». فقال: اللَّهُمَّ لا ، ولولا أنَّكَ ناشَدْتَنى بهذا لم أَخْبِوْك، نَجِدُ حَدَّ الزانى فى كتابِنا الرَّجْمَ، ولكنَّه كَثُر فى أَشْرافِنا، فكنَّا إذا أخَذْنا الرجلَ الشريفَ تَرَكْناه ، وإذا أخَذْنا الضعيفَ أَقَمْنا عليه الحَدَّ، فقُلْنا : تَعالَوْا نجْتَمِعْ على شىءٍ نُقِيمُه على الشريفِ والوَضِيعِ. فاجْتَمَعْنا على التَّحْمِيم والجلدِ ، وتَرَكْنا الرجمَ . فقال رسولُ اللّهِ وَه: ((اللهمَّ إِنِّى أوَّلُ مَن أَحْيَا أمْرَكَ إِذ أمَاتُوهُ(٤))). فأمَر به فرُجِمَ، وأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ اَلْكُفْرِ﴾. إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن ◌َّمْ القبس (١) فى الأصل، م: ((قالا)). (٢) محمم: أى مُشْوَدَّ الوجه، من الحممة: الفحمة، وجمعها حمم. النهاية ١/ ٤٤٤. (٣) فى ن، م: ((أهكذا)). (٤) فى الأصل: ((تركوه). ٣٧ الموطأ التمهيد تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١]. يقولُ: اثْتُوا محمدًا، فإن أَقْتَاكم بالتَّحْمِيم والجلدِ فخُذُوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم فاحذروا. إلى قولِه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فى اليهودِ ، إِلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. فى اليهودِ. إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. قال: هى فى الكفارِ كلّها . يَعنِى الآية(١) . واللفظُ لمحمدِ بنِ العلاءِ، والمعنَى واحِدٌ مُتَقارِبٌ . قالُوا: ففى هذا الحدیثِ اُنَّ حَگم بینھم ولم يتحاكموا إليه . قال أبو عمرَ : لو تَدَبَّر مَن اختجّ بهذا الحديثِ ما احْتَجّ به منه، لم يَحْتَجَّ به؛ لأَنَّه فى دَرَج الحدِيثِ تَفسِيرُ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمَ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾. يقولُ: إن أفتاكم بالتَّحْمِيمِ والجلدِ فخُذُوه، وإن أفتاكم بالرجم فاخذَروا. وذلك دليلٌ على أنَّهم حَكْموه، لا أنَّه قصَرَهم على ذلك الحُكْم، وذلك بَيِّنٌّ أيضًا فى حديثِ ابنِ عمرَ وغيرِه . القبس (١) أبو داود (٤٤٤٨)، والنسائى فى الكبرى (٧٢١٨، ١١١٤٤). وأخرجه النحاس فى ناسخه ص ٤٠٠ من طريق الحسن بن محمد به، وأخرجه أحمد ٤٨٩/٣٠ (١٨٥٢٥)، ومسلم (٢٨/١٧٠٠)، وابن ماجه (٢٣٢٧، ٢٥٥٨) من طريق أبى معاوية به . ٣٨ ٠٠ الموطأ فإن قال قائلٌ : إن حديثَ ابنِ عمرَ مِن حديثِ مالكِ وغيرِه ليس فيه التمهيد أنَّ الزَّانِتَيْن حَكَّما رسولَ اللَّهِ بِهِ، ولا رَضِيَا بِحُكْمِه. قيل له: حَدُّ الزانى حَقِّ مِن محُقوقِ اللَّهِ، على الحاكم إقامتُه، ومَعلُوم أن اليهود كان 13 لهم حاكمٌ يَحْكُمُ بينَهم، ويُقِيمُ محدودَهم عليهم، وهو الذى حَكَم رسولَ اللَّهِ بَّهِ، واللهُ أعلمُ، أَلَا تَرَى إلى ما فى حديثِ ابنِ عمرَ: أن اليهودَ جاءُوا رسولَ اللَّهِ وَله، فقالوا: إن رجلاً منهم وامرأةٌ زَنَيا. ثم حَكَّموا رسولَ اللَّهِ وَِّ فى ذلك؟ فإذا كان مَن إليه إقامةُ الحَدِّ هو الذى حَكِّم رسولَ اللَّهِ وَِّ، فلا وجهَ ( لاعتبارِ تحكيم) الزانتينِ فيما ليس لهما ولا لأحدهما . أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ سعيدِ الهمدانيّ ، قال: حدثنى ابنُ وهبٍ، قال: حدثنى هشامُ بنُ سعدٍ، أن زيدَ بنَ أسلَمَ حدَّثه، عن ابنِ عمرَ، قال: أَتَّى نَفَرٌ مِن يهودَ، فَدَعَوا رسولَ اللَّهِ وَ لِهِ، فَأَتَّاهم فى بيتٍ المِدْرَاسِ(٢) ، فقالوا: يا أبا القاسِم، إن رجلاً منَّا زنَى بامرأةٍ، فاحْكُمْ. فَوَضَعُوا لرسولِ اللَّهِ وَله وسادةً، فجلَس عليها، ثم قال: ((اقْتُونِى القبس (١ - ١) فى الأصل، م: ((للاعتبار بحكم)). (٢) فى الأصل: ((المدارس)). والمدراس: البيت الذى يدرس فيه اليهود كتابهم. ينظر النهاية ٢/ ١١٣. ٣٩ الموطأ التمهيد بالتوراةٍ)). فأتَوه بها ، فنزَع الوسادة مِن تحتِه، ووَضَع التوراةَ عليها ، ثم قال: ((آمَنْتُ بكِ، وبمن أَنْزَلكِ)). ثم ذكر قصةَ الرجم نحوًا مِن حديثٍ مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (١). ففى هذا الحديثِ أن اليهودَ دَعَوا رسولَ اللّهِ وَ لِ وحكموه فى الزانِيَيْنِ منهم، وكذلك حديثُ مالكِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، بنحوِ ذلك، وحديثُ ابنٍ شهابٍ أيضًا فى ذلك يَدُلُّ على ما وَصَفْنا . قرأْتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ ، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدثهم ، قال : حدثنا مُطَلِبُ بنُ شُعيب ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بن صالح ، قال : حدثنى الليثُ ، قال: حدثنى عُقَيلٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، قال : أخبرنى رجلٌ مِن مُزَيْنَةً مِمَّنْ يَتَّبِعُ العلمَ ويَعِيه ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن أبا هريرةَ قال : بينا نحن عند رسولِ اللهِ پڑ جاءه اليهودُ ، و كانوا قد شاوَرُوا فی صاحبٍ لهم زنَی بعدَما أحْصَن ، فقال بعضُهم لبعضٍ : إن هذا النبىّ قد بُعِث ، وقد عَلِمْتُم أنه قد فُرِض عليكمُ الرَّجْمُ. فذكَر حديثًا فيه: فقال لهم، يَغْنِى رسولَ اللَّهِ رَله: ((يا معشرَ اليهودِ، أَنشُدُكم باللَّهِ الذى أَنْزَل التوراةَ على موسى بنِ عمرانَ، ما تَجِدُونَ فِى التوراةِ مِن العُقوبةِ على مَن زنَى وقد أُحْصَن؟)). قالوا : نَجِدُ يُحَمَّمُ وَيُجْلَدُ . وسكَت حَبُْهم وهو فى جانِبِ البيتِ ، فَلَمَّا القبس (١) أبو داود (٤٤٤٩). ٤