النص المفهرس
صفحات 1-20
مَؤْسُوْعَة"
شروع المُوظة
لِمَامِ مَالِكِ بْنِأَس
المتوفى سنة ١٧٩ هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذْكَارُ
الأِ عُمَر ◌ُوسُفَ بْ عَدِد ◌ْ قَ الّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأبى بكرٍمحمّدِيْ عَبْدِاللّهِ ابنِ العَربيّ المالكِىّ
المتوفى سنة ٥٤٣ هـ
ټحقیں
الدّكتور / عَبْد اللَّه بْن عَبْدِالمُحْسِ التّركيّ
بالتّاوك قع
مركز مجم الحوثٍ والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء العشرون
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م
مَوْسُوْعَةٍ"
شروع الموظّةْ
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة : ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
الموطأ
كتابُ الرَّجْمِ والحدودِ
ما جاء فى الرَّجْم
التمهيد
القبس
مسائلُ الرَّجْمِ
الرَّجْمُ سُنَّةٌ ماضيةٌ، وأصلّ فى الشريعةِ تقدَّم فى المِللِ قبلَها، وقرَّرها
الإسلامُ بعدَها، وكان مِن محُجَج النبيِّ مَ ليل على اليهود فى إنكارهم لنبؤَتِه،
حتى انتهَت الحالُ إلى أن تكونَ البهائمُ تفعَلُه، كما ورَد فى ((البخارىِّ)) (١) عن
عمرو بن ميمونٍ، أنه شاهَد فى الجاهليةِ رَجْمَ القِرَدةِ على الزِّنى. مختصرًا،
وصورتُه ؛ أنه قال : رأيتُ قِرْدةً تُضاجِعُ صاحبها، حتى جاء فِرْدٌ مُختفيًا(١) ، فلما
حشت به سلَبتْ(١) ذراعَها مِن تحتٍ رأسٍ صاحبها، ثم مشّت إليه فواقعها،
وأنا أَنظُرُ إليها، ثم عادَت إلى مَضْجعِها من صاحبِها، فلما استيقظّ اسْتَتْكَرها
وصَاحَ، واجتمعت القِرَدةُ فشَهُوها، ثم رجموها، وأنا أُنْظُرُ إليهم. فإما أن
يكونَ هذا مِن أفعالٍ مَن كان شَخْصًا ثم صار مَسْخًا، وإما أن يكونَ أمرًا أوقَعه
اللهُ عزَّ وجلَّ فى نفوسِ البهائم إلهامًا، ومُقَدِّمةً للنِّذَارَةِ لمَن يُحيِى هذه السّنَّةً
التی أُماتتها اليهودُ .
وأحاديثُ الرجمِ مُتعدِّدةٌ ، أص ◌ُها عشرةٌ :
(١) البخارى (٣٨٤٩) .
(٢) فى ج: ((محتبيًا))، وفى م: ((مختبيئًا)).
(٣) فى م: ((سلَّت)).
0
الموطأ
التمهيد
القبس
الأُولُ : ما رواه الأئمةُ بأجْمَعِهم، عن أبى هريرةَ وغيرِهِ، دخَل(١) حديثُ
بعضِهم فى بعضٍ وجمَعْناه، قالوا: جاء ماعزُ بنُ مالكِ الأسْلميُّ إلى رسولِ اللهِ
وَلِّ فقال: يا رسولَ اللهِ، ظلَمْتُ نفسى وتُبْتُ، طَهِّرْنى. فقال: ((وَيْحَك،
ارجِعْ فاستغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه)). فرجَع غيرَ بعيدٍ، ثم جاء فقال: يا رسولَ اللهِ،
طهِّرْنى. فقال له رسولُ اللهِ وَلِّ مثلَ ذلك، حتى إذا كانت الرابعةُ قال له رسولُ
اللهِ وَه: ((فيمَ أَطَهِّرُك؟)). قال: مِن الزِّنى. فقال له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لعلك
قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ(٣)، أو نَظَرْتَ)). قال: لا يا رسولَ اللهِ. قال: ((أَنِكْتَها؟)). لا
يَكْفِى. قال: نعم. فقال(4) رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَبِكَ(٥) جنونٌ؟)). قال(١): لا.
قال: ((فشربت() خمرًا؟)). قال(٤) : لا . فقام رجلٌ. فاسْتَنگھہ فلم يَجِدْ منه ربح
خمرٍ، فَأَمَر به بَّرَ فِرُجِم، فلما وجَد مَسَّ أَلَم الحجارةِ فَوَّ يَشْتَدُّ، حتى مَرَّ
برجلٍ معه لخئ ( جمّل، فضربه وضربه الناسُ ، فلما وجَد مَسَّ الموتِ صرخ : یا
(١) فى د: ((أدخلوا)).
(٢) فى م: (( ثم )).
(٣) فى د: ((غمرت)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
(٤) فى ج، م: ((فسأل)).
(٥) فى ج، م: ((أبه)).
(٦) فى ج، م: ((قالوا)).
(٧) فى ج: ((أنشرب))، وفى م: ((أفيشرب)).
(٨) فى د، ج: ((مر)).
(٩) اللحى : عظم الحنك ؛ وهو الذى عليه الأسنان. المصباح المنير (ل ح ى).
٦
الموطأ
التمهيد
قومٍ، رُدُّونى إلى رسولِ اللهِ وَلَه فإن قومى قتَلونى وغرُّونى وأخبرونى أن رسولَ القبس
اللهِ وَلَه غيرُ قاتلى. فلم نَنْزِعْ عنه حتى قتلْناه، فلما رجَعوا إلى رسولِ اللهِ وَل
ذكّروا ذلك له، فقال: ((فهَلَّا ترَكْتُموه وجئتُمونی به؟)) (١). زاد أبو داود والنسائىُ:
ليَسْتَثْبِتَ رسولُ اللهَِّهِ منه، فأما " التوكِ حدٍّ]) فلا(٤). قالَه أبو هريرةً(٥). زاد أبو
داودَ (١): ((هلَّا ترَكْتُموه(١٧) حتى أنظُرَ فى شأنِه؟ هلَّا ترَكْتُموه فيتوبَ ، فيتوبُ اللهُ
عليه؟)). زادَ مسلم والنسائىُ() قال: فردَّه. فلما كان مِن الغدِ أتاه ، فأرسَل النبيُّ
وَلَّه إلى قومِه: ((أتعرِفونه؟)). قالوا: ما به بأسٌ. فأتاه الثالثةَ، فأرسَل إليهم أيضًا،
فأخبَروه أنه لا بأسَ به ، فلما كان فى الرابعةِ حفَروا له حفرةً .
زاد فى ((الموطأُ))(١): إنه جاء إلى أبى بكرِ الصديقِ، فقال له: تُبْ إلى اللهِ
واسْتَتِرْ. وأَتَّى عمرَ ، فقال له مثلَ ما قال لأبى بكرٍ ، وقال له عمرُ مثلَ ما قال أبو
بكرٍ، فجاء رسولَ اللهِ وَّهِ، فَأعرَض عنه ثلاثَ مَّاتٍ، كلَّ ذلك يُغْرِضُ عنه
رسولُ اللهِ وَهِ، حتى إذا أكثر، بعَث رسولُ اللهِ وَّةِ إلى أهلهِ: ((أَيَشْتَكى؟ أيِهِ
جِنَّةٌ؟)). قالوا: واللهِ يا رسولَ اللهِ إِنَّه لصحيحٌ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَبِكْ أَمْ
(١ - ١) فى ج، م: ((فإنه)).
(٢) البخارى (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((ليرد حدًّا)).
(٤) أبو داود (٤٤٢٠)، والنسائى فى الكبرى (٧٢٠٧) .
(٥) بل قائل ذلك هو جابر بن عبد الله. ينظر عون المعبود ٢٥٣/٤ .
(٦) أبو داود (٤٤١٩) .
(٧) فى ج، م: ((تركتمونى)).
(٨) مسلم (٢٣/١٦٩٥)، والنسائى فى الكبرى (٧١٦٧).
(٩) الموطأ (١٥٩٠) .
٧
الموطأ
التمهيد
القبس ◌َبٌ؟)). قالوا(١): بل تَيْبٌ (" يا رسولَ الله٢ِ). فأمَر به رسولُ اللهِ وَ لَّهِ فِرُجِم.
زاد مِن روايةِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنه قال لهَزَّالٍ: «لو سَتَزْتَه برِدَائِك لكانَ
خيرًا لك))) . زاد البخارىُّ ومسلمٌ) : قال جابرٌ: فرجَمْناه بالمُصلَّى، فلمَّا
أَذْلَقَتْهُ(٥) الحجارةُ فَوَ، فأدرَكْناه بالخَرَّةِ فرجَمْناه(٦) .
الحديثُ الثانى: روَى الأئمةُ ما عدا البخارىَّ عن عبادة بن الصامتِ ، أن
النبيَّ وٍَّ قال: ((خُذُوا عَنِّى، قد جعل اللهُ لَهُنَّ سبيلاً؛ البِكْرُ بالبِكْرِ ؛ جلدُ مائةٍ
ونَفْىُ سَنَةٍ ، والقَّيْبُ بالثَّيْبِ ؛ جُلْدُ مائةٍ ورَجْمٌ بالحجارةِ))" .
الحديثُ الثالثُ : حديثُ العَسِيفِ ، قال أبو هريرةً وزيدُ بنُ خالدٍ : إن
رجلّين اختَصَما إلى رسولِ اللهِ وَه، فقال أحدُهما: يا رسولَ اللهِ ، اقْضِ بينَنا
بكتابِ اللهِ . وقال الآخَرُ ، وهو أنْقَهُهما : أُجَلْ يا رسولَ اللهِ ، فاقْضِ بيتنا بكتابٍ
اللهِ واثْذْ لى فى أن أتكلّمَ. قال: ((تَكَلَّمْ)). قال: كان ابنى عَسِيفًا على هذا،
فزنّى بامرأتِه ، فأخبرنى (١) أنَّ على ابنِى الرجمَ، فاقْتَدَيتُ منه بمائةٍ شاةٍ وبجاريةٍ
سفـ
(١) فى النسخ: ((قال)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢ - ٢) ليس فى : د، ج .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٥٩١).
(٤) البخارى (٦٨١٦)، ومسلم (١٦/١٦٩١) .
(٥) أذلقته الحجارة : أى بلغت منه الجهد حتى قلق . وقال النووى : أى أصابته بحدها . النهاية
٢/ ١٦٥، وصحيح مسلم بشرح النووى ١٩٤/١١.
(٦) فى د، ج: ((فرضخناه)).
(٧) سيأتى تخريجه ص١١٣، ١١٤ .
(٨) فى ج، م: (( فأخبرونى )).
٨
الموطأ
التمهيد
القبس
لى ١٢، ثم إنى سألتُ أهلَ العلم، فأخبرونى أنَّ على ابنى جَلْدَ مائةٍ وتَغْریب عامٍ ،
وأخبرونى أن الرجمَ على امرأته. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والذى نفسى بيده،
لأَّقْضِينَّ بينَكما بكتاب اللهِ، أمَّا غَتَمُك وجارِيتُك فرَدِّ عليك)). وجلَدَ ابنَه
مائةً(١)، وغرّبه عامًا، وأمَر أَنَيْسًا الأسلمىّ أن يأتىّ امرأةَ الآخَرِ، فإن اعتَرَفَتْ
رجَّمها، فاعتَرَفَت(٢) فرجمها(4).
الحديثُ الرابعُ : حديثُ عمرانَ بنِ حُصِينٍ، جاءَت امرأةٌ مِن ◌ُجُهَينةَ إلى
رسولِ اللهِ وهى محُبلَى مِن الزّنى، فقالت: يا رسولَ اللهِ ، أَصَبْتُ حدًّا فأقِمه علىَّ.
فدعا رسولُ اللهِ وَّل﴿ وَلِيَّها، فقال: ((أحسِنْ إليها، فإذا وضَعت فَأْتِنِى بها)).
ففعل . فأمر ، فشُگِّت(٩) علیھا ثیائُھا ، ثم ژُچِمت ، ثم صلَّى عليها ، فقال له عمر:
أَتُصَلِّى عليها وقد زَنَت؟! فقال: ((لقد تابت توبةً لو قُسِمَتْ بينَ سبعينَ مِن أهلٍ
المدينة لوسِعَتهم)). خرّجه مسلمٌ، والترمذىُّ، وأبو داودَ(١).
الحديثُ الخامسُ: حديثُ عمرٌ، لَمَّا صدَر مِن منّى، أناخَ بِالأَبْطَحِ(٧)، ثم
كوَّم كَوْمَةً بَطْحَاءَ(١) ، ثم طرّحَ عليها رداءًه، واسْتَلْقَى، ثم مَدَّ يَدَيه إلى السماءِ
(١) سقط من : ج .
(٢) بعده فى د : (( جلدة)).
(٣) بعده فى د: ((زوجته)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٤).
(٥) فى ج، م: ((فشكلت)). وشُكّت عليها ثيابها: أى مجمعت عليها ولُقَّت لئلا تنكشف
كأنها نُظمت وزُرّت عليها بشوكة أو خِلال . وقيل معناه : أرسلت عليها ثيابها . والشك :
الاتصال واللصوق . النهاية ٤٩٥/٢. وينظر ما سيأتى ص ٨٣، ٨٤ .
(٦) مسلم (١٦٩٦)، وأبو داود (٤٤٤٠)، والترمذى (١٤٣٥). وسيأتى تخريجه ص ٨٣ - ٨٥ .
(٧) الأبطح: يعنى أبطح مكة . وهو مسيل واديها، والبطحاء هو الحصى الصغار. النهاية ١٣٤/١.
٩
الموطأ
التمهيد
القبس فقال: اللهمَّ كَبِرت سِنِّى، وضَعُفت قوَّتى، وانتشرَت رَعِيَّى، فاقْبِضْنى إليك غيرَ
مُضَيِّعٍ ولا مُفَرِّطٍ . ثم قَدِم المدينةَ ، فخطَب الناسَ، فقال: أيُّها الناسُ، قد سُنَّتْ
لكم السُّنَنُ، وفُرِضَت لكم الفرائضُ، وتُرِكْتُم على الواضحةِ ، إِلَّ أن تَضِلُّوا
بالناسِ يمينًا وشِمَالًا. وضرَب بإحدى يديه على الأخْرى، ثم قال : إيَّكم أن
تَهْلِكوا عن آيةِ الرَّجْم ، أن يقول قائلٌ : لا نَجِدُ خَدَّین فی کتابِ اللهِ. فقد رجم
رسولُ اللهِ وَّهِ وَرَجَمْنا، والذى نفسى بيدِه، لولا أن يقولَ الناسُ: زادَ عمرُ بنُ
الخطابِ فى كتابِ اللهِ . لَكَتَبْتُها: (الشيخُ والشيخةُ(١) فارْجُمُوهما الْبَّةَ). فإنَّا قد
قرأْناها. " فما انسلَخ ذو الحِجَّةِ حتى قُتِل عمرُ رحِمه اللهُ (١) .
وقال فى حديثِ ابنِ عباسٍ الطويلِ بينَ يدَى موتِه : الرَّجْمُ فى كتابِ اللهِ حَقٌّ على مَن
زَنَى مِن الرجالِ والنساءِ إذا أحْصَنَ، إذا قامَت البيّنَةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعترافُ (٤).
الحديثُ السادسُ: خرَّج مسلمٌ(٥) وغيرُه، أن علىَّ بن أبى طالبٍ جَلَد
شُرَّاحةَ الهَمْدانيةَ يومَ الخميس، ورجَمها يومَ الجمعة ؛ وقال : جَلَدْتُها بكتابٍ
اللهِ، ورجَعْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللهِ وَ().
الحديثُ السابعُ: خرّجه مسلمٌ، والنسائىُ ، وأبو داودَ . قالوا : إن امرأةٌ مِن
(١) بعده فى د: ((إذا زنيا)).
(٢ - ٢) ليس فى : د .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٨).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٦).
(٥) كذا فى النسخ . والحديث ليس عند مسلم بل عند البخارى (٦٨١٢). وينظر تحفة
الأشراف ٣٩١/٧ .
(٦) سيأتى تخريجه ص ١٠٣، ١٠٤، وينظر ص ٥٥ .
١٠
الموطأ
التمهيد
غامدٍ مِن الأَزْدِ قالت: يا رسولَ اللهِ، طَهِّرْنى. قال: (( وَيْحَكِ! ارجِعى فاسْتَغْفِرى القبس
الله وتُوبِی إلیه)). قالت له: وتريدُ أن تُدَّنی کما رَدَدْتَ ماعِزًا؟ قال لها: ((وما
ذاكٍ؟)). قالت: إنى حُبْلَى مِن الزِّنى. قال: ((آنتِ؟)). قالت: نعم. قال:
((اذهَبِى حتى تَضَعِى)). فكفَلها رجلٌ مِن الأنصارِ حتى وضَعَت، فأتى النبيَّ وَ له
فأخبره، فقال: ((إذنْ لا نَوْجُمَها ونَدَعَ ولدَها صغيرًا ليس له مَن يُرْضِعُه)). قال
رجلٌ مِن الأنصارِ: إِلىَّ رَضاعُه. فأمَر بها فرجِمتْ(١).
الحدیثُ الثامنُ : روی النسائئ ، وأبو داود ، قال اللَّجلَاج أنه كان يعتملُ فى
السوق ، فمَرَّت به امرأةً تحمِلُ صَیًّا فثارَ الناسُ، فکنتُ ممن ثارَ، فانتھیتُ إلى
النبيِّ ◌َّهِ وهو يقولُ: ((مَن أبو هذا معكِ؟)). فقال شابٌّ حِذاءَها: أنا يا رسولَ
اللهِ، فقالَ لها رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَن أبو هذا معكِ؟)). فسكَتَت، فقال له
الفتى : إنها حديثةُ السَّنِّ، قريبةُ عهدٍ بحزنٍ، وليست بمُكَلِّمْتِك، أنا أبوه . فنظَر
إلى بعضٍ أصحابِه كأنه "يسألُهم عنه٢١، فقالوا: ما علِمنا إلا خيرًا. فقال له النبيُّ
وِّهِ: ((أَحْصَنتَ؟)). قال: نعم. قال: فَأَمَر به فرُجِم. قال: فحفَرنا له حُفرَةً
حتى أُمْكَنَّاه، ثم رَمَيناه بالحجارة (حتى هداً".
(١) مسلم (١٦٩٥)، وأبو داود (٤٤٤٢)، والنسائى فى الكبرى (٧١٩٧).
(٢ - ٢) فى د: ((يسأله عنهم))، وفى ج: ((يسألهم عنهم)).
(٣ - ٣) سقط من : ج ، م .
والحديث أخرجه أبو داود (٤٤٣٥)، والنسائى فى الكبرى (٧١٨٤).
١١
الموطأ
التمهيد
القبس
الحديثُ التاسعُ: روَى أبو بَكْرةَ: شهِدتُ النبيَّ ◌َ لّهِوهو واقفٌ على بغلتِه .
فذكّر أن امرأةً مُحُبْلَى جاءتِ النبيَّ وَلَه، فقالت: بَغَيتُ. فقال لها: ((اسْتَتِرِى
بسِتْرِ اللهِ)). فذهَبت ثم رجَعت، فقال لها: ((اذهَبى حتى تَلِدِى)). ثم قال:
((انطلِقى حتى تَطْهُرِى مِن الدم)). ثم جاءت، فبعَث النبيُّ ◌َله إلى نسوةٍ،
فأمَرَهُنَّ أن يَنْظُوْنَ إليها، أُطَهَرَتْ أم لا، فحينَ شهِدنَ عندَ رسولِ اللهِ وَ لَّهِ أَمَر لها
النبيُّ نَلّهِ بحفرةٍ إلى تَنْدُوتِها(١)، ثم أخَذ حصاةً كأنها الحِمَّصُ فرمَاها ، ثم قال
للمسلمين: ((ارمُوها)). فَرَمَوها، حتى طَفَتْ، ثم أمَر بإخراجِها وصلَّى عليها،
وقال: ((لو قُسِمَ أَجْرُها بينَ أهلِ الحجازِ لوَسِعَهم))(٢). وفى ((الموطأً))(٣) أنه قال
لها: ((اذهَبِى حتى تَضَعى))، ((اذهَبِى حتى تُرضِعيه)). ثم جاءته فقال لها":
«اذهبی حتی تَشْتودعیه)). فاسْتَودعته، ثم جاءت، فأمر بها فرجمت .
الحديثُ العاشرُ: روَى فى ((الموطأُ))(9) والأئمةُ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال :
جاءت اليهودُ إلى رسولِ اللهِ وَل ◌َه، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأةً زَنَيا، فقال
لهم رسولُ اللهِ وَ﴿: ((ما تَجِدون فى التوراةِ فى شأنِ الرَّجْمِ؟)). فقالوا:
نَفْضَحُهم ويُْلَدون . فقال عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ: كذَبْتُم ، إن فيها آيةً الرجمِ . فَأَتَّوا
(١) الثندوة: لحم الثدى أو أصله، والثندوتان للرجل كالثدى للمرأة. النهاية ٢٢٣/١،
والقاموس المحيط (ث ن د) .
(٢) أحمد ٨٢/٣٤ (٢٠٤٣٦)، وأبو داود (٤٤٤٤)، والنسائى فى الكبرى (٧١٩٦، ٧٢٠٩).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٣).
(٤ - ٤) سقط من : ج، م .
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٥٨٩).
١٢
الموطأ
التمهید
بالتوراةِ فنشَروها. ووضَع أحدُهم يدَه على آيةِ الرجم، ثم قرَأَ ما قبلَها وما القبس
بعدَها، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ: ارفَعْ يدَك. فرفَع يدَه، فإذا فيها آيةٌ
الرجم تَلومح، فقالوا: صدَقتَ يا محمدُ، إن فيها آيةَ الرجم. فأمَر بهما
رسولُ اللهِ وَّهِ فِرُجِما. قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: فرأيتُ الرجلَ يَخْنِى على
المرأةِ يَقِيها الحجارةَ .
فهذه أصولُ أحاديثِ الرجم بُجُمْلتِها، ولا خلافَ فيه بينَ الأئمةِ ، إلا أن
طائفةٌ مِن البربرِ نزَلت على جبلِ أَطْرَائِلُسَ(١)، ليس لهم إلا مَطْلَعْ ضيّقٌ، كفَروا
باللهِ ورسولِه، وتَسَتَّروا بكلمةِ الإسلامِ والتَّعَصُّبِ لعثمانَ، ويَرَون أن الوضوءَ
بدعةٌ ، وأن التيممَ هو الأصلُ، والزاهدُ منهم هو الذى ماتَ ولم يَمَسَّ مُمُرَه ماءً،
ويَرَون سقوطَ الرَّجم، ويضرِبون الزّانِىَ بالسِّياطِ حتى يموتَ، فى مُحالَاتٍ لا
نهايةً لها ، وكانوا يُخالِطوننا ويُجالِسوننا، فقلتُ لعلمائِنا: أَيَحِلَّ لكم أن تتركوا
هؤلاء بينَ أظهُرٍ كم على هذه الحالةِ مِن الكفرِ؟ قالوا لى : القومُ فى عَدَدٍ عظيمٍ،
وفى مَنَعَةٍ مِن المكانِ لا تَرْقَى إليهم الأوهام، لو اعتَرَضْنا أحدًا ممن ينزِلُ منهم،
لقتَلوا بالواحدِ منهم مائةً مِنَّا. فعلِمْتُ عُذْرَهم.
وهمّ وتنبيةٌ: ظنَّ بعضُ الناسِ أن الرَّجْمَ الوارد فى الشريعةِ ناسخٌ للحبسِ إلى
الموتِ الذی کان مشروعًا قبله ، وقد بيًّّا فساد ذلك فى كُتُبٍ الأصولِ مِن ◌ُجوهٍ ،
(١) فى ج، م: ((طرابلس)). وأطرابلس وطرابلس مدينة فى آخر أرض برقة وأول أرض
أفريقية. معجم البلدان ٣٠٩/١، ٥٢١/٣.
(٢) هم طائفة من بقايا الخوارج . ينظر فتح البارى ١١٨/١٢.
١٣
الموطأ
· التمهید
القبس أقربُها الآنَ إليكم أن الحبسَ فى البيوتِ كان حُكْمًا ممدودًا إلى غايةٍ ، وكلُّ محُكْم
مُدَّ إلى غايةٍ فانتهَى إليها، لا يكونُ انتهاؤُه نَشْخًا، وهو أحدُ شروطِ النسخ الأربعةِ
التى يدورُ عليها، لا بِيِّما وحكمُ الغايةِ أن يكونَ ما بعدَها مُخالِفًا لِما قبلَها ، وإلا
فما كانت تكونُ غايةً ، واعلموا وفَّقكم اللهُ أنَّ فى هذه الأحاديثِ أحكامًا كثيرةً
وفوائدَ عظيمةً اسْتوفَيناها فى ((شرح الحديثِ))، الحاضرُ الآنَ مما يَتَعلَّقُ بها
خمسةَ عشَرَ حُكْمًا :
الحُكْمُ الأولُ: قولُ النبيِّ نَّهِ: ((خُذُوا عنىٌّ، خُذُوا عَنِّى))(١). تأكيدًا
وتَنْبِيهًا، فلأنه ما بُعِث إلا ليُؤْخَذَ عنه، وقد كان سبق الأخذُ عنه، فتأكَّد بهذا
القول، ونبّه على قَدْرِ الحُكمِ.
الحكْم الثانى: قولُه: ((جَلْدُ مائةٍ)). يحتمِلُ أن يكونَ قاله، ثم نزلت الآيةُ
بعدَه فى الجلْدِ ، ويحتمِلُ أن يكونَ قاله بعدَ نزول الآيةِ تأكيدًا وبيانًا للحُكم.
الحكمُ الثالثُ: وهو التَّغْرِيبُ ، وقد اختلف العلماءُ فيه ، فأسقَطه أبو حنيفةً؛
لأنه زيادةٌ على القرآنِ بخبرِ الواحدِ، والزيادةُ على النصِّ نسخٌ، ونَسْخُ القرآنِ لا
يجوزُ إلَّ بقرآنٍ مثلِه، أو بخبرٍ متواترٍ. وقد مَهَّدْنا فى كتابٍ ((الأصولِ)) بطلانَ
ذلك كلِّه، وأَشَرْنا إليه فيما سبق مِن هذا الإملاءِ. وقال الشافعىُّ: يُغَرَّبُ كلُّ زانٍ
بِكْرٍ عملًا بعمومٍ هذا الحديثِ. وخصَّه مالكٌ فى المرأةِ والعبدِ؛ أما المرأةُ ، فلأن
تغريبها مُعَرِّضّ لها للوقوع فى مثلٍ ما مجلِدت عليه، وإنما تُحْفَظُ المرأةُ بالحجاب
(١) سيأتى تخريجه ص ١١٣، ١١٤.
صم
١٤
الموطأ
التمهید
حيثُ تُعْرَفُ(١).
القبس
وخُذُوا نُكْنَةً بديعةً فى أصولِ الفقهِ لم تُذْكَوْ فيها ، نبّه عليها إِمامُ الحرمين فى
كتابٍ ((العَمْدِ))؛ فقال: إن العمومَ إذا ورَد وقلنا باستعمالِهِ، أو قامَ دليلٌ على
وجوبِ القول به، فإنما يتناولُ الغالبَ دونَ الشَّاذِّ النادرِ الذى لا يخطِرُ بیالٍ
القائلِ. وصدَق ، فإن العمومَ إنما يكونُ عمومًا بالقصدِ المُقارِنِ للقولِ ، فما قُطِع
على أن القائلَ لم يقصِدْه لا يتناولُه القولُ، وعلى هذا لا يَناوَلُ الحكمُ فى العمومِ
ما يُعْتَرَضُ عليه بالإبطالِ ، ولو أدخَلْنا المرأةَ فى التغريبِ لاغْتُرِض بالإبطالِ على
التحصِينِ " الذى لأجلِه شُرِع الحدّ(٤)، وكذلك العبدُ لم يَرَ مالكٌ تغريته، لا(٥)
لأجلٍ أنه لم يدخُلْ تحتَ العمومِ كما قلنا فى المرأةِ ، ولكن عارضه حقُّ السّيدِ ،
فَقُدِّم على حقِّ اللهِ ؛ لفقرِ السيدِ ، واللهُ هو الغنىُ الحميدُ. فإن قيل: فلِمَ لم يَسْقُطِ
الحدُّ مراعاةً لحقُّ السيدِ؟ قلنا: الحدُّ هو الأصلُ، والتغريبُ تَبَعّ؛ فلأجلِ ذلك
أقمنا الأصلَ الذى لا يقطّعُ بالسَّيِّدِ فى حقٌّه، وترَكنا التََّعَ الذى يُعْتَرِضُ عليه
بالإبطال .
الحكمُ الرابعُ : قال أحمدُ بنُّ حنبلٍ: يُجْلَدُ الثَّيْبُ ثم يُرْجَمُ ؛ لحديثِ عُبادةَ
وحديثِ شُراحةَ المُتَقدِّمَين .
(١) فى م، ونسخة على حاشية د: ((تغرب)).
(٢) فى م: ((العموم)).
(٣) فى م: ((التخصيص)).
(٤) فى ج، م: ((الجلد)).
(٥) سقط من : م ..
١٥
الموطأ
التمهيد
القبس
قلنا : هذا الحديثُ الواردُ عن عُبادةَ منسوخٌ قطعًا بمثله فى الوُژُودِ بحديثٍ
ماعزٍ والغامدية والغسِیفِ ؛ فإن النبي پټ لم يتعرّض للجلدِ فی واحدٍ منهما ، وقد
كان ذلك بعدَه ، فتَمَّ النسخُ بشرطِه .
الحكمُ الخامسُ : الزِّنِى يَثْبُتُ بثلاثةِ أَشياء؛ اعترافٌ ، وشهادةٌ ، وحَبَلٌ ظاهرٌ
لم يسبِقْه نكاح ولا سيادةٌ . فأما الشهادةُ فقد استقرَّ أمرُها فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ،
وفى سُنَّةِ رسولِه وَالهِ. وأما الإقرارُ وهو الأصلُ فى إثباتِ الحقوقِ؛ فإن العلماءً
اختلفوا، هل للمُقِرِّ بالزِّنى أن يرجعَ عن إقرارِه أم لا؟ فمنهم من قال: إنه يرجعُ .
قال به الجمهورُ، وهو إحدی الرّوایتین عن مالك . ومنھم من قال : إِنَّ له أن يرجعَ
إن ذكّر وجهًا . وهى الروايةُ الثانيةُ عنه. ومنهم مَن قال: إنه لا يرجعُ. فأما مَن
قال: لا يُقبَلُ الرجويُ. فلأَن الإنسانَ على نفسِه بصيرةٌ، وهو أعلمُ، وأما مَن
قال : إنه يرجِعُ إن ذكَر وجهًا . فلأن الحدَّ مما يَشْقُطُ بالشُّبْهةِ، وهذه شبهةٌ ، مع
أن النبيَّ وَ لِّ نَّه عليها ماعزًا؛ فقال: ((لعلك قبَّلْتَ، لعلك نظَرْتَ))(١). وأما مَن
قال : له أن يرجِعَ مطلقًا. فهو الحقُّ، وعليه تَدُلُّ الأحاديثُ المذكورةُ آنفًا فى
ترديدِ النبيِّ وَّلِ كَلَّ مَن أقرَّ بالزِّنى، وتَنبيهِه له على الرجوع، وكذلك ينبغى أن
يفعّلَ كلُّ حاكم، فلا قدوةً أعظمُ مِن محمدٍ بَله، ولا أسوةَ فوقَه .. وقال أبو
حنيفةً: لا يثبتُ الزِّنَى بالإقرارِ حتى يكونَ أربعَ مَرَّاتٍ فى أربعِ مجالسَ. واحتجّ
بأن النبيَّ ◌َّ ردّ ماعزًا أربعَ مراتٍ. قلنا: لم يَؤُدَّ ليثبُتَ الإقرارُ، إنما ردَّه رجاءً
الرجوع، ألّا ترَى أنه لم يَؤُدَّ الغامِديَّةَ ولا سِواها، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ على
(١) تقدم تخريجه ص٦، ٧ .
١٦
الموطأ
التمهيد
القبس
الشهادةٍ ؛ لأن الشهادةَ فرعٌ، والإقرارَ أصلٌ، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ الأُصلُ على
الفرع. وأما الحملُ إذا ظهَر ولم يَسْبِقْه سببٌ جائزٌ؛ فإنه يُعْلَمُ قطعًا أنه مِن حرامٍ ،
فتثبُتُّ المُقدِّمةُ بالنتيجةِ، وهو اسْتِدلالٌ معلومٌ مِن طريقِ العادةِ يُسمَّى قياسَ
الدِّلالةِ، كدلالةِ الدخَانِ على النارِ ، إلا أن تَدَّعِىّ أنها اسْتُكْرِهَت، وتأتى على
ذلك بيَّنَةٍ أو بأَمارةٍ ؛ مثلَ أن تأتىَ دامِيةً وهى بِكْرٌ، أو اسْتغاثَت أو أُغِيئَت على تلك
الحالِ ، فإن لم تأتِ بشىءٍ مِن ذلك ثبَت الحَدُّ، إن لم يكنْ يعارِضُه ما يُشْقِطُه.
وقال الشافعىُّ: لا يُقْبَلُ ذلك منها. وهو قولٌ باطلٌ؛ لأنه لا يمكِنُ إِن غُلِيت أن
تفعَلَ أكثرَ مما فعلت ، ولا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها .
الحكمُ السادسُ : إذا سُمِع الإقرارُ، فلا بُدَّ بعدَه مِن الاختبارِ، كما فعل النبيُّ
وَلَّ حِينَ قال: ((أَبِهِ جِنَّةٌ؟))(١) . فقالوا له: لا. وبهذا يتبيَّنُّ أن قولَ المجنونِ مدْرٌ.
ويَعضُدُ هذا بصحتِه حديثُ علىِّ الضعيفُ: ((رُفِع القلم عن ثلاثٍ))(١). فذكر
المجنونَ ، وكذلك أيضًا الذى يغلِبُ عليه الألم ، فيفوتُه تحصيلُ القولِ، فإنه لا
يؤاخَذُ به فى حكم مِن الأحكامِ؛ لقول النبيِّ وَّهِ فى هذا الحديثِ:
(( أَيَشْتكى؟)). فبَيَّن أن الشَّكْوى تُبْطِلُ الإقرارَ.
وهو الحكمُ السابعُ . وكذلك نقولُ: إن المريضَ إذا طلَّق فى حرَجِ المرضِ
لا ينفُذُ طلاقُه إذا تنَّجُ(١) مِن المرضِ قولُه .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٠).
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٤/١٢، ٤٥، وسيأتى تخريجه ص ٥٩٥.
(٣) فى ج: ((تنيح))، وفى م: ((نيح)). وتثبّج من التثبيج؛ وهو التخليط ، يقال: ثبّج
الكتاب والكلام تثبيتجا : لم يأت به على وجهه . التاج ( ث ب ج) .
١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢/٢٠)
الموطأ
التمهيد
القبس
وكذلك أيضًا، وهو الحكمُ الثامنُ، قال فى هذا الحديثِ: ((أشرِبَ
خمرًا؟))(١). فكان ذلك دليلاً على أن السكرانَ لا يجوزُ إقرارُه. وقد اختلف
العلماءُ فى ذلك على أقوالٍ عديدةٍ جملةً وتفصيلاً، واختلف أربابُ مذهبنا
كاختلافِهم. والذين اعتبروا قولَ السكرانِ قالوا: إن عقله زالَ بمعصيةٍ ، فجُعِل
كالموجودِ حُكْمًا . والمعصيةُ قد أخذت حقُّها فى الإثم والحدِّ، وَعْلُ المعدومِ
موجودًا مُحُكْمًا يفتقِرُ إلى الدليلِ، وقولُ النبيِّ وَالتِ: ((أشرِبَ خمرًا؟)). دليلٌ على
إلغاءِ القول .
قال لى بعضُ علمائِنا: يحتمِلُ قولُه: ((أشرِبَ خمرًا؟)). أن يكونَ إذ كانت
الخمرُ مُحَلَّةٌ(١) . قال: وهذه حكايةُ حالٍ وقضيةُ عَينٍ يَتَطرّقُ إليها الاحتمالُ،
فيسقُطُ بها الاستدلالُ، لكنْ يبقَى أصلُ الدليلِ من أن العقلَ ذاهبٌ .
قال لى بعضُ أشْياِنا: لم يختلِفْ قولُ مالكِ أنه إن قتَل سكرانُ أنه يُقْتَلُ،
وهذا عندى لعظيمٍ مُرمةِ القتلِ، فأما سائرُ الأحكامِ فيهونُ أمرُها .
الحكمُ التاسعُ: قولُه: ((أَنْكْتَها؟))(١). لا يَكْنِى. وافتقر النبىُ مَالقر إلى ذلك
لبيان سببٍ الحدِّ بعدَ أن تكوّر الردُّ. والحدُّ لا يكونُ إلا بعشَرةٍ أو صافٍ؛ وَطْءٌ
مُحَرَّمٌ مَخْضٌ، مِن محُرٍّ بالغ عاقلٍ، فى فَرْجِ مُشتَهَى طَبْعًاً) ، وقَع مِن مسلم
(١) تقدم تخريجه ص٦، ٧ .
(٢) فى م: ((مخللة)).
(٣) فى م: ((طيعًا)).
١٨
الموطأ
التمهید
القبس
مَخْض .
فبهذه الشروطِ يجِبُّ الرَّجمُ، وبها يجِبُ الحدُّ الذى هو الجَلْدُ ما عدا
الإحصانَ .
فأما قولنا: وَطْءٌ. فلسؤالِ النبيِّ وَلِّ عنه وإجماعِ الأُمَّةِ عليه. وأما قولُنا:
مُحرَّمٌ . فلِيَقَعَ معصيةً تَلِيقُ بهذه العقوبةِ. وأما قولُنا: مَحْضّ . فلتَنْتفِىَ الشُّبهَةُ التى
تُسقِطُ الحَدَّ.
وأما قولُنا: مِن حرِّ. فلأن الإحصانَ معدومٌ معه قرآنًا؛ منصوص عليه فيه .
وأما قولُنا: بالغٍ . فلأنَّ الصبىُّ ساقطُ الاعتبارِ إجماعًا. قال علماؤنا: لأَن إِيلاجَه
صورةُ وطٍ لا معنَى لها . وأما العقلُ فقد تقدَّم الكلام فيه .
وأما قولُنا: فى الفَرْج. فلاتفاقِ الأَمَّةِ عليه؛ ولأنه قد ذُكِر فى الحديثِ :
((أغابَ ذلك منكَ فى ذلك منها، كما يغِيبُ المِرْوَدُ فى المُكْحُلةِ؟))(١).
وفى حديثِ اليهودٍ، أن النبيَّ وَّلير قال لهم: ((ائتونى بأعلم مَن فيكم)).
فجاءوه بابنَىْ صُوريًا، فناشَدهم: ((هل الرجمُ فى التوراةِ؟)). فقالا: نعم،
إذا شهد أربعةٌ أن ذلك منه قد غابَ فى ذلك منها، كما يَغِيبُ المِرْوَدُ فى
المُكْحُلةِ. فأمَر النبيُّ وَ لِّ بالشهودِ، فجاءوا فشهِدوا بذلك، فأمَر النبيُّ وَل ◌َه
بهما فرجِماً) .
(١) أبو داود (٤٤٢٨)، وابن حبان (٤٣٩٩).
(٢) فى د، م: ((بابن)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٤ .
١٩
الموطأ
التمھید
القبس
وأما قولُنا: مُشْتَهَى طبعًا. فبيانٌ لسقوطِ الحدِّ عن وطءِ البهيمةِ، إذ روَى
النسائي، وأبو داود، وغيرهما، أن النبىّ وَ الآ قال: «مَن وجدتموه قد وقع على
بهيمةٍ فاقتلوه، واقتُلوا البهيمةَ)) (١). وتعلَّق به أحمدُ بنُ حنبلٍ، وهو حديثٌ
ضعيفٌ لا يصِحُ. وقد بيَّه فى ((مسائلِ الخلافِ))، ولُنَّهَ بذلك أيضًا على
الحكم العاشر، وهو اللُّوَاطُ . قال الشافعىُّ: هو زِنِّى يَفْتِقُ فيه البِكْرُ وَالثَّيْبُ .
وقال أبو حنيفةً: هو موضعُ أدبٍ يجتهِدُ فيه الإمامُ، فيضرِبُه بالسَّوطِ قدرَ ما يَراه
رادعًا . ولا يَرى أبو حنيفةَ ولا الشافعىُّ أن يتجاوزَ الأدبُ أكثرَ الحدِّ. ورأى مالكٌ
أنه يُؤْجَمُ ؛ بِكِرًّا كان أو ثَيًِّا. وهو أسعدُ قولًا؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أخبرنا عن قومٍ
فعَلوه وعن عقوبته فيهم بالرمي بالحجارة، فوجب أن يُتَّعَظَ بقولِه، وأن يُمْثَلَ ما
سبق مِن فعلِه، وهذا يَدُلُّك على أن مالكًا رأى أن شَرْعَ مَن قبلَنا شَرْعٌ لنا بلا
خلافي ؛ أَلَا تَرَى أنه لم يختلِفْ قولُه فى أن البِكرَ يُؤْجَمُ كما رجَم اللهُ عزَّ وجلّ
بِكْرَهم وثَّئَتَهم، فإن قيل: فقد رُجِم صغيرُهم وكبيرُهم فارجموا إذنِ الصغيرَ.
قلنا : ارتفَع ذلك بالنصِ، ويَقِىَ الباقى على ظاهرِ الحُكْمِ .
والحِكمةُ فى رَجْم الصغيرِ منهم أمران؛ أحدُهما، أنه إمَّا عَلِم منهم أنهم
كآبائِهم، فأجرَى عليهم عقوبتهم، وإمَّا أَخَذ الكُلَّ بعذابِ الدنيا، ثم يُخْشَرُ كلِّ
على نِيَّتِه، على ما ورَد فى حديثِ الجيشِ الذى يُحْسَفُ به فى البَيْداءِ (١).
الحكمُ الحادىَ عشَرَ: اختلف العلماءُ فى صلاةِ الإمامِ على المحدودِ ؛
(١) أبو داود (٤٤٦٤)، والترمذى (١٤٥٥)، والنسائى فى الكبرى (٧٣٤٠)، وابن ماجه (٢٥٦٤).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٤) من الموطأ .
٢٠