النص المفهرس

صفحات 301-320

الموطأ
مسعودٍ (١) ، وما أعلمُ أحدًا مِن الفقهاءِ تعلَّقَ بها . ورُوِى عن شُريح أنَّه قال: التمهيد
إذا أدَّى الثلثَ فهو غريمٌ(١). وعن النخعيِّ: إذا أدَّى الشَّطْرَ فهو غريمٌ (١).
ورُوِى ذلكَ عن عمرَ وعلىٌّ(٤)، وهو غيرُ صحيحٍ. واللهُ أعلمُ .
وقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ : مَن كاتَب مكاتبًا ، فإن شرط عليه أن يعودَ فى
الرِّقُّ إِنْ عجَز، كان كذلك، وإنْ شَرَّطِ أن يَعتِقَ منه بقدرٍ ما أدَّى ، فهو
كذلك(٥).
وقد ذگّرنا حکم ولاء المكاتب(٦)، ومَن أجاز بیعَ ولائه ومَن گرِهه،
ومَن قال: لابُدَّ مِن شرطِه العتقَ عندَ الأداءِ، وإلّ فهو على الرّقُّ أَبدًا. ومَن
أجازَ للمكاتَبِ أن يشترِطَ ولاءَ نفسِه، فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ مِن هذا
الكتاب(١ ، فأغنى ذلك عن ذكرِه همهنا .
وفى حديثٍ بَرِيرَةً هذا مع صحتِه عن النبيِّ وَّهِ دليلٌ واضحٌ على أَنَّ
المكاتَبَ عبدٌ ، ولولا ذلك مَا بيعَت بَرِيرَةُ. وقد رُوِى عن عمرَ، وابنٍ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٧٢١، ١٥٧٣٧)، وابن أبى شيبة ١٤٩/٦ عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٧٣٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ١١٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق، وابن أبى شيبة ٦/ ١٥١.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٧٣٦)، وسنن البيهقى ٣٢٥/١٠.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٥٧١٩)، والبيهقى ٣٤٢/١٠ بمعناه .
(٦) فى الأصل: ((الرق)).
(٧) ينظر ما سيأتى ص ٣٣١ - ٣٣٦.
٣٠١

الموطأ
التمهيد عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعائشةَ، وأمّ سلمةَ: المكاتبُ عبدٌ ما بقِىَ عليه
درهمٌ(١) . وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، والقاسمِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ،
والزهرىٌّ، وقتادةَ، وعطاءٍ(١) . وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهم، والثورىُّ، وابنُ شُبرمةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ،
وداودُ ، والطبرئُّ. وقد روی عمرُو بنُ شعیبٍ ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن
النبيّ وَالتّ قال: ((المکاتبُ عبدٌ ما بقی علیه درهم))(٢).
واختلف القائلونَ: هو عبدٌ ما بقى عليه درهم. إذا مات قبلَ أن يؤدِّیَ
وترَك مالًا؛ فقالت طائفةٌ : كلُّ ما ترَك فهو لسيِّدِه؛ قليلًا كان أو كثيرًا،
وإن عجز عادَ رقيقًا. وممَّن قال بهذا؛ مجاهدٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ،
والشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو ثورٍ. ورُوِى عن ابنِ المسيَّبِ،
وشريحٍ، والزهرىِّ نحوُه، قال الزهرىُّ: حكمُه حكمُ العبدِ ، وجنايتُه
فى عُنُقِه (٤) . وهو قولُ الثورىِّ. وروَى الحكمُ ، عن علىٍّ، وابن مسعودٍ ،
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٧٢٥ - ١٥٧٢٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٤٦/٦ -
١٤٨، وشرح معانى الآثار ١١١/٣، ١١٢.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٧٠٤، ١٥٧٢٠، ١٥٧٣٢، ١٥٧٣٣)، ومصنف ابن أبى
شيبة ٦/ ١٤٩.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ١١١/٣، والطبرانى فى مسند
الشاميين (١٣٨٦)، والبيهقى ٣٢٤/١٠ من طريق عمرو بن شعيب به.
(٤) فى م: (عتقه)).
٣٠٢

الموطأ
وشريح: يُعطَى سيدُه مِن تركتِه ما بقِى مِن كتابِه، فإِنْ فضَل شىءٌ، كان التمهيد
لورثةِ المكاتَبِ . وروَى عطاءٌ، وإبراهيمُ ، وأبو التخترِىِّ ، عن علىِّ نحوَه .
وقد رُوِى عن الزهرىِّ نحوُه. وبه قال ابنُ المسيَّبٍ، وأبو سلمةً بنُ
عبدِ الرحمنِ، والنخعىُّ، والشعبىُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةً، وأصحابُه ،
ومالُ بنُّ أنس ، جعلوہ کغریم حلَّ دينه. غیرَ أَنَّ مالگا جعل من كان معه
فی کتابته احقًّ مئَّن لم یکن معه مِن ورثته . وقد روى الشعبُّ ، عن علىٍّ :
إذا مات المُكاتَبُ وترَك مالاً ، قُسِمَ ما ترَك على ما أدَّى وعلى ما بقِىَ ، فما
أصاب ما أدَّى فهو لورثته، وما أصاب ما بقِىَ فلِمواليه(١) . وهذا خلافُ ما
روَى الحكم، وعطاءٌ ، وإبراهيمُ ، وأبو البَخترِىِّ، عن علىِّ رضِى اللهُ عنه .
وقد احتَجَّ مَن قال فى المكاتَبِ : يَعتِقُ منه بقدرِ ما أدَّى . بروايةِ ابنِ
شهابٍ فى هذا الحديثِ، وذلك قولُه: ولم تكنْ أَدَّت مِن كتابتِها
شیئاً) . واحتٹّ من قال : یعتِقُ منه بقدرٍ ما أدّى . بحديثٍ یحیی بنِ أبی
كثيرٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ وَّ قال: ((يُودَى(١)
المكاتبُ بقدرٍ ما أدَّى ديةَ الحُرِّ، وبقدرٍ ما رَقْ منه ديةً عبدٍ)). رواه
حجَّاجْ الصوَّافُ وهشامٌ الدَّستُوائىُّ وغيرهما، عن يحيى بنٍ أبى كثيرٍ،
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٣٣١/١٠ من طريق الشعبى به.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٨٣، ٢٨٤.
(٣) فى م: (يؤدى)).
٣٠٣

الموطأ
التمهيد عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ مسئَدًا (١).
وقد رُوِىَ عن أيوب، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ مثلُه مستَدًا (٢) . وقد
أرسَله بعضُهم عن عكرمةَ(٢).
قال يحيى بنُّ أبى كثيرٍ: وكان علىُّ بن أبى طالبٍ، ومَروانُ بنُ
الحَكَم ، يقولانِ ذلك(٤) . وبه كان عكرمةُ يُفتِى، وكان يقولُ: المكاتبُ
يودَى(٥) بقدرِ ما أُعْتِقَ منه، وإن جنَى جنايةً ، أو أصاب حدًّا، فبقدرٍ ما
أَعْتِقَ منه . وقد ناظَر علىَّ بن أبى طالبٍ زيدُ بنُّ ثابتٍ فى المكاتَبِ ، فقال
لعلىّ : أكنتَ راجِمَه لوزنَى، أو مجيزًا شهادته إن شَهِد؟ فقال على: لا.
فقال زيدٌ: فهو عبدٌ ما بقِىَ عليه شىءٌ.
وفيه إجازةُ بيع المكاتَبِ إذا رضِىَ بالبيع وإن لم يكنْ عاجزًا عن أداءٍ
نجم قد حَلّ عليه، خلافَ قولٍ مَن زعَم أنَّ بيعَ المكاتَبِ غيرُ جائزٍ إلَّا
بالعجزِ؛ لأنَّ بَريرةَ لم تذكُوْ أَنَّها عجزت عن أداءِ نجم ، ولا أخبرت بأنَّ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٨١) من طريق حجاج وهشام به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٤٤/٥، ٤٤٥ (٣٤٨٩)، والترمذى (١٢٥٩)، والنسائى (٤٨٢٦) من
طریق أیوب به .
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٥٠٢٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ١١٠.
(٤) أخرجه الطيالسى (٢٨٠٩)، وابن أبى شيبة ٣٩٦/٩، والبيهقى ٣٢٦/١٠ من طريق يحيى
به .
(٥) فى م: ((يؤدى)). وأشار فى حاشية الأصل إلى أنه فى نسخة: ((يرث).
٣٠٤

الموطأ
النجمَ قد حلّ عليها، ولا قال لها النبيُّ وَله: أعاجزةٌ أنتِ ؟ أم هل حلَّ التمهيد
عليك نجم فلم تؤدِیه ؟ ولو لم يجزْ بيئُ المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن
أداءٍ نجم قد حَلِّ، لكان النبىُ وَ الر قد سألها : أعاجزةً هى أم لا؟ وما كان
ليأذَنَ فى شرائِها إِلَّا بعدَ علمِهِ وَلِ أَنَّها عاجزةٌ ولو عن أداءِ نجمٍ واحدٍ قد
حَلَّ عليها، وفى خبرِ الزهرىِّ أنَّها لم تكنْ قضَت مِن كتابتها شيئًا، ولا
أعلمُ فى هذا البابِ حجةً أصحّ مِن حديثٍ بَرِيرَةً هذا، ولم يُروَ عن النبىِّ
﴿َّ شىءٌ يعارِضُه، ولا فى شىءٍ مِن الأخبارِ دليلٌ على عجزِها .
وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ فى بيع المكاتَبِ ، فإنَّ ابنَ شهابٍ ، وأبا الزِّنادِ ،
وربیعةً، کانوا یقولون: لا يجوزُ بیتُہ إلّا برضًا منه، فإن رضِی بالبيعِ فهو
عجزٌ منه، وجاز بيعُه . وقال مالكٌ: لا يجوزُ بيعُ المكاتَبِ إلّا أن يعجِزَ عن
الأداء، فإن لم يعچِزْ فليس له ولا لسيده بيعُه. قال: وإذا كان المكاتبُ ذا
مالٍ، فليس له تعجیزُ نفسِه، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه ، وله تعجيزُه
دونَ السلطانِ، ويُمضِى ذلك، وكذلك إن عبّز نفسَه قبلَ مَحِلِّ النَّجم
بالأيامِ والشهرِ، وإنَّما الذى لا يُعجِزُه إلَّ السلطانُ فهو الذى يريدُ سيدُه
تعجيزَه بعدَما حَلِّ عليه ما عليه وهو يأتى العجزَ ويقولُ: نُؤدِّى(١). إلَّا أَنَّه
یٹطُلُ سیده، فالسلطانُ يتلگّمُ له ، فإن رأى له وجه أداءٍ ترَ که، وإِن لم يَرَ
القبس
(١) فى م: (يؤدى)).
٣٠٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٠/١٩)

الموطأ
التمهيد ذلك له عَجَّزه بعدَ التلوُّم، ولا يُعجِّزُه السيدُ وهو آبٍ، ولو أخَّر نجمًا أو
أنجمًا، إلّا بالسلطانِ. قال: ولو شرَط ذلك عليه، لم يكنْ عاجزًا إلَّا
بقضيَّةِ سلطانٍ . قال: ولو غاب المكاتَبُ فحَلَّت نجومُه، فليسَ إِشهَادُ
السيدِ بتعجيزِه تعجيزًا إلا بنظرِ السلطانِ، وهو إذا قدِمَ على كتابتِه إن أدَّى،
وإلَّ نظَر فى ذلك السلطانُ . وقال مالكٌ: الذى يقعُ بنفسى فى قصةِ بَرِيرَةً،
أنَّها كانت قد عجَزت، ولذلك اشتَرتْها عائشةُ. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ،
وعطاءٌ، والليثُ بنُ سعدٍ ، وأحمدُ ، وأبو ثورٍ: جائزٌ بيع المكاتَبِ على أن
یمضی فی کتابته ، فإِنْ أُدَّی عتَقَ ، و کان ولاؤُه للذی ابتاعه، وإن عجز
فهو عبدٌ له. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يجوزُ بيعُ المكاتَبِ ما دام
مكاتبًا حتى يَعْجِزَ ، ولا يجوز بيعُ كتابته بحالٍ. وهو قول الشافعىِّ بمصرَ،
لا يجوز بيعُ المكاتبٍ. وكان بالعراقِ يقولُ: بيعُه جائزٌ. وأما بيعُ كتابته
فغيرُ جائزةٍ عندَه ) . وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ : جائزٌ تعجيزُ المكاتَبِ بغیرِ
حضرةِ السلطانِ. وفعَل ذلك ابنُ عمرَ، وهو قولُ شريحٍ، والنخعىّ(١) .
وقال ابنُ أبى ليلَى : لا يجوزُ إلَّ عندَ قاضٍ. وكان الشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهم، يقولون: للسيدِ أنْ يُعجِّزَه إذا حَلَّ نجمٌ مِن نجومِه . قال
أبو حنيفةً: فإن قال: أُخِّرونى. وكان له مالٌ حاضِرٌ، أو غائِبٌ يرُو
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٦/ ٣٩٠، ٣٩١، وسنن البيهقى ٣٤١/١٠، ٣٤٢٠.
٣٠٦

الموطأ
قدومَه ، أخّرتُه يومين أو ثلاثةً لا أزيدُه على ذلك شيئًا . وبه قال محمدُ بنُ التمهيد
الحسنِ . وقال الحكمُ، وابنُ أبى ليلَى، والحسنُ بنُ صالحٍ: أقلُّ ما يَعِجِزُ
به حلولُ نجمَينِ. وهو قولُ أبى يوسفَ .
وقال الثورىُّ: منهم مَن يقولُ: نجمٌ. ومنهم مَن يقولُ: " نجمان.
قال١) : والاستیناء به أحبُّ إلىّ. وقال أحمدُ : نجمانِ أحبُّ إلينا.
وقال الأوزاعىُ : يَستأنِى به شهرينٍ ونحو ذلك. ورُوِىَ عن الحسنِ
البصرىٌّ فى هذه المسألةِ قولٌ شادٌّ ، أنَّ المكاتَبَ إذا عجَز استُسعِىَ بعدَ
العجزِ سنتَينٍ() . وهذا ليس بشىءٍ.
وأجمع العلماءُ علی أنَّ المكاتب إذا حلّ علیه نجمٌ مِن نجومِه، أو
نجمان ، أو نجومُه كلُّها، فوقف السيد عن مطالبته وترَ که بحاله، أن
الكتابةَ لا تنفَسِخُ ما داما على ذلك ثابتَينٍ. واختلفوا إذا كان قويًّا على
الأداءِ، أو كان له مالٌ فعّز نفسه ؛ فقال مالكٌ ما قدَّمنا ذكره، أنه لیس
ذلك له إلّ إن لم يُعلَمْ له مالٌ. وقال الأوزاعىُ: لا يُمكّنُ من تعجيزِ نفسِه
إذا کان قویًّا على الأداء. وقال الشافعىُ: له أن يُعّزَ نفسه، غُلِم له مالٌ أو
قوةٌ على الكتابةِ أو(١) لم يُعلَمْ، وإذا قال: قد عجَزتُ وأبطلْتُ الكتابةَ.
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((نجمين)).
(٢) ينظر المحلى ٢٩٢/١٠.
(٣) فى الأصل: ((أم)).
٣٠٧

الموطأ
التمهيد فذلك إليه .
قال أبو عمرَ: يحتمِلُ حديثُ بريرَةَ أن يَنزِعَ منه مالكٌ لمذهبِهِ،
والشافعىُّ لمذهبِه هذا. وبالله التوفيقُ .
واختلفوا فى المكاتَبِ يَعجِزُ وبيدِه مالٌ مِن الصدقاتِ تُصُدِّقَ به عليه ؛
فقال أكثرُ أهلِ العلم : إِنَّ كلّ ما قبضه السيدُ منه مِن كتابته ، وما فضَل بيدِه
بعدَ عجزِهِ مِن صدقةٍ وغيرِها ، فهو لسيِّدِهِ، يَطيبُ أخذُّ ذلك كلِّه له . هذا
قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهما، وأحمدَ بنِ حنبلٍ ، وروايةٌ عن
شريحٍ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىّ: إذا كان ما أخَذه السيِّدُ مِن
المکاتبِ قبلَ عجزه هو مِن کسب العبد، لم یردَّه، وإن كان استقرَضه
العبدُ أو أخَذه من زكاةٍ رجلٍ، فعلى السيدِ ردُّه. وعن الشعبىِّ، عن
مسروقٍ ، فى مكاتَبٍ عجَزَ، كيفَ يصنَعُ سيِّدُه بما أخَذ منه؟ قال : يجعَلُه
فى مثله مِن الرقابِ . قال: وقال شريحٌ: إن عجَز رُدَّ فى الرقِّ، ولم يأخُذْ
من مولاه ما أخذ منه(١).
وقال مالكٌ: إذا عجَز المكاتَبُ ، فكلُّ ما قبضه منه السيدُ قبلَ العجزِ
حِلِّ له، كان مِن كسبِه أو مِن صدقةٍ عليه. قال: وأما ما(٣) أُعينَ بِه على
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٢٣/٦.
(٢) ليس فى: الأصل.
٣٠٨

الموطأ
فِكاكِ رقبتِه فلم يَفِ ذلك بكتابتِه، كان لكلِّ مَن أعانَه الرجومُ بما أعطَى ، التمهيد
أو يُحلَّلُ منه المكاتَبُ ، ولو أعانوه صدقةً لا على فكاكٍ رقبته، فذلك إن
عجَز حِلِّ لسيِّدِه، ولو تمّ به فِكاكُه وبقِيَت فَضلةٌ ، فإن كان بمعنَى الفِكاكِ
ردَّها إليهم بالحِصَصِ، أو يُحلِّلونَه منها (١) . هذا كلُّه مذهبُ مالكٍ فيما
ذكر ابنُ القاسم. وقال الثورىُّ: يَجعلُ السيدُ ما أُعطَاه فى الرقابِ . وهو
قولُ مسروقٍ ، والنخعىّ، وروايةٌ عن شريح(١) . وقالت طائفةٌ: ما قتض منه
السيِّدُ، فهو له، وما فضَل بيدِه بعدَ العجزِ، فهو له دونَ سيِّدِه. وهذا قولُ
بعضٍ مَن ذهَب إلى أن العبدَ يَملِكُ . وقال إسحاقُ : ما أُعطِىَ لحالِ الكتابةِ
رُدَّ على أربابِهِ .
وهذه المسائلُ كلَّها فى معنَى الحدیثِ المذکورِ فی هذا البابِ فی
قصةٍ بَرِيرَةً، فلذلك ذكَرناها ، وأما فروُ مسائلِ المكاتَبِ ، فكثيرةٌ جدًّا،
لا سبيلَ فى مثلِ تأليفِنا هذا إلى إيرادِها على شرطِنا . وبالله توفيقُنا .
وفيه أيضًا أن عقدَ الكتابةِ مِن غيرِ أداءٍ لا يُوجِبُ شيئًا مِن العتقِ ، خلافَ
قولٍ مَن جعَله غريمًا مِن الغُرماءِ، وقد مضَى ذكرُ ذلك عندَ ذکرٍ قولٍ مَن
قال: يَعيِقُ منه بقدرِ ما أدَّى(٢) . والدليلُ على أن عقدَ الكتابةِ لا يوجبُ
القبس
(١) فى الأصل: ((عنها)).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٢٣/٦.
(٣) ينظر ما تقدم ٣٠٠- ٣٠٤.
٣٠٩

الموطأ
.
التمهيد عتقًا، أن النبيَّ وَ لِّ قد أجاز بيعَها، ولو كان فيها شىءٌ مِن العتقِ ما أجاز
B
بيعَ ذلك، إذ مِن سنتِه المُجتَمَع عليها ألّا يُياعَ الحرّ.
وأما قولُ هشام بن عروةَ فى حديثه هذا: ((خُذِيها واشتَرِطى لهم
الولاءَ، فإِنَّما الولاءُ لمن أَعتَقَ )). فكذلك روَاه جمهورُ الرواةِ عن مالكٍ:
((واشترطى لهم الولاءَ)). ورواه الشافعى ، عن مالك ، عن هشام ، پاسنادِه
ولفظه، إلا أنه قال: ((أشْرِطى لهم الولاءَ)). ذكر ذلك عنهم
الطحاوىُّ(١)، فلم يُدخِلِ التاءَ. قال الطحاوِىُّ: ومعنى: ((أشرِطى لهم
الولاءَ)). أى: أُظهِرى لهم حكمَ الولاءِ. ((فإِنَّما الولاءُ لمن أعتَقَ)). أى:
أظهرِى لهم ذلك، وعرّفيهم أن الولاءَ لمن أعتَقَ؛ لأنَّ الإشراطَ هو الإظهارُ
فى كلامِ العربِ، قال أوسُ بنُ حَجَرٍ (٢):
وألقَى بأسبابٍ له وتَوَّلا(٣)
فاَشْرطَ فيها نفسه وهو مُعصِمٌ
يعنى : أَظهَر نفسَه لِما حاول أن يفعلَ .
قال: وأمَّا روايةُ سائرِ الرواةِ عن مالك فى ذلك: (( واشتَرطِى لهم
الولاءَ)). فيحتمِلُ أن يكونَ: ((اشتَرطِى لهم الولاءَ)). أى: اشتَرطِى عليهم
القبس
(١) الطحاوى فى شرح المشكل (٤٣٩٣).
(٢) ديوانه ص ٨٧.
(٣) مُعْصم: معتصم، والأسباب، جمع سبب: وهو الحبل. اللسان (س ب ب، ع ص م) ..
٣١٠

الموطأ
الولاءَ أَنَّه لكِ إِذا(١) اشتَرَيتِ وَأَعْتَقْتِ. كقوله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنْ التمهيد
[الإسراء: ٧]. بمعنى: عليها. وكقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾
أَسَأْتُ فَلَهَا﴾
[غافر: ٥٢]. يعنى: عليهم اللعنةُ. قال: ويجوزُ أن يكونَ معناه الوعيدَ،
كقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ﴾ [الإسراء: ٦٤].
قال أبو عمرَ: ليس فى حديثِ الشافعىِّ عندَنا مِن روايةِ المزنيّ إلَّا:
((اشتَرِطى)). بالتاءِ. فاللهُ أعلمُ .
وقال أبو بكرِ بنُ داودَ: قولُ رسولِ اللهِ وَله: ((اشتَرِطى لهم
الولاءَ، فإِنَّما الولاءُ لمن أعتَقَ)). معلوم أنَّه لم يكنْ إلا بعدَ تحريم
اشتراطِ الولاءِ؛ لأنَّه لا يجوزُ فى صفتِهِ وَ لّهِ أَن يَأْمُّرَ بتركِ شىءٍ ثم يُخبِرَ
أنَّه لمن ترَكه بغيرِ سببٍ حادثٍ من المتروكِ له. قال: وإنَّما معناه :
اشتَرِطِى لهم الولاءَ، فإنَّ اشتراطَهم إِيَّه بعدَ علمِهم بأنَّ اشتراطَه لا
يجوزُ، غيرُ ضائِرٍ لكِ ولا نافع لهم، لا أَنَّه ◌ِلّهِ أَمَر باشتِراطِ الولاءِ لهم
لِيقَعَ البيعُ بينَها وبينَهم، فيبطُلَ الشرطُ ويصحَّ البيعُ وهم غيرُ عالمينَ بأنَّ
اشتراطَهم ذلك لأنفسِهم غيرُ جائٍ لهم؛ لأنَّ هذا مكرّ وخديعةٌ لهم،
ورسولُ اللهِ وَ لِّ أَبعدُ الناسِ مِن أَن يَفعلَ ما يَنْهَى عن فعلِه، أو يرضَى
لنفسِه ما لا يرضَاه لغيره، وإنَّما كان هذا القولُ منه تهدُّدًا لمن رغب عن
القبس
(١) فى م: ((أى)).
٣١١

الموطأ
التمهيد محكمِه، وخالفَ عن أمرِه، وأقدَمُ(١) على فعلِ ما قد نَهَى عن فعلِه،
وتهاونًا بالشرطِ إذ كان غيرَ نافع لمشترطِه، قال الله عز وجل: ﴿قُلِ
أُدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الظُّرِّ عَنكُمْ وَلَا
تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. واللهُ عز وجل لم يُجِزْ للمشركين كيدَ الأنبياءِ
والمرسلين، ولا أباح لهم أن يكونوا بدُعاءِ الأصنام معتصِمين، وإنَّما
أعلَمهم أنَّ ذلك غيرُ ضائِرٍ للمؤمنين، ولا نافع للمشركين. قال: ومثلُه
قولُه تعالى ذكرُه: ﴿قُلِ ادْعُواْ شُرَّكَآءَ كُمْ ثُّ كِيدُونٍ فَلاَ تُنْظِرُونِ (٤٥) إِنَّ وَلِفِىَ
اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ اَلْكِنَبَ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥، ١٩٦]. وكذلك قولُ هودٍ :
﴿إِ تَوَكَّتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَئِّگر) الآية [هود : ٥٥، ٥٦]. وهذا ليس بأمرٍ ولا
إغراءٍ، ولكنه تهاونٌ بكيدِهم، واستخفافٌ بتوعُدِهم ، وإظهارٌ لعجزِهم.
وذكّر آياتٍ كثيرةٌ مِن هذا البابِ، وقال: هذا البابُ مشهورٌ فى كلام
العرب ، یستعملُه منهم من فلج بحجته(٢) ، وأَمِن مِن کیدٍ خصمِه، قال
المتلمّسُ يهجو عمرو بنَ هندٍ حين قتَل طرفةً بنَ العبدِ، يُخبِرُ أنه غيرُ خائفٍ
مِن توعُدِه، ولا جازعٍ مِن تهدُّدِه (٣) :
فإِذا حَلَلْتُ ودون بيتىَ غارةٌ(1)
فاتُقْ بأرضِك ما بدا لك وازْعُدِ
القبس
(١) فى الأصل: ((يقدم)).
(٢) فلج بحجته: ظفر وفاز. ينظر القاموس المحيط (ف ل ج).
(٣) ديوان المتلمس ص ١٤٧.
(٤) فى النسخ: ((غارة)). والمثبت من الديوان، والغاوة: اسم جبل، وقيل: قرية بالشام .=
٣١٢

الموطأ
قال : فليس هذا القولُ أمرًا منه له بالدوام على تهدُّدِه، ولا نهيًا له عن التمهيد
الإقامةِ على تخويفِه وتوعُدِه، وإنَّما هو إعلامُ أنَّ إيعادَه غيرُ ضائِرٍ له، وأنَّ
مكائدَه غيرُ لاحقةٍ به. قال: وكذلك قولُه: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم
بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمِ بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ
وَعِدْهُمْ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الإسراء: ٦٥].
فهذا كلَّه داخلٌ فى بابِ التهاونِ والتحذيرِ، خارجٌ مِن بابِ الإباحةِ
والتفويضٍ ، ومِن معنَى الإغراءِ والتحريض؛ لأنَّه قد أخبَر عزَّ وجلَّ أنَّ فعلَه
ذلك غيرُ ضائرٍ لمن تولّاه مِن عبادِه وأحبّ هدايته، وأنَّه لا سُلطانَ له
عليهم، وكَفى بربِّكَ وكيلًا.
أخبرنا محمدٌ، حدَّثنا علىّ، حدَّثنا أبو محمدٍ یحیی بنُ محمدِ بنِ
صاعدٍ ، وأبو سهلِ بنُ زيادٍ، وعثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقَّقُ، قالوا: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنى أبو ثابتٍ ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ
وهبٍ، قال: أخبرنى مالكٌ، أَنَّه سأل ابنَ شهابٍ عن رجلٍ خطَب على
عبدِه وليدةً قومٍ، واشترَط أنَّ ما ولَدتِ الأمةُ مِن ولدٍ فلی شطرُه، وقد
أعطَاها العبدُ مهرَها؟ قال ابنُ شهابٍ: هذا مِن الشرطِ الذى لا نزَى له
القبس
= وقال ابن السكيت: قرية قرب حلب. معجم البلدان ٣/ ٧٧٠.
٣١٣

الموطأ
التمهيد جوازًا . قال: وقال ابنُ شهابٍ: أخبرَنى عروةُ بنُ الزبيرِ، أنَّ عائشةَ قالت :
قام رسولُ اللهِ وَلِّ فخطَب الناسَ، فقال: ((يا معشرَ المسلمينَ، ما بالُ
قومٍ يشتَرِطونَ شروطًا ليسَت فى كتابِ اللهِ؟ مَن اشتَرَطَ شرطًا ليس فى
كتابِ اللهِ ، وإن كان شرَّط مائةَ شرطٍ ، فليس له شرطٌ، شرطُ اللهِ أحقُّ
وأوثقُ)).
قال أبو الحسن : هذا حديث صحيح غريبٌ مِن حديث مالك ، تفرَّدَ
به إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، عن أبى ثابتٍ .
قال أبو عمرَ: وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ بيعَ الأمةِ ذاتٍ
الزوجِ ليس بطلاقٍ لها؛ لأنَّ العلماءَ قد أجمَعوا، ولم تختلِفْ فى ذلك
الآثارُ أيضًا ، أنَّ بَرِيرَةَ كانت إذ اشتَرَتْها عائشةُ ذاتَ زوج، وإنَّما اختلفوا فى
زوجِها ؛ هل كان مًُّا أو عبدًا؟ وقد أجمَع علماءُ المسلمين على أنَّ الأمَّةَ
إِذا أَعْتِقَت وزوجها عبدٌ ، أنَّها تُخيَّرُ. واختلفوا إذا كان زوجها حُرًّا، هل
تُخيَّرُ أم لا؟ وقد ذكّرنا اختلافَهم فى ذلك كلّه، وفی محُكمِها إذا خُيّرت ،
وحکم قُرقتها وعدَّتِها ، وسائر معانيها ، وحجةً كل فرقةٍ منهم، فی بابٍ
ربيعةً مِن هذا الكتاب(١) . والحمدُ للهِ.
وفى إجماعِهم على أنَّ بَرِيرةَ قد خُيَّرَت تحتَ زوجِها بعدَ أن اشترَتها
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٨/١٥ - ١٨.
٣١٤

الموطأ
عائشةُ فأعتَقتها، خَيَّرِها النبيُّ وَ لِّ بِينَ أن تَقَرَّ عندَ زوجِها وبينَ أن يُفْسَخَ التمهيد
نكاحها، وفى تخييرِه لها فى ذلك دليلٌ على أنَّ بيعَ الأُمَّةِ ليس بطلاقِها ؛
لأنَّ بيعَها لو كان طلاقًا ما خُيّرَت وهى مطلقةٌ. وعلى القولِ بأنَّ بيعَ الأُمَّةِ
ليس بطلاقِها ؛ جماعةُ فقهاء الأمصارِ مِن أهل الرأي والحديث ، وجمهورُ
السلفِ . وقد رُوِى عن بعضِهم أنَّ بيعَ الأمَّةِ طلاقُها . ومِمَّن رُوِى ذلك
عنه؛ ابنُ مسعودٍ ، وابنُ عباسٍ (١) . وقال أبو بكرٍ محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ
خزيمةً(١) رحِمَه اللهُ: فى فَتَوَى ابنِ عباسٍ رضِى اللهُ عنه أن بيعَ الأمةِ
طلاقُها، مع روايته لقصةٍ بَرِيرَةَ وتخييرِ رسولِ اللهِ وَّ إيَّها بعدَ البيع
والعتقِ، وشهادتِهِ أَنَّه رأى زوجَها يتبَعُها فى سِككِ المدينةِ ، دليلٌ على أنَّ
المخبِرَ عن النبيِّ وَّهِ بالخبرِ وإن كان فقيهًا عالمًا مُبرَّزًا، قد يَعزُبُ عنه
بعضُ دلائلِ الخبرِ الذى روَاه عن النبيِّ وَلّ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قد عزَب عنه
مع علمِه وفقهِه موضعُ الاستدلالِ بذلك، إذ كان يقولُ: بيعُ الأمةِ
طلاقُها. قال: ومِن هذا البابِ قولُ النبىَّ وَّهِ: ((نضَّر اللهُ امرا سمِع
القبس
٥
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣١٦٩)، وسنن سعيد بن منصور (١٩٤١، ١٩٤٢،
١٩٤٧)، وتفسير ابن جرير ٥٦٥/٦، ٥٦٦، وسنن البيهقى ١٦٨/٧.
(٢) محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمى النيسابورى الشافعى، إمام الأئمة، كان
يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة، له كتاب ((الصحيح)) و ((التوحید»،
وله ((فقه حديث بريرة)) فى ثلاثة أجزاء، توفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء
٣٦٥/١٤.
٣١٥

٠
الموطأ
التمهيد مقَالتِى فوعَاها، ثم أدَّاها ( إِلى مَن) لم يسمَعْها، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعَى له من
سامع )) ) . وروى ابنُ سیرینَ هذا الخبر، وقال: قد والله كان ذلك، رُبَّ
مبلَّغِ كان أَوْعَى للخبرِ مِن سامعِه .
وفيه أيضًا دليلٌ علَى أنَّ مِن شأنِ الخُطبَةِ أن يُقالَ فيها: أمَّا بعدُ .
وقد اختُلِف فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَنَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَضْلَ
اَلْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. فقال قومٌ: فصلُ الخِطابِ: أمَّا بعدُ . وقال آخرون :
فصلُ الخِطابِ : البيّناتُ ، والشُّهودُ ، ومعرفةُ القضاءِ.
وفيه أيضًا أنَّ النبيَّ وَّلّهِ أجاز بيعَ بَرِيرةَ على ذلك الشرطِ الفاسدِ ، وهو
اشتراطُ موالى بَرِيرَةَ لأنفسِهم الولاءَ دونَ عائشةَ وهى المُعتِقةُ، وهذا
خلافُ قولٍ مَن زِعَم أنَّ البيعَ يفشُدُ إذا كان فيه شرطٌ فاسِدٌ . وفى إجازةٍ
النبيِّ بَّهِ البيعَ وشرطَ العتقِ معًا، وإبطالِه شرطَ الولاءِ لغيرِ المعتِقَةِ - دليلٌ
على أنَّ مِن الشروطِ ما يبطُلُ ولا يَلزَمُ ، ولا يَضوُّ البيعَ . والشروطُ فى البيعِ
على وجوه ثلاثةٍ ؛ أحدُها مثلُ هذا، فاسِدٌ ولا يبطُلُ البيغُ لُطلانِه ، بل
يصحُ البيعُ ويبطُلُ الشرطُ . والآخَرُ يجوزُ اشتراطُه ، فيجوزُ البيعُ والشرطُ
ح
القبس
(١ - ١) فى م: ((لمن)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
٣١٦

الموطأ
معًا . والثالثُ قد يكونُ فى البيع شروطٌ يكونُ البيعُ معَها فاسِدًا. ولبيانِ التمهيد
ذلك وبسطِه وتلخيصِه موضعٌ غيرُ هذا.
أخبرنا خلفُ بنُ القاسم وعبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ بنِ أسدٍ، قالا: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أَشْتَةَ الأصبهانيُ المقرئُ، قال: أخبرنا أبو علىّ أحمدُ
ابنُّ محمدِ الصحافُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أيوبَ بنِ زاذانَ الضريرُ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الذُّهلىُ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ
سعيدٍ، قال: قدِمتُ مكةَ، فوجَدتُ بها أبا حنيفةَ وابنَ أبى ليلَى وابنَ
شُبرمةً ، فسألتُ أبا حنيفةً، فقلتُ : ما تقولُ فى رجلٍ باع بيعًا وشرَط
شرطًا؟ فقال: البيعُ باطلٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ أبى ليلَى فسألتُه،
فقال: البيعُ جائزٌ والشرطُ باطلٌ . ثم أتيتُ ابنَ شبرمةَ فسألتُه، فقال: البيعُ
جائزٌ والشرطُ جائزٌ. فقلت: يا سبحانَ اللهِ ! ثلاثةٌ مِن فقهاءِ العراقِ
اختلفتُم فی مسألةٍ واحدةٍ . فأتیثُ أبا حنيفةَ فأخبرتُه، فقال : لا أدرى ما
قالا ، حدّثنی عمرُو بنُ شعیب ، عن أبيه ، عن جده، أن النبى ێ نھی عن
بيعٍ وشرطٍ . البيعُ باطلٌ، والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ أبى ليلَى فأخبرتُه،
فقال: لا أدرى ما قالا ، حدَّثنى هشامُ بنُ عروة، عن أبيه، عن عائشةَ ،
قالت: أمرنِى رسولُ اللهِ وَلِّ أن أشترىَ بَرِيرَةَ فأَعتقَها وإن اشترطَ أهلُها
الولاءَ؛ فإنَّما الولاءُ لمن أعتَق . البيعُ جائزٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ
شُبرمةَ فأخبرتُه، فقال: ما أُدرِى ما قالا ، حدَّثنی مِشْعَرُ بنُ كدامٍ، عن
القبس
٣١٧

الموطأ
التمهيد محاربٍ بنِ دثارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: بعثُ مِن النبيِّ ◌َ لَّهِ ناقةً
وشرّط لى حِلابَها أو ظهرَها إلى المدينةِ. البيعُ جائزٌ والشرطُ جائٌّ(١).
قال أبو عمرَ: كان ذلك مِن رسولِ اللهِ وَ له مع جابرٍ فى غزوة ذاتٍ
الرِّقاعِ، وذلك سنةَ أربع مِن الهجرةِ، كذلك ذكّر ابنُ إسحاقَ(١) ، عن
وهبٍ بن كيسانَ، عن جابرٍ، قال: خرَجتُ مع رسولِ اللهِ مَلّه إلى غزوةٍ
ذاتِ الرِّقاع. وذكر الحديثَ فى شرائِه منه جَمَلَه، ولم يذكُرْ أنه اشتَرطَ
عليه فيه شيئًا ، واضطرابُ ألفاظِ الناقلين لخبرٍ جابرٍ فى ذلك كثيرٌ.
وأما قولُه: ((كلَّ شرطٍ ليس فى كتابِ اللهِ فهو باطلٌ)). فمعناه: كلُّ
شرطٍ ليس فى محكم اللهِ وقضائِه فى كتابه أو سنَّةِ رسولِه ◌َلِّ؛ لأن الله قد
قرّن طاعةً رسولِه بطاعتِهِ فى آياتٍ كثيرةٍ مِن كتابِهِ، وقال اللهُ عزَّ وجلَّ :
﴿كِتَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. يريدُ : حكمُ اللهِ عليكم وقضاؤُه فيكم
أنْ حرَّمَ عليكم ما ذكَّر فى تلك الآيةِ. وقد أخبَر النبىُ وَّ لَهِ أَنَّ قضاءَ اللهِ
وشرطَه أن يكونَ الولاءُ لمن أَعْتَق، ولا يُعلَمُ فى نصٌ كتابِ اللهِ ولا فى
دلالةٍ منه أن الولاءَ للمعتِقِ، وإنَّما ذلك فى سُنَّةِ رسولِ اللهِ المأثورةِ عنه
بنقلِ أهلِ العدالةِ مِن جهةِ الخبرِ الخاصِ. ولما أمَر اللهُ عزَّ وجلّ باتباع
٦٫٠
القبس
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٤٣٦١)، والحاكم فى معرفة علوم الحديث ١٢٨/١ من
طریق عبد الله بن أيوب به .
(٢) ابن إسحاق (٢٠٦/٢، ٢٠٧ - سيرة ابن هشام ).
٣١٨

الموطأ
رسولِهِ وَِّه جاز أن يُقالَ لكلِّ محكمٍ حكم به رسولُ اللهِ وَلِّ: حكمُ اللهِ التمهيد
وقضاؤُه. ألا ترَى إلى حديثِ الزهرىِّ ، عن عبيدِ اللهِ، عن أبى هريرةَ ،
وزيدِ بنِ خالدِ الجهنىٌّ، فى الرجلينِ اللذين أتيا رسولَ اللهِ وَلّ فقالا : یا
رسولَ اللهِ ، اقضِ بينَنا بكتابِ اللهِ . فقال رسولُ اللهِ وَ له: (( والذى نفسِی
بيدِه، لأَقضِيَنَّ بينكما بكتابِ اللهِ، أمَّا المائةُ شاةٍ والخادمُ فرَدٌّ عليك،
وعلى ابنِك ◌َلْدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ)) (١). فقد أقسَم رسولُ اللهِ وَّهِ أَن
يقضىَ بينَهما بكتابِ اللهِ، وهو صادِقٌ فى قولِهِ وَلّهِ، وليس فى كتابِ اللهِ
أنَّ على الزانى والزانيةِ نفىَ سنةٍ مع الجَلْدِ ، ولا فيه أنَّ على الثيِّبِ الرجمَ،
وهذه الأحكامُ كلَّها إنَّما هى فى سنةِ رسولِ اللهِ وَدِ .
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الشروطَ وإن كثُرت حتى تبلُغَ مائةَ شرطٍ أو
أكثرَ، أَنَّها جائزٌ اشتراطُها ، إذا كانت جائزةً لا يردُّها كتابٌ ولا سُنَّةٌ ، ولا
ما کان فی معناهما ، ألا تریإلی قوله: « کلَّ شرطِ لیس فی کتابِ اللهِ فهو
باطلٌ، وإن كان مائةَ شرطٍ ، قضاءُ اللهِ أحقُّ، وشرطُه أوثقُ، وإنَّما الولاءُ
لمن أَعتَقَ )).
وفى قوله : ((إنَّما الولاءُ لمن أَعتَقَ)). نَفْئُ أن يكونَ الولاءُ إلَّا لمعتِقٍ،
وذلك ينفِى أن يكونَ لمن أسلم على يديه ولاءٌ، أو لملتقِطٍ ولاءٍ، وأن
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٩٤) من الموطأ .
٣١٩

الموطأ
التمهيد يُوالِىَ أُحدٌ أحدًا بغيرِ عَتَاقَةٍ .
وقولُه: ((لمن أُعتَقَ)). يدُلُ فيه الذكر والأُنثَى، والواحدُ والجميعُ؛
لأن ((مَن)) يصلُعُ لذلك كلِّه، إلَّا أَنَّ النساء ليس لهنَّ مِن الولاءِ إِلَّا ولاءَ مَن
أَعْتَقنَ أو عَتيقِه، وقد ذكرنا كثيرًا مِن أحكام الولاءِ مستوعَبةً ممهَّدةً فى
بابٍ ربیعةً مِن هذا الكتاب(١)، فلا وجه لتکریرِ ذلكَ هلهنا .
وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ المُكاتَبَ إذا بيعَ للعتقِ برضًا منه بعد الكتابةِ ،
وقبَض بائعُه ثَمنَه(١)، لم يَجِبْ عليه أن يُعطيَه مِن ثمنِه شيئًا، وسواءٌ باعَه
لعتقٍ أو لغیرٍ عتقٍ ، ولیس ذلك کالسید پُؤدِّی مکاتجه إليه كتابته غيژتیه منها
أو يضعُ عنه من آخرِها نجمًا أو ما شاء، على ما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ به فى
قوله: ﴿وَءَتُوهُم مِّنْ مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. لأن النبيَّ وَلـ
لم يأْمُرْ موالىَ بَرِيرَةً بإعطائها ممَّا قَبَضوا شيئًا، وإن كانوا قد باعوها للعتقِ.
واختلف أهلُ العلم فى معنَى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاتُوهُمْ مِن مَّالِ
اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾. فذهَبَت طائفةٌ مِن أهلِ العلم، وهو قولُ بعضٍ أَهلِ
النظرِ مِن متأخّرِى أصحابِ الشافعىِّ، إلى أنَّ قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاتُهُم
مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾. لم يُرِدْ به سيّدى المُكاتَبِين، وإنَّما هو خطابٌ عامّ للناسِ،
القبس
(١) ينظر ما تقدم ١٩/١٥ - ٤٥.
(٢) سقط من: م.
٣٢٠
٠