النص المفهرس
صفحات 281-300
أهلُك أن أعُدَّها لهم، عَدَدتُها، ويكونَ لى ولاؤُكِ، فعلتُ. فذهبتْ الموطأ
بَرِيرَةُ إلى أهلِها ، فقالت لهم ذلك ، فأبوا عليها ، فجاءت مِن عندِ أهلِها
ورسولُ اللهِ وَ لّهِ جالسٌ، فقالت لعائشةً: إنى قد عَرَضتُ عليهم ذلك
فأبوا علىَّ، إلا أن يكونَ الوَلاءُ لهم. فسَمِع ذلك رسولُ اللهِ وَلَّه
فسألها، فأخبرته عائشةُ، فقال رسولُ اللهِ اِّهِ: ((خُذِيها واشتَرِطى
لهم الوَلاءَ ، فإِنَّمَا الوَلاءُ لمَن أَعتَق)) . ففعَلت عائشةُ، ثم قام رسولُ اللهِ
وَالر فى الناسِ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أمَّا بعدُ، فما بالُ
رجالٍ يُشترطُون شروطًا لیست فی کتابِ اللهِ ؟ ما کان مِن شرط لیس
فى كتابِ اللهِ فهو باطلٌ، وإن كان مائةَ شرطٍ ، قضاءُ اللهِ أُحقٌّ ،
وشرطُ اللهِ أوثقُ، وإنما الوَلاءُ لمَن أَعتَق)).
فَأُعِينينِى. فقالت عائشةُ: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم ويكونَ ولا ؤُكِ لى، التمهيد
فعَلتُ . فذهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهلِها ، فقالت لهم ذلك ، فأبَوْا عليها ، فجاءت
مِن عندٍ أهلِها ورسولُ اللهِ وَلِّ جالسٌ، فقالت لعائشةَ: إِنِّى قد عرَضْتُ
عليهم ذلك فأبَوا إلّا أن يكونَ الولاءُ لهم. فسمِع ذلك رسولُ اللهِ وَه ،
فسألها، فأخبَرَتْه عائشةُ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( خُذيها واشتَرِطِى لهم
الوَلاءَ ، فإنَّما الولاءُ لمن أَعتَقَ)). ففعلَتْ عائشةُ، ثم قامَ رسولُ اللهِ وَلآتِفِى
الناسِ، فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: ((أمَّا بعدُ، فما بالُ رجالٍ يَشترِطونَ
شروطًا ليست فى كتابِ اللهِ؟ ما كان مِن شرطٍ ليس فى كتابِ اللهِ
القبس
٢٨١
٧
الموطأ
فهو باطلٌ، وإن كان مائةَ شرطٍ ، قضاءُ اللهِ أحَقُّ، وشرطُ اللهِ أَوْثَقُ ، وإنَّما
التمهيد
الولاءُ لمن أعْتَقَ »(١).
قال أبو عمرَ: الكلامُ فى حديثٍ بَرِيرَةَ قد سبق كثيرٌ مِن الناسِ إليه،
وأكثروا فيه مِن الاستِنباطِ ، فمنهم مَن جَوَّد، ومنهم مَن خلِّط وأتَى بما
ليس له معنى ؛ كقولٍ بعضِهم: فيه إباحةُ البُكاءِ فى المحبَّةِ ؛ لُكاءِ زوجٍ
بَرِيرَةَ . وفيه قبولُ الهديَّةِ بعدَ الغضَبِ . وفيه إباحةُ أكلِ المرأةِ ما تُحبُّ دونَ
بعليها . وفيه إباحةُ سؤالٍ الرجلِ عمَّا يَراه فى بيته مِن طعامٍ . إلى كثيرٍ مِن مثلٍ
هذا القولِ الذى لا معنَى له فى الفقهِ والعلم عندَ أحدٍ مِن العلماءِ. ونحن
بحمدِ اللهِ وعونِهِ نذكُرُ هلهنا ما فى حديثها مِن الأحكامِ التى تُوجِبُه ألفاظُه ،
ونُبيِّنُ ما رُوِىَ ممَّا يُعارِضُه ويُوافقُه، ونُوضِّحُ القولَ فيه بمَبلَغ علمِنا، على
مذاهبٍ أهلِ العلم، مُختصَرًا كافيًا، إلى ما قَدَّمْنا مِن القول فى كثيرٍ مِن
أحكامٍ حديثٍ بَرِيرَةً فى بابٍ ربيعةً (١) . وباللهِ عونُنا ، لا شريكَ له .
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ استِعمالُ عُموم الخِطابِ فى قوله :
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/١٦و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٧٤٤).
وأخرجه الشافعى ١٢٦/٤، ١٨٥/٦، والبخارى (٢١٦٨، ٢٧٢٩)، وأبو يعلى (٤٤٣٥)،
وأبو عوانة (٤٧٨٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤ / ٤٥، وفى شرح المشكل (٤٣٦٨)، وابن
حبان (٤٣٢٥)، والبيهقى ٢٩٥/١٠، ٣٣٦ من طريق مالك به.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥/١٥ - ٦٣ .
٢٨٢
الموطأ
﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]. لأنه دخَل فى ذلك الأمةُ ذاتُ الزوج وغيرُها؛ التمهيد
لِأَن بَرِيرَةَ كانت ذاتَ زوج خُيُّرَتْ تحتَه إذ أَعْتِقَتْ . وفيه جوازُ كتابةِ الأَمَةِ
دُونَ زوجِها ، وفى ذلك دليلٌ على أنَّ زوجها ليس له منعُها مِن السَّغي(١) فى
كتابتها . ولو استدلَّ مُستدِلٌّ مِن هذا المعنَى بأنَّ الزوجةَ ليس عليها خدمةٌ
زوجها، كان حسنًا . وفيه دليلٌ على أنَّ العبد زوج الأمةِ ليس له منعها من
الكِتابَةِ التى تَقُولُ إِلى عتقِها وفِراقِها له، كما أنَّ لسيِّدِ الأَمَةِ عِثْقَ أَمَتِه تحتَ
العبد ، وإن أدَّى ذلك إلى إبطالٍ نکاچه ، و کذلك له أن يبيع أمته مِن زوجها
الحُرِّ ، وإن كان فى ذلك بُطلانُ نكاحِه . وفيه دليلٌ على جوازِ نكاح العبدِ
الحرةَ؛ لأنَّها إذا خُيّرَتْ فاختارَتْه بَقِيَتْ معه، وهى حرةٌ وهو عبدٌ .
وفيه أن المكاتَبَ جائزٌ له السؤالُ والسعى فى كتابته والتكسُّبُ
بذلك، وجائِزٌ لسيِّدِه أن يُكاتِبَه وهو لا شىءَ معَه، ألا تَرَى أَنَّ بريرَةَ جاءَت
عائشةَ تُخبِرُها بأنَّها كاتبَت أهلَها وسألَتها أنْ تُعينَها ، وذلك كان فى أولٌ
كِتابِتِها قبلَ أن تُؤدِّىَ منها شيئًا . كذلك ذكَر ابنُ شهابٍ، عن عروةً فی
هذا الحديث .
روى ابن وهب ، عن يونس واللیث ، عن ابن شهاب ، عن عروةً ، عن
عائشةَ قالت : جاءَتْ بَرِيرَةُ إِلىَّ فقالت: يا عائشةُ، إِنِّى كاتَبْتُ أهلى على
القبس
(١) فى م: ((البيع)).
٢٨٣
الموطأ
التمهيد تسعٍ أواقِيٍّ، فى كلِّ عامٍ أُوقِيّةٌ، فأعينينى. ولم تكنْ قضَت مِن كتابتِها
شيئًا ، فقالت لها عائشةُ: ارجِعى إلى أهلِك، فإِنْ أَحَبُّوا أن أُعطِيّهم ذلك
جميعًا، ويكونَ ولاؤُكِ لى، فعَلتُ. فَذَهَبتْ بَرِيرَةُ إلى أهلِها، فعرَضَت
ذلك عليهم ، فأبَوْا، وقالوا : إن شاءَت أن تَحتسِبَ عليكِ فلتفعَلْ، ويكونَ
ولاؤُكِ لنا، فذكّرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ وَّر، فقال: ((لا يمنَعُكِ ذلك
منها ، ابتَاعِى وأعتِقى، فإنَّما الولاء لمن أعتَقَ )). ففعَلتُ، وقام رسولُ اللهِ
رَوَ فِى الناسِ، فحمِدَ الله، ثم قال: ((أمَّا بعدُ، فما بالُ رجالٍ يَشترِطونَ
شُروطًا ليست فى كتابِ اللهِ؟ من اشترط شرطًا ليس فى كتابِ اللهِ، فهو
باطلٌ، وإن كان مائةً شرطٍ ؛ قضاءُ اللهِ أحَقُّ، وشَرطُ اللهِ أوْثَشُ، وإنَّما
الوَلاءُ لمن أَعْتَقَ »(١) . ففى حديث ابن شهابٍ هذا عن عروةَ، أَن بَرِيرَةً لم
تک قضتْ مِن کتابتها شيئًا حتی جاءتْ تستعينُ عائشةً، وفى هذا دليلٌ
على إجازةٍ كتابةِ الأُمَّةِ وهى غيرُ ذاتٍ صَنْعَةٍ ، ولا حرفَةٍ ، ولا مالٍ ، إذْ ظاهِرُ
هذا الخبرِ أنها ابتدَأتْ بالسؤالِ مِن حينَ كوتِبَتْ، ولم يقلِ النبيُّ وَّ حينَ
سمِع أنها كوتِبَتْ : هل لها كَسْبٌ يُعلَمُ؟ أو: عَمَلٌ واجبٌ؟ أو: مالٌ ؟ ولو
كان هذا واجبًا لسألَ عنه ليقَعَ محُكمُه عليه؛ لأنه بُعِثَ مُبِينًا ومُعلِّمًا، وَّتِ،
وهذا يُبيِّنُ ما رواه ابنُ وهبٍ، عن مسلمِ بنِ خالدٍ، عن العلاءِ بنِ
1
٤
القبس
(١) أخرجه النسائى (٤٦٧٠)، وأبو عوانة (٤٧٩١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٣/٤،
والبيهقى ٢٤٨/٧ من طريق ابن وهب به .
٢٨٤
الموطأ
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أَنَّ النبىَّ بَِّ نَهى عن كَسْبِ التمهيد
الأَمَةِ ، إِلَّ أنْ يكونَ لها عَمَلٌ واجِبٌ، أو كَشْبٌ يُعرَفُ وجهُه(١) .
وقد روَی شعبةُ، عن محمدِ بنِ مُحَادً، عن أبى حازم، عن أبى
هريرةَ، قال: نهى رسولُ اللهِ وَلّهِ عن كَشْبِ الإماءِ(١).
وهذا وما كان مثلَه يكونُ خوفًا عليهنَّ أن يكتسِبنَ بفروجهنَّ.
وروَى أحمدُ بنُ حنبلٍ(٣)، عن هاشمٍ بن القاسم، عن عكرمةً بنِ
عمارٍ، عن طارقٍ بنِ عبدِ الرحمنِ القُرشيّ ، قال : جاء رفاعةُ بنُ رافعٍ إلى
مجلسِ الأنصارِ فقال: نَهانا رسولُ اللهِ وَلّهِ عِن كَسْبِ الأَمَةِ إِلَّ ما عمِلتْ
بيدِها . وقال هكذا بأصابعِه ؛ نحوَ الخَبزِ والغَزْلِ والنَّفْشِ().
وهذا نحوُ ما جاء عن عثمانَ رضِى اللهُ عنه مِن النهي عن ذلك ؛ لئلا
يكتسِينَ(٥) بفروجِهنَّ(١) ، على ما كُنَّ يصنَعنَ بإذنِ مواليهِنَّ وبغيرِ إذنِهم فى
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٨/٨ من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٤٣/١٣ (٧٨٥١)، والدارمى (٢٦٦٢)، والبخارى (٢٢٨٣، ٥٣٤٨)،
وأبو داود (٣٤٢٥) من طريق شعبة به .
(٣) أحمد ٣٣٦/٣١ (١٨٩٩٨) من حديث رافع بن رفاعة. وينظر الاستيعاب ٢/ ٤٨٠،
والإصابة ٢/ ٤٣٧، ٤٣٨.
(٤) النفش: هو ندف القطن والصوف. النهاية ٩٣/٥.
(٥) فى الأصل: ((یکسین)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٩٠٧).
٢٨٥
الموطأ
التمهيد الجاهليةِ مِن البغاءِ. وأمَّا المُكاتَبةُ ، فليسَت من ذلك فى شىءٍ ؛ لأنَّها قد
أُبیح لها السؤال ، لانفرادِها بکسیها دون موالیھا ، ونُدِب الناسُ إلی عون
المُكاتَبِينَ ؛ لما فى ذلك مِن فكِّ الرّقابِ مِن الرِّقِّ، وسنُبيِّنُ هذا ونوضِّحُه
إن شاء اللهُ. وفى هذا رَدِّ على مَن قال: لا تجوزُ كتابةُ المكاتَبِ حتى
يكونَ له مالٌ. واحتَجَّ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾
[النور: ٣٣]. رُوِىَ عن جماعةٍ؛ منهم ابنُ عباسٍ، وعطاءٌ، فی قولِ اللهِ عز
وجل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾. قال: المالُ(١). وعن عمرو بنِ دينارٍ:
المالُ والصلاحُ(١) . وقال مجاهدٌ: الغِنَى والأداءُ(١) . وكان ابنُ عمرَ يَكرَهُ
أن يُكاتِبَ عبده إذا لم تكنْ له حرفةٌ(٤) . وقال إبراهيمُ النخعىُّ فى قولِه :
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: صدقًا ووفاءً(٥) . وقال عكرمةُ : قوةً. وقال
الثورىُّ: دينًا وأمانةً. وقال الشافعىُ: إذا جمَع القوةً على الاكتساب
والأمانةِ. قال الشافعىُّ : وليس الخيرُ هلهَنا المالَ فى الظاهرِ؛ لمعنیینِ؛
أحدُهما ، أنَّ المالَ يكونُ عندَه لا فيه . والثانى ، أنَّ المالَ الذى فى يدِه
لسيِّدِه، فكيف يُكاتِبُه بمالِه، ولكن يكونُ فيه الاكتِسابُ الذى يفيدُه
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٥٧٠)، وتفسير ابن جرير ٢٨٠/١٧ - ٢٨٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٧٠)، وابن جرير فى تفسيره ٢٨٠/١٧.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٢٠٠، ٢٠١، وابن جرير فى تفسيره ٢٧٩/١٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٨٥)، وابن جرير فى تفسيره ٢٧٨/١٧.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٢٠٢، وابن جرير فى تفسيره ٢٨٠/١٧.
٢٨٦
الموطأ
المالُ . قال: وسواءٌ ذُو الصَّنعةِ وغيرِها من عبدٍ أو أمَةٍ. ذكَر ذلك كلَّه التمهيد
المزنىُّ، عن الشافعيّ فى ((المختصَرِ الكبيرِ)). وذكر الربيعُ، عن الشافعىِّ
قال: قد يكونُ المُكاتَبُ قويًّا على الأداءِ بما فرَض اللهُ له فى الصدَقاتِ،
فإِنَّ اللهَ فَرَض فيها للرّقابِ، وهم عندنا المُكاتَبون. قال: ولهذا لم أكرَةْ
كتابةَ الأمةِ غيرِ ذاتِ الصَّنعَةِ ، مع رغبةِ الناسِ فى الصدقةٍ على المُكاتَبِين
تطوعًا . قال: ولا تُشبِهُ الكتابةُ أن تكلَّفَ الأمَّةُ الكسبَ ؛ لأنَّها لا حقَّ لها
حينَذٍ فى الصدقاتِ، ولا رغبةً للناسِ فى الصدقةِ عليها كرغبتهم فى
الصدقةٍ على المكاتبةِ .
وذكَر سعيدُ بنُ منصورٍ، عن هُشَيْمٍ، عن يونسَ بنِ عبيدٍ، قال: كنَّا
جلوسًا عندَ الحسنِ، وعندَه أخوه سعيدُ بنُّ أبى الحسن، فتذاكونا هذه
الآيَةَ: ﴿فَكَلِبُهُمْ إِنْ عَلِّمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا﴾. فقال سعيدٌ: إن كان عندَه مالٌ
فکاتته، وإن لم یکنْ عنده مالٌ، فلا تُعَلِّقْه صحیفةً یغذُو بها على الناسِ
ويروحُ، فيسألُهم فيُحرِجُهم فيُؤْثِمُهم. فقال الحسنُ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ
خَيْرًا﴾: صدقًا وأمانةً، مَن أعطاه كان مأجورًا، ومن سُئِل فرَدَّ خيرًا كان
(١)
مأجورًا(١).
قال أبو عمرَ: قد رخّص مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُ، فى مُكاتَبةٍ
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٣٨/١٠، من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن
یونس به مختصرًا .
٢٨٧
الموطأ
التمهيد مّن لا حِرفةً له ، وإن كان قد اختلف قول مالكٍ فى ذلك . وكره الأوزاعىُّ ،
وأحمدُ ، وإسحاقُ ، مكاتبةَ مَن لاحِرفةً له. ورُوِىَ نحو ذلك عن عمرٌ،
وابنِ عمرَ، ومسروقٍ(١). والحجّةُ فى السنةِ لا فيما خالفَها .
وفى حديثٍ بَرِيرَةً هذا دلالةٌ على أنَّ قولَ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ
فِيهِمْ خَيْرًا﴾. أنَّه الكسبُ؛ لأَنَّ النبيَّ ◌َه لم يَسأَلْ بَرِيرَةَ: أمعكِ مالٌ أم
لا؟ ولم يَنْهَها عن السؤالِ، وقد يكونُ الكسبُ بالمسألةِ، وقد قيل:
المسألةُ أَخِرُ كسبٍ المؤمنِ(٢) . وقد كوِبَت بَرِيرَةُ ولم يُعلَمْ لها كسبٌ
واجبٌ، واللهُ أعلمُ، ولم ينكِزْه النبىّ ◌َر.
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على إجازةٍ أخذِ السيدِ نجومَ(٢) المكاتبِ مِن
مسألةِ الناسِ؛ لِتَرَكِ النبيِّ ◌َ﴿ِ زجرَها(٤) عن مسألةٍ عائشةً، إذ كانت
تستعينُها فى أداءٍ نَجْمِها، وهذا يردّ قولَ مَن كَرِه كتابةً المكاتَبِ الذى
يسألُ الناسَ، وقال: تُطعِمُنى أوساخَ الناسِ ! وليس كما قال، ولا كما
القبس.
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق ٣٧٤/٨، وتفسير ابن جرير ٢٧٨/١٧.
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٥٩٠) من الموطأ.
(٣) تنجيم الدين: هو أن يقدر عطاؤه فى أوقات معلومة متتابعة، مشاهرة أو مساناة، ومنه
تنجيم المكاتب ونجوم الكتابة، وأصله أن العرب كانت تجمل مطالع منازل القمر ومساقطها
مواقيت لحلول دهونها وغيرها، اللسان (ن جم ).
(٤) فى م: ((وجوها)).
٢٨٨
الموطأ
ظَنَّ؛ لأنَّ ما طاب لبَرِيرَةَ أخذُه، كان لسيدِها قبضُه منها(١) فى الكتابةِ؛ التمهيد
لأنه داخِلٌ عليه مِن غيرِ الجِهَةِ التى دخَل عليها . وقد بيّنا هذا المعنى فى
بابٍ ربيعةً (١) عندَ ذكرِ اللحم الذى تُصُدِّقَ به على بَريرةَ، فقال رسولُ اللهِ
مَ﴾: («هو عليها صدقةٌ، ولنا هديةٌ)). وكيف لا يبدُرُ الناسُ إلى إعطاءٍ
المكاتبِ، ويَطيبُ له ما أُعطِىَ، فيصيرُ مالَه ويُؤدِّيه عن نفسِه، والنبيُّ وَل
قد حَضَّ علی إعطائِه، وندب إلی ذلك .
روَى سهلُ بنُ حنيفٍ وغيرُه، عن النبيِّ وَ ل﴿ أَنَّه قال: ((مَن أعان غازیًا
فى سبيلِ اللهِ، أو غارِمًا فى عُسرتِه، أو مكاتَّبًا فى رقبته، أظلَّه اللهُ فى ظلِّه
يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظلَّه)»(٢) .
وقد روَى عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْسَجَةً، عن البراءِ بنِ عازبٍ قال : جاء
أعرابيّ إلى النبيِّ وَ لَه فقال: يا رسولَ اللهِ، علِّمْنى عملًا يُدخلُنى الجنةَ.
قال: ((لئن كنتَ أَقَصَرتَ فى الخطبةِ، لقد أعرضْتَ فى المسألةِ ، أعتِقِ
التَّسَمةَ، وفُكَّ الرقبةَ)). قال: أو ليسا واحدًا؟ قال: ((لا، عِتَقُ النَّسَمةِ أن
تُفْرِدَ عتقَها، وفَكُّ الرقبةِ أَن تُعِينَ فى ثمنِها ». وذكر تمامَ الحديثِ(٤).
القبس
(١) فى م: «عنها)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٩/١٥ - ٦٣.
(٣) أخرجه أحمد ٣٦٢/٢٥، ٣٦٣ (١٥٩٨٦، ١٥٩٨٧)، وعبد بن حميد (٤٧٠)،
والطحاوى فى شرح المشکل (٣٨١٨) من حديث سهل بن حنيف.
(٤) أخرجه الطيالسى (٧٧٥)، وأحمد ٦٠٠/٣٠ (١٨٦٤٧)، والبخارى فى الأدب =
٢٨٩
(موسوعة شروح الموطأ ١٩/١٩)
الموطأ
التمهيد
ولو کان غیر جائز للسید أن یأخذَ مِن مکاتبه مَا تُصُدِّقَ به علیه ، لکان
محظورًا أیضا علی کلّ غنی أن یأخُذَ مِن الفقیرِ ما تُصُدِّق به علیه ، ولو كان
ذلك كذلك ما انتفَع الفقيرُ بشىءٍ يأخُذُه مِن المالِ ، ولضاق عليه التصرفُ
فیه والانتفاع به ، وهذا ما لا يخفى فساده على أحدٍ ، وحسبك برسولِ اللهِ
قَالَّ كان قد حرَّم اللهُ عليه الصدقةَ، ولم يمتَنَعْ لذلك مِن قبولٍ هديةِ بَريرةً
مما تُصدِّق به عليها .
حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ بنِ ثعلبةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارِ بُندارٌ،
قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ غندرٌ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ ، عن
أنسٍ، عن النبيِّ وَلِّ أَنه ◌َتِى بلحم، قالوا: إنه تُصدِّقَ به على بَرِيرَةَ. فقال:
((هو لها صدقةٌ، ولنا هديّةٌ))(١).
واختلف العلماءُ فى الكتابةِ ، هل تجبُ فرضًا على السيدِ إذا ابتَغاها العبدُ
وعَلِم فيه خيرًا؟ فقال عطاءٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ: ما نَرى ذلك إلَّا واجبًا (٢).
القبس
= المفرد (٦٩) من طريق عبد الرحمن بن عوسجة به.
(١) أخرجه البخارى (٢٥٧٧)، ومسلم (١٧٠/١٠٧٤) من طريق ابن بشار به، وأخرجه
أحمد ٣٣١/١٩، ٢٢٤/٢٠ (١٢٣٢٤، ١٢٨٥٨) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه
أحمد ٢٠٢/١٩ (١٢١٥٩)، والنسائى (٣٧٦٩) من طريق شعبة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٧٦)، وإسماعيل بن إسحاق - كما فى تغليق التعليق ٣٤٨/٣.
٢٩٠
الموطأ
وهو قولُ الضحاكِ بنِ مزاحم، قال: هى عَزْمةٌ(١) . وإلى هذا ذهَب داودُ. التمهيد
واحتَجَّ بظاهرِ القرآنِ فى الأمرِ بالكتابةِ ، واحتَجَّ أيضًا بأنَّ سيرينَ أبا محمدٍ
ابنِ سيرينَ سأل أنسَ بنَ مالك، وهو مَولاه ، الكتابةَ ، فأتى أنس ، فرفَع عليه
عمرُ الدِّرَّةَ، وتلا: ﴿فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. فكاتبَه
أنس(٢) . وقال داودُ: ما كان عمرُ ليرفَعَ الدِّرَّةَ على أنسٍ فيما له مباح ألا
يفعَلَه. وحجةُ قائلى هذه المقالةِ ظاهرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَكَِّبُوهُمْ إِنْ
عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. وهذا أمرٌ، وحقيقتُه الوجوبُ، إذا لم يُتَّفقْ على أنه
أُرِيدَ به الندبُ. وقال مالكٌ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ،
والأوزاعىُّ، وأصحابُهم: ليسَتِ الكتابةُ بواجبةٍ ، ومَن شاءَ كاتَبَ ، ومَن
شاءَ لم يُكاتِبْ. وهو قولُ الشعبىِّ، والحسن البصرىِّ، وجماعةٍ . ومِن
محُجتِهم أنَّه لما لم يكنْ عليه واجبٌ أن يبيعَه ولا يهبه، بإجماع، وفى
الكتابةِ إخراج مِلكِه عن يدِه بغيرِ تراضٍ ولا طيبٍ نفسٍ منه، كانتِ الكتابةُ
أحرَى ألّ تچِبَ علیه، و كان ذلك دليلاً على أنَّ الآيةً على الندبِ لا على
الإيجابِ . ويحتمِلُ أن يكونَ فعلُ عمرَ لأنس على الاختيارِ والاستحسانِ ،
لا على الوجوبٍ. وقال إسحاقُ بنُ راهُويَه: لا يسعُ السيدَ إلّا أن يُكاتبِه إذا
اجتمع فيه الأمانةُ والخيرُ، مِن غيرِ أنْ يُجبِرَه الحاكمُ عليه، وأخشى أن يأثمَ
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى تفسير ابن كثير ٦/ ٥٦.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٧٧، ١٥٥٧٨)، وابن جرير فى تفسيره ٢٧٦/١٧.
٢٩١
الموطأ
٠٠
التمهيد إن لم يفعَلْ .
وأمّا قولُها: إنّى كاتبتُ أهلى على تسعِ أواقِيَّ، فى كلّ عامِ أو فِئَّةً . ففيه
دليلٌ على أنَّ الكتابةَ تكونُ (١) بقليلِ المال وكثيره، وتكونُ على أنجم .
وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ العلماءِ، كلُّهم يقولُ فيما علِمتُ : إِنَّ الكتابةَ
محكمُها أن تكونَ على أنجم معلومةٍ . قال الشافعىُّ: أقلَّها ثلاثةٌ . واختلفوا
فى الكتابةِ إذا وقعَت على نَجْم واحدٍ ، أو وَقَعَت حالَّةً، فأكثر أهلِ العلم
يُجيزونها على نجم واحدٍ . وقال الشافعىُّ : لا تجوزُ على نجم واحدٍ ، ولا
تجوزُ حالَّةٌ البتّةَ .
قال أبو عمرَ : ليست كتابةً إذا كانت حالَّةً ، وإنَّما هو عتقٌ على صفةٍ ،
كانَّه قال : إذا أُدَّنْتَ إلىّ كذا وكذا فأنت حوّ.
وقد احتَجّ بهذا الحديثِ - أعنى بقولِه فيه: فى كلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ - مَن
أجاز النجومَ فى الدُّيونِ كلِّها على مثلِ هذا، فى كلِّ شهرٍ كذا، وفى كلّ
عامٍ كذا، ولا يقولُ: فى أولِ الشهرِ أو وسَطِه أو آخِرِه. وأتَى مِن ذلك
آخرون حتى يسمَّىَّ الوقتَ مِن الشهرِ والعامِ، ويكونَ محدودًا معروفًا .
والحجةُ فى هذا الحديثِ لمن نزَع به صحيحةٌ ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ أَآلآ لم
يُقُلْ لها: إنَّها كتابةٌ فاسدةٌ . إذا(٢) لم يعرِفْ متى يأخُذُ النجمَ أو الأُوقِيَّةَ مِن
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى م: ((إذ)).
٢٩٢
الموطأ
العامِ، وحسبُهم فى ذلك أنَّ العامَ إذا انقضى أو انسلخ الشهرُ، وجَب التمهيد
النجمُ ، ومَن أدًّاه قبلَ ذلك قُبِل منه . وليست الكتابةُ کالبيوع فى كلِّ شيءٍ
عندَ العلماءِ؛ لأُنَّ العبدَ مع سيدِه أكثرُهم لا يرَى بينَهما ربًا، ألا ترى أنَّ
المكاتَبَ لو عجَز حلَّ(١) لسيدِه ما أخَذ منه، وليس ذلك كبيعِ العُربانِ.
وللكلام فى هذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا .
وأما قولُه: تسعُ أَواقِيٍّ. فالأُوقِيَّةُ مؤنثةٌ فى اللفظِ ، مقدارُها أربعون
درهمًا كيلاً، لا اختلافَ فى ذلك، والدرهمُ الکیلُ درهم وخُمُسانٍ
بدراهمِنا، على ما قَد مضَى ذكرُه فى بابٍ عمرو بنٍ يحيى(٢). وتُجمَعُ
الأُوقِئَّةُ أَوَاقِيَّ بالتشديدِ، كذلك قال أبو زيدِ الأنصارىُّ وغيرُه مِن أَهلِ
اللغةِ ، قال أبو زيدٍ : وقد يُتجاوَزُ فى الجمع فيقالُ : أواقٍ . وقال أبو حاتم :
يقالُ: أوقيّةٌ وَأَواقِئُ، وبُخْتِيَةٌ(٣) وبَحَاتِئُ، وَأُمْنِيَّةٌ وَأَمَانِئٌ، وسُرِّيَّةٌ وسرارٌ.
قال: وبعضُهم يقولُ: بُخَاتٍ ، وأَمَانٍ ، وسَرَارٍ ، وأوَاقٍ .
وأما قولُ عائشةَ: إِنْ أحبَّ أهلُكِ أن أَعُدَّها لهم عدَدْتُها لهم. ففيه
دليلٌ على أنَّ العَدَّ فى الدراهم الصِّحاح تقومُ مَقامَ الوزنِ، وأنَّ الشراءَ بها
جائزٌ مِن غيرِ ذكرِ الوزنِ ؛ لأنها لم تقلْ : أزِنُها لهم. ولم يقلِ النبىُّ
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٤٥/٨ - ٢٤٧.
(٣) البختية والجمع البخت: الإبل الخراسانية . الوسيط (ب خ ت).
٢٩٣
الموطأ
التمهيد عددُ الأَواقِيٌ غيرُ جائزٍ. ولو كان غيرَ جائزٍ لقال لهم : إنَّ العَدَّ فى مثل هذا
لا يجوزُ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ التبائُعَ كان بينَ الناسِ فى ذلك
الزمانِ بالأواقِيٌ، وبالنَّاةِ ، وبالتَّشِِّ، وهى أوزانٌ معروفةٌ ؛ فالأوقيّةُ أربعونَ
درهمًا، والتَّشُّ نصفُها، والنَّواةُ زِنَةُ خمسةِ دراهمَ. فقد ذكّرنا ذلك كلَّه
فی بابٍ حمیدٍ مِن هذا الكتاب (١).
ذَكِر الواقِدىُّ قال : وفيها - يعنى سنةً ستٍّ وسبعينَ - أمَر عبدُ الملكِ
ابنُ مروان أن تُنقَشَ الدنانیژ والدراهمُ . حدّثنی بذلك سعدُ بنُ راشدٍ ، عن
صالحِ بنِ كَيْسَانَ(٢) ..
قال: وحدَّثنى ابنُ أبى الزِّنادِ ، عن أبيه، أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَروانَ
ضرَب الدنانيرَ والدراهمَ، وهو أولُ مَن أحدث ضربَها ( فى الإسلام".
قال : وحدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُّ حزمِ الليثىُ، عن هلالٍ بِنِ أُمِيئَّةً ، قال :
سألتُ ابنَ المسيَّبِ: فى كم تجِبُ الزكاةُ مِن الدنانيرِ؟ قال: فى كلِّ
عشرينَ مثقالًا بالشامىِّ نصفُ مثقالٍ. قلتُ: ما بالُ الشامىِّ مِن
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٤١٩/١٤، ٤٢٠.
(٢) ذكره ابن جرير فى تاريخه ٢٥٦/٦ عن الواقدى .
(٣ - ٣) سقط من: م، وفى مصدر التخريج: ((ونقش عليها)).
والأثر أخرجه ابن سعد ٢٢٩/٥ عن الواقدى به .
٢٩٤
الموطأ
التمهيد
البصرى(١)؟ قال: هو الذی یُضربُ علیه الدَّنانیرُ ، و كان ذلكَ وزنَ الدَّنانیرِ
قبلَ أن تُضْرَبَ ، كانت اثنينٍ وعشرينَ قيراطًا إلّ حبةً ، وكانت العَشَرةُ وزنَ
.(٢)
سبعةٍ(٢).
وقال غيرُ الواقدىِّ: كانتِ الدنانيرُ فى الجاهليّةِ وأوَّلِ الإسلامِ بالشامِ
وعندَ عربِ الحجازِ كلّها روميَّةً ، تُضْربُ ببلادِ الروم ، عليها صورةُ الملكِ
واسمُ الذى ضُرِبت فى أيامِه مكتوبٌ بالروميّةِ ، ووزنُ كلِّ دينارِ منها مثقالٌ
كمثقالِنا هذا، وهو وزنُ درهمِ ودانِقِيْنِ(٣) ونصفٍ وخمسةُ أسباع حبّةٍ ،
وكانت الدراهمُ بالعراقِ وأرضِ المشرقٍ كلَّها كسروِيَّةً، عليها صورةُ
كسرَى واسمُه فيها مكتوبٌ بالفارسيَّةِ، ووزنُ كلِّ درهم منها مثقالٌ،
فكتَب ملِكُ الروم ، واسمُه لاوِى بنُّ فلقطَ (٤) ، إلى عبدِ الملكِ أَنَّه قد أعدَّ له
سِككًا ليوجه بها إليه فيَضربَ عليها الدنانيرَ. فقال عبدُ الملكِ لرسولِه : لا
حاجةً لنا فيها، قد عمِلنا سِككًا نقَشنا عليها توحيدَ اللهِ واسمَ رسولِه وَله .
وكان عبدُ الملكِ قد جعَل للدنانيرِ(٥) مثاقيلَ مِن زجاجٍ لئلّا تُغيَّرَ أو تُحوَّلَ
القبس
(١) فى مصدر التخريج: ((المصرى)).
(٢) ذكره ابن جریر فی تاریخه ٢٥٦/٦ عن الواقدی وفیه: «عبد الرحمن بن جرير اللیثی عن
هلال بن أسامة)).
(٣) الدانق: معرب، وهو سدس درهم. المصباح المنير (د ن ق).
(٤) فى م: ((فلفظ)).
(٥) فى م: «الدنانير)).
٢٩٥
الموطأ
التمهيد إلى زيادةٍ أَو نُقصانٍ، وكانت قبلَ ذلكَ مِن حجارةٍ ، وأمَر فنودِیَ أَلَّا يتبایعَ
أحدٌ بعدَ ثلاثة أيام مِن ندائِه بدينارِ رومىٌّ، فكثُرت الدنانيرُ العربيَّةُ ، وبطَلتِ
الروميّةُ .
وذكر أبو عبيدٍ فى كتابٍ ((الأموالِ))(١)، وذكّر ذلك جماعةٌ مِن أهلِ
العلمِ بالسّيرِ والخبرِ، أنَّ الدراهمَ كانت غيرَ معلومةٍ إلى أيامِ عبدِ الملكِ بنِ
مَرْاونَ ، فجمَعها وجعَل كلٌّ عَشَرةٍ مِن الدراهم وزنَ سبعةٍ مثاقيلَ . قال :
وكانتِ الدراهمُ يومئذٍ، درهمٌّ مِن ثمانيةِ دَوَانِقَ زيْفٍ ، ودرهمٌ مِن أربعة
دَوَانِقَ جَيَّدٍ. قال: فاجتمَع رأىُ علماءِ ذلك الوقتِ لعبدِ الملكِ على أن
جمَعوا الأربعةَ الدَّوانِقِ إلى الثمانيةِ، فصارَتِ اثْنَىْ عشَرَ دَانِقًا، فجعَلوا
الدرهمَ ستةً دَوانِقَ، وسؤَّوه كيلاً، فاجتمع لهم فى ذلك أنَّ فى كلِّ مائَتِى
درهم زكاةً، وأَنَّ أربعين درهمًا أوقيّةٌ، وأَنَّ فى الخمس الأواقِ التى قال
رسولُ اللهِ وَلِّ: ليس فيما دونَها صدقةٌ(١) - مائتى درهم لا زيادةَ، وهى
نصابُ الصدقةِ .
وأما قولُها: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم، ويكونَ ولَا ؤُكِ لى،
فعلتُ. وفى حديثٍ ابنٍ شهابٍ، عن عروةً: إن أحَبُوا أَن أَعطِيَهم لك
القبس
(١) الأموال ص ٦٢٩، ٦٣٠.
(٢) تقدم فى الموطأ (٥٧٩، ٥٨٠).
٢٩٦
الموطأ
جميعًا، ويكونَ ولا ؤُكِ لى، فعلتُ) . فظاهرُ هذا الخِطابِ أَنَّها أرادَتْ التمهيد
أن تشترِىَ منهم الولاءَ بعدَ عقدِ الكتابةِ، وأن تؤدِّىَ فى ذلك جميعَ
الكتابةِ ، فأتى القومُ مِن ذلك، وطلَبوا أن يكونَ الولاءُ لهم عندَ أداءِ عائشةً
لجميع الكتابةِ، كأنَّها تبرَّعَت بذلك، وأرادَتِ الولاءَ، أو قصَدت إلى
ايتياعِ الولاءِ. وهذا لا يصِحُ عندَنا، واللهُ أعلم ؛ لأَنَّه لا خِلافَ بينَ علماءٍ
المسلمينَ أنَّ الولاء لا يُیامُ، وأَنَّ مَن أدَّی عن مُکاتب کتابته لم یکن له
الولاء، ولو صحّ هذا کان یکونُ النکیر حینئِذٍ علی عائشةً رحمها اللهُ فی
إرادتها أن یکونَ الولاءُ لها بأدائها الكتابة عنها ، ولکنْ فی حدیث هشام بنِ
عروةَ: ((خُذيها واشتَرِطى الولاءَ لهم، فإِنَّما الولاءُ لمن أعتَق)). ففعلَت
عائشةُ. وقد قال ژُهيب، وكان من الحقّاظِ، فى هذا الحديث ، عن
هشام بن عروةَ: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّهَا عَدَّةً واحدةً وأُعْتِقَكِ ، ويكونَ
ولا ؤُكِ لى، فعلتُ(٢). فقولُها: وأُعَتِقَكِ. دليلٌ على شرائها لها شراءً
صحيحًا؛ لأنَّها لا تُعتِقُها إلَّا بعدَ شرائِها لها، وهذا هو الظاهرُ فى قولها :
أُعْنِقَكِ . واللهُ أعلمُ .
وفى حديثٍ ابنِ شهابٍ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّله قال لعائشةً: ((لا يمنَعُكِ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
والحديث تقدم تخريجه ص٢٨٣، ٢٨٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٣٠)، وأبو عوانة (٤٧٨٦) من طريق وهيب به.
٢٩٧
الموطأ
التمهيد ذلك، ابتاعى وأعتِقِى)). وقولُه: ((ابتاعى وأعتِقى)). فى حديثِ ابنِ
شهابٍ، يُفسِّرُ قولَه فى حديثِ هشامٍ: ((خذيها)). لأُنَّ قولَه: ((ابتاعيها
وأعتِقيها)). أمرٌ منه وَالهِ لعائشةً بالشراءِ ابتداءً، وعتقِها لها بعدَ مِلْكِها
ليكونَ الولاءُ لها ، وهذا هو الصحيحُ فى الأصولِ ، وإِيَّاه بعضُدُ سائرُ الآثارِ
◌ِA
عن عائشةً فى هذا القصةِ ، ألا ترَى إلى ما روَى مالك (١) ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ، أنَّ عائشةَ أرادت أن تشترىَ بَرِيرَةَ فتُعِتقَها ، فقال أهلُها : نبيتُكِها
على أنَّ الولاءَ لَنا. فذكرت ذلك لرسولِ اللهِ وَلَه، فقال: ((لا يمنَعُكِ
ذلك، فإنَّما الولاءُ لمن أعتَق)). وقد ذكرنا هذا الخبرَ فى بابِ نافعٍ مِن
كتابِنا هذا. وليسَ فى شىءٍ مِن أخبارِ بَريرَةً أُصحُ مِن هذا الإسنادٍ عن ابنٍ
عمرَ، وليس فيه اختلافٌ كما فى حديثِ هشامٍ مِن اختلافٍ ألفاظِه . وقد
بان فى حديثٍ ابنِ عمرَ أنَّ عائشةً أرادَت شراءَ بَرِيرَةَ وعِتقَها ، فأراد أهلُها
اشتراطَ الولاءِ لھم ، وفى مثلِ هذا یصُ الإنكارُ المذ کورُ فی حدیثِ هشام
ابنِ عروةَ على أهلٍ بريرةَ؛ لأنَّ الولاءَ ثبَت(٢) للمشترِى المعتِقِ ثبوتَ
النَّسَبِ ، فلا يجوزُ لأحدٍ تحويلُه عنه ببيع ولا اشتراطٍ ، وكذلك فى سياقةٍ
أكثرِ الأحاديثِ ما يدلُّ على أنَّ بَرِيرَةَ بيعَت مِن عائشةَ لا أَنَّها أَدَّت عنها
كتابتها، إِلَّ أنَّ فى هذا الحديثِ شرطَ الولاءِ مع البيع، وإباحةَ النبيِّ وَّلـ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٦).
(٢) فی م: (یثبت)) .
٢٩٨
الموطأ
شراءَها على ذلك دونَ إعمالِ الشرطِ، وفى ذلك صحةُ البيع وإبطالُ التمهيد
الشرطِ .
وروَى الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن الأُسودِ ، عن عائشةَ ، أَنَّ أَهلَ بَرِيرةَ
أرادُوا أن يبيعوها ويشترِطوا الولاءَ، فذكّرَت ذلك لرسولِ اللهِ وَ ظله، فقال:
((اشترِيها وأعتِقيها، فإنَّما الولاءُ لمن أعتَقَ))(١).
فبَان بحديثِ الأُسودِ عن عائشةَ، وبحديثٍ ابن شهابٍ أيضًا المتقدِّمِ
ذِكرُهُ(٢)، أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ أَمَرِها بالشراءِ ابتداءً، وبعتِقها بعدَ مِلْكِها؛
ليكونَ الولاءُ لها ، وهذه الروايةُ عن عائشةَ موافقةٌ لما رواه ابنُّ عمرَ، وهو
الصحيحُ فى ذلك على ما قدَّمْنا ذكرَه . وفى روايةِ إبراهيمَ ، عن الأُسودِ ،
عن عائشةً أيضًا ما يُبيِّنُ روايةً هشام، عن أبيه، عن عائشةً فى قولِه عليه
السلامُ: ((خُذيها، ولا يمنعُكِ ذلك، فإِنَّما الولاءُ لمن أَعتَق)). وفيه
دليلٌ، بل نصٌ، على صحةٍ شرائها وصحةٍ مِلْكِها، وصحةٍ عتقِها بعد
ذلك، واستحقاقٍ ولائِها، واللهُ أعلمُ. واشتراطُ أهلِ بَريرةً ولاءَها مع
بَثْلِ(٢) بيعِها على العتقِ، فهو الذى خطَّبهم رسولُ اللهِ وَلِّ بإنكارِهِ؛
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١٢٦٠)، وإسحاق بن راهويه (١٥٢٩)، وأحمد ١٨١/٤٠،
١٨٢ (٢٤١٥٠) من طريق الأعمش به.
(٢) تقدم تخريجه ص٢٨٣، ٢٨٤.
(٣) فى م: ((فضل)).
٢٩٩
الموطأ
التمهيد لتقدُّمِه إليهم وإلى غيرهم فى النهى عن بيع الولاءِ وهبتِه .
وفى هذا الحديثِ على ما ذكرنا ، إجازةُ البيع على شرطِ العتقِ، وهذه
مسألةٌ اختلف الفقهاءُ فيها ، وقد ذكرناها فى بابٍ نافع، عن ابنٍ عمرَ مِن
هذا الكتاب (١)، فلا معنَى لتكريرِ ذلك هلهنا .
وفيه دليلٌ على أنَّ المكاتَبَ عبدٌ ما بقِىَ عليه من كتابتِه شىءٌ ؛ لأَنَّه لو لم
يكنْ عبدًا ما جاز بيعُه، وفى كونِه عبدًا ردِّ لقولٍ من قال: إذا عُقدت كتابتُه
فهو غريمٌ مِن الغرماءِ . وردِّ لقولٍ مَن قال: إذا أدَّى قيمتَه فهو غريمٌ . وردِّ لقولٍ
من قال : إذا أدَّى الثلثَ فهو غريمٌ . وردِّ لقولٍ مَن قال: إذا أدَّى الشطرَ فهو
غريم . وردِّ لقولٍ مَن قال: يَعْتِقُ منه بقدرِ ما أدَّى . وروى الحكم بنُ عتيبةً ،
عن علىٍّ قال: تجرِى العَتاقةُ فيه مِن أوَّلِ نَجْمٍ(١) . وروَى إِبراهيمُ، عن علىّ
قال : تجرِى الحدودُ عليه بقدرٍ ما أدَّى. وقال عنه عامرٌ : يَعتِقُ منه بقدرِ ما
أدَّى، ("وتَرِثُ ويَخْجُبُ بقدرٍ ما أدَّى٣). وكان الحارثُ الُكْلِىُّ يقولُ:
كان علىِّ رضِى اللهُ عنه أفقهَ مِن أن يقولَ: يَعْتِقُ مِن المكاتَبِ بقدرِ ما
أدَّى. منكِرًا لذلك عنه. وهذه أقاويلُ اختُلِف فيها عن علىٍّ وابنٍ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٣٢٥ - ٣٢٧.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٠/٦ من طريق الحكم به.
(٣ - ٣) سقط من: م.
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٢/٦ من طريق عامر الشعبى به مقتصرا على أوله .
٣٠٠