النص المفهرس
صفحات 121-140
الموطأ
المَقْبُرِىِّ، عن أبى هريرة٢ً، أن رسولَ اللهِ وَ قال: «مَن ولى القضاءَ الاستذكار
فقد ذُبح بغیر سگینٍ)) .
قال(٢): (( وحدَّثنا محمدُ بنُّ حسّانَ السَّمْتِئُ)، قال: حدَّثنی خلفُ
ابنُ خليفةً، عن أبى هاشم(٤)، عن ابنٍ بُريدةَ، عن أبيه، عن النبيِّمَّه
قال: ((القضاةُ ثلاثةٌ؛ واحدٌ فى الجنةِ ، واثنان فى النارٍ، فأما الذى فى
الجنةِ فرجلٌ عرَف الحقَّ فقضَى به، ورجلٌ عَرَف الحقَّ فجار فى الحُكْم
فهو فى النارِ ، ورجلٌ قضَى للناسٍ على جهلٍ فهو فى النارِ )).
قال أبو عمرَ: قد رُوِى عن النبيِّ أَله، أنه قال: ((إذا اجتهَد الحاكمُ
فأصابَ(٥) فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ(١)). رواه عمرُو بنُ
العاصى، عن النبيِّ وَ لَّه(٤)، وقد ذكرنا طُرُقَه فى كتابٍ ((العلم))()،
وذكّرنا هناك ما للعلماءِ فى تأويله .
ورُوِى مِن حديثٍ أنسٍ بنِ مالك، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((مَن
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
(٢) أبو داود (٣٥٧٣).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) فى ح، هـ، م: ((هشام)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٢/٣٤.
(٥) فى ح، هـ: ((فأخطأ)).
(٦) بعده فى ح، هـ: ((واحد)).
(٧) أخرجه البخارى (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦).
(٨) جامع بيان العلم ٨٨٢/٢، ٠٨٨٣
١٢١
الموطأ
الاستذكار طلَب القضاءَ واستعانَ عليه ؤُكِل إليه، ومَن لم يطلُبْه ولم يَسْتعِنْ عليه أَنزَل
اللهُ إليه مَلَكًا يُسَدِّدُه))(١) . وقد ذكرنا إسنادَه فى صدرٍ هذا الكتاب.
ومعلومٌ أن الإِثمَ إذا كان مُعَظّمًا فى معنًى، كان الأجرُ مُعَظِّمًا فى ضِدِّه.
قال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ﴾. (٢ يعنى الجائرين٢)، ﴿فَكَانُواْ
لِجَهَنَّمَ خَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. والجَوْرُ: المَيْلُ عن الحقِّ إلى الباطلِ، وعن
الإيمانِ إلى الكفرِ. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ
الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالَّْ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ
يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
ومَن جارَ عن الحقِّ، وأُسرَف فى الظلم، فقد نسِى يومَ الحسابِ.
ورُوِى عن النبيِّ وَّ فى القاضى العادلِ الحاكمِ بالقسطِ، مِن
حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى وغيرِه، أنه قال: ((المُقْسِطون
يومَ القيامةِ على منابرَ مِن نورٍ عن يمينِ الرحمنِ وكِلتا يدَيْه يمينٌ)).
قيل: ومَن المُقسِطون(٤) يا رسولَ اللهِ؟ قال): ((الذين يَعْدِلون فى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٨/٢١ (١٣٣٠٢)، وأبو داود (٣٥٧٨)، والترمذى (١٣٢٣) من حديث
أنس بن مالك .
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، م.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) فى ط، م: ((القاسطون)).
١٢٢
الموطأ
أهليهم وفيما وَلُوا))(١).
الاستذكار
وقال ◌َله: ((سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ يومَ القيامةِ فى ظِلُّهُ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه؛
إمام عادلٌ))(٢). وذكّر سائرَ السبعةِ .
وسيأتى هذا الحديثُ فى موضعِه مِن كتابِ الجامع إن شاء اللهُ.
ورُوِى عن النبيِّ وَلِّ أنه قال: ((الإمامُ العادلُ لا تُرَدُّ دعوتُه))(١).
أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ: قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاحِ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قُدامةَ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحمیدِ ، عن
إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن مصعبٍ بنِ سعدٍ ، قال: قال علىّ رضِى اللهُ
عنه: حَقٌّ على الإمامِ أن يحكُمَ بما أنزل اللهُ ، ويُؤدِّىَ الأمانةَ، فإذا فعَل
ذلك فحقٌّ على الناسِ أن يسمَعوا له ويُطيعُوا، ويُجِيبُوا إذا دُعُوا (٣).
قال: ومَن ولى القضاءَ فَلْيعدِلْ فى المجلسِ والكلام واللَّحْظِ.
وذكر أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عمرَ ، قال: حدَّثنا
ضَمْرةُ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ الكِنَانُ ، قال: قال علىِّ رضِى اللهُ
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٤٤) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٤٤).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٦٥١ - تفسير)، وابن أبى شيبة فى تفسيره ٢١٣/١٢، وابن جرير فى
تفسيره ١٦٩/٧، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٨٦/٣ (٥٥٢٠) من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
١٢٣
الموطأ
الاستذكار عنه : لا ينبغى للقاضى أن يكون قاضيًا حتى تكون فيه خمسُ خِصَالٍ ؛
عفيفٌ ، حليمٌ ، عالمٌ بما كان قبلَه ، مُستشيرٌ لِذَوِى الألبابِ ، لا يخافُ فى
اللهِ لَوْمةً لائمٍ.
وروَى الشعبىُّ، عن مسروقٍ قال: لأن أقضِىَ يومًا واحدًا بحقِّ
وعدلٍ ، أَحَبُّ إلىَّ مِن أن أُغْزُوَ سنةً فى سبيلِ اللهِ(١) .
وقال مالكٌ: قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: لا ينبغى لأحدٍ أن (٢ يقضِىَ إلا
أن٢) يكونَ عالِمًا بما مضَى مِن السُّنَّةِ، مُستشيرًا لذَوِى العلم (١).
والآثار فى هذا الباب عن السلف کثیرةٌ فی معنی ما أوردناه، وفیما ذكرنا
تنبية على ما إليه قصَدنا، ومَن طلَب العلمَ للهِ فالقليلُ يكفيه إذا عمِل به .
وكان أبو الدرداءِ مِن الفقهاءِ العلماءِ الحكماءِ الحُلَماءِ، ژُوِی عن
النبيِّ وَلِّ أنه قال فيه: ((حكيمُ أمتى))(٤). وقال فيه معاذُ بنُ جبلٍ:
كان أبو الدرداءِ مِن الذين أُوتُوا العلمَ(٥). وقال أبو ذرٍّ: ما حمّلت
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٩/٧، وابن سعد ٨٢/٦.
(٢ - ٢) ليس: فى الأصل.
(٣) ينظر المدونة ٢١٤/١٦.
(٤) أخرجه الحارث بن أبى أسامة (١٠٢٢ - بغية)، والطبرانى فى مسند الشاميين (٩٦٧)،
وابن عساكر ١٠٩/٤٧.
(٥) أخرجه أحمد ٤١٨/٣٦ (٢٢١٠٤)، والترمذى (٣٨٠٤)، والنسائى فى الكبرى
(٨٢٥٣).
١٢٤
الموطأ
ورقاءُ(١)، ولا أظلَّتْ خضراءُ (٢)، أعلمَ منكَ يا أبا الدرداء(٢) .
الاستذكار
وكان رسولُ اللهِ وَ له قد آخَى بينَه وبينَ سلمانَ الفارسيّ(٤) ، فكانا
مُتَواخيين مُتَحَابَّيْن اجتمعا أو تفرّقًا .
وكان سلمانُ عالمًا فاضلاً زاهدًا فى الدنيا . ومات أبو الدرداءِ بدمشقَ
قاضيًا عليها لعثمانَ بعدَ عمرَ، قبلَ موتٍ عثمانَ بسنتين أو نحوهما . ومات
سلمانُ بالمَدَائنِ مِن أرضِ العراقِ .
حدَّثنا أبو القاسمِ خلفُ بنُ قاسمٍ ، قراءةً مِنِّى عليه ، قال: حدَّثنى أبو
الميمونِ عبدُ الرحمنِ بنُ عمرَ بنِ راشدٍ بدمشقَ، قال: حدَّثنى أبو زُرْعةً
عبدُ الرحمنِ بنُ عمرو بنٍ صَفْوانَ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنى أبو مُشْهِرٍ
عبدُ الأعلى بنُ مُشْهِرٍ ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال : أمر عمر أبا
الدرداءِ بالقضاءِ - يعنى بدمشقَ - وكان القاضى يكونُ خليفةَ الأميرِ إذا غاب (٥).
القبس
٣
(١) فى م: ((غبراء)). والوَرَاق: خضرة الأرض من الحشيش، والوُرْقَةُ سواد فى غبرة، يريد
الأرض. التاج ( ورق ).
(٢) فى م: ((زرقاء)). والخضراء: السماء. النهاية ٤٢/٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٢٧/٧، والذهبى فى سير أعلام النبلاء ٣٤٣/٢.
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٧٠٧)، والطبرانى فى الكبير (٥١٤٦) من
حدیث زيد بن أبی أولی به.
(٥) أخرجه المصنف فى الاستيعاب ١٢٣٠/٣، ١٦٤٧/٤، وأخرجه ابن عساكر ١٣٩/٤٧ من
طريق أبى الميمون به، وأخرجه وكيع فى أخبار القضاة ١٩٩/٣ من طريق أبى مسهر به .
١٢٥
قال یحیی سمعتُ مالگا یقولُ : مَن استعان عبدًا بغير إذنِ سیدِه فى
الموطأ
شىءٍ له بالٌ، ولمِثلِه إجارةٌ، فهو ضامنٌ لِما أصاب العبدَ إِن أُصِيب
العبدُ بشىءٍ، فإن سلِم العبدُ فطَلَب سيدُه إجارَتَه لِما عمِل، فذلك
لسيدِه، وهو الأمرُ عندَنا .
وقد ذكرنا أخبار أبى الدرداءِ وسلمانَ وفضائلهما فی بابٍ کلِّ واحدٍ
الاستذكار
منهما مِن كتاب ((الصحابةِ))(١) . والحمدُ للهِ .
قال مالكٌ: مَن استعانَ عبدًا بغيرِ إِذنِ سيِّدِه فى شىءٍ له بالٌ، ولِمِثْلِه
إجارةٌ ، فهو ضامنٌ لِما أصاب العبدَ إِن أُصيب العبدُ بشىءٍ ، فإن سلِم العبدُ
فطلَب سيِّدُه إجارتَه لِما عمِل، فذلك السيِّدِه، وهو الأمرُ عندَنا.
قال أبو عمرَ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا فى ذلك أن الأموالَ تُضمنُ
بالعمدِ والخطأ، والعبدُ "مالٌ لم٢) يأذَنْ فيه(٣) صاحبُه للذى استعانَه،
فكان بذلك مُتعدِّيًا على مالٍ غيرِهِ جانيًا عليه بغيرِ إذنِه(٤) ، فيلزَمُه الضمانُ
إن عطِب أو تلِف فيما استعمَّله فيه، وإن سلِم كان له أجرتُه فى الذى
عمله؛ لأن العبدَ ليس له أن يَهَبَ خَراجه، ولا شيئًا مِن كَشْبِه؛ لأنه
لسيِّدِه .
القبس
(١) ينظر الاستيعاب ١٦٤٧/٤، ١٦٤٨، ٦٣٢/٢ - ٦٣٨.
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((ما لم)).
(٣) سقط من: ط، وفى الأصل، هـ: ((له)).
(٤) فى الأصل: ((إذن سيده)).
١٢٦
الموطأ
وهذا كلُّه اتفَق فيه مالكٌ، والشافعىُ، وأبو حنيفةً)، وأصحابُهم. الاستذكار.
وروى أبو حنيفةً، عن حمادٍ ، عن إبراهيمَ ، قال: مَن استعانَ مملوكًا
بغير إذنِ مَوَاليه، (أو صَيْئًا بغيرِ إذنِ أهلِه٢) ، ضمِن(٣).
"ومعمرٌ، عن حمادٍ مثلَه(٤).
وابنُ جريج، عن عطاءٍ مثلَهُ(٥)٢).
( وشعبةُ، عن الحكم، عن إبراهيمَ ، قال : مَن استعانَ مملوكًا بغير
إذنِ موالیه ضمن .
وروَى الحكم والشعبىُّ، كلاهما عن علىّ قال: مَن استعانَ عبدًا صغيرًا أو
كبيرًا، أو صبيًّا حًّا، فهلَك - ضمِن، ومَن استعانَ حرًّا كبيرًا لم يضمَنْ(١).
وعن الحسنِ مثلُه فى الصبىِّ الحرّ وفى العبدِ، قال: فإن أذن له أهلُ
الصبىّ أو سيِّدُ العبدِ ، فلا ضمانَ عليه(٨).
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٠١) من طريق أبى حنيفة به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٣٨، ١٧٨٩٧) عن معمر به .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٩٨) عن ابن جريج به .
(٦ - ٦) ليس فى : الأصل ، ح ، هـ ، م .
والأثر أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٣٩، ١٧٩٠٠) من طريق الحكم به .
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/٩ من طريق الحكم والشعبى به .
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/٩.
١٢٧
قال يحيى : وسَمِعتُ مالكًا يقولُ فى العبدِ یکونُ بعضُه ◌ُدّا وبعضُه
الموطأ
مُشْتَرَقًّا ، أنه يُوقَفُ مالُه بيدِه، وليس له أن يُحدِثَ فيه شيئًا، ولكنَّه يأكُلُ
منه ويَكْتَسى بالمعروفِ ، فإذا هلَك فمالُه للذى بقِى له فيه الرّقُّ .
الاستذكار
قال مالكٌ فى العبدِ يكونُ بعضُه حرًّا وبعضُه مُسْتَرَقًّا، أنه يُوقَفُ مالُه
بيدِه، وليس له أن يُحدِثَ فيه شيئًا ، ولكنه يأكُلُ منه ويكتسِى بالمعروفِ،
فإِذا هلَك فمالُه للذى بقِى له فيه الرّقُّ .
قال أبو عمرَ : يكونُ العبدُ نصفُه حرٌّ ونصفُه مملوكٌ مِن وُجوهِ شتَّى ؛
منها أن يكونَ بِينَ شريكَيْن وارثَيْن ، أو مُبتاعَيْن ، أو بوجهٍ يَصِحُ مِلْكُهما له،
أحدهما ◌ُغْسِر والآخر مُوسِرٌ، فیُغْتِقُ المُشِرُ حصته منه، فإذا كان كذلك
كان على مذهبِ الحجازيِّين ما أعتَق منه المُعسِرُ حرًّا وسائرُه عبدًا،
ويكونُ عندَ أبى حنيفةَ عبدًا أعتَق سيِّدُه نصفَه، أو يكونُ عبدًا أُوصِى بعتقٍ
نصفِه عندَ مَن يرى ألَّا يُمَّ عليه العتقَ فى ثُلُثِه، ووجوةٌ غيرُ هذه.
وأما قولُه أنه يُوقَفُ مالُه بيده ، فإنه يريدُ(١) نصفَ ما كان بيده مِن المالِ
قبلَ وقوع عتقِه وما يكسِبُه فى الأيام التى يَعملُ فيها لنفسِه .
قال مالك: يصطلِحُ هو ومالكُ نصفِه على الأيامِ . وقال غيرُه : يخدِمُ
لنفسِه ويكسِبُ لها يومًا ، ويكونُ لسيدِه خدمتُه يومًا، فما كسب فى يومٍ
الحرية فله، وعليه فى ذلك اليوم مؤنثُه كلَّها ، وفى يومٍ خدمتِه لسيدِه مؤنتُه
القبس
(١) فى الأصل: ((يورث)).
.
١٢٨
قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: الأمرُ عندَنا أنَّ الوالِدَ يُحاسِبُ الموطأ
ولدّه بما أنفَق عليه مِن يوم يكونُ للولدِ مالٌ، ناضًّا كان أو عَرْضًا ، إن
أراد الوالدُ ذلك .
على سيدِه. فهذه حاله عندَ جمهور العلماءِ، فإذا مات فقد اختلفوا فى الاستذكار
ميراثِه؛ فقال بعضُ أهلِ العلم كما قال مالكٌ: ميراتُه لمَن له فيه الرّقُّ ؛
لأنه فى شهادته وحدودِه وطلاقِهِ عندَهم كالعبدِ . وهذا قولُ مالكٍ،
والزهرىٌّ، وأحدُ قولَى الشافعىّ. وقال آخرون : میراتُه بین سید نصفِه ،
وبينَ مَّن كان تَرِثُه لو كان حوّا كلَّه، نصفين. رُوِى هذا عن عطاءٍ،
وعمرو بن دينارٍ، (" وطاوسٍٍ، وإياسٍ بنِ معاوِية١ً)، وهو أحدُ قولَى
الشافعيّ، وبه قال أحمدُ بنُّ حنبل؛ غَلَّبوا الحريةَ هنا لانقطاع الرّقُّ
بالموتٍ .
وقالت طائفةٌ منهم الشافعىُّ: يُورَثُ المُعتَقُ نصفُه وتَرِثُ . وقد رُوِى
عنه أنه لا تَرِثُ ولا يُورثُ. وهو قولُ مالك والكوفين. وقال بعضُ
التابعين: إن مات المُعتَقُ بعضُه ورِثه كلَّه الذى أعتَق بعضَه .
ورُوِى عن الشعبىِّ فى حدِّه روايةٌ شاذَّةٌ ، أنه يُحَدُّ خمسةً وسبعين سوطًا .
قال مالكٌ: الأمر عندَنا أن الوالدَ يُحاسِبُ ولدَه بما أَنفَق عليه مِن يومٍ
يكونُ للولدِ مالٌ ، ناضًّا كان أو عَرْضًا .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/١٩ )
الموطأ
الاستذ کار
١
قال أبو عمرَ : لا خلافَ بينَ العلماءِ أن الولدَ الغنىَّ ذا المالِ لا يجِبُّ له
على أبيه نفقةٌ ، ولا كِسْوةٌ، ولا مُؤنةٌ ، وأن ذلك فى مالِه، واختلفوا ( إذا
أَنفَق١ عليه وهو مُوسِرٌ، (٢هل له٢) أن يَرجعَ عليه بما أَنفَق فى مالِه ويحاسِبَه
بذلك؟ فقال مالكٌ: ذلك له . وقال الشافعىُّ: إذا أَنفَق عليه وهو عالمٌ
بموضع مالِه٢، قادرٌ على الوُصُولِ إليه، فهو مُتَطوِّعٌ مُتَبَرِّعْ، ولا
یتصرّفُ(٤) بشىءٍ مِن ذلك علیه(٥) .
وقياسُ قولٍ أبى حنيفةً: إن أَنفَق عليه بأمرِ القاضى ليتصرّفَ(٦)
فى مالِه كان ذلك له، وإلا فهو مُتَطوِّعْ مُتَبَرِّعٌ، وإذا فَرَض له
القاضى فى مالِ الصبىِّ النفقةً، لم يَضُرَّه أن يُنْفِقَ (٣من مالِه٣)
ويتصرّفَ(٧) بما أَنفَق عليه .
هذا عندى قياسُ قولِه . وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((على)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) فى الأصل: ((يسرف))، وفى ط: ((ينصرف))، وفى م: ((يحاسبه)).
(٥) سقط من: م.
(٦) فى ط: ((لينصرف)).
(٧) فى ط: ((ينصرف)).
١٣٠
١٥٣٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ دَلافٍ الموطأ
المُزنِيٌّ، عن أبيه، أن رجلًا مِن جُهَينةً كان يَسپِقُ الحاجَ، فيَشْتَری
الرَّواحِلَ فيُغِلِى بها، ثم يُسرُِ السيرَ فيَسبقُ الحاجَّ، فَأَفْلَس، فرُفِع أمرُه
إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فقال: أمَّا بعدُ ، أَيُّها الناسُ ، فإنَّ الأَسَيفِعَ أسيفعَ
مجهينةَ رَضِى مِن دينِه وأمانتِه بأن يُقالَ : سبَق الحاج . ألا وإنه قد دان
مُعرِضًا ، فأصْبَح قد رِينَ به ، فمَن كان له عليه دَيْنٌّ فليَأْتِنا بالغَداةِ نَقِمُ
مالَه بينَهم، وإِيَّاكم والدَّينَ؛ فإن أوَّلَه هَمّ وَآخِرَه حَرَبٌ .
مالك، عن عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ دَلافٍ المُزَنِيِّ، عن أبيه، الاستذكار
حديثُ الأَسَيِفِع أصلٌ فى تفليسِ الغريمِ وجمعِ مالِهِ عندَ زيادةِ الديونِ القبس
عليه ورفعِ يدِه عنه، وعليه ينبنى كتابُ التفليسِ لكلِّ عالمٍ، ليس لهم
كتابٌ غيرُه، أما إنه قد رُوِى فى ذلك عن معاذٍ وسُرَّقٍ (١) أحاديثُ لم
تصِح١٢ُّ، وقد مهَّدْناها فى ((مسائلِ الخلافِ))، وركّثنا عليها مسائلَ
الفروعِ فى كتبِ المسائلِ.
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ح، هـ ، ط .
(٢) فى م: (( سوق)). وسرق ، بضم أوله وتشديد الراء وتخفيفها ، صحابى نزل مصر ويقال :
كان اسمه الحباب فغيره النبى وَظله. ينظر الإصابة ٤٤/٣.
(٣) حديث معاذ أخرجه الدارقطنى ٢٣٠/٤، وينظر التلخيص الحبير ٣٧/٣، وحديث سُرَّق
أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٥٧/٤.
١٣١
الموطأ
الاستذكار أن رجلاً مِن مجهينةً كان يَسْبِقُ الحاجّ، فيَشْتِى الرَّوَاحلَ فُغْلِى بها ، ثم
يُسرُِ السَّيْرَ فِيَسْبِقُ الحاجّ، فَأَفَلَسٍ، فرفع أمرُه إلى عمرَ بنِ الخطابِ،
فقال: أَمَّا بعدُ أيُّها الناسُ، فإن الأُسَتِفِعَ أُسَيِفِعَ بجهينةَ رضِى مِن دِينِه
وأمانتِه بأن يُقالَ: سبق الحاجّ. ألَا (١) وإنه قد دانَ(٢) مُعرِضًا، فأصبَح قد
رِينَ به، فمَن كان له عليهِ دَيْنٌّ فليَأْتِنا بالغداةِ نقسِمُ مالَه بينَهم،
وإِيَّاكُم والدَّيْنَ؛ فإن أوَّلَه هَمّ وَآخِرَه حَرَبٌ (٤).
°قال أبو عمرَ : ثُروَى: قد دانَ . و: قد ادّانَ . ويُروَى بلا قد .
وأكثرُ الرواةِ يَرْؤُونه : قد دانَ مُعْرِضًا. كما رواه يحيى ، وابنُ القاسمِ،
وابنُ بُکیرٍ، وغیرُهم ) .
قال أبو عمرَ: أما قولُه فى هذا الخبرِ: فأفْلَس. فإنه أراد : صار
مُفلِسًا، وطلَب الغرماءُ مالَهَ، فحالَ بينَه وبينَ مالِه، ثم دعا غرماءَه
ليقسِمَه بينَهم .
القبس
(١) سقط من: ح، هـ، وفى الأصل: (( كلا)).
(٢) فى ح، هـ، ورواية أبى مصعب، والبيهقى: ((ادان)).
(٣) فى الأصل، ط: (( دين)).
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٦٨٥) . وأخرجه البيهقى ٤٩/٦ من طريق مالك به .
(٥ - ٥) سقط من: ح، هـ.
١٣٢
الموطأ
وهذا شأنُ مَن أحاطَ دَيْنُ غرمائِه بمالِهِ، وقاموا عليه عندَ الحاكم الاستذكار
يطلبونه، وأثبتوا دُيُونَهم عليه بما لا مَدْفَعَ له فيه .
واختلف الفقهاءُ فى وُجوهٍ مِن هذا المعنى ؛ فقال مالكٌ: إذا حبسه
الحاكمُ بالدَّيْنِ لم يَجُزْ بعدَ ذلك إقرارُه؛ لأن حبسَه له تفليش، (( وأما قبلَ()
التفليسِ، فإنه جائزٌ إقرارُه وإن كان علیه دَیْنٌ.
قال: وإذا قام غرماؤُه عليه على وجهِ التفليس، فهو حَجْرٌ أيضًا .
وقال الثورىُّ والحسنُ بنُ حىّ : إذا حبسه القاضى فى الدَّينِ لم يكنْ
مَحْجورًا عليه حتى يُفْلِسَه، فيقولَ: لا أَجِيزُ لك أمرًا. وقال الأوزاعى: إذا
كان عليه دَيْنٌ لم تَجُزْ عليه صدقتُه . وهو قولُ الليثِ .
قال أبو عمرَ : قولُهما هذا قد قال بنحوه بعضُ أصحاب مالك ، ورَوَوه
عن مالكٍ فيمَن أحاطَ الدَّئِنُ بمالِهِ، أنه لا يجوزُ له هِبَةٌ ، ولا صدقةٌ ، ولا
عثقٌ - وإن لم يُوقِفِ السلطانُ مالَه ولم يضرِبْ على يدِه، ولم يمنَعْه
التصرّفَ فى مالِه - مِن أجلِ قيامٍ غُرمائِه عليه .
وأما قولُ سائرِ الفقهاءِ ففعلُ(١) مَن عليه دَيْنٌ جائزٌ فى هبتِه وصدقتِه
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((وإنما قيل: من شاء من غرمائه ما لم يكن من الحاكم فيه ما
وصفنا)).
(٢) فى ح، هـ: ((فقول)).
١٣٣
الموطأ
الاستذكار وقضاءٍ مَن شاء مِن غُرمائِه، ما لم يكن ( مِن الحاكم) فيه ما وصَفنا .
واتفَق مالكٌ وأصحابُه كلُّهم، حاشا ابنَ القاسم ، أن السَّفِيهَ الذى لم
يَحْجُرْ عليه أبٌّ (" ولا وَصِى٢ٌّ) ولا قاضٍ ، أن أفعالَه كلَّها نافذةٌ حتى يضربَ
الحاکم علی ینْه .
وذكَر المُزنىُّ، عن الشافعىِّ ، قال : إذا رُفع الذى يستحِقُّ التفليسَ إلى
القاضى، أشهد القاضى أنه قد أوقَف مالَه، فإذا فعَل لم يَجُزْ بيعُه ولا هِبتُه،
وما فعَل مِن ذلك ففيه قولان؛ أحدُهما أنه موقوفٌ، فإن فعل جاز.
والآخرُ أنه باطلٌ .
وقال ابنُ أبى ليلى: إذا أفلسَه الحاكمُ لم يَجُزْ بيعُه ولا هِبتُه(١) ولا
صدقتُه، ويبيعُ القاضى ما له ويقضِيه(٤) الغرماءَ.
وقال محمدٌ فى ((نوادرِ ابنِ سِماعةً)): قال أهلُ المدينةِ : إذا كان عليه
دَيْنٌ لم يَجُزْ إقرارُهُ(٥) ، ولا عِتقُه، ولا شىءٌ يُتْلَفُ به مالُه، حتى يقضِىّ ما
عليه .
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((للحاكم)).
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ، ط.
(٣) فى ح، هـ، ط: ((عتقه)).
(٤) فى ح، هـ: ((يقبضه)).
(٥) بعده فى الأصل، ط: ((لأحد حتى يقضى ما عليه))، وبعده فى م: ((لأحد أن يقضى ما
عليه )) .
١٣٤
الموطأ
قال محمدٌ: وقال (١) القاسمُ بنُ مَعْنٍ: إذا أَقَوَّ بدَيْنٍ فخُبس به، فحبسُه الاستذكار
حَجْرٌ عليه ، ولا يجوزُ إقرارُه حتى يقضِىَ الدَّيْنَ الأوَّلَ. وقال شريكٌ مثلَ
قولِه .
وقال محمدُ بنُ الحسن : يجوزُ إقرارُه وبيعُه وجميعُ ما صنَع فى مالِه
حتى يَحْجُرَ القاضى عليه، ويبطُلُ إقرارُه بعدَ حبسِه إياه بالدَّئْنِ.
وكان أبو حنيفةً لا يرى الحَجْرَ فى الدَّيْنِ، ومذهبه أن الحدّ لا يُحجّرُ
عليه لدَيْنِ ولا لِسَفَهِ، وخالَفه فى ذلك أصحابُه . وقال فى البيع فى الدَّيْنِ:
لا يُامُ على المَدِینِ شىءٌ مِن ماله، ويُحبسُ حتی یبیعَ هو، إلا الدنانيرَ
والدراهمَ فإنها تُباعُ عليه بعضُها ببعضٍ .
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشافعىُ، ومالكٌ، والليثُ، وسائرُ
الفقهاءِ: يُباعُ عليه كلَّ شىءٍ مِن مالِهِ، ويُقضَى غرماؤُه، فإن قام مالُه
بديونِهم ، وإلا قُسِم بينَهم على الحِصَصِ بقَدْرِ دَيْنِ كلِّ واحدٍ منهم .
وأما قولُه فى حديثٍ عمرَ: الأُسَتْفِعَ. فهو تصغيرُ أَشْفَعَ، والأَشْفَعُ
الأسمرُ الشديدُ الشَّمْرَةِ. وقيل: الأُسفعُ الذى تعلُو وجهَه حُمْرةٌ تَنْحُو إلى
السَّوَادِ .
وقولُه : قد ادّان مُعْرِضًا - أى استَدانَ مُتهاوِنًا بذلك - فأصبح قد رِينَ
القبس
(١) بعده فى ح، هـ: ((ابن)).
١٣٥
الموطأ
ما جاء فيما أفسَد العبيدُ أو جرَحوا
١٥٣٧ - قال يحيى: سَمِعتُ مالكًا يقولُ : السُّنةُ عندَنا فى جنایةٍ
الاستذكار به. أى أحيط به ، يريدُ أحاط به غرماؤُه وأحاطَ الدَّيْنُ به ، وذلك مِن معنى
قولِ اللهِ تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ الآية [المطففين: ١٤]. أى غلَب
الرَّيْنُ(١) على قلوبهم، فاسودَّ جميعُها، فلم تعرِفْ معروفًا، ولم تُنكر منكرًا .
وأما قولُه فى الدَّيْنِ: آخِرُهُ حَرَبٌ . والحَرَبُ بتحريكِ (٢) الراءِ السَّلْبُ،
ومنه قولُ العربِ : رجلٌ حَرِيبٌ . أى سَلِيبٌ مسلوبٌ ، قال الشاعرُ، وهو
القاسمُ بنُ أُمَّةَ بنِ أبِى الصَّلْتِ الثقفىُّ(٣):
قومٌ إذا نزَل الحَرِيبُ بدارِهِمْ رَدُّوه رَبَّ (٤) صَوَاهِلٍ وقِيانٍ(٥)
بابُ فيما أفسد العبيدُ أو جرَحوا
قال مالك: السُنّةُ(٦) عندَنا فى جنايةِ العبيدِ، أن كلَّ ما أصابَ العبدُ مِن
القبس
القضاءُ فى حالٍ العبيدِ
اعلَموا وفَّقكم اللهُ أن العبدَ له شرفُ الآدميةِ، خلقه اللهُ (٧ حيا درامياً) عاقلاً
(١) سقط من: ح، هـ، وفى م: ((الدين)).
(٢) فى ح، هـ: ((بتسكين)).
(٣) البيت فى الشعر والشعراء ١/ ٤٦٢.
(٤) فى الأصل ، م: ((رد)).
(٥) فى م: ((نیاق)).
(٦) فى ح، هـ: ((الأمر)).
(٧ - ٧) فى م: ((داركا)).
١٣٦
العبيدِ، أن كلّ ما أصاب العبدُ مِن بجرح جرَّح به إنسانًا، أو شىءٍ الموطأ
اختَلَسه، أو خَرِيسَةٍ احتَرَسها، أو ثمرٍ مُعلَّقٍ جَدَّه أو أفسده، أو
سرقةٍ سرّقها لا قطعَ علیه فيها ، أن ذلك فى رقبة العبد ، لا يعدو ذلك
الرقبةَ ، قلَّ ذلك أو كثُر ، فإن شاء سيدُه أن يُعطِىَ قيمةَ ما أخَذ غلامُه أو
أَفسَد، أو عُقْلَ ما جرَح، أعطاه وأمسَك غُلامَه، وإن شاءَ أن يُسلِمَه
أسلَمَه، ليس عليه شىءٌ غيرُ ذلك، سيدُه فى ذلك بالخيارِ .
مجرح جرّح به إنسانًا، أو شىءٍ اختلسه، أو (١ خَرِيسةٍ احترَسها١)، أو ثَمَرِ الاستذكار
مُعَلَّقٍ بجذَّه أو أفسده، أو سَرِقةٍ سرّقها لا قطعَ عليه فيها ، أن ذلك فى رقبةٍ
مميّزًا، فإِذا آمَن كمُلت درجتُه، بل فى الحديثِ أنها زادَتْ على درجةٍ الحرّ؛ القبس
لقول النبيِِّ وَ *: ((ثلاثةٌ يُؤْتّون أجرَهم مرّتين)). فذكره. وقال: «عبدٌ أُدَّی حقَّ
اللهِ وحقَّ مواليه))(١). وهو أح لمولاه دِينًا، وإن كان عبده نسبًا؛ لقول النبىّ ◌َل:
(إخوانگم خولکم، ملُککم اللهُ رِقاتهم، فأُطعِموهم مما تأكلون واكشُوهم مما
تَلْبَسون)) (٧) الحديثَ، فأخبر النبيُّ ◌َ﴿ أَنَّ الأُخوَّةَ والمثليةَ ثابتةٌ بينَ العبدِ وسيِّدِه،
إلا أن درجتْه نقّصت بملكِ الرقبة ، وحقيقةُ ذلك ومعناه أن العبدَ دُه وذِمَّتُه لا
سلطانَ للسيدِ عليهما، والدمُ معلومٌ، والذمةُ مجهولةٌ عندَ الناسِ، وقد بيًّّا فى
(١ - ١) فى ح: ((حرمية أخذها)). وينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٦١٤) من الموطأ .
(٢) البخارى (٢٥٤٧)، ومسلم (١٥٤).
(٣) سيأتي تخريجه فى شرح الحديث (١٩٠٥) من الموطأ .
١٣٧
الموطأ
- الاستذكار العبدِ، لا يَعْدُو ذلك الرقبةَ، قَلَّ ذلك أو كَثُر، فإن شاء سيدُه أن يُعطِىَ قيمةً
ما أخَذ غلامُه أو أفسد ، أو عَقْلَ ما جرَح، أعطاه وأمسَك غلامَه ، وإن شاء
أن يُسْلِمَه أسلَمه، ليس عليه شىءٌ غيرُ ذلك، سيدُه فى ذلك بالخِيارِ (١).
قال أبو عمرَ : اختلافُ الفقهاءِ فى هذا البابِ مُتَقارِبُ المعنى ، كلَّهم
يرى جنايةَ العبدِ فى رقبتِه، ويُخَيَُّ سيدُه فى فدائِه بجنايتِه، أو إسلامِه
(٢)
برُمَّتِه(٢) .
القبس «مسائل الخلاف» أنها عبارةٌ عن کونِ العبد أهلًا للإيجاب والاستحباب، وفی
العبد التصرّفُ والانتفائُ؛ وهو حقُّ السيد ، ثبت له ثبوتًا رسخ به فى الرقبة ، وتميّر
به عن عقد الإجارةِ الثابتِ فى المنفعةِ ، فإذا فهِمتم هذا فكلّ ما كان مِن الحقوقِ
يتعلَّقُ ( بالمالية والمنفعةِ فهو للسيدِ، وكلُّ ما كان مِن الحقوقِ يتعلَّقُ) بالدم
والذمَّةِ فهو للعبدِ ، إلا أنه ممنوعٌ شرعًا عن أن يُلْقِىَ فى دمِه أو ذمتِه معنًی یضُرُ
بالسيدِ فى ماليتِه ، فإن فعَل فما كان مِن القولِ الذى يمكِنُ ردُّه بطَل ، وما كان مِن
الفعلِ الذى لا يمكِنُ ردُّه نفَذ واستوفَى حكمَه وإن تعدَّى إلى حقِّ السيدِ ؛ لكون
الآدميةِ والدمويةِ "والذمِّيّةُ) أصولًا، والرّقُ فرعٌ، فظهَرت الأصولُ إذا
تعاضَدت(٥) أحكامُها بالفعل على حقِّ السيدِ، وعلى هذا تتركَّبُ مسائلُ العبيدِ
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٦/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٨٢).
(٢) فى الأصل: ((بذمته))، وفى م: ((فى ذمته)). وأعطاه الشىء برمته: كله. اللسان (رم م).
(٣ - ٣) ليس فى : د .
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥) فى د: ((تعارضت)).
١٣٨
الموطأ
رُوِى ذلك عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ (١)، وقال به جماعةُ علماءٍ الاستذكار
التابعين(١) وأئمةُ الفَتْوى بأمصارِ المسلمين. وحَسْبُك بقولِ مالكِ:
الشُنَّةُ عندَنا. يعنى ما وصَفنا . ولم يختلِفْ مالكٌ وأصحابُه فیما یَستهلِكُه
العبدُ مما لم يُؤْتمنْ(٤) عليه ، أنه فى رقبتِه. وهو قولُ جمهور الفقهاءِ.
وذكّر ابنُ حبيبٍ عن أصبغَ ، أن ما استهلكه العبدُ مما اؤْتُمِن عليه يكونُ
فى ذِمَّتِه . وقال ابنُ الماجشونِ: هو فى رقبته . وروَى سُحنونٌ عن ابنِ
فاعلِين باختيارِهم ، أو فاعلين قشرًا، أو فاعلين خَدعةً ، أو فاعلين خطأ، ونضرِبُ القبس
لذلك مثالَينٍ نكشِفُ لكم قِناعَ المسألةِ فنقولُ: إذا قتَل العبدُ قُتِل وبطَل حقُّ
السيدِ ، فإن أقرَّ بالقتلِ قُتِل أيضًا، فإنه لا يُتَّهِمُ أحدٌ فى هذه الحالِ ، وإن أقرّ بالقتلِ
خطأً لم يُقْتَلْ لاقترانِ التهمةِ بالإقرارِ . المثالُ الثانى : إن التَقَط العبدُ لُقْطَةً فعرّفها
سنةً ثم أُكَلَها، فإن جاء صاحبُها فهى فى ذمةِ العبدِ حتى يُعْتَقَ، وإن أُكَلها قبلَ
الحولِ فهى فى رقبتِه؛ لأنه تعدَّى بفعلٍ، وحُكْمُه أن يُؤَاخَذَ به وإن تعدَّى إلى حقِّ
السيدِ ، وفى ذلك تفريع طويلٌ واختلافٌ بينَ العلماءِ کثیرٌ، ولا سيّما إذا ترتّب
على العتقِ كتابةٌ أو تدبيرٌ، وقد شَفَيْنا مِن ذلك فى مسائلِ الفروعِ والخلافِ
فلْيُطْلَبْ فيه . واللهُ أعلمُ .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٣/٩.
(٢) فى الأصل: ((من)).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٣٣/٩ - ٢٣٥.
(٤) فى ح، هـ، ط، م: ((يؤمن)).
١٣٩
الموطأ
الاستذكار القاسم فى العبدِ يستأجِرُه الرجلُ لِيُبَلِّغَ بعيرًا له إلى موضعٍ،
فيذبحُه ويزعُمُ أنه خاف عليه الموتَ، فقال: قال مالكٌ: ومَن يعلم
ذلك؟ أُراه فى رقبةٍ العبدِ. وكذلك قال ابنُّ القاسمِ وأشهبُ، فى
العبدِ يتَرسَّلُ (١) على لسانِ سيدِه، ويُنكِرُ سيدُه ذلك، أن ذلك فى
رقبته .
قال أبو عمرَ : إن قتَل العبدُ عبدًا أو حرًّا، فاسْتَحياه وَلِىُّ الدم، كان
سيدُه بالخيارِ بينَ أن يَفْتَكّه بجميع ديةِ الحرِّ أو قيمةِ العبدِ ، أو يُسْلِمَه إلى
وَلِيٌّ الدمِ ويَشْترِقُّه، ويُضربُ مائةً، ويُسجنُ عامًا. هذا كلَّه قولُ مالكٍ
وأصحابِهِ وجمهورِ أهلِ العلم. وقال الشافعىُّ: سيدُ العبدِ المقتول بالخيارِ
فى العبدِ الذى قتَل عبدَه؛ إما أن يقتُلَ، وإما أن تكونَ قيمةُ العبدِ المقتولِ
فى عُنُقِ القاتلِ، فإن عفا عن القِصاصِ بِيع العبدُ القاتلُ، فإن كان فيه
فَضْلٌ " رُدَّ على سيد٢ٍ العبدِ القاتلِ، وإن كان فيه نُقْصانٌ ، فليس عليه غیرُ
ذلك. وأما أبو حنيفةً وأصحابُه، فذكَر الطحاوىُّ عنهم، قال: وإذا قتَل
العبدُ رجلًا خطأ قيل لمولاه: ادفَعْه إلى وَلِيِّ الجنايةِ، أَو اقْدِه منه بالدِّيَةِ .
فإن اختار فداءَه بالديةِ كان مأخوذًا بها حالَّةٌ لوَلِيٌ المقتولِ ، وإِن ثبت
بعدَ ذلك إِعسارُه بها ، فإن أبا حنيفةً كان يقولُ : قد زالتِ الجنایةُ عن
القبس
(١) فى م: ((يتوسل)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((فهو لسيد)).
١٤٠