النص المفهرس

صفحات 81-100

يُوصِىَ لبعضٍ ورثتِه بأكثرَ مِن ثلثِه - أنه ليس لهم أن يَرْجِعوا فى ذلك، الموطأ
ولو جاز ذلك لهم، صنَع كلُّ وارثٍ ذلك، فإِذا هَلَك المُوصِى أخَذُوا
ء
ذلك لأَنفُسِهِم، ومَنَعُوه الوصيةَ فى ثلثِه وما أُذِن له به فى مالِه .
قال: فأمَّا أَن يَشْتأذنَ ورثتَه فى وصيةٍ يُوصِى بها لوارثٍ فى
صحتِه، فيتَأْذنُون له، فإن ذلك لا يَلْزَمُهم، ولورثتِه أن يَرُدُّوا ذلك إن
شاءوا، وذلك أن الرجلَ إذا كان صحيحًا كان أحقُّ بجميع مالِه
يصنَعُ فيه ما شاء؛ إن شاء أن يخرُجَ مِن جميعِه خرَج، فيتصدَّقُ به
الاستذكار
ثُلُثِه - أنه ليس لهم أن يَرْجِعوا فى ذلك، ولو جاز ذلك لهم، صنَع كلَّ
وارثٍ ذلك ، فإذا هلَك المُوصِى أَخَذوا ذلك لأنفسِهم ، ومنعوه الوصيّةً فى
ثُلُثِه وما أُزِنَ له به فی مالِه .
قال: فأما أن يستأذِنَ ورَثَتَه فى وصيَّةٍ يُوصِى بها لوارثٍ فى صِحَّتِه،
فيأذَنون له، فإن ذلك لا يلزَمُهم، ولوَرَثتِه أن يَرُدُّوا ذلك إن شاءوا،
وذلك أن الرجل إذا کان صحیحًا کان احقَّ بجمیع ماله يصنُ فيه ما
شاء؛ إن شاء أن يخرج من جمیعه خرج، فیتصدَّقُ به أو يُعطِیه من شاء ،
وإنما يكونُ استِئِذَانُه جائزًا على الورثةِ، إذا أُذِنُوا له حينَ يُحْجَبُ مالُه
عنه، ولا يجوزُ « له شىءٌ) إلا فى ثُلُثِهِ، وحينَ هم أحقُّ بُثُلُثَى مالِه منه،
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((عنه)).
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/١٩)
:

الموطأ أو يُعْطيه مَن شاء، وإنَّما يكونُ اسْتِئذانُه ورثتَه جائزًا على الورثةِ ، إذا
أذِنوا له حين يُحجَبُ عنه مالُه، ولا يجوزُ له شىءٌ إلا فى ثلثِه،
وحينَ هم أحقُّ بُثُلثَىْ مالِه منه، فذلك حينَ يجوزُ عليهم أمرُهم وما
أذنوا له به، فإن سأل بعضَ ورثتِه أن يَهَبَ له ميراثَه حين تحضُرُه
الوفاةُ ، فيفعَلُ، ثم لا يَقْضى فيه الهالِكُ شيئًا، فإنه رَدِّ على مَن
وَهَبه ، إلا أن يقولَ لهُ المَيِّتُ : فلانٌ - لبعضٍ ورثتِه - ضَعيفٌ ، وقد
أحببتُ أن تَهَبَ له ميراثَك. فأعطاه إياه ، فإن ذلك جائزٌ إذا سمَّاه
المیتُ له .
قال: وإن وهَب له ميراثَه، ثم أَنْفَذ الهالِكُ بعضَه وبَقِى
بعضٌ ، فهو رَدِّ على الذى وهَب ؛ يَرجِعُ إليه ما بَقِى بعدَ وفاةٍ الذى
أُعْطِیَه .
الاستذكار فذلك حينَ يجوزُ عليهم أمرُهم وما أذِنُوا له به، فإن سأل بعضَ ورَثَتِه أن
يَهَبَ إله ميراثَه حينَ تَحْضُرُه الوفاةُ، فيفعلُ، ثم لا يَقْضِى فيه الهالكُ
شيئًا، فإنه رَدِّ على مَن وهَبه ، إلا أن يقولَ له الميتُ: فلانٌ - لبعضٍ
وَرَثِه - ضعيفٌ، وقد أحببتُ أن تَهَبَ له ميراثَك . فأعطاه إِيَّاه، فإن
ذلك جائزٌ إذا سمّاه المیتُ له .
قال: وإن وهَب له ميراثَه، ثم أَنفَذ الهالكُ بعضَه وبقِى بعضٌ، فهو ردّ
على الذى وهَب ، يرجعُ إليه ما بقِى بعدَ وفاةِ الذى أَعْطِيَه .
القبس
٨٢

الموطأ
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ على ثلاثة أقوالٍ :
الاستذكار
أحدُها ، قولُ مالكِ: إِن أذِن الوَرِثَةُ للمريضِ فى حالٍ مرضِه أن يُوصِیَ
لوارثِه بِثُلُثِه (١) أو بأكثرَ مِن ثُلُثِه، فهو لازمٌ لهم، إلا أن يكونوا ممن يُخافُ
دُخُولُ الضَّرَرِ عليهم مِن منع رِقْدٍ وإحسانٍ ، وقطعِ نَفقةٍ ومعروفٍ ، ونحوِ
هذا ، إن امتنعوا ، فإن كان ذلك لم يضُرَّهم إذنُهم ، وكان لهم الرجوعُ فيما
أذِنُوا فیه بعد موته . روی ذلك ابنُ القاسم وغیرُه عنه، وإن استأذَنھم فی
صحَّتِه فأذِنوا له، لم يلزَمْهم بحالٍ مِن الأحوالِ .
والقولُ الثانى ، أن ("إذنَهم له) فى الصحةِ والمرضِ سواءٌ، ويلزَمُهم
إذنُهم بعدَ موتِه ولا رُجُوعَ لهم. رُوِی ذلك عن الزهرىِّ، وربیعةً،
والحسنِ، وعطاءٍ. ورُوِى ذلك عن مالكِ، والصحيح عنه ما فى
«موطئه))، وهو المشهورُ مِن مذهبه .
والقولُ الثالثُ ، أن إذنَهم وإجازتَهم لوصيَّتِه فى صحَّتِه ومرضِه
سواء، ولا يلزمُهم شیءٌ منه ، إلا أن يُچِیزُوا ذلك بعدَ موتِه حین یچبُ لهم
الميراثُ ويجِبُ للمُوصَى له الوصيّةُ؛ لأنه قد يموتُ مِن مرضِه وقد لا
يموتُ، وقد يموتُ ذلك الوارثُ المُستأذَنُ قبلَه فلا يكونُ وارثًا ويَرِثُه
القبس
(١) ليس فى : الأصل ، ط ، م.
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((أذن لهم)).
٨٣

الموطأ. قال يحيى : وسمِعتُ مالكًا يقولُ فيمَن أوصى بوصيّةٍ ، فذكر أنه
قد كان أعطَى بعضَ ورثتِه شيئًا لم يَقْبِضْه، فأتَى الورثةُ أن يُجيزوا
ذلك، فإن ذلك يَرجِعُ إلى الورثَةِ ميراثًا على كتابِ اللهِ تعالَى؛ لأن
المیت لم يُرِدْ أن یقعَ شىءٌ مِن ذلك فی ثلثِه ، ولا يُحاصُ أهلُ الوصايا
فی ثلثِه بشىءٍ مِن ذلك .
الاستذكار غيرُه ، ومَن أجاز ما لا حقَّ له فيه ولم يجِبْ له ، فليس فعلُه ذلك بلازم له .
وممن قال ذلك الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، وسفيانُ الثورىُّ.
ورُوِى ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وشريحٍ، وطاوسٍ ١٢. وبه قال أحمدُ
وإسحاقُ .
قال مالكٌ فِيمَن أوصَى بوصيّةٍ، فذكر أنه قد كان أُعطَى بعضَ
ورَثْتِه شيئًا لم يقبِضْه، فيأتَى الورَثَةُ أَن يُجِيزوا ذلك، فإن ذلك يرجعُ
إلى الورَثَّةِ مِيراثًا على كتابِ اللهِ تعالى؛ لأن الميِّتَ لم يُرِدْ أَنْ يقَعَ
شىءٌ مِن ذلك فى ثُلُثِهِ، ولا يُحَاصُّ أهلُ الوصَايَا فى ثُثِهِ بشىءٍ مِن
ذلك .
قال أبو عمرَ: هذه وصيّةٌ لوارِثٍ ، لم يُعلَمْ بها إلا فى المرض ، أو عطيّةٌ
مِن صحيحِ ذكرها فى وصيَّتِه لتُخرجَ مِن ثُلُثِهِ، فحكمُها مُحُكْمُ الوصيةٍ (١)
فى المرضٍ ، فإذا لم يُجِزْها الورَثةُ لم تَجُجُزْ، ولا سبيلَ أن يكونَ من إقراره فى
القبس
(١) ينظر المحلى ٤٣٠/١٠.
(٢) فى ط، م: ((العطية)).
٨٤

الموطأ
ما جاء فى المؤنَّثِ مِن الرجالِ ومَن أحقُّ بالولدِ
١٥٣٢ - مالكٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن مُخَتًَّا كان
مرضِه شىءٌ ينقُلُ إلى محكّم الصحةِ عندَ جماعةِ أئمةِ الفقهاءِ الذين تدورُ الاستذكار
عليهم الفُتْيَا، كما لو أقرَّفى صحَّتِه لم يُحكم له بحُكم الإقرارِ فى المرضِ .
٥
وهذا رجلٌ أراد أن يصنعَ وهو مريضٌ صنيعَ صحيحٍ ، فيُعْطِىَ الوارثَ وهو
مريضٌ عطيَتَه مِن رأسٍ مالِه، فلم يُجِزْ له ذلك أهلُ العلم ، إلا أنه لو قال فى
مرضِه: كنتُ أعطيتُه فى صِحَّتِى شيئًا لم يقبِضْه، وأنا أُوصِى به له الآنَ .
فهذا موقوفٌ على إجازةِ الوَرَثةِ ، ولو كان لأجنبىٍّ ، وقد قال : أَنفِذوا له ما
أعطيتُه فى الصحة ، فقد أوصیتُ له به ، وأنفذتُه له . كان ذلك جائزًا له مِن
ثُلُثِه ، رضِى الورَثَةُ بذلك أو لم يَرْضَوا، إلا أن يكونَ أكثرَ مِن الثُّلُثِ ،
فيكونَ ذلك مِن إجازتِهم، على ما قدَّمنا، وهذا كلَّه قولُ جماعةِ الفقهاءِ .
والحمدُ للهِ کثیرًا .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن مُخَنًَّا كان عندَ أمّ سلمةَ زوج
التمهيد
ما جاء فى المؤنَّثِ مِن الرجالِ
القبس
ذكَر مالكٌ حديثَ المخنَّثِ الداخلِ على أمّ سلمةً إلى آخرٍ قولِه. وهذا
المختَّثُ اسمُه هِيتْ(١)؛ وهو مولى عبدِ اللهِ بن أبى أميةً، دخَل على أمّ سلمةً
(١) قيل: اسمه هنب وصحفت إلى هيت. ينظر الإصابة ٥٦٣/٦، والتاج (هيت).
٨٥
17

الموطأ عندَ أمُّ سَلَمَةَ زوج النبيِّ بَّهَ، فقال لعبدِ اللهِ بنِ أبِى أُمَيَّةً ورسولُ اللهِ
وَالْ﴾ يسمعُ: يا عبدَ اللهِ، إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا فأنا أدُلُّك
على ابنةٍ غَيْلَانَ، فإنها تُقبِلُ بأربعٍ وتُدِرُ بِثَمانِ. فقال رسولُ اللهِ وَله :
(( لا يَدْخُلَنَّ هؤلاءٍ عليكم)) .
التمهيد النبيِّ وَّةِ، فقال لعبدِ اللهِ بنِ أبِى أُميَّةَ وَرسولُ اللهِ وَلَهِ يسمَعُ: يا
عبدَ اللهِ ، إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا فإنى أدُلَّك على ابنةٍ غَيْلانَ ؛ فإنها
تُقبِلُ بأربع وتُدبرُ بثمانٍ. فقال رسولُ اللهِ: (( لا يَدخُلَنَّ هؤلاء عليكم)) (١).
القبس وعبدُ اللهِ عندَها ، فقال له وهم محاصِرو الطائفِ: إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا
فإِنِى أَدُلُّك على بادنةً(١) - بالنونِ - بنتٍ غيلانَ، فإنها تُقْبِلُ بأربع وتُدْبِرُ بثمانٍ، إن
جلّستْ تَبَّت(٢)، وإن قامت تثنَّتْ، وإن تكلَّمتْ تغنَّتْ:
(ألا قِصَرّ شانَها ولا قصفُ"
بینَ شُکولِ النساءِ خِلْقَتُها
كأنما شَفَّ وجهَها نُزُقُ(٥)
تَغتَرِقُ الطَّرْفَ وهى لاهيةٌ
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠١٧). وأخرجه الحارث بن أبى أسامة (٨٩١ - بغية)،
والنسائى فى الكبرى (٩٢٥٠)، وأبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٧٧٦)، وابن بشكوال
فى غوامض الأسماء ١٠٤/١ من طريق مالك به .
(٢) فى ج، م: ((باذنة)). وهى بادية - وقيل: بادنة ونادية - بنت غيلان بن سلمة الثقفى ،
وهى التى أمرها الرسول - * بالغسل عند كل صلاة فى الاستحاضة. ينظر الإصابة ٥٢٩/٧.
(٣) فى م: ((تثنت)). وتبنت : أى فرَّجت رجليها لضِخم رَكّيها، كأنه شبهها بالقبة من
الأدَم، وهى المبناة لسمنها وكثرة لحمها . وقيل: شبهها إذا ضُربت وطئِّبت انفرجت ، وكذلك
هذه إذا قعدت تربعت وفرجت رجليها . النهاية ١٥٩/١ .
(٤ - ٤) فى الديوان: ((قصد فلا جبلة ولا قضف)).
(٥) البيتان لقيس بن الخطيم . ينظر ديوانه ص٥٤، ٥٥ .
٨٦

الموطأ
هكذا رَوى هذا الحديثَ جمهورُ الرواةِ عن مالكِ مرسلًا. ورواه التمهيد
سعيدُ بنُ أبى مريمَ، عن مالكِ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن أمّ سلمةَ .
والصوابُ عن مالكِ ما فى «الموطأُ))، ولم يسمَعه عروةُ مِن أمّ سلمةً،.
وإنما رواه عن زينبَ ابنتِها عنها . كذلك قال ابنُ عُيينةَ وأبو معاويةً ، عن
هشامٍ .
فأما حدیثُ ابن أبی مریم ، عن مالك ، فحدّثناہ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
أحمدَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ،
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ ، قال: أخبرنا مالكٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ
عروةَ، عن أبيه، عن أم سلمةً، أن النبيَّ وَلِّ كان عندَها، وكان مختَّثٌ
عندَهم جالسًا، فقال المخنَّثُ لعبدِ اللهِ بنِ أبي أميةَ أخى أمّ سلمةً : إن
فتح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فأنا أدُلَّك على ابنةٍ غَيْلانَ؛ فإنها تُقَيِلُ بأربعٍ
فقال له النبيُ مَّاله: ((لقد غَلْغَلتَ (١) النظرَ يا عدوَّ اللهِ)). ثم قال لنسائِه: ((لا القبس
يَدْخُلَنَّ هذا عليكم)). قال علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم : كَان دخولُه فى غزوةِ الطائفِ
بعدَ نزول الحجابِ بسنتين، وإنما كان مأذونًا له فى ذلك لكونه مِن غيرِ أُولی
الإزبةِ، وللحَجَبةِ أحكامٌ ، بيانُها فى ((مسائلِ الأحكامِ)) ولم يُفْرِدْ لها علماؤنا كتابًا
ولا بابًا ، وقد بالَغْنا فيها فى كتابٍ (أحكام القرآنِ)) فلْيُنْظَرْ هناك فى سورة (النورِ) " .
(١) فى م: ((غلظت)). والغلغلة: إدخال الشىء فى الشىء حتى يلتبس به ويصير من جملته،
أى: بلغت بنظرك من محاسن هذه المرأة حيث لا يبلغ ناظر ولا يصل واصل ولا يصف
واصف. النهاية ٣٧٨/٣.
(٢) الأحكام ١٣٥٥/٣ - ١٣٦٤ .
٨٧
:
:

الموطأ
التمهيد وتُدْبِرُ بثمانٍ. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا يَدْخُلُ(١) هؤلاء عليكم)).
وأما حديثُ ابن عيينةَ ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا
الحُمَيدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشام بنُ عروةَ ، عن أبيه ،
عن زينبَ بنتٍ أبى سلمةً، عن أمِّها أمّ سلمةَ، قالت: دخَل علىَّ رسولُ اللهِ
﴿﴿ وعندى مُخَثٌ، فسمعه يقولُ لعبدِ اللهِ بنِ أبی أمیةَ: یا عبدَ اللهِ،
أرأيتَ إن فتح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فعليك بابنةٍ غَيْلانَ؛ فإنها تُقَبلُ
بأربعٍ وتُدبرُ بثمانٍ. قالت: فقال رسولُ اللهِ اَلِهِ: «لا يَدْخُلَنَّ هؤلاء
عليكم)). قال سفيانُ: قال ابنُ جريج: اسمُه هيتٌ. يعنى المخَّثَ(٢).
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاکرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ
أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ أيوبَ بنِ حبيبِ الرَّقْىُ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ ، قال: حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال :
حدَّثنا أبو معاويةً ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبی
سلمةً، عن أمّ سلمةَ. فذكر الحديثَ بتمامِه(٢) .
القبس
(١) فى م: ((تدخلن)).
(٢) الحميدى (٢٩٧) - ومن طريقه البخارى (٤٣٢٤)، والبيهقى ٢٢٤/٨.
(٣) أخرجه مسلم (٢١٨٠) عن أبى كريب به، وأخرجه أحمد ٩٣/٤٤ (٢٦٤٩٠)،=
٨٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: ذكَر عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ(١)، عن حبيبٍ كاتبٍ التمهيد
مالكٍ : قلتُ لمالكٍ : إن سفيانَ زاد فى حديثٍ ابنةٍ غيلانَ أن مخنَّثًا يقالُ
له : هِيتٌ . وليس فى كتابك هِيت. فقال مالك: صدَق، وهو كذلك،
وكان النبيُّ ◌َهِ غرَّبه إلى الحِمَى )، وهو موضعٌ مِن ذى الحُليفةِ ذات
الشمالِ مِن مسجدِها. قال حبيبٌ: وقلتُ لمالكِ: وقال سفيانُ فى
الحديثِ : إذا قعَدت تَبَّتْ(٢) ، وإذا تكلَّمت تغنّت. قال مالكٌ: صدَق ،
كذلك هو فى الحديثِ . قال : وقلتُ لمالكِ : قال سفيانُ فى تفسيرِ : تُقبِلُ
بأربعٍ وتُدبِرُ بثمانٍ: يعنى مِظَلةً(٤) الأعرابِ، مُقَدَّمُها أربعٌ، ومَدْبِرُها ثمانٍ .
فقال مالكٌ: لم يصنَعْ شيئًا، إنما هى عُكَنٌ أربع إذا أقبلَت ، وثمانٍ إِذا
أدبرَت، وذلك أن الظّهرَ لا تنكسِرُ فيه العُكَثُ.
قال أبو عمرَ: كلُّ ما ذكّره حبيبٌ كاتبُ مالكٍ، عن سفيانَ بنِ عيينةً
أنه قال فى الحديثِ ، یعنی حدیثَ هشام بن عروةً هذا، فغير معروفٍ فیه
عندَ أحدٍ مِن رواتِه عن هشامٍ ، لا ابنٍ عيينةً ولا غيرِهِ، ولم يَقُلْ سفيانُ فی
القبس
= والنسائى فى الكبرى (٩٢٤٩) من طريق أبى معاوية به .
(١) تفسير غريب الموطأ ٥٦/٢ - ٥٩.
(٢) كذا فى النسخ، وفى تفسير غريب الموطأ: ((الجماء)). وينظر معجم البلدان ١١٠/٢،
٣٤٣. وينظر تعليق محقق كتاب ((تفسير غريب الموطأ)) على هذا الموضع.
(٣) فى م: ((تثنت)).
(٤) المظلة: الكبير من الأخبية. التاج ( ظ ل ل ).
٨٩

الموطأ
التمهيد نسَقِ الحديثِ أن مختّئًا يُدْعَى هيتٌ، وإنما ذكَره عن ابن جريجٍ بعدَ
تمامِ الحديثِ، على ما ذكرناه عن الحُميدىِّ عنه، وهو أثبتُ الناسِ
فى ابنٍ عيينةً، وكذلك قولُه عن سفيانَ أنه كان يقولُ فى الحديثِ :
إذا قعَدت تبَنَّت(١)، وإذا تكلَّمت تغنَّت. هذا ما لم يَقُلْه سفيانُ ولا
غيرُه فيما علِمتُ فى حديثٍ هشامٍ بنٍ عروةَ، وهذا اللفظُ لا يُحفظُ إلا
مِن روايةِ الواقدىِّ، والعجبُ أنه يحكيه عن سفيانَ. ويَحْكى عن
مالكِ أنه كذلك، فصارت روايةً عن مالكٍ، ولم يَزْوِ ذلك عن
مالكٍ(٢) غيرُ حبيبٍ، ولا ذكَره عن سفيانَ غيرُه أيضًا. واللهُ أعلمُ .
وحبيبٌ كاتبُ مالكِ متروكُ الحديثِ، ضعيفٌ عندَ جميعِهم، لا
يُكتبُ حديثُه، ولا يُلتفتُ إلى ما يجىءُ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنٍ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ
يحيى، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ بنُ الأعرابيّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ
ابنِ عبدِ الجبارِ العُطاردىُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُّ بُكيرٍ، عن هشامٍ بنِ
عروةَ ، عن أبيه ، عن زينبَ ابنةِ أمّ سلمةً ، عن أمّ سلمةً ، قالت : كان عندى
مخنثٌ ، فقال لعبدِ اللهِ أخى: إن فتَح اللهُ عليكم الطائفَ غدًا، فإنى أدُلُّك
على ابنةٍ غيلانَ؛ فإنها تُقْبِلُ بأربعٍ وتُديرُ بثمانٍ. فسمِع رسولُ اللهِ وَل
القبس
(١) فى م: ((تثنت)).
(٢) بعده فى م: ((أحد)).
٩٠

الموطأ
التمهيد
قولَه، فقال: ((لا يَدْخُلَنَّ هؤلاء عليكم)) (١).
قال: وحدَّثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابنٍ(٢) إسحاقَ، قال: وقد كان
مع رسولِ اللهِ وَل﴿ مَوْلَّى لخالتِه فاختةَ ابنةِ عمرو بنِ عائذٍ مخنَّثٌ، يقالُ
له : ماتٹ. یدخُلُ علی نساء رسول الله ێ۔ ویکونُ فی بیته، ولا یری
رسولُ اللهِ وَلِ ﴿ أنه يَفْطِنُ لشىءٍ مِن أمرِ النساءِ مما يَفْطِئُ إليه الرجالُ،
ولا یری أن له فی ذلك أُرَبًا ، فسمعه وهو یقولُ لخالد بن الوليد : یا
خالدُ ، إن فتَح رسولُ اللهِ وَّرِ الطائفَ، فلا تَنْفِلِنَّ منك باديةُ(١) ابنةُ
غيلانَ بنِ سلمةَ، فإنها تُقبلُ بأربع وتُدِرُ بثمانٍ. فقال رسولُ اللهِ وَلَه
حينَ سمِع هذا منه: ((أَلَّا أَرَى هذا () الخبيثَ يفطِنُ لِما أسمَعُ)). ثم
قال لنسائِه: ((لا يدخُلُ عليكم)). فيحُجِب عن بيتِ رسولِ اللهِ وَه .
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ إباحةُ دخولِ المُختَّثين مِن الرجالِ على
النساءِ وإن لم يكونوا منهن بمَحْرمٍ ، والمُخلَّثُ الذی لا بأسَ بدخوله علی
النساءِ هو المعروفُ عندَنا اليوم بالمؤنثِ، وهو الذى لا أرَبّ له فى النساءِ،
ولا يهتدِى إلى شىءٍ مِن أَمورِهن؛ فهذا هو المؤنثُ المخنثُ الذى لا بأسَ
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢٢٣/٨، ٢٢٤ من طريق العطاردى به .
(٢) فى النسخ: ((أبی)).
(٣) فى الأصل: ((بادنة)).
(٤) سقط من: م.
٩١٠

٠
الموطأ
التمهيد بدخولِه على النساءِ، فأما إذا فهِم معانىَ النساء والرجالِ، كما فهم هذا
المخنثُ هيتٌ (١) المذكورُ فى هذا الحديثِ، لم يجُزْ للنساءِ أن يدخُلَ
علیھن، ولا جاز له الدخولُ علیھن بوجه من الوجوه ؛ لأنه حينئذٍ لیس مِن
الذين قال اللهُ عزَّ وجلَّ فيهم: ﴿غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١].
وليس المخنثُ الذى تُعرفُ فيه الفاحشةُ خاصةً وتُنسبُ إليه، وإنما
المخنثُ شدةُ التأنيثِ فى الخِلْقةِ حتى يُشْبِة المرأةَ فى اللينِ والكلامِ والنظرِ
والنغمةِ، وفى العقلِ والفعلِ، وسواءً كانت فيه عاهةُ الفاحشةِ أو(٢) لم
تكنْ . وأصلُ التخنُثِ التكسرُ واللينُ ، فإذا كان كما وصَفنا لك ، ولم یکنْ
له فى النساءِ أَرَبٌّ، وكان ضعيفَ العقلِ لا يفطِنُ الأُمورِ النساءِ(١) أَبْلة،
فحينئذٍ يكونُ مِن غيرٍ أولى الإربةِ الذين أُبِيحَ لهم الدخولُ على النساءِ ، ألا
ترى أن ذلك المخنثَ لمَّا فهِم مِن أمورِ النساءِ قصةً بنتِ غَيلانَ ، نھَی
رسولُ اللهِ وَّلَهِ حينَئذٍ عن دخولِه على النساء، ونفاه إلى الحِمَى فيما
ژوی .
واختلف العلماءُ فى معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِى
اَلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. اختلافًا متقاربَ المعنى لمن تدبُّر.
القبس
(١) فى م: ((وهو)).
(٢) فى م: ((أم)).
(٣) فى م: ((الناس)).
٩٢

الموطأ
ذكَر ابنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا سهلُ بنُ يوسفَ ، عن عمرٍو، عن التمهيد
الحسنِ: ﴿أَوِ الشَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هم قومٌ
طُبِعوا على التخنيثِ، فكان الرجلُ منهم يَتبعُ الرجلَ يخدُمُه ليُطعمَه ويُنفقَ
عليه، لا يستطيعون غِشْيانَ النساءِ ولا يَشْتَهونه .
قال(١) : وحدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن ليث، عن مجاهدٍ فى قوله : ﴿غَيْرِ
أَوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الأبْلهُ الذى لا يعرفُ أمرَ النساءِ.
قال(١): وأخبرنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ ، قال: هو الذى لم
يبلُغْ أَرَبُه أن يطّلعَ على عوراتِ النساءِ .
وذكر محمدُ بنُ ثورٍ وعبدُ الرزاقِ (١) ، جميعًا عن معمر، عن قتادةَ:
أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو التابع الذى يتبعُك فیصیبُ
مِن طعامِك، ﴿غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ﴾. يقولُ: لا أربَ له ، ليس له فى النساءِ
حاجةٌ .
وعن علقمةً ، قال: هو الأحمقُ الذى لا يريدُ النساءَ ولا يُرِدْنَه . وعن
طاوسٍ وعكرمةَ مثلَه . وعن سعيد بن جبيرٍ: هو الأحمقُ الضعيفُ العقلِ .
وعن عكرمةَ أيضًا: هو العِنِّينُ(١) .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣١٨/٤.
(٢) عبد الرزاق ٥٧/٢ مقتصرا على تفسير: ﴿أو التابعين﴾ .
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣١٨/٤، ٣١٩، وتفسير ابن جرير ٢٦٩/١٧، ٢٧٠،=
٩٣

الموطأ
التمهید
وو کیچٌ، عن سفيانَ ، عن ابنِ أُبی نَجیح، عن مجاهدٍ ، قال : هو
الذى يريدُ الطعامَ ولا يريدُ النساءَ، ليس له هَمِّ إلا بطنَه (١).
وعن الشعبىِّ أيضًا وعطاءٍ مثلَه(٢) . وعن الضحاكِ: هو الأبْلهُ. وقال
الزهرىُّ: هو الأحمقُ الذى لا هِمََّ له فى النساءِ ولا أربَ(٣) . وقيل: كلُّ
مَن لا حاجةً له فى النساءِ مِن الأتباع ؛ نحوَ الشيخ، والهَرَمِ، والمجبوبِ،
والطفلِ، والمعتوهِ، والعِنِّينِ .
قال أبو عمرَ : هذه أقاويلُ متقاربةُ المعنى ، ويجتمعُ فى أنه لا فهمَ له
ولا هِمَّةَ يَنتبهُ بها إلى أمرِ النساءِ، وبهذه الصفةِ كان ذلك المخنثُ عندَ
رسولِ اللهِ وَلَّه، فلما سمِع منه ما سمِع مِن وصفِ محاسنِ النساءِ، أمَر
بالاحتجاب منه .
وذكَر معمرٌ، عن الزهرىِّ وهشامٍ بن عروةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ ،
قالت: كان رجلٌ يدخُلُ على أزواج النبيِّ وَلِّ مُخَنَّتْ، فكانوا يعُدُّونه مِن
غيرٍ أُولى الإربةِ، فدخَل علينا النبيُّ وَ لِّ يومًا وهو عندَ بعضٍ نسائِه وهو
القبس
= وتفسير ابن أبى حاتم ٢٥٧٨/٨.
(١) تفسير سفيان ص ٢٢٥ - ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره ٢٦٧/١٧.
(٢) ينظر تفسير ابن جرير ٢٦٩/١٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٥٨، وابن جرير فى تفسيره ٢٦٩/١٧ من طريق معمر
: به .
٩٤

الموطأ
ينعَتُ امرأةً ، فقال: إنها إذا أقبلَت أَقبلَت بأربع، وإذا أدبرت أدبَرت بثمانٍ. التمهيد
فقال: (((ألا أرى" هذا يعلمُ ما ههنا، لا يدخُلَنَّ هذا عليكم)).
(٢)
فحجبوه
وأما قوله : تُقبلُ بأربع وتُدبژُ بثمانٍ . فالذی ذكّر حبيبٌ عن مالك هو
كذلك أو قريبٌ منه، وإنما وصَف امرأةً لها فى بطنِها أربعُ مُكَنِ، فإذا
بلَغت خِصْرَيها صارت أطرافُ المُكَنِ ثمانيًا ؛ أربعًا مِن هلهنا، وأربعًا مِن
هلهنا، فإذا أقبَلت إليك واستقبَلتك ببطنِها، رأيتَ لها أربعًا، فإذا أدبرَت
عنك صارت تلك الأربعُ ثمانيًا مِن جهةٍ الأطرافِ المجتمعةِ ، وهكذا
فشّره كلُّ مَن تكلَّم فى هذا الحديثِ ، واستشهد عليه بعضُهم بقولِ النابغةِ
فى قوائمٍ ناقته (٣):
أُنَخْنَ لتعريسِ فَعُدْنَ ثمانيًا
على قَصَباتٍ(٤) بينَما هُنَّ أربع
يعنى أن هذه الناقةً إذا رفَعت قوائمَها أربعٌ، فإذا انحنَت قوائمُها
وانطوت صارت ثمانيًا .
وقد رُوى هذا الخبرُ عن سعد بن أبى وقاصٍ بخلافٍ هذا
القبس
(١ - ١) فى م: ((لأرى)).
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٠٧) من طريق معمر به .
(٣) البيت فى تفسير غريب الموطأ ٢/ ٥٥.
(٤) فى م: ((هضبات)).
٩٥

الموطأ.
التمهيد اللفظِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ
عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ المختارِ، عن ابن أبى ليلى، عن
عبدِ الكريم، عن مجاهدٍ ، عن عامرِ بنِ سعدٍ ، عن سعدِ بنِ مالكٍ ، أنه
خطَب امرأةً وهو بمكةً مع رسولِ اللهِ وَله، فقال: ليت عندى مَن رآها
ومَن يُخبرُنى عنها. فقال رجلٌ مخنثٌ يُدعى هِيتُ: أنا أنعتُها لك؛ إذا
أقبلَت قلتَ : تمشى على ستٍّ . وإذا أدبرَت قلتَ : تمشِى على أربع .
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أرى هذا إلا مُنكَرًا، ما أَراه إلا يعرفُ أَمرَ
النساءِ)). وكان يدخُلُ على سَودةَ، فنهاه أن يدخُلَ عليها، فلما قدِم
المدينةَ نفاه، فكان كذلك حتى أُمُر عمر فجَهِد(١)، فكان يُرخِّصُ له
يدخُلُ المدينةَ يومَ الجمعةِ فيتصدَّقُ ؛ يعنى يسألُ الناسَ . قاله ابنُ
(٢)
وضَّاحِ(٣).
وأما الواقدىُّ وابنُ الكلبيّ، فإنهما قد ذكرا أن هِيئًا المخنثَ قال
لعبدِ اللهِ بنِ أبى أميةَ المخزوميِّ وهو أخو أمّ سلمةَ لأبيها، وأُّه عاتكةُ عمةُ
القبس
(١) فى النسخ: ((فجلد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٧٥٨) عن ابن أبى شيبة به، وأخرجه الدورقى فى مسند سعد (٣٥)،
والبزار (١٠٨٣) من طريق بكر بن عبد الرحمن به .
٩٦

الموطأ
◌َّ له التمهيد
وستِعم
رسولِ اللهِ وَله، قال له وهو فى بيتٍ أختِه أمّ سلمةَ ورسولُ اللهِ
يسمَعُ : إِن افتتَحتم الطائفَ ، فعليك بباديةً ابنةٍ غيلانَ بنِ سلمةَ الثقفىِّ؛
فإنها تُقبلُ بأربع، وتُدبرُ بثمانٍ، مع ثغرٍ كالأُقْحوانِ(١)، إن جلست
تبئَّت(٢) ، وإن تكلَّمت تغنَّت، بينَ رجلَيها مثلُ الإِناءِ المَكْفوءِ، وهى كما
قال قيسُ بنُ الخطيمِ(٣) :
تَغْترِقُ الطَّرْفَ وهى لاهيةٌ كأنما شَفَّ وجهَها نُزُفُ(٤)
قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ (٥)
بينَ شُكُولِ النساءِ خِلْقتُها
قامَت رُوَيدًا تكادُ تَنْقِصِفُ(٧)
تنامُ عن كُبْرٍ(١) شأنِها فإذا
فقال له النبيُ وَّله: ((لقد غَلْفَلْتَ النظرَ إليها يا عدوّ ◌ُ اللهِ)). ثم
القبس
(١) الأقحوان : نبت زهر أصفر أو أبيض، ورقه مسنن كأسنان المنشار، ومنه البابونج، وکثر فى
الأدب العربى تشبيه الأسنان بالأبيض المؤلل منه، والجمع أقاح وأقاحى. الوسيط (أقحوان).
(٢) فى م: (تثبت)).
(٣) ديوانه ٥٤ - ٥٧، وفيه البيت الثانى قبل البيت الأول.
(٤) تغترق : تستغرق عيون الناس بالنظر إليها، نزف: رقيقة المحاسن حتى كأن دمها منزوف.
اللسان ( ن ز ف، غ ر ق ).
(٥) الشكول: الضُّروب، والجبلة: الغليظة، والقضف: دقة العظم وقلة اللحم. ينظر اللسان
(ج ب ل، ش ك ل، ق ض ف ).
(٦) الكبر، بضم الكاف وكسرها : معظم الشىء. ينظر اللسان ( ك ب ر ).
(٧) فى الديوان: ((تنغرف)). وكلاهما بمعنى. وينظر اللسان ( غ ر ف ).
(٨) فى م: ((عبد)).
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/١٩)
-

الموطأ
التمهيد أجلاه عن المدينةِ إلى الحِمَى. قال: فلما افتُتحت الطائفُ، تزوَّجها
عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ، فولدت له بُرَیھةً ، فی قولِ ابنِ الكلبىِّ . قال : ولم
يزَلْ هِيتُ بذلك المكانِ حتى قُبض النبيُّ وَلِّ، فلما وَلِى أبو بكرِ كُلِّم فيه
فأبى أن يُرُدَّه ، فلما ولى عمرُ كُلِّم فيه فأتى ، ثم كُلِّم فيه بعدُ ، وقيل له : إنه
قد كبِر وضعُف ( واحتاج١) . فأذِن له أن يدخُلَ كلَّ جمعةٍ فيسألَ ويرجعَ
إلى مكانِه . قال : وكان هِيتٌ مولّى لعبدِ اللهِ بن أبى أميةً المخزوميِّ ، وكان
طويشٌ(٢) له أيضًا، فمِن ثَمَّ قَبِل(٣) الخنَثَ.
قال أبو عمرَ : يقالُ : بادیةُ ابنةُ غَیلانَ بالیاءٍ ، وبادنةُ بالنونِ ، والصوابُ
عندهم بالياءِ بادیةُ . وهو قول أکثرهم ، و كذلك ذگرہ الزییُ(٤) بالياءِ . فاللهُ
أعلمُ .
وأما قولُه: تغنَّتِ . فقالوا : إنه من الغُنَّةِ لا مِن الغِناءِ. أى: كانت تتغنّنُ
فى كلامِها مِن لينِها ورخامةِ صوتِها ، يقالُ مِن هذه الكلمةِ: تغنَّن الرجلُ،
وتغنَّى. مثلَ: تظنَّن وتظنَّى . قال ابنُ إسحاقَ: وممن استُشهد يومَ الطائف
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((مونا)).
(٣) فى م: ((قيل)).
(٤) كذا فى النسخ، وفى تفسير القرطبى ٢٣٦/١٢: ((الزبيرى)). وهو فى نسب قريش
لمصعب الزبيرى ص ٢٦٩، ٢٧٠.
٩٨

١٥٣٣ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه قال: سمِعتُ القاسمَ الموطأ
ابنَ محمدٍ يقولُ: كانت عندَ عمرَ بنِ الخطابِ امرأةٌ مِن الأنصارِ ،
فَوَلَدَت له عاصمَ بنَ عمرَ، ثم إنه فارَقَها، فجاء عمرُ قُبَاءً فَوَجَد ابنَه
عاصمًا يلعَبُ بفِناءِ المسجدِ ، فأخَذ بعَضُدِه فوَضَعه بينَ يَدَيْه على
الدَّابَّةِ، فَأَدْرَ كَتْه ◌َدَّةُ الغُلامِ، فنازَعَتْه إِيَّاه حتى أتَيا أبا بكرِ الصِّدِّيقَ،
فقال عمرُ: ابنى. وقالت المرأةُ : ابنى. فقال أبو بكرٍ : خَلِّ بينَها
وبينَه . قال: فما راجَعَه عمرُ الكلامَ .
عبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ أخو أمّ(١) سلمةَ مِن رَميةٍ(٢).
التمهيد
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه قال: سمِعتُّ القاسمَ بنَ محمدٍ الاستذكار
يقولُ: كانت عندَ عمرَ بنِ الخطابِ امرأةٌ مِن الأنصارِ ، فولَدت له عاصمَ
القضاءُ فى الحضانةِ
القبس
روَى أبو داودَ وغيرُه أن امرأةً جاءت إلى النبيِّ وََّفقالت: يا رسولَ اللهِ ، إِن
ابنى هذا كان بَطْنِى له وِعاءً، وثدبى له سِقاءً، وحَجْرى له حواءً، وإن أباه طلَّقنِی
ويريدُ أن يأخُذَه منى. فقال لها النبىُ نَّ: ((أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحِى)) (١). واتفَق
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((زمعة)).
(٣) أبو داود (٢٢٧٦) .
٩٩

الموطأ
قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: وهذا الأمر الذى آخُذُ به فى ذلك .
الاستذكار ابنَ عمرَ، ثم إنه فارَقها، فجاء عمرُ قُبَاءً فوجَد ابنَه عاصمًا يلعَبُ بفناءٍ
المسجدِ ، فَأَخَذ بعَضُدِهِ فوضَعه بينَ يديهِ على الدابةِ، فأدركَتْه جَدَّةٌ
الغلام، فنازعَتْه إِيَّه حتى أتَيًّا أبا بكرِ الصديقَ، فقال عمرُ: ابنى. وقالت
المرأةُ : ابنى. فقال أبو بكرٍ: خَلُّ بينَها وبينَه . فما راجَعه عمرُ الكلامَ.
قال مالكٌ: وهذا الأمر الذى آخُذُ به فى ذلك(١).
القبس العلماءُ على ذلك؛ لأن الآدمى محتاج فى صِغَرِه إلى الكفالة ، محتاج فی کېرِه إلى
النصرةِ والولايةِ ، والأُمّ على الكفالةِ أقدرُ وبها أبصرُ، فإنها التى تكفُّلُ ويسعى
الأبُ" فى معاشِه، وبينها وبينَ الولدِ علاقةٌ فى هذه الحالةِ ليست للوالدِ ، وهو إذا
كَبِر واستقلّ بنفسِه محتاج إلى النصرةِ، فهو سيأوِى إليها إذا وجَدها، ولذلك
٥
مهما عكَفت الأمّ على الولدِ كانت به أحقّ، فإذا دخَل بها زوجها الثانى سقط
حقُّها بالنصَّ وبالمعنى، وهو أن الضررَ يَلْحَقُ الولدَ باشتغالِها بزوجِها فى حالةٍ
الكفالةٍ ، والتهائِها (١) به فى حالةِ المباضعةِ، وتعريضٍ ولدِ الغيرِ " معه للذلةٍ)،
فُزِل عنها ، وإلى مَن يُخزّلُ؟ فاعْلَموا أنَّ الموجودَ هلهنا عمودان ؛ أحدُهما عمودُ
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/١١و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٣٠١٦).
وأخرجه البيهقى ٥/٨، والبغوى فى شرح السنة (٢٤٠٠)، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء
٤٢٢/١ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) فى ج: ((الأب))، وفى م: ((الابن)).
(٣) فى د: ((التهابا))، وفى م: ((انتهائها)). والمثبت موافق لنسخة على حاشية د.
(٤ - ٤) فى م: ((منه إلى الذلة)).
١٠٠
: