النص المفهرس

صفحات 61-80

الموطأ
وهذه الهجرةُ هى التى كان يَخْرُمُ بها على المهاجرِ الرُّجُوعُ إلى الدارِ التى التمهيد
هاجَر منها. وقالت عائشةُ: إنَّما كانت الهجرةُ قبلَ فتح مكةَ والنبىُّ وَله
بالمدينةِ، لِيَفِرَّ الرجلُ بدينه إلى رسولِ اللهِ وَلَهُ. وَرَوَى ابنُ عباسٍ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَّ قال يومَ الفتح: ((لا هجرةَ، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا
اسْتُنْفِرْتُم فاتْفِرُوا)). رواه مجاهدٌ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ(١). وقد
جاءَتْ أحادِيثُ ظاهِرُها(١) فى الهجرة على خلافٍ هذه(٢) ؛ منها حدیثُ
عبدِ اللهِ بنِ وَقْدَانَ القُرَشِىِّ، وكان مُسْتَرْضَعًا فى بنى سعدٍ ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما قُوتِل الكفارُ)). ورَوَى ابنُ
مُحَيْرِيٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ السَّعْدِىِّ، عن النبيِّ وَ لِّ مثلَه(٤) . ومنها حدیثُ
معاويةً، أنَّ النبيَّ وَ لَّ قال: (( لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ حتى تَنْقَطِعَ التوبةُ ، ولا
تَنْقَطِعُ التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْرِبِها))(٥) . قال أبو جعفر الطحاوىُّ:
هذه الهجرةُ هِجرةُ المعاصى غيرَ الهجرَتَيْنِ الأَولَتَيْنِ، كما روَى الزهرىُّ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٤٨/٣ (١٩٩١)، والبخارى (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣)، وأبو داود
(٢٠١٨)، والترمذى (١٥٩٠)، والنسائى (٤١٨١) من طريق مجاهد به.
(٢) فى ر: ((ظاهرة)).
(٣) فى الأصل: ((هذا)).
(٤) أخرجه أحمد ١٠/٣٧ (٢٢٣٢٤)، والبخارى فى تاريخه ٢٧/٥، والطحاوى فى شرح
المشكل (٢٦٣٣)، وابن حبان (٤٨٦٦)، والبيهقى ١٧/٩، ١٨ من طريق ابن محيريز به.
(٥) أخرجه أحمد ١١١/٢٨ (١٦٩٠٦)، والبخارى فى تاريخه ٩/ ٨٠، وأبو داود (٢٤٧٩)،
والنسائى فى الكبرى (٨٧١١).
٦١

الموطأ
التمهيد عن صالِحِ بنِ بَشِيرِ بنِ فُدَيْكِ، قال: خرَج فُدَيْكٌ إلى رسولِ اللهِ وَه،
فقال: يا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّهم يَزْعُمُون أنَّه مَن لم يُهَاجِرْ هَلُك. فقال رسولُ اللهِ
قال : «یا فُدَیُ، أقم الصلاة، وآت الزكاة ، واهجر الشّوءَ، واسْكُنْ مِن
أرضِ قومِكَ حيثُ شِئْتَ، تكنْ مُهَاجِرًا)) (١). وقال الحكمُ بنُ عُتَيْبَةً:
أَفْضَلُ الجِهادِ والهجرةِ كلمةُ عدلٍ عندَ إِمامٍ جائِرٍ. وقد قيل: إنَّه لم تكنْ
هجرةٌ مُفْتَرَضَةٌ بالجملةِ على أحدٍ إلَّا على أهلِ مكةً، فإِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ
اقْتَرَض عليهم الهِجْرَةَ إلى نبيِّهم وَ لَ حتى فَتَح عليه مكةً، فقال حينَئِذٍ :
(( لا هجرةَ بعدَ الفتح، ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ)). فمَضَتِ الهِجرةُ على أهلِ
مكةً، لكن(٢) مَن كان مهاجِرًا لم يَجُزْ له الرُّجومُ إلى مكةً واسْتِيطانُها وتركُ
رسولِ اللهِ وَه، بل افْتُرِض عليهم المُقَامُ معه، فلما مات وَهِ افْتَرَقوا فى
البُلْدانِ، وقد كانوا يَعُدُّون مِن الكبائِرِ أن يَرْجِعَ أعرابًّا بعدَ هِجْرَتِه .
وهذا الحديثُ يَدُلَّ على أن قولَه: ((لا هجرةَ بعدَ الفتح)). أىْ: لا
هجرةَ مُبْتَدَأةً يَهْجُرُ بها المرءُ وطنَه هِجْرَانًا لا يَنْصَرِفُ إليه، مِن أهل مكةً ؛
قريشٍ خاصَّةً، بعدَ الفتح، وأمَّا مَن كان مُهاجِرًا منهم، فلا يجوزُ له
الرجوعُ إليها على حالٍ مِن الأحوالِ ويَدَعُ رسولَ اللهِ وَله. وهذا بَيِّنٌ
القبس
(١) أخرجه البخارى فى تاريخه ٧/ ١٣٥، والطحاوى فى شرح المشكل (٢٦٣٩)، وابن حبان
(٤٨٦١)، والطبرانى ٣٣٦/١٨ (٨٦٢)، والبيهقى ١٧/٩ من طريق الزهرى به.
(٢) سقط من: م.
٦٢

الموطأ.
1
فیما(١) ذگونا إن شاء اللهُ .
· التمهيد
وقد بَقِى مِن الهجرةِ بابٌ باقٍ إلى يومِ القيامةِ، وهو المسلمُ فى دارٍ
الحربِ إذا أُطْلِقَتِ(٢) أَسْرَتُه، أو كان كافرًا فأسْلَم، لم يَحِلَّ له المُقامُ فى
دارٍ الحربٍ، وكان عليه الخُرُوجُ عنها(١) فرضًا واجِبًا. قال رسولُ اللهِ
مَله : ((أنا بَرِىءٌ مِن كلِّ مسلم مع مشرِكٍ))(٤). وكيف يجوزُ لمسلم
المُقَامُ فى دارٍ تَجْرِى عليه فيها أحكامُ الكفرِ، وتكونُ کلمتُه فیھا سُفْلَی
ويَدُه وهو مسلمٌ؟ هذا لا يجوزُ لأحدٍ .
وفيه دليلٌ على قطع الذرائع فى المحَرَّماتِ ؛ لأَنَّ سعدًا وإن كان
مريضًا، فربَّما حمَل غيرَه ◌ُبُّ الوَطَنِ على دَعْوَى المرضِ، فلذلك قال
رسولُ اللهِ وَِّّهِ: ((اللَّهُمَّ أَمْضِ لأصحابى هِجرتَهم ولا تَرِدَّهم على
أعقابِهم، لكن البائِسُ سعدُ بنُ خَوْلَةَ )) .
" وزعَم أهلُ الحديثِ أن آخرَ حديث ابن شهابٍ هذا، قوله: ((لکن
البائسُ سعدُ بنُ خولةَ)) °). وقوله: يَرْثِى له رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ ماتَ بمكةً .
القبس
(١) فى م: ((مما)).
(٢) فى م: ((أطاقت)).
(٣) ليس فى: الأصل.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذى (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله البجلى.
(٥ - ٥) سقط من: ر، م.
٦٣

الموطأ
التمهيد من قول ابن شهابٍ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، حدَّثنا محمدُ
ابنُّ أبى العَوَّامِ، حدَّثنا يزيدُ(١) بنُ هارونَ ، أخبرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن
الزهرىُّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ أَآلټ عاده فى مرضِه
بمكةَ، فقال : يا رسولَ اللهِ، إِنِّى أدَعُ مالاً كَثِيرًا، وليس يَرِثُنى إلا ابنةٌ لى،
أفأُوصِى بمالى كلِّه؟ قال: ((لا)). قال: فبنصفِه؟ قال: ((لا)). قال:
فبثُلُثِهِ؟ قال: ((الثُّلُثُ، والثلثُ كَثِيرٌ، سعدُ، إِنَّكَ أنْ تَدَعَ (٢) وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ
خيرٌ(٢) مِن أن تَدَعَهم (٤) عالةً يَتَكَفَّفونَ الناسَ، وإِنَّكَ تُؤْجَرُ فى نَفَقَّتِك
كلِّها، حتى فيما تَجْعَلُ فى فِى(٥) امْرَأْتِك)). قال: يا رسولَ اللهِ، إِنِّی
أُرْهَبُ أن أموتَ فى الأرضِ التى هاجَرتُ منها، فادعُ اللهَ لى. قال:
(اللَّهُمَّ اشْفٍ سعدًا، اللهم اشْفِ سعدًا)). قال: يا رسولَ اللهِ ، أَأَخلَّفُ عن
هجرتِى؟ قال: ((إِنَّك عسى أنْ تُخَلَّفَ، ولعلك أن تَعِيشَ بعدى حتى يُضَرَّ
بك قومٌ ويَنْتَفِعَ بك آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أُمْضِ لأصحابى هِجرتَهم ولا تَرُدَّهم
على أعقابِهم، لكِنِ البائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ)) .
القبس
(١) فی م: «يونس))
(٢) فى الأصل: ((تذر)).
(٣) بعده فى الأصل: ((لك)).
(٤) فى الأصل: ((تذرهم)).
(٥) سقط من: م.
٦٤

الموطأ
وفى قولِ سعدٍ فى هذا الحديثِ: إنى أَرْهَبُ أن أموتَ فى الأرضِ التى التمهيد
هاجَرْتُ منها. وقولِ النبيِّ وَلِّ: ((اللَّهُمَّ أَمْضٍ لأصحابى هجرتَهم)).
دليلٌ على أنَّه إنَّما تحَزَّن على سعدِ بنِ خَوْلَةً؛ لأَنَّه مات فى الأرضِ التى
هَاجَر منها، لا أنَّه لم يُهَاجِر، كما ظَنَّ بعضُ مَن لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّ سعدَ
ابنّ خَوْلَةَ ممَّن شَهِد بَدْرًا عندَ جماعَةِ أهْلِ السيرِ والعلم بالخبرِ ، على أنَّه قد
رُوِىَ ذلك أيضًا نَصَّا .
وروَی جَرِیرُ بنُ حازم، قال: حدَّثنی عمی جریرُ بنُ زيد ١، عن عامٍ
ابنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمكةَ، فأتانى رسولُ اللهِ وَالت يعودُنى ،
فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ ، أموتُ بالأرضِ(٢) التى هاجَرْتُ منها؟ ثم ذكَرَ مَعْنَی
حديثٍ ابنِ شهابٍ هذا، وفى آخِرِه: ((لكنْ سعدُ بنُ خَوْلَةَ البائسُ قد مات
فى الأرضِ التى هاجر منها))(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ ، قال :
حدَّثنا سعيدُ بنُّ عثمانَ الْأَعْنَاقِىُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ
الأَيْلىُ ، قال : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ
القبس
(١) فی ق، م: ((یزید)).
(٢) فى ق، م: ((بأُرضى)).
(٣) أخرجه أحمد ١٥٥/٣ (١٥٩٩)، والدورقى فى مسند سعد (٢٧) من طريق جرير بن
حازم به .
٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٥/١٩)
١

الموطأ
التمهيد أبى وَقَّاصٍ، عن عبد الرحمنِ الأعرج، قال: خَلّف النبيُّ نَّه على سعدٍ
رجلاً، فقال: ((إن مات بمكةً فلا تَدْفِتْه بها)). قال سفيانُ: لأَنَّه كان
مهاجرًا(١).
ورَوَی سفيانُ بنُّ عیینةً ، عن محمدِ بنِ قیسٍ ، عن أبی ثُودَةً ، عن سعد
ابنِ أبِى وَقَّاصٍ، قال: سألتُ النبىَّ بَّهِ: أَتَكْرَهُ للرجلِ أنْ يموتَ بالأرضِ
التى هاجَر منها؟ قال: ((نعم)) ().
وقال فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ : سأَلْتُ إبراهيمَ عن الجوارِ بمكةً، فَرَخَّص
فيه، وقال: إنَّما كُرِه لقَلَّا يَغْلُوَ السَّعْرُ، وكُرِه لمن هاجر أن يُقِيمَ بها().
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسمِ، حدَّثنا ابنُ(٤) المُفَسّرِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
علىّ ، حدّثنا یحیی بنُ معینٍ ، حدّثنا و کیتٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ سعيد(٥) ، عن
أبيه، عن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ إِذا قَدِم مكةً قال: ((اللَّهُمَّ لا
تَجْعَلْ مَنَايَانًا بها حتى تُخْرِجَنا منها))(٦).
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ١٤٦، والفاكهى فى أخبار مكة (٢٣٨٦) من طريق ابن عيينة به .
(٢) أخرجه ابن سعد ١٤٦/٣، والفاكهى فى أخبار مكة (١٥٤٨) من طريق ابن عيينة به .
(٣) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة (١٥٥٢) من طريق فضيل به.
(٤) فى م: ((أحمد بن)). وينظر سير أعلام النبلاء ٢٨٢/١٦.
(٥) فى ر، م: ((سعد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧/١٥.
(٦) بعده فى ر، م: ((لأنه كان مهاجرا)).
٠
والحديث أخرجه أحمد ٣٩٦/٨ (٤٧٧٨)، والفاكهى فى أخبار مكة (١٥٤٧) من طريق =
٦٦
١

قال يحيى : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى الرجل يُوصِى بثلثِ مالِه لرجلٍ الموطأ
ويقولُ: غُلامى يخدُمُ فلانًا ما عاش، ثم هو حُرٌّ. فيُنظَرُ فى ذلك ،
فيُوجَدُ العبدُ ثُلُثَ مالِ المَيِّتِ، قال: فإن خِدمةَ العبدِ تُقوَّمُ ثم
یتحاصَّانِ ، يُحاصُ الذی أوصِی له بالثلث بثلثه ، ويُحاصُ الذى أوصِی
له بخدمةِ العبدِ بما قُوّم له مِن خدمةِ العبدِ ، فیأخُذُ كلُّ واحدٍ منهما مِن
خدمةِ العبدِ أو مِن إجارتِه - إن كانت له إجارةٌ - بقدرٍ حصتِه ، فإذا
مات الذى جعِلتْ له خدمةُ العبدِ ما عاش، عَتَق العبدُ .
وأمَّا سعدُ بنُ خَوْلَةَ، فرجلٌ مِن بنى عامرٍ بنِ لُؤَىٍّ، وقد قيل: إِنَّه حَلِيفٌ التمهيد
لهم. وقد ذكرناه فى كتابِنا فى ((الصحابةِ))(١) بما فيه كِفايَةٌ.
حدَّثنى خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرِ بنِ الوَرْدِ ،
قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ غُلَيْبٍ(٢) وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابِرٍ ، قالا:
حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنى اللَّيْثُ، عن تَزِيدَ بنِ أَبی حَبِيبٍ ،
قال : تُؤُفِّىَ سعدُ بنُ خَوْلَةَ فِى حَجَّةِ الوَدَاعِ(٣) .
الاستذكار
قال مالكٌ فى الذى يُوصِى بِثُلُثِ مالِه لرجلٍ ويقولُ : غَلامى يخدُمُ
القبس
= وكيع به، وأخرجه أحمد ٢٥٢/١٠ (٦٠٧٦)، والبزار (١٧٥١)، والطبرانى (١٣٣٢٩)،
والبيهقى ١٩/٩ من طريق عبد الله بن سعيد به .
(١) الاستيعاب ٢ / ٥٨٦.
(٢) فى م: ((علية)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٠/٦.
(٣) الليث بن سعد فى تاريخه - كما فى فتح البارى ٣٦٤/٥.
٦٧

الموطأ
الاستذكار فلانًا ما عاش، ثم هو حرّ. فيُنظَرُ فى ذلك، فيُوجَدُ العبدُ ثُلُثَ مالِ الميّتِ ،
قال: فإن خدمةَ العبدِ تُقَوَّمُ ثم يتحاصَّانِ، يُحاصُّ الذى أُوصِى له بالثُّلُثِ
بِثُلُثِهِ ، ويُحاصُّ الذى أُوصِى له بخدمةِ العبدِ بما قُوِّم له مِن خدمةِ العبدِ ،
فيأخُذُ كلُّ واحدٍ منهما مِن خدمةِ العبدِ أو مِن إجارتِه - إن كانت له إجارةٌ -
بقَدْرٍ حصَّتِه، فإذا مات الذى جُعِلت له خدمةُ العبدِ ما عاش، عتَق العبدُ .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم القولُ فيما زاد مِن الوَصَايا على الثُّلُثِ ، أن ذلك
موقوفٌ عندَ جمهورٍ العلماءِ على إجازةِ الوَرَثةِ، وقد ذكرنا الخلافَ فی
ذلك . وأما الوصيةُ بخدمةِ العبيدِ، وغَلَّةِ البساتين، وسُكْتَى المساكنِ(١)،
فقد اختلف الفقهاءُ فى ذلك؛ فقال مالكٌ، و" الثورىُّ، والليثُ،
وعثمانُ البَتَّىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وسَوَّارٌ (٣ وعبيدُ اللهِ بن٣ُ) الحسنِ
قاضِى البصرة: الوصيةُ بشكْتَى الدارِ، وَلَّةِ البساتين فيما يُستأنَفُ،
وخدمةِ العبدِ ، جائزةٌ إذا كانت الثُلُثَ أو أقلَّ، وكذلك ما زاد على القُّلُثِ
مِن ذلك إذا أجازه الوَرثةُ. وقال ابنُ أبى ليلى وابنُ شُبْرُمَةَ : الوصيّةُ بكلِّ
ذلك باطلٌ غيرُ جائزةٍ . وبه قال داودُ وأهلُ الظاهرِ؛ لأن ذلك منافعُ طارئةٌ
على مِلْكِ الوارثِ لم يملِكُها الموروثُ قبلَ موتِه . وقد أجمعوا أنه لو أوضَى
القبس
(١) فى ط، م: ((المساكين)).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((وعبد الله وعبيد الله بن))، وفى ح، هـ: ((وعبد الله بن))، وفى م:
((وعبد الله وعبيد الله ابنا)).
٦٨

الموطأ
بشىءٍ ومات وهو فى غيرِ مِلْكِه، أن الوصيّةَ باطلٌ، والوصيّةُ بالمنافع الاستذكار
كذلك؛ لأنه قد مات وهى فى غيرِ مِلْكِه، فإن شُبِّه على أحدٍ بأن الإجارةَ
یملُ المُؤاچِئُ بها البَدَلَ مِن منافعها وإن لم تکنْ فی مِلْكِه، فلیس کذلك ؛
لأن المُؤَاجِرَ على مِلْكِه كلُّ ما يطرأُ مِن المنافعِ ما دام الأصلُ فى مِلْكِه
وكان حيًّا، وليس الميتُ بمالكِ لشىءٍ مِن ذلك؛ لأن المنافعَ طارئةٌ على
مِلْكِ الوَرَثةِ .
:
فأما الأوقافُ، فإن السُنَّةَ أَجَازَتها بخُرُوجِ مِلْكِ أصلِها عن
المُوقِفِ) إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ (٢ لتجرِىَ غلَّتُها٢) فيما يُقَرِّبُ منه، وليست
المنافعُ فيها طارِئةً على مِلْكِ المُوقِفِ؛ ("لأنه مُستحِيلٌ أن يَمْلِكَ الميتُ
شيئًا. وقد قال بعضُهم: إن أصولَ الأوقافِ على مِلْكِ المُوقِفِ )؛ لقولٍ
رسولِ اللهِ وَله: ((ينقطِعُ عملُ المرءِ بعدَه إلا مِن ثلاثٍ))(٤). فذكَر
منها صدقةٌ يَجْرِى عليه نفعُها. وهذا ليس بشىءٍ؛ لأن الثوابَ والأجرَ
الذى ينالُه الميثُ مما (*) يُوقِفُه مِن أصولٍ مالِه إنما كان، لأن أصلَه خرَج
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((أصل ملكها عن الوقف)).
(٢ - ٢) فى م: ((ليتحرى عليها)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ح، هـ.
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٢٤/٧.
(٥) فى ح، هـ، م: ((فيما))، وفى ط: ((بما)).
٦٩

قال: وسَمِعتُ مالكًا يقولُ فى الذى يُوصِى فى ثلثِه فيقولُ : لفُلانٍ
الموطأ
كذا، ولفلانٍ كذا. يُسمِّى مالًا مِن مالِه، فيقولُ ورثتُه: قد زاد على
ثلثِه . فإن الورثةَ يُخيَّرون بينَ أن يُعْطُوا أَهلَ الوصايا وصاياهم ويأْخُذُوا
جميعَ مالِ المَيِّتِ ، وبينَ أن يَقْسِموا لأهل الوصايا ثلثَ مالِ الميّتِ ،
فيُسلِّمُوا إليهم ثلثَه، فتكونَ حقوقُهم فيه إن أرادوا، بالغًا ما بلَغ.
الاستذكار عن مِلْكِه إلى اللهِ تعالى، فبذلك استحَقَّ الأَجرَ؛ كمَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً
فَعُمِل بها بعدَه .
أخبرنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ
عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى عمرَ(١)، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ
عُيينةً، قال : قال ابنُ شُبرُمَةَ وابنُ أبى ليلى : مَن أوصَى بفرعِ شىءٍ ولم
يُوصِ بأصلِه، فليس بشىءٍ .
قال أبو عمرَ : قولُ ابنٍ أبى ليلى وابنِ شُبْرُمَّةً ومَن تابَعهما قولٌ صحيحٌ
فى النظرِ والقياسِ، وإن كان على خلافِه أكثرُ الناسِ .
قال مالكٌ فى الذى يُوصِى بِثُلُثِه فيقولُ: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا .
يُسمِّى مالاً مِن مالِه، فيقولُ وَرَثَتُه: قد زاد على ثُلُثِه. فإن الوَرَثةَ يُخَيَّرون
القبس
(١) فى ط، م: ((عمرو))، وهو محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى. ينظر تهذيب الكمال
٦٣٩/٢٦، وتذكرة الحفاظ ٦٤٩/٢.
٧٠

الموطأ
بِينَ أن يُعْطُوا أهلَ الوَصَايا وصَاياهم ويأْخُذوا جميعَ مالِ الميتِ ، وبينَ أن الاستذكار :
يَقْسِمُوا لأهل الوصَايا ثُلُثَ مالِ الميتِ ، فيُسَلِّموا إليهم ثُلُثَه، فتكونَ
حقوقُهم فيه بالغًا ما بلَغ .
قال أبو عمرَ: هذه مسألةٌ معروفةٌ لمالكِ وأصحابِه(١) يَدْعُونها مسألةً
خَلعِ القُّلُثِ، وخالَفهم فيها أبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ ،
وداودُ، وأصحابُهم، وأنكروها على مالك رحمه اللهُ. وقد أجمعوا أن
الوصيَّةَ تصِحُ بموتِ المُوصِى وقَبولِ المُوصَى له إِيَّاها بعدَ موتِ المُوصِى.
وإذا صَحَّ مِلْكُ المُوصَى له للشىءِ المُوصَی به له، فكيف تجوزُ فيه
المُعاوضةُ بِثُلُثٍ لا يُتْلَغُ إلى(٢) معرفتِه ولا يُوقفُ على حقيقتِهِ؟!
وقد أجمعوا أنه لا تجوزُ البَياعَاتُ والمُعاوضاتُ فى المجهولاتِ،
وأجمعوا أنه لا يَحِلُّ مِلْكُ مالكِ إلا عن طِيبٍ نفسِه، فكيف يُؤخذُ
مِن المُوصَى له ما قد ملكه بموتِ المُوصِى وقَبولِه له - بغيرِ طيبٍ
نفس منه ؟!
ومِن حُجَّةِ مالكِ أن الثُّلُثَ موضعٌ للوَصَايا، فإذا امتنع الوَرَثةُ أن
يُخرِجوا ما أوصَى به الميتُ ، وزعَموا أنه تعدَّى فيه بأكثرَ مِن الثُّلُثِ ، خُيّروا
بينَ أن يُسَلِّموا للمُوصَى له ما أوصَى به الميتُ له، أو يُسَلِّمُوا إليه ثُلُثَ
القبس
(١) فى م: ((أصحابها)).
(٢) فى م: ((إلا)).
٧١

أمرُ الحاملِ والمريضِ والذى يحضُرُ القتالَ فى أموالهم
الموطأ
١٥٣٠ - قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: أحسنُ ما سمِعتُ
فى وصيةِ الحاملِ وفى قَضائِها فى مالِها وما يجوزُ لها، أن الحاملَ
الاستذكار الميتِ، كما لو جنَى العبدُ جنايةٌ قيمتها مائةُ (١) درهم، والعبدُ قيمتُه
ألفّ(٢) ، كان سيدُه مُخَيَّرًا بينَ أن يؤدِّىَ أَرْشَ الجنايةِ ، فلا يكونُ للمجنىِّ
عليه إلى العبدِ سبيلٌ، وبينَ أن يُسلِّمَ العبدَ إليه، وإن كان يُساوِى أضعافَ
قيمةِ الجنايةِ .
قال أبو عمرَ: الذى أقولُ به أن الوَرَثَةَ إِذا ادَّعَوا أن الشىءَ المُوصَی به
أکثر مِن النُّلُثِ كُلُّفُوا بیان ذلك، فإذا ظهر ذلك و کان کما ذكروا أكثرَ مِن
الثُّلُثِ، (٣أخَذ منه٢) المُوصَى له قدرَ ثُلُثِ مالِ الميتِ، وكان شريكًا للوَرَثةِ
بذلك فيه ، وإن كان الثُّلُثَ فأقلَّ أُجبِروا على الخروج عنه إلى المُوصى له .
وبالله التوفيقُ .
بابُ أمرِ الحاملِ والمريضِ والذى يحضُرُ القتالَ فى أموالهم
قال مالكٌ : أحسنُ ما سمِعتُ فى وصيَّةِ الحاملِ وفى قضَائِها فى مالِها
القبس
الحكمُ الخامسُ : إذا ثبت أن المرضَ يعلِّقُ حقَّ الورثةِ بالمالِ ، ويقبِضُ يدَ
(١) فى ح، هـ، ط: ((ألف)).
(٢) فى ح، هـ، ط: ((ألوف)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((يأخذ منه))، وفى م: ((يأخذ من)).
٧٢

كالمريض؛ فإذا كان المرضُ الخفيفُ غيرُ المَخُوفِ على صاحبِهِ ، الموطأ
فإن صاحبه يصنَعُ فى مالِه ما شاء، وإذا كان المرضُ المَخُوفُ عليه،
لم يَجُزْ لصاحبِه شىءٌ إلا ثُلُه .
وما يجوزُ لها، أن الحاملَ كالمريضِ؛ فإذا كان المرضُ الخفيفُ غيرُ الاستذكار
المخُوفِ علی صاحبِه، فإن صاحبه يصنعُ فى مالِه ما شاء، وإذا كان
المرضُ المَخُوفُ ، لم يَجُزْ لصاحبِه شىءٌ إلا ثُلُه .
المريضِ عن التصرف فيه، وتحقَّقْنا أنَّ حكمةَ ذلك وعلَّتَه الخوفُ على المريضِ القبس
مِن المنيةِ فى الغالبِ ، فإنه قد تنزِلُ بالأصحَاءِ أحوالٌ تتحقَّقُ فيهم هذه العِلَّةُ،
فوجب أن يكونَ حكمهم محُكمَ المريضِ فى حكم قصرٍ تصرّفِهم على الثلثِ ،
كالحاملِ فى أخريات أمرِها، والمُلَّج فى البحرِ لم يُساحِلُ(١) به، وحاضرٍ (٢
الزحفِ فى مُلْتَم القتالِ ، والتعرُّضِ للحتفِ، وهى مسألةٌ مِن مسائلِ الخلافِ،
وقد يثَّاها هنالك، وهى أظهرُ مِن أن يُدَلَّ عليها .
فهذه أصولٌ من أحكام الوصايا يُزْبَطُ ما وراءَها بها ، وقد كَثُرتْ(١) فروعها فى
كتبٍ علمائِنا بما يدْخُلُ عليها مِن قواعدِ الولايةِ والجهالةِ والقسمةِ والترجيحِ
لشخصٍ على شخصٍ ، إلى غير ذلك من عَوارِضِها ، فلْيُردًّ كلَّ فرع منها إلى أصلِه،
وليُغَلَّبِ الأقوى مِن الأصولِ عند التعارضِ، حسَبَ ما يثنَّه فى كتابٍ ((الترجيحٍ)).
(١) فى م: ((يتساحل)). ولم يساحل: لم يصل إلى ساحل البحر. ينظر التاج (س ح ل).
(٢) فى م: ((خائض)).
(٣) فى م: ((ذكرت)).
٧٣

قال : و کذلك المرأةُ الحامِلُ ، أول حملها بِشْرٌ وسرورٌ ، ولیس
الموطأ
بمرضٍ ولا خوفٍ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال فى كتابه: ﴿فَبَشَّرْنَهَا
بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، وقال: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا
خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِ، فَلَّا أَنْقَلَتَ دَعَوَ اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَّتَكُونَنَّ
مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩]. قال: فالمرأةُ الحاملُ إذا أَثْقَلَتْ لم يَجُزْ
لها قَضاءٌ إلا فى ثلثِها، فأولُ الإتمامِ ستةُ أشْهُرٍ ، قال الله تبارك وتعالى
فى كتابِهِ: ﴿وَالْوَِّدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ
ج
[البقرة: ٢٣٣]. وقال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾.
الرَّضَاعَةَ﴾
[الأحقاف: ١٥]. فإذا مَضَت للحاملِ ستةُ أشهرٍ مِن يومَ حَمَلَتْ، لم
يَجُزْ لها قضاءٌ فى مالِها إلا فى الثلثِ .
الاستذكار
قال : و کذلك المرأةُ الحاملُ، أوَّلُ حملها پِشْرٌ وسرورٌ، ولیس
بمرضٍ ولا خوفٍ ؛ لأن الله تعالى قال فى كتابه: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن
وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾. وقال: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَت
دَّعَوَ اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾. قال: هى
المرأة الحاملُ إذا أثقَلت لم يَجُزْ لها قضاءً إلا فى ثُلُثِها، فأوَّلُ الإتمام ستةُ
أشهرٍ، قال اللهُ تعالَى فى كتابِهِ: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ
لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةُ﴾. وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾. فإذا
مَضَتْ للحامل ستة أشهرٍ مِن یوم حملت ، لم يجزْ لها أن تقضى فى مالِها
القبس
٧٤

قال: وسَمِعتُ مالكًا يقولُ فى الرجلِ يحضُرُ القتالَ، أنه إذا الموطأ
زَحَف فى الصَّفِّ للقتالِ، لم يَجُزْ له أن يَقْضِىَ فى مالِه شيئًا إلا فى
الثُّلُثِ، وأنه بمنزلةِ الحاملِ والمريضِ المَخُوفِ عليه ما كان بتلك
الحالِ .
شيئًا إلا فى الثُّلُثِ.
الاستذكار
وقال مالكٌ فى الرجلِ يحضُرُ القتالَ ، أنه إذا زحَف فى الصفِّ للقتالِ،
لم يَجُزْ له أن يقضىَ فى مالِهِ شيئًا إلا فى الثُّلُثِ، وأنه بمنزلةِ الحاملِ
والمريضِ المَخُوفِ عليه ما كان بتلك الحالِ(١).
قال أبو عمرَ : أصلُ " هذا البابٍ" المرضُ الذى يُلازمُ به صاحبُه
الفراشَ، ولا يَقْدِرُ(١) معه على شىءٍ مِن التصرّفِ ، ويَغْلِبُ على القلوبِ أنه
يُتخوّفُ عليه منه الموتُ ، فإذا كانت هذه حالَ المريضِ، فالعلماءُ
مُجْمِعون قديمًا وحديثًا أنه لا يجوزُ له أن يقضِىَ فى مالِه بأكثرَ مِن القُّلُثِ .
وأما الحاملُ، فأجمعوا على أن ما دونَ ستة أشهرٍ مِن حملها هى فيه
كالصحيح فى أفعاله وتصرُّفِه فى مالِه، وأجمعوا أيضًا أنها إذا ضرّبها
المَخَاضُ والطّلْقُ، أنها كالمريضِ المَخوفِ عليه، لا يَنفُذُ لها فى مالِها
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٧/١١ظ، ١٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب
(٣٠٠٢ - ٣٠٠٤).
(٢ - ٢) فى ط، م: ((علامات)).
(٣) فى م: ((يعذر).
٧٥

الموطأ
الاستذكار أكثرُ مِن ثُلُثِها. واختلفوا فى حالِها إذا بلَغت ستةً أشهرٍ مِن حملها إلى حينٍ
يحضُرُها الطَّلْقُ؛ فقال مالك ما وصفه فى « موطئه)) على ما ذكرناه . وهو
قولُ الليثِ بنِ سعدٍ، وأحمدَ (١)، وإسحاقَ، وطائفةٍ مِن السلفِ. وقال
أبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهما ، والثورىُّ، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ،
والأوزاعى، وأبو ثورٍ، وداودُ : الحاملُ كالصحيحِ ما لم يكنِ المَخَاضُ
والطَّلْقُ، أو يَحْدُثْ بها مِن الحَمْلِ ما تصِيرُ به صاحبةً فراشٍ .
وأجمَع العلماءُ على أن مَن بلَغت منه الجِرامحُ أن أَنفَذَت مَقاتِلَه، أو قُدِّم
لقتلٍ فى قصاصٍ ، أو لرجم فى زنّى، أنه لا يجوزُ له مِن القضاءِ فى مالِه إلا
ما یجوزُ للمريض صاحبٍ الفراشِ المخُوفِ عليه . و کذلك الذی یَيْرُزُ فى
التحامِ الحربٍ(٢) .
وأجمَع العلماءُ على أن عتقَ المريضِ صاحبِ الفراشِ الثقيلِ المرضِ
لعبيدِه فى مرضِه ، إذا مات مِن مرضِه ذلك، لا يَتْقُذُ منه إلا ما يَحمِلُ ثُلُثُ
مالِهِ. وثبت ذلك عن النبيِّ وَّهِ، مِن حديثٍ عمرانَ بنِ خُصينٍ (٣ وغيرِهِ
فى الذى أعتَق ستةً أَعْبُدٍ له عندَ موتِه لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فأقرَّع رسولُ
اللهِ وَّ بِينَهم، فأعتَق ثلثَهم اثنين، وأُرَقَّ ثلثيهم أربعةٌ(٣) . وأجمَع
القبس
(١) سقط من: ط .
(٢) بعده فى ح، هـ، ط، م: ((للقتال)).
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((وقد ذكرناه)). والحديث سيأتى تخريجه ص ١٩٢ - ٢٠٠.
٧٦

الموطأ
الجمهورُ مِن العلماءِ الذين هم حَُّةٌ على مَن خالَفهم أن هِبَاتِ المريضِ الاستذكار
وصدقاتِه وسائرَ عَطَاياه، إذا كانت حالُه ما وصَفنا ، لا يَنْفُذُّ منها إلا ما
حمَل ثُلُه . وقال داودُ وأهلُ الظاهرِ : أَمَّا عِتقُ المريضِ، فعلى ما جاء فى
الحديثِ عن النبيِّ وَِّ فى الذى أعتَق ستةً أَعْبُدٍ له فى مرضِه ، لا مال له
غيرُهم ، يَنْفُذُّ مِن ذلك الثلثُ ، وأما هِبَاتُه وصَدَقاتُه وما يُهْدِيه ويُعطِيه وهو
حىّ ، فنافذٌّ ذلك كلُّه جائزٌ عليه، ماضٍ فى مالِه(١) كلِّه؛ لأنه ليس بوصيّةٍ ،
وإنما الوصيةُ ما يُسْتَحقُّ بموتِ المُوصِى. وقال الجمهورُ مِن العلماءِ
وجماعةِ أهلِ الفَتْوى بالأمصارِ): إن هِبَاتِ المريضِ كلَّها وعتقَه
وصدقاتِه ، لو صَحَّ مِن مرضِه نفَذ ذلك كلَّه مِن رأسٍ مالِه. ويُرامعُون فيها -
ما عدا العتقَ - القبضَ، على ما ذكّرنا من أصولِهم فى قبضِ الهِبَاتِ
والصدقاتِ فيما تقدَّم مِن هذا الكتابِ . وقال داودُ وأهلُ الظاهرِ : أما العتقُ
خاصةً فى المرض ، فلا يَنْفُذُ منه إلا الثُّلُثُ، مات المُعتِقُ مِن مرضِه
أو صحَّ ؛ لأن المرضَ لا يَعلمُ ما منه الموتُ وما منه الصحةُ إلا اللهُ تعالى،
وقد أجاز رسولُ اللهِ وَلِّ عتقَ ثُلُثِ العبيدِ الذين أعتقهم سيدُهم فى
مرضِه، ولا مالَ له غيرُهم .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((ذلك)).
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((أئمة الأمصار))، وفى ط: ((أئمة الأمصار فى الفتوى)).
٧٧

الموطأ
الوصيةُ للوارثِ والحيازةُ
قال يحيى : سمِعتُ مالكًا يقولُ فى هذه الآيةِ: إنها مَنْسوخةٌ ؛ قولُ
اللهِ تبارك وتعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَ فْرَبِينَ﴾
[البقرة: ١٨٠]. نَسَخها ما نزَل مِن قِسْمَةِ الفرائضِ فى كتابِ اللهِ
عزَّ وجلَّ .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: الحُجَّةُ على داودَ قائمةٌ بنصٌ الحديثِ ؛ لأن فيه أن
رسولَ اللهِ وَ لَه إنما أقرعَ بينَ العبيدِ بعدَ موتِ سيدِهم، وتغيَّظ عليه وقال:
((لقد هَمَمْتُ أَلا أَصلِّىَ عليه)). لمَّا أَعتَق جميعَهم، ولم يكنْ له مالٌ
غیژهم . وهذه الألفاظُ محفوظةٌ فی حدیث عمران بن حصین . وقد ذكرنا
كثيرًا مِن طرقِه فى ((التمهيدِ))(١)، وفى كتابٍ العتقِ مِن هذا الكتاب . واللهُ
المُوفِّقُ للصوابِ .
بابُ الوصيةِ للوارث والحيازةِ
قال مالكٌ فى هذه الآيةِ: إنها منسوخةٌ؛ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِن تَرَكَ
خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. نسخها ما نزَل مِن قِسمةِ الفرائضِ فى
كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ(٢).
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ١٩٢ - ١٩٨.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠٠٥).
٧٨

١٥٣١- قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: الشُنَّةُ الثابتةُ عندَنا التى لا الموطأ
اختلافَ فيها ، أنه لا تجوزُ وصيةٌ لوارِثٍ إلا أن يُجيزَ له ذلك ورثةُ
الميتِ ، وأنه إن أجاز له بعضُهم وأتَى بعضٌ، جاز له حقُّ مَن أجاز
منهم، ومَن أتَى أُخَذ حقُّه مِن ذلك .
قال أبو عمرَ: قد تقدَّم القولُ فى هذه الآيةِ، وذكّرنا ما للعلماءِ الاستذكار
فيها مِن التنازُع، وهل هى منسوخةٌ أو مُحْكمةٌ، وما الناسخُ لها مِن
القرآنِ والسُّنَّةِ، فى بابِ الأمرِ بالوصيّةِ مِن هذا الكتابِ ، فلا معنَى
لإعادةِ ذلك هنا .
قال مالكٌ: السنةُ التى لا اختلافَ فيها عندَنا، أنها لا تجوزُ وصيةٌ التمهيد
(٢)
لوارث(٢).
وهذا كما قال مالكٌ رحمه اللهُ، وهى سُنةٌ مجتمَةٌ عليها ، لم يختلفِ
العلماءُ فيها إذا لم يُجِزْها الورثةُ ، فإن أجازها الورثةُ فقد اختلف فى ذلك ؛
فذهَب جمهورُ الفقهاءِ المتقدمين إلى أنها جائزةٌ للوارثِ إِذا أجازها له
الورثةُ بعدَ موتِ الموصِى . وذهَب داودُ بنُّ علىٍّ، وأبو إبراهيمَ المزَنىُّ،
وطائفةٌ ، إلى أنها لا تجوزُ وإن أجازها الورثةُ، على عمومٍ ظاهرِ السنةِ فى
القبس
(١) تقدم ص١١، ١٢.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠٠٦).
٧٩

قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ فى المريضِ الذى يُوصِى ، فيَسْتأذِنُ
الموطأ
ورثتَه فى وصيتِه، وهو مريضٌ ليس له مِن مالِه إلا ثلثُه، فِيَأْذَنُون له أن
التمهيد ذلك، وقد أوضَحنا هذا فى بابٍ نافع من كتابنا هذا (١) . والحمدُ للهِ .
وقد رُوِى عن النبيِّ وَ له من أخبارِ الآحادِ أحاديثُ حسانٌ فى أنه لا
وصيةً لوارثٍ، مِن حديثٍ عمرو بنٍ خارجةً(١)، وأبى أمامةَ الباهليّ(١)،
وخزيمةَ بنِ ثابتٍ (٤)، ونقَله أهلُ السيرِ فى خُطبيِه بالوداعِ وَله، وهذا أشهَرُ
مِن أن يُحتاج فیه إلی إسنادٍ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ،
قال : حدَّثنا عبدُ الوهابِ بنُ نجدةَ ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياشٍ ، عن
شرحبيلٍ بنِ مسلم، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَله
يقولُ: ((إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد أعطَى كلَّ ذى حقٍّ حقَّه، فلا وصيةً
(٣)
لوارثٍ)»(٣).
الاستذكار
قال مالكٌ فِى المريض الذى يُوصِى ، فيستأذِنُ ورَثَتَه فى وصيّتِه ، وهو
مريضٌ ليس له مِن مالِه إلا ثُلُثُّه ، فيأذَنون له أن يُوصِىّ لبعضٍ ورثته بأكثرَ مِن
القبس
(١) تقدم ص٢٨، ٢٩ .
(٢) تقدم تخريجه ص ١٩.
(٣) تقدم تخريجه ص١٨، ١٩ .
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد فى العلل ٢٦٨/٢ (١٩٣٣)، وابن عدى ١٩٢٧/٥.
٨٠