النص المفهرس
صفحات 41-60
الوصيةُ فى الثلثِ لا يُتَعَدَّى
الموطأ
١٥٢٩ - مالك، عن ابن شهاب ، عن عامٍ بنِ سعد بنِ أُبی
وقّاص، عن أبيه، أنه قال: جاءنى رسولُ اللهِ وَ الِهِ يَعُودُنى عامَ حَتَّةٍ
الوَداعِ مِن وَجَع اشتدَّ بى، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، قد بَلَغَنى مِن الوجعِ
ما تَرَى، وأنا ذُو مالٍ، ولا يَرِثُنى إلا ابنةٌ لى، أَفْتَصدَّقُ بُثُلُثَىْ مالى ؟ قال
رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((لا)). فقلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: ((لا)). ثم قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الثُّلُثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أنْ تَذَرَ ورثتَك أغنياءَ
بأتِ سَرَفًا، أن تجوزَ مِن ثُلُثِه، كما تجوزُ مِن وصيةٍ غيرِهِ. وقال الربيعُ الاستذكار
عن الشافعيّ : تجوزُ وصيةُ كلِّ مَن عقَل الوصيَّةَ مِن بالغ محجورٍ عليه وغيرِ
محجور .
قال أبو عمرَ : إنما مُنِع المحجورُ عليه ؛ لِما يُخافُ مِن إفسادِ مالِه
احتياطا عليه ، فإذا صار فى حالِ الموتِ استغنَى عن ذلك ، فكان بمنزلةٍ
مَن ليس بمحجور عليه .
مالك ، عن ابن شهاب ، عن عامر بن سعد بن أبى وقاص() ، عن أبيه ،
التمهيد
الحكمُ الرابعُ : محلُّ الوصيةِ الثلثُ للصحيح والمريضِ ؛ لحديثِ سعدِ بنِ القبس
(١) فى ح، هـ، م: ((ثلث)). وينظر مختصر اختلاف العلماء ٢١/٥.
(٢) بعده فى ح، هـ: ((عليه)).
(٣) قال أبو عمر: ((وهو عامر بن سعد بن أبى وقاص، واسم أبى وقاص: مالك بن أهيب =
٤١
الموطأ خيرٌ مِن أن تَذَرَهم عَالَةً يَتكفَّفُون الناسَ ، وإنك لن تُنفِقَ نفقةً تَبْتَغى بها
وجهَ اللهِ إِلا أُجِرتَ بها، حتى ما تجعَلُ فى فِى امرأتِك)). قال:
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، أَخَلَّفُ بعدَ أصحابِى؟ فقال رسولُ اللهِ ◌ِّهِ:
((إنك لن تُخلَّفَ فتعمَلَ عملاً صالحًا إلا ازْدَدْتَ به درجةٌ ورِفْعةٌ،
ولعلَّك أن تُخلَّفَ حتى يَنتفعَ بك أقوامٌ ويُضَرَّ بك آخَرون ، اللَّهُمَّ أُمْضِ
التمهيد قال: جاءنى رسولَ اللهِ وَ لِ يَعُودُنِى عامَ حَجَّةِ الوداع، وبی وَجَعُ قد اشْتَدَّ
القبس أبى وقاص: ((الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ)). وقد رُوِى عن النبيِّ وَ الَلِ أثرٌ(١) قال فيه: ((إنَّ
= ابن عبد مناف بن زهرة القرشى الزهرى. وقد ذكرنا أباه فى كتابنا فى ((الصحابة)) بما فيه
کفایة ، وعامر هذا أحد ثقات التابعین، وهم خمسة إخوة ، کلهم قد روی احدیث ؛ عامر بن سعد
هذا سكن المدينة، ومات بها سنة أربع ومائة، وقيل: إنه توفى فى خلافة الوليد بن عبد الملك.
ومصعب بن سعد، سكن الكوفة ومات بها ، وروى عنه أهلها ، وكانت وفاته سنة ثلاث ومائة .
ومحمد بن سعد بن أبى وقاص، خرج مع ابن الأشعث، وقتله الحجاج، وابنه إسماعيل بن
محمد، روی عنه العلم، روى عنه مالك وغيره. وموسی بن سعد، روى عنه الحديث وعن ابنه
مجاهد بن موسى . وعمر بن سعد، كان أمير الجيش فى قتل الحسين، ثم قتله المختار بن أبى عبيد،
وقتل معه ابنه حفص بن عمر، وأبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد أحد رواة الحديث وثقاتهم
وفقهائهم وأهل العلم بالسير والخبر منهم، وكل بنى سعد من حملة العلم من التابعين. وفى هذا
الحديث دليل على أن واحدا منهم لم يدرك النبى و لتر؛ لقوله فيه: ولا يرثنى إلا ابنة لى. أو: إلا
ابنتى. على ما روى من اختلاف ألفاظ نقلة حديثه هذا . وذلك يومئذ لأنه توفی وله بنات ، وكان
مرضه ذلك فى حجة الوداع، فيما ذكر أكثر أصحاب ابن شهاب عنه فى هذا الحديث ، وقال فيه
ابن عيينة عنه: عام الفتح. ولا أعلم أحدًا من أصحاب الزهرى قال ذلك فيه عنه غير ابن عيينة ،
وسنذكر روايته فى ذلك، وقول من وافقه عليه من غير رواية ابن شهاب بعد فى هذا الباب إن شاء
الله)). الاستيعاب ٦٠٦/٢، وتهذيب الكمال ٢١/١٤.
(١) فى ج، م: ((أنه)).
٤٢
لأصحابى هِجْرتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكنِ البائِسُ سعدُ بنُ الموطأ
خَوْلَةَ)). يَرْثِى له رسولُ اللهِ وَّةِ أَنْ مات بمكةً.
بى، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ، قد بلَغ منِّى الوَجَعُ ما تَرَى، وأنا ذُو مالٍ ، ولا التمهيد
يرثُنى إلا ابنةٌ لى، أَفْتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مالى؟ قال: ((لا)). قُلْتُ: فالشَّطْرُ؟
اللهَ أعطاكم ثلثَ أموالِكم فى آخرِ أعمارِكم زيادةً فى أعمالِكم)) (١). وهذا القبس
الحدیثُ وإن لم یکنْ صحیحًا، فإن معناه صحیح یصدّقُه حدیثُ سعدٍ الذى
اقتضَى بظاهرِه تعليقَ حقِّ الورثةِ بمالِ المريضِ، وخلّص له الثلثَ لحاجاتِه
واستدراكاتِهِ، وفى الحديث الصحيح عن أبى هريرةَ قال: سُئِل رسولُ اللهِ وَّةٍ :
أُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال : ((أن تَصَدَّقَّ وأنت صحيحٌ شحيحٌ تَأْمُلُ الغِنَی وتخشى
الفقرَ، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغتِ الحلقومَ قلتَ : لفلانٍ كذا ، ولفلانٍ كذا، وقد
كان لفلانٍ)) (١). ومَن فاته الاستدراكُ عن محلٌ الاستدراكِ وهو الثلثُ، فاختلف
العلماءُ؛ هل يَلْزَمُ الوارثَ أن يُعْطِىَ عنه ما فرّط فيه أم لا؟ فقال الشافعىُّ: كلُّ ما .
فوط فیه من حقٌّ مالٌ فإنه يخرجُ مِن رأسِ المالِ . وهو قولٌ ضعيفٌ ؛ لأنه قد صار
بالمرضِ إلى حالةٍ لو أراد أن يُعْطِئَ فيها جميعَ مالِهِ لم يَجُزْ له إجماعًا ، فتَوْكُه
لإخراج ما ويجب عليه مِن ذلك تعويلٌ على أن يتمتّعَ به فى الدنيا ويفوِّتَه ورثتَه
فى الأخرى، وهذا مقصدٌ لا يجوّزُه له مسلمٌ يفهَمُ حقيقةَ الشرعِ، ويتفطّئُ
لوجوهِ المصالح والتكليف ، أما إنه يُستحَبُّ للوارثِ أن يُعْطِئَ عن موروثِه كما
فعَل سعدٌ عن أمّهُ(١)، وكما فعل ابنُ التى افتُلِتتْ نفسُها بعدَ موتِها (٤).
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٤ .
(٣) تقدم فى الموطأ (١٥٢٣).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٥٢٤).
٤٣
الموطأ
التمهيد قال: ((لا)). قلتُ: فالثُّلُثُ؟ قال: ((الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرُ (١)، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ
وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أَنْ تَذَرَهم عَالَةً يَتَكَفَّفون الناسَ ، وإِنَّكَ لن تُنْفِقَ نَفَقَةً
تَجْتَغِى بها وَجْهَ اللهِ إِلا أَجِرْتَ فيها، حتى ما تَجْعَلُ فى فِى امرأتِكَ)) . قال :
قُلْتُ : يا رسولَ اللهِ ، أَخَلَّفُ بعدَ أصحابى؟ قال: ((إِنَّك لن تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ
عملاً صالحًا إلَّا ازْدَدْتَ به رِفْعَةً ودَرَجَةً، ولَعَلَّكَ أن تُخَلَّفَ حتى يَنْتَفِعَ بك
أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بك آخَرُون ، اللَّهُمَّ أُمْضِ لأصحابى هِجْرَتَهم ولا تَرِدَّهم على
أعقابِهم، لكنِ البائِسُ سعدُ بنُ خَوْلَةَ)). يَرْثِى له رسولُ اللهِ أَالآلِ أَن مات
بمكة
=(٢)
هذا حديثٌ قد اتَّفَق أهلُ العلم على صحة إسناده، وجعله جمهورُ
الفقهاءِ أصلًا فى مقدارِ الوصيةِ، وأَنَّه لا يُتَجَاوَزُ بها الثُّلُثُ ، إلّا أنَّ فى بعضِ
ألفاظِهِ اخْتِلافًا عندَ نقَلَتِهِ ، فمِن ذلك أنَّ ابنَ عيينةَ قال فيه : عن ابنِ شهابٍ،
عن عامٍ بنٍ سعدٍ، عن أبيه: مَرِضْتُ عامَ الفتح. انْفَرَد بذلك عن ابنٍ
شهابٍ فيما عَلِمْتُ ، وقد رَوَيْنا هذا الحديثَ مِن طريقٍ مَعْمَرٍ (١)، ويُونُسَ
القبس
(١) بعده فى الأصل، ق: ((أو كبير)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٣٦)، وبرواية أبى مصعب (٢٩٩٥). وأخرجه البخارى
(١٢٩٥)، والنسائى فى السنن الكبرى (١٠٩٢٩)، وأبو يعلى (٨٣٤)، والطحاوى فى شرح
المشكل (٢٦٢٨، ٥٢٢٢)، وابن حبان (٦٠٢٦) من طريق مالك به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٦٣٥٧)، وأحمد ١٠٩/٣ (١٥٢٤)، ومسلم (٠٠٠/١٦٢٨) من
طريق معمر به .
٤٤
الموطأ
ابنِ يزيدَ(١)، وعبدِ العزيزِ بن أبى سَلَمَةً(٢)، ويحيى بن سعيد الأنصارِىِّ، التمهيد
وابنٍ أَبِى عَتِيقٍ ، وإبراهيمَ بنِ سعدٍ (٢) ، فكلّهم قال فيه، عن ابن شهابٍ :
عامَ حَجَّةِ الوَداعِ. كما قال مالِكٌ .
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ ، قال: حدّثنا
سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال : حدَّثنا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ
ابنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُّ إِسْمَاعِيلَ
وأحمدُ بنُ زُهَيْرِ، قالا: حدَّثنا الحُمَيْدىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ
عيينةً، قال: حدَّثنا الزهرىُّ ، قال : أخبرنى عامرُ بنُّ سعدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ،
عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمكةَ عامَ الفتحِ مَرَضًا أَشْفَيْتُ منه، فأتانى
رسولُ اللهِ وَ لَ يَعُودُنى، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّ لى مالًا كثيرًا،
وليس (٤) يَرِثُنى إلَّا ابنتى، أَفْتَصَدَّقُ بمالى كُلِّه؟ قال: ((لا)). قال: قُلْتُ:
أَفأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالى؟ قال: ((لا)). قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: ((لا )) . قلتُ:
القبس
(١) أخرجه مسلم (٠٠٠/١٦٢٨)، وأبو عوانة (٥٧٦٨)، والبيهقى ٢٦٨/٦ من طريق يونس
به .
(٢) أخرجه الطيالسى (١٩٢ - ١٩٤)، والبخارى (٥٦٦٨)، وأبو عوانة (٥٧٦٤) من طريق
عبد العزيز به .
(٣) أخرجه الطيالسى (١٩٢ - ١٩٤)، والبخارى (٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٦٣٧٣)، ومسلم
(٥/١٦٢٨)، وأبو عوانة (٥٧٦٤) من طريق إبراهيم بن سعد به .
(٤) بعده فى م: ((لى من)).
٤٥
الموطأ
التمهيد فالثُّلُثُ؟ قال: ((الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثيرٌ)). وذكَرَ الحديثَ(١).
قال يَعْقُوبُ بنُ شيبةً : سمِعتُ علىَّ بنَ المدينىٌّ، وذكَر هذا الحديثَ
فقال: قال مَعْمَرٌ، ويُونُسُ ، ومالكُ: حََّةِ الوَداع. وقال ابنُ عيينةً: عامَ
الفَتْحِ. قال : والذين قالوا : حََّةِ الوَداعِ . أَصْوَبُ .
قال أبو عمرَ: لم أجِدْ ذِكْرَ عامِ الفتحِ إلَّ فى رِوايَةِ ابنِ عيينةً لهذا
الحديثِ ، وفى حديثٍ عمرٍو القَارِىِّ؛ رجلٍ مِن الصحابةِ، فى هذا
الحديثِ . روَاه عَفَّانُ بنُ مسلم، عن ؤُهَيْبٍ بنِ خالِدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ ، عن عمرٍو القارىِّ، عن أبيه ، عن جَدِّه عمرٍو القَارِىِّ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لِّ قَدِم مكةَ عامَ الفتح، فخَلّف سعدًا مريضًا حينَ خرَجَ إلى
حُنَيْنِ ، فلمَّا قَدِمِ مِن الجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا، دخَل عليه وهو وَجِعٌ مَغْلُوبٌ ، فقال
سعدٌ: يا رسولَ اللهِ ، إِنَّ لى مالًا، وإنِّى أُورَثُ كَلالةً، أفأُوصِى بمالى
كلِّه، أو أَتَصَدَّقُ بمالى كلِّه؟ قال: ((لا)). وذكَرَ الحديثَ(٢).
هكذا فى حديثٍ عمرٍو القارِىِّ: أفأُوصى؟ على الشَّكِّ أيضًا. وأمَّا
القبس
(١) الحميدى (٦٦). وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٥٢٢١)، وأبو عوانة (٥٧٦٥) عن
يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه أحمد ١٢٣/٣ (١٥٤٦)، وابن ماجه (٢٧٠٨)، والترمذى
(٢١١٦) من طريق ابن عيينة به .
(٢) أخرجه ابن سعد ١٤٦/٣، وأحمد ١٢٥/٢٧ (١٦٥٨٤)، والبزار (١٣٨٣ - كشف)،
والبيهقى ١٨/٩، ١٩ من طريق عفان به .
٤٦
الموطأ
حديثُ ابنِ شهابٍ ، فلم يَخْتَلِفْ عنه أصْحابُه، لا ابنُ عيينةَ ولا غيره، أَنَّه التمهيد
قال فيه : أَفْتَصَدَّقُ بمالى كلِّه، أو بِثُلُثَيْ مالى؟ ولم يَقُلْ : أَفأوصى ؟ فإن
صَحَّتْ هذه اللفظةُ؛ قولُه: أفْتَصَدَّقُ؟ كان فى ذلك محُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لِما
ذهَب إليه جمهورُ أهلِ العلمِ فى هِباتِ المريضِ وصَدَقاتِهِ وعِثْقِه ؛ أنَّ ذلك
مِن ثُلُثِهِ لا مِن جميع مالِهِ. وهو قولُ مالكٍ، والليثِ، والأوزاعيّ،
والثورىٌّ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةً وأصحابِه، وأحمدَ، وعامةٍ أهلٍ
الحديثِ والرأي . وحُّتُهم حديثُ عمرانَ بنِ خُصَيْنٍ فى الذى أُعْتَقَ سِتَّةً
أعْبُدٍ له فى مَرَضِه لا مالَ له غيرُهم، ثم تُؤُفِّى، فَأَعْتَق رسولُ اللهِ وَلِ منهم
اثْنَيْنِ، وأَرَقَّ أَرْبَعَةً(١). وقالت فِرْقَةٌ مِن أهلِ النَّظَرِ (" وأهلِ الظاهِرِ(٣)؛ منهم
داودُ ، فی هِبَّةِ المریضِ : إنّها مِن جميع ماله. والخُجَّةُ علیهم شُذوذُهم عن
السّلَفِ ، ومُخالفةُ الجمهور، وما ذكرنا فى هذا البابِ مِن حدیثِ سعد
وعمرانَ بنِ محُصَيْنٍ. وقد قال بعضُ أهلِ العلم : إنَّ عامِرَ بنَ سعدٍ هو الذى
قال فى حديثٍ سعدٍ : أَفأتُصَدَّقُ بُلُثَئْ مالى، أو بمالى؟ وأمَّا مصعَبُ بنُ
سعدٍ فإنَّما قال: أفأُوصِى؟ ولم يَقُلْ: أَفأتصدَّقُ؟ والذى أقولُه: إِنَّ ابنَ
شهابٍ هو الذى قال عن عامِرِ بنِ سعدٍ فى هذا الحديثِ: أفأْتَصدَّقُ ؟ لأنَّ
غيرَ ابنِ شهابٍ رَوَاه عن عامرٍ ، فقال فيه : أفأوصِى ؟ كما قال مصعبُ بنُ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ١٩٢ - ١٩٨.
(٢ - ٢) سقط من: ق .
٤٧
الموطأ
التمهيد سعدٍ، وهو الصحيحُ إن شاء اللهُ .
روَى شعبةُ والثورىُّ، عن سعدِ بنِ إِبراهِيمَ، عن عامرِ بنِ سَعِدٍ ، عن
سعدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ، قال: جاء النبيُّ وَ لِّ يَعُودُنى وأنا بمكةً، وهو يَكْرَهُ أنْ
يَمُوتَ بالأرضِ التى هاجَر منها، قال: ((يَرْحَمُ اللهُ سعدَ ابنَ عَفْرَاءَ)) .
قلتُ : يا رسولَ اللهِ، أَفْأَوصِى بمالى كلِّه؟ قال: ((لا)). قلتُ: فالشَّطرُ؟
قال: ((لا)). قلتُ : فالثُّلُثُ؟ قال: ((الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ)). وذكَر تَمامَ
(١)
الحدیث
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ
أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً،
قال : حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ، عن زائدةً، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ ، عن
مُضْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: عادنى رسولُ اللهِ وَلِّ، فَقُلْتُ له:
أَوضِى بمالِى كلِّه؟ قال: ((لا)). قلتُ: فالنَّصْفُ؟ قال: ((لا)). قلتُ:
فالثُّلُثُ ؟ قال: ((نعم، والثُّلُثُ كثيرٌ))(٢)
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧٨/٣، ٨٣ (١٤٨٢، ١٤٨٨)، والبخارى (٢٧٤٢، ٥٣٥٤)، ومسلم
(٥/١٦٢٨/ ... )، والنسائى (٣٦٢٩، ٣٦٣٠) من طريق الثورى به.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٧٩/٤ من طريق أبى بكر بن أبى شيبة به، وأخرجه
مسلم (٧/١٦٢٨)، وأبو عوانة (٥٧٧٨) من طريق الحسين بن على به، وأخرجه محمد بن
نصر فى السنة (٢٥١)، وأبو عوانة (٥٧٨٠، ٥٧٨١) من طريق عبد الملك بن عمير به .
٤٨
الموطأ
فهذه الآثارُ فى الوصيّةِ بالثُّلُثِ. وأجْمَع علماءُ المسلمين على أنَّه لا التمهيد
يجوزُ لأحدٍ أن يُوصِىَ بأكثرَ مِن ثُلُثِه إذا تَرَكْ وَرَثَةً مِن ◌َنِينَ، أو عَصَبَةٌ.
واخْتَلَفُوا إذا لم يَتُْكْ بَنِينَ ولا عَصَبَةً ، ولا وارِثًا بنسبٍ أو نكاح ؛ فقال ابنُ
مَسعودٍ : إذا كان كذلك، جاز له أن يُوصِىَ بمالِهِ كُلِّه. وعن أبى موسى
الأشعرىِّ مثلَه . وقال بقولِهما قومٌ ؛ منهم مسروقٌ ، وعَبِيدَةُ السَّلْمَانِئُ . وبه
قال إسحاقُ بنُ راهُويَه . واخْتَلَف فى ذلك قولُ أحمدَ . وذهَب إليه جماعَةٌ
مِن المتَأْخِّرِينَ ممَن يقولُ بقولِ زيد بن ثابتٍ فى هذه المسألةِ . ومِن
حُّتهم أنَّ الاقْتِصارَ على الثُّلُثِ فى الوصيّةِ إِنَّما كان مِن أجلٍ أن يَدَعَ وَرَثَتَه
أَغْنِيَاءَ، وهذا لا وَرَثَةً(١) له، فليس مثَّن عُنِى بالحديثِ . واللهُ أعلمُ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، أَنَّ أبا
موسى أجاز وَصِيَّةَ امرأةٍ بمالِها كلِّه لم يكنْ لها وارِثٌ.
وعن الثورىِّ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى مَيْسَرَةَ، قال : قال لی ابنُ
مسعودٍ : إِنَّكم مِن أخْرَى حَىِّ بالكوفةِ أن يموتَ ولا يَدَعَ عَصَبَةٌ ولا رَحِمًا ،
فما يَمْنَعُه إذا كان ذلك أن يَضَعَ مالَه فى الفقراءِ والمساكِينِ ؟
وعن مَعْمَرٍ، عن أيوب ، عن ابنٍ سِيرِينَ، عن عَبِيدَةً، قال : إِذا مات
القبس
(١) فى الأصل: ((وارث)).
(٢) عبد الرزاق (١٦٣٧٢).
(٣) عبد الرزاق (١٦٣٧١).
٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤/١٩)
الموطأ
التمهيد الرجلُ وليس عليه عَقْدٌ لأحدٍ ، ولا عَصَبَةَ يَرِثُونَه، فإنَّه يُوصِی بمالِهِ كلِّه
حيثُ شاء(١).
وعن ابنٍ عيينةً، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن الشعبىِّ، عن
مسروقٍ مثله(٢) .
وقال زيدُ بنُ ثابتٍ : لا يجوزُ لأحدٍ أن يُوصِیَ بأْثَرَ مِن ثُلُثِه ؛ كان له
بَنُونَ ، أو وُرِثَ كَلَالَةً ، أو وَرِثَه جماعَةُ المسلمينَ ؛ لأنَّ بيتَ مالِهِم عَصَبَةٌ
مَن لا عَصَبَةً له . وبهذا القول قال جمهورُ أهلِ العلم ، وإليه ذهَب جماعةٌ
فقهاءِ الأمصارِ ، إلَّا ما ذكَوْنا عن طوائفَ مِن المتأخرين مِن أصحابِهم .
وفى هذا الحديثِ تَخْصِيصٌ للقرآنِ ؛ لأَنَّه أَطْلَقَ الوصيةَ ولم يُقَيِّدْها
بمقدارٍ لا يُتَعَدَّى، وكان مرادُه عزَّ وجلَّ مِن كلامِه ما بَيْنَه عنه رسولُه
وَله، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلّ
إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. يَغْنِى: لتُبَيِّنَ لهم مُرادَ رَبِّهم فيما احْتَمَله التأويلُ مِن
كتابِهم الذى نُزِّلَ عليهم .
وسیأتی القول فى حكم الوصية لغيرِ الوالدين والأقربين، فی بابٍ
القبس
(١) عبد الرزاق (١٦٣٧٠).
(٢) عبد الرزاق (١٦٣٧٣).
(٣) فى ق: ((يقول)).
٥٠
الموطأ
التمهيد
نافعٍ(١)، وبابٍ يحيى بنٍ سعيدٍ(١)، إنْ شاءَ اللهُ .
وأجْمَع فقهاءُ الأمصارِ أنَّ الوَصِيَّةَ بأكثرَ مِن الثُّلُثِ إِذا أجازها الورثةُ
جازَتْ ، وإنْ لم يُجِزْها الوَرَثَةُ لم يَجُزْ منها إِلَّ الثُّلُثُ. وقال أهلُ الظاهرِ: إِنَّ
الوصيةَ بأكثرَ مِن الثُّلُثِ لا تجوزُ، أجازها الورثةُ أَو لم يُجِيزُوها . وهو قولُ
عبد الرحمنِ بنِ كَيْسَانَ. وإلى هذا ذهب المزنىُ؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَل
لسعدٍ حينَ قال له: أَوصِى بشَطْرٍ مالى؟ قال: ((لا)). ولم يَقُلْ له: إن
أجازه وَرَثَتُك جاز. ولذلك(٢) قالوا: إِنَّ الوصيةَ للوارثِ لا تجوزُ، أجازها
الورثةُ أو لم يُجِيزُوها؛ لقولِ رسولِ اللهِ بَله: ((لا وصِيَّةَ لِوَارِثٍ))(٤).
وسائرُ الفقهاءِ يُجِيزُون ذلك إذا أجازها الورثةُ، ويجْعَلُونها هِبَةً
مُسْتَأْتَفَةً (ْمِن قِبَلِ الوَرَثَةِْ) فى الوَجْهَيْن جميعًا؛ منهم مالِكٌ، والليثُ،
والأوزاعىُ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهم .
وفى قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((الثُّلُثُ كَثِيرٌ)). دليلٌ على أنَّه الغايةُ التى
إليها تَنْتَهِى الوصيةُ، وأَنَّ ذلك كثيرٌ فى الوصيةِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ عنه أفضلُ،
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ١٨ - ٢٨ .
(٢) ينظر ما سيأتى ص٢٠٩ .
(٣) فى الأصل: ((بذلك))، وفى ق، م: (( كذلك)).
(٤) تقدم تخريجه ص ١٨، ١٩، وسيأتى تخريجه ص٨٠.
(٥ - ٥) سقط من: ق .
٥١
الموطأ
التمهيد ألا تَرَى إِلى قولِ رسولِ اللهِ وَ له بِحَقِبٍ قوله: ((القُّلُثُ كَثِيرٌ)): ((ولأن تَدَعَ
وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أَن تَدَعَهم(١) عَالَةً يَتَكَفَّفُون الناسَ)). فاسْتَحَبَّ له
الإبقاءَ لوَرَثَتِهِ. وكَرِهِ جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْمِ الوَصِيَّةً بجميعِ القُّلُثِ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنٍ طاؤسٍ ، عن أبيه، قال : إذا
كان وَرَثَّتُه قليلًا ومالُه كثيرًا، فلا بَأْسَ أَن يَتْلُغَ الثُّلُثَ فى وَصِيَّتِهِ .
واستخبّ طائفةٌ منهم الوصيّةً بالژبع. ژُوِی ذلك عن ابنِ عباسٍ
وغيرِهُ( ١) . وقال إسحاقُ بنُ راهُويَه : السُّنَّةُ فى الوصيّةِ الرُّبُعُ ؛ لقولِ رسولِ
اللهِ وَّهِ: ((الثُّلُثُ كثيرٌ)). إِلَّ أن يكونَ رجلٌ يَعْرِفُ فى مالِهِ شُبُهاتٍ،
فيجوزُ له الثُّلُثُ ، لا يجوزُ له(٤) غيرُه.
قال أبو عمرَ: لا أُعلَمُ لإسحاقَ حُجّةً فى قولِه: السنةُ فى الوصيةِ
الوبغُ . وهذا الذی نزَع به ليس بحجةٍ فی تَسْمِيتِه ذلك سُنّةً . وقد ژُوِی عن
أبى بكرِ الصِّدِّيقِ أَنَّهِ كان يُفَضِّلُ الوَصِيَّةَ بالخُمُسِ ، وبذلك أوْصَى ، وقال :
رَضِيتُ لنفسى ما رضِى اللهُ لنفسِهِ (٥). كأنَّه يَغْنِى خُمُسَ المغانمِ(٦).
القبس
(١) فى ق: ((تذرهم)).
(٢) عبد الرزاق (١٦٣٦٦).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٥٣ ، ٥٤.
(٤) سقط من: م.
(٥) سيأتى تخريجه ص ٥٤.
(٦) فى ق، م: ((الغنائم)).
٥٢
الموطأ
التمهيد
واسْتَحَبَّ جماعةٌ الوصيّةَ بالثُّلُثِ، واحتَبجوا بحديثٍ ضعيفٍ عن النبيِّ
وَِّ، أَنَّه قال: ((جعَل اللهُ لكم فى الوصيةِ ثُلُثَ أموالِكم، زيادةٌ فِى
أعمالِكم)). وهو حديثٌ انفَرَد به طلحةُ بنُ عمرو، عن عطاءٍ، عن أبى
هريرةَ، وطلحةٌ ضعيفٌ، روَى عنه هذا الخَبَرَ وَكِيمُ(١)، وابنُ وَهْبٍ (١)،
وغيرهما(١) ، ولا خلافَ بينَ علماء المسلمين أنَّ الوصيةَ بأكثرَ مِن الثُّلُثِ لا
تجوزُ، على حسَبٍ ما قدَّمْنا ذكرَه .
وقد روَى مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال : الُّلُثُ
وَسَطْ، لا بَخْشُ(٤) ولا شطَطَ (٥).
وهذا لا نَذْرِى ما هو ؛ لأنَّ الغايةَ ليست بوَسَطٍ ، إلّا أنْ يكونَ أراد:
حكمُ رسولِ اللهِ وَّلَ بذلك وَسَطٌّ. أى عَدْلٌ، والوَسَطُ العَدْلُ.
وروَى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال : لو أنَّ الناسَ
غَضُّوا مِن الثُّلُثِ؛ فإِنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قال: ((الثُّلُثُ، والقُّلُثُ كَثِيرٌ)).
فَلَيْتَهِم نَقَصُوا إلى الرُّبُع(١)
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٣.
(٢) أخرجه سحنون فى المدونة ٥/٦ من طريق ابن وهب به.
(٣) فى ق، ر، م: ((غيره)).
(٤) فى م: ((غبن فيه)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٦٣٦٧) عن معمر به.
(٦) أخرجه أحمد ٤٧٥/٣، ٥٠١ (٢٠٣٤، ٢٠٧٦)، والبخارى (٢٧٤٣)، ومسلم =
٥٣
الموطأ
التمهيد
وقال قتادَةُ: الثُّلُثُ كثيرٌ، والقضاةُ يُجِيزُونَه، والرُّبُعُ قَصْدٌ، وأَوْصَى
أبو بكرٍ بالُمُسِ(١) .
وذگر عبد الرزاق(٢) ، عن معمرٍ ، عن أيُّوبَ ، عن ابنٍ سیرینَ، ()عن
شُريح٣) قال : الثِّلُثُ جَهْدٌ ، وهو جائزٌ.
وعن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: أُوْصَى عمرُ رضِى اللهُ عنه بالرُّبُعِ،
وأوْضَى أبو بكرٍ بالخُمُسِ، وهو أحَبُّ إلىّ(٤).
وعن الثورىِّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان الخُمُسُ أُحَبَّ
إليهم مِن الرَّبُعِ، والرُّبُعُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلُثِ(٥).
قال الثورىُّ: وأُخْبَرنى مَن سَمِع الحسنَ وأبا قِلابةَ يقولان : أَوْصَى أَبو
بكرٍ بالخُمُسِ(٦) .
أخبرنا محمدُ بنُ خَلِيفَةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسَيْنِ، قال :
القبس
= (١٦٢٩)، وابن ماجه (٢٧١١)، والنسائى (٣٦٣٦) من طريق هشام به.
(١) أخرجه البيهقى ٦/ ٢٧٠.
(٢) عبد الرزاق (١٦٣٦٩).
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر سنن سعيد بن منصور
(٣٤١)، وسنن الدارمى (٣٢٤٤).
(٤) عبد الرزاق (١٦٣٦٣).
(٥) عبد الرزاق (١٦٣٦٥).
(٦) عبد الرزاق (١٦٣٦٤).
٥٤
الموطأ
حدَّثنا ابنُ أبى داودَ ، قال: حدَّثنا زِيادُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثْنَا مُعَاذُ بنُ التمهيد
أَيُّوبَ ، قال: حدَّثنا إِسماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ ،
عن العلاءِ بنِ زِيادٍ ، قال: أوصَى (١) أبى أن أسْألَ العلماءَ: أَىُّ الوَصِيَّةِ
أَعْدَلُ؟ فما تَتَابَعُوا عليه فهى وَصِيَّتُه، فسألْتُ، فتَابَعُوا على الخُمُسِ(٢) .
قال : وأُخْبَرنا " ابنُ أبى) داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنانٍ، قال:
حدَّثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، قال: كانوا يقولون :
صاحِبُ الرُّبُعِ أَفْضَلُ مِن صاحبِ الثُّلُثِ، وصاحبُ الخُمُسِ أَفْضَلُ مِن
صاحبِ الرَّبُعِ. يَعْنِى فى الوَصِيَّةِ(٢).
وَأَجْمَعوا أنَّ الوَصِيَّةَ ليست بواجبةٍ إلَّا على مَن كانت عليه حُقُوقٌ بغيرِ
بَيِّنَةٍ ، أو كانت عندَه أمانَةٌ بغيرِ إِشهادٍ ، فإن كان ذلك فواجِبٌ عليه الوَصِيَّةُ
فَرْضًا ، لا يَحِلُّ له أنْ تَبِيتَ لِيَتَيْنِ إِلَّ وقد أشْهَدَ بذلك، وأمَّا التَّطَوَّمُ فليس
على أحَدٍ أنْ يُوصِیَ به ، إِلَّ فِزْقَةً شَدَّتْ فأوجبَتْ ذلك، والآیُ پایجابٍ
الوصية للوالدينِ والأَقْرَبِينَ مَنْشُوخَةٌ ، وسَنُبِّنُّ ذلك فى بابِ نافِعٍ ، عن ابنِ
عمرَ، مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ(٥). ولم يُوصِ رسولُ اللهِ وَله، ولو كانَتِ
القبس
(١) فى م: ((أوصانى)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٣٣٦)، والدارمى (٣٢٤٠) من طريق إسحاق بن سويد به.
(٣ - ٣) فى ر: ((أبو)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠١/١١ عن أبى معاوية به .
(٥) ينظر ما تقدم ص ١٠ - ١٥.
٥٥
الموطأ
التمهيد الوَصِيَّةُ واجِبَةً، كان أَبْدَرَ الناس إليها رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، بل قال عليه الصلاةُ
والسَّلامُ: ((أَفْضَلُ الصدقةِ أن تُعْطِىَ وأنت صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغِنَى
وَتَخْشَى الفقرَ ، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بَلَغَتِ (١) الخُلقُومَ، قُلْتَ: هذا لفلانٍ،
وهذا لفلانٍ ))(٢) .
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ(١) ، عن الثورىِّ، عن الحسنِ بنِ عُبَيْدٍ(٤) اللهِ ، عن
إبراهيمَ النَّخَعِىِّ ، أنَّه ذُكِر له أنَّ الزُّییرَ وطلحةَ کانا يُشَدِّدان على الرجلِ فی
الوصيةِ، فقال: ما كان عليهما أنْ(٥) يَفْعَلا؛ تُؤُنِّى رسولُ اللهِ وَلّهِ فما
أوْصَى ، وأوْصَى أبو بكرٍ، فإن أوْصَى فحَسَنٌ، وإن لم يُوصِ فلا بَأْسَ.
قال أبو عمرَ: ليس قولُ النَّخَعِىِّ هذا بشىءٍ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَه
لم يُخَلِّفْ(٢) ما يُوصِى فيه؛ لأنَّه مَخْصُوصٌ بأن يكونَ كلُّ ما يتْرُكُه
صدقةً .
قال(١٧): وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عونٍ يقولُ: إِنَّما
القبس
(١) بعده فى الأصل، ق: ((النفس)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٤ .
(٣) عبد الرزاق (١٦٣٣٢).
(٤) فى الأصل، ومصدر التخريج: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٩/٦.
(٥) فى مصدر التخريج: ((ألا)).
(٦) فى ق: ((يتخلف))، وفى م: ((يتخلف عنه).
(٧) عبد الرزاق (١٦٣٣١).
٥٦
الموطأ
الوَصِيَّةُ بمنزِلَةِ الصدقةِ، فأحَبُّ إلىَّ إذا كان المُوصَى له غَنِيًّا عنها أن التمهيد
يَدَعَها .
٠
وأمّا قولُ سعدٍ فى الحديثِ: وأنا ذو مالٍ . ففيه دليلٌ على أنَّه لو لم يكنْ
ذا مالٍ ما أَذِن له رسولُ اللهِ وَّه فِى الوَصِيَّةِ، واللهُ أعلمُ، ألا تَرَى إلى قولِه
وَالَّهِ: ((لأن تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَذَرَهم عَالَةً يَتَكَفَّفُون الناسَ))؟
وقد منع علىُّ بنُ أبی طالِبٍ أو (١) ابنُ عمرَ مؤلّی لھم مِن أنْ يُوصِیَ ، و كان له
سبعمائةِ دِرْهَم، وقال: إنَّما قال اللهُ: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
وليس لك(٢) كبيرُ مالٍ(٣).
وروَی ابنُ مجرَيْج ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه ، قال : لا يجوزُ لمن كان
ورَثَتُه كثيرًا ومالُه قليلًا أن يُوصِىّ بِثُلُثِ مالِه. قال: وسُئِل ابنُ عباسٍ عن
ثَمانِمائةٍ دِرْهَمٍ، فقال: قليلٌ (٤) .
وسُئِلَتْ عائشةُ عن رجلٍ له أربعمائةٍ دينارٍ(*) ، وله عِدَّةٌ مِن الولدِ ،
فقالت: ما فى هذا فَضْلٌ عن ولدِه(٦) .
القبس
(١) سقط من: ر، وفى الأصل: ((و)).
(٢) فى ر: ((ذلك)).
(٣) تقدم تخريجه ص ١٥ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٦٣٥٣) عن ابن جريج به .
(٥) فى م: ((درهم)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٦٣٥٤).
٥٧
الموطأ
التمهید
وفى هذا الحديثِ أيضًا عيادةُ العالم والخليفةِ وسائرِ الجِلَّةِ للمريضِ.
وفيه الدليلُ على أنَّ الأعمالَ لا تَزْكُو عندَ اللهِ إِلَّ بِالنَِّاتِ؛ لقوله: ((وإنَّك
لن تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغِى بها وجهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ فيها)). فدَلَّ على أنَّه لا ( يَأْجُرُ
اللهُ) على شىءٍ مِن الأعمالِ إلَّا ما اثْتُغِىَ به وَجْهُه تبارك وتعالى. وفيه دليلٌ
على أنَّ الإنفاقَ على البَنِينَ والزوجاتِ مِن الأعمالِ الصالحاتِ ، وأنَّ تَوْكَ
المالِ للورثةِ أَفْضَلُ مِن الصدقةِ به، إلَّ لمن كان واسِعَ المالِ،
والأُصُولُ تَعْضُدُ هذا التأويلَ ؛ لأنَّ الإنفاقَ على مَن تَلْزَمُه نفَقَتُه فَرْضٌ ،
وأداءُ الفرائضِ أَفْضَلُ مِن التَّطَوُّعِ. ولو اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ على وُجوبٍ
نَفَقاتِ الزوجاتِ بهذا الحديثِ لكان مَذْهَبًا؛ لقوله: ((حتى ما تَجْعَلُ
فی فی امرأتك)) .
وأمّا قولُ سَعْدٍ : أَخَلَّفُ بعدَ أصحابى؟ فمَعْناه عندى واللهُ أعلمُ :
أُخَلَّفُ بمكةَ بعدَ أصحابى المهاجِرِينَ المُنْصَرِفِين معك إلى المدينةِ .
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لما سَمِع رسولَ اللهِ وَ لَهِ يقولُ: ((إنَّك لن تُنْفِقَ نفقةً
تَّبْتَغى بها وجهَ اللهِ)). و((تُنْفِقُ)) فعلٌ مُسْتَقْبَلٌ، أَثْقَن أَنَّه لا يموتُ مِن مَرَضِه
ذلك، أو ظَنَّ ذلك، فاسْتَفْهَمَه هل يَتْقَى بعدَ أصْحابِهِ؟ فأجابه رسولُ اللهِ
وَه بضربٍ مِن قوله: ((لن تُنْفِقَ نَفَفَةٌ تَجْتَغِى بها وجهَ اللهِ)). وهو قولُه:
القبس
(١ - ١) فى ر، م: ((يؤجر)).
(٢) سقط من: م.
٥٨
الموطأ
((إِنَّك لن تُخَلَّفَ فتَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا إِلَّ ازْدَدْتَ به رِفْعَةً ودَرَجَةً، ولَعَلَّكَ التمهيد
أن تُخَلَّفَ حتى يَنْتَفِعَ بِك أقْوَامٌ وَيُضَرَّ بك آخَرُون)». وهذا كلُّه لیس
بتَصْرِيحِ، ولكنَّه قد كان "كلَّ ما قاله ◌ِِّهِ، وصدَقَ فى ذلك ظَُّه،
وعاش سَعْدٌ حتى انْتَفَع به قومٌ(١) واستَضَرَّ به آخرون .
وروى ابنُ وهپ، قال : أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُگیْرِ بنِ
الأَشَجِّ، قال: سألتُ عامرَ بنَ سَعْدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ عن قولِ رسولِ اللهِ وَ له
لأبيه عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ : (( ولَعَلَّكَ أن تُخَلَّفَ حتى يَنْتَفِعَ بك أقوامٌ ويُضَرَّ بك
آخَرُونَ)). فقال: أَمِّر سعدٌ على العراقِ، فقَتَل قومًا على رِدَّةٍ فَأَضَرَّ بهم،
واسْتَتَابَ قومًا سَجَعوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةً فتابُوا فانتَفَعُوا(١٢).
قال أبو عمرَ: ممَّا يُشْبِهُ قولَ رسولِ اللهِ،وَلَه لسعدٍ() هذا الكلامَ ،
قولُه للرجلِ الشَّعِثِ الوَأْسِ: ((مَا لَه، ضَرَب اللهُ عُثْقَه؟)) . فقال الرجلُ:
فى سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَِّّ: ((فى سبيل اللهِ)). فقُتِل الرجلُ فى
تلك الغَزَاةِ(٥). ومثلُه قولُه وَّهِ فى غزوةٍ مُؤْتَةً: ((أميرُكم زيدُ بنُ حارثةَ،
القبس
(١ - ١) فى م: ((كما)).
(٢) فى م: ((أقوام)).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل عقب الحديث (٥٢٢٣) من طريق ابن وهب به .
(٤) ليس فى: الأصل .
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٧٥٣).
٥٩
الموطأ
التمهيد فإن قُتِل فجعفرُ بنُ أبى طالِبٍ ، فإن قُتِل فعبدُ اللهِ بنُ رواحةً)). فقال بعضُ
أصحابِهِ: نَعَى إليهم أنفسَهم. فَقُتِلوا ثَلاثَتُهم فى تلك الغَزَاةِ(١) . ومثلُ ذلك
أيضًا(١)، قصةُ عامِرٍ بنِ سنانٍ حينَ ارْتَجَز برسولِ اللهِ بَّله فى سيره إلى
خيبرَ، فقال له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((غفَر لك رَبُّك يا عامرُ)). فقال له عمر:
يا رسولَ اللهِ ، لو أُمْتَعْتَنا به؟ قال: وذلك أنَّه ما اسْتَغْفَر لإنسانٍ قَطَّ يَخُصُّه
بذلك إلّ اسْتُشْهِد، فاسْتُشْهِد عامٌِ يومَ خيبرَ . وهذا كلّه ليس بتصريح
مِن رسولِ اللهِ وَّل فى القولِ، ولا تَتْبِينٍ فى المرادِ والمعنى، ولكنَّه كان
يخْرُجُ كلُّه كما تَرَى، وقد خُلِّفَ سعدُ بنُ أبِى وَقَّاصٍ بعدَ حَجّةِ الوَداعِ نحوَ
خمسٍ وأربعين سنةً ، وتُؤُنِّىَ سنةً خمسٍ وخمسين، وقد ذكّرنا أخبارَه
وسيرتَه وطرَفًا مِن فضائله فى كتابِنا فى ((الصحابةِ)) (٢، فأغْنَى عن ذكرِه
ههُنا .
وفيه دليلٌ على أنَّ المهاجِرَ لا يجوزُ له المُقامُ بالأرضِ التى هاجَر منها
أكثرَ مما ؤُقِّتَ له، وذلك ثلاثةُ أيام ، وذلك محفوظٌ فى حديثِ العلاءِ بنِ
الحَضْرِمِيِّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهَ جعَل للمهاجِرِ ثلاثةَ أيام بعدَ الصَّدَرِ ()
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٥٣) من الموطأ
(٢) ليس فى: الأصل.
(٣) الاستيعاب ٢/ ٦٠٦.
(٤) تقدم تخريجه فى ٥٣٤/٥، ٥٣٥.
٦٠