النص المفهرس

صفحات 21-40

الموطأ
المستنبطةِ منه، جرَى مذهبُ مالكِ، والشافعىِّ، والثورىِّ، والأوزاعيّ ، التمهيد
وأحمد بن حنبلٍ، وإسحاقَ، وأبى ثورٍ ، وداودَ، وسائرِ الفقهاءِ، كلَّهم قد
جعَل هذا الحديثَ أصلًا فى هذا البابِ. وجاء عن أبى حنيفةً وأبى
يوسفَ، ورُوِى ذلك عن الشعبىِّ(١) قبلَهما فى رجلين تعمَّدا الشهادةَ
بالزورِ على رجلٍ أنه طلَّق امرأتَه، فقبِل القاضى شهادتَهما؛ لظاهرٍ عدالتهما
عندَه، وهما قد تعمَّدا الكذبَ فى ذلك، أو غلِطا أو وَهَمَا ، ففرَّق القاضى
بينَ الرجلِ وامرأتِه بشهادتِهما، ثم اعتدَّت المرأةُ ، أنه جائزٌ لأحدِهما أن
قالوا: نعم. فخطَّب فأُعْلَمَ، فقالوا: رَضِيناً . وهذا نصٌّ.
القبس
وثبت فى ((الصحيح))، أن النبىَّ ◌َلو قال فى قصة هلالٍ والشريك: ((إن
جاءت به کذا فهو لهلال )) . یعنی الزوج، « وإن جاءت به لکذا فهو للشريكِ ابنِ
السّحماءِ ))). يعنى المقذوفَ، فجاءت به على الثَّعْتِ المكروه، فقال: (( لو
كنتُ راجِمًا أحدًا بغيرِ بَيِّنَّةٍ لَّرَجَمْتُها))(٤).
وقد وهَم بعضُ الناسِ فى إِحْدَى هاتَيْن المسألتَيْن؛ وهى مسألةُ القضاءِ على
الغائبٍ، منهم البخارىُّ، فقالوا: إن الدليلَ على القضاءِ على الغائبِ أن النبيُّ وَله
قضَى لهندٍ على أبى سفيانَ، فقال: ((خُذى ما يَكْفِيكِ وولدَكِ بالمعروفِ))(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٥١٤، ١٨٤٦٧).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٠، ١١ .
(٣) فى د، م: ((السمحاء)). وينظر أسد الغابة ٥٢٢/٢، والإصابة ٣٤٤/٣.
(٤) ينظر ما تقدم فى ١٧٦/١٥ - ١٧٩ .
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٦١/١٧ .
٢١

الموطأ
التمهيد يتزوَّجَها وهو عالمٌ أنه كاذبٌ فى شهادتِه، وعالمٌ بأن زوجها لم يطلِّقْها؛ لأن
حكمَ الحاكمِ لمَّا أحلَّها للأزواجِ، كان الشهودُ وغيرُهم فى ذلك سواءً. وهذا
إجماعٌ أنها تَحِلُّ للأزواجِ غيرِ الشهودِ ، مع الاستدلال بفُرقةِ المُتلاعنَين مِن غيرٍ
طلاقٍ يوقِعُه. وقال مَن خالَفهم مِن الفقهاءِ: هذا خلافُ سنةِ رسولِ اللهِ وَله
فى قوله: ((فمَن قَضَيتُ له بشىءٍ مِن حقِّ أخيه فلا يأخُذْه ، فإنما أقطَعُ له قطعةٌ
مِن النارِ)). ومن حقٌّ هذا الرجلِ عصمةُ زوجتِه التى لم يطلِّقْها. وقال مالكٌ،
والشافعىُّ، وسائرُ مَن سمَّيناه مِن الفقهاءِ فى هذا البابِ: لا يَحِلُّ لواحدٍ مِن
الشاهدين أن يتزوَّجَها ، إذا علِمٍ أن زوجَها لم يطلِّقْها، وأنه كاذبٌ أو غالطٌ فى
القبس وقد بيّا فى ((مسائل الخلافِ)) أن هذا وهمّ عظيمٌ، وأنه لا مُتَعَلَّقَ لهم فى هذا
الحديثِ، وحَقَّقْنا أنها كانت فتوى، وأثِينُه؛ أن أبا سفيانَ كان حاضرًا، ولا
خِلافَ بينَ الأُمّةِ أَعلَمُه أنه لا يُقْضَى على (١غائبٍ فى البلدِ) معلومِ الموضعِ .
وقولُه: ((فلا يَأْخُذْهِ)). إشارةٌ إلى الدليلِ على أن محكمَ الحاكم لا يُحَلِّلُ
مُحرّمًا ولا يُحرِّمُ مُحَلَّلاً، ولا يُغيّرُ شيئًا مِن طريقِ الشرع، بما يَظْهَرُ مِن حُبَّةٍ أُحدِ
الخَصْمَيْن على الآخرِ، فمِن هذا حَذَّرهم النبيُّ بَّهِ وعلى هذا نبّههم(١)، وقد
أنَّفق الناسُ على ذلك إلا أبا حنيفةَ، فإنه سقَط على أمّ رأسِهُ(١) فقال: إن الرجلَ إذا
جاء إلى الحاكمِ بشاهِدَى زورٍ فى الباطنِ ، فشَهِدوا أن فلانةَ زوج فلانٍ ، وليست
(١ - ١) فى د: ((عامر لبلد)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية د.
(٢) فى م: ((أنبهكم)).
(٣) فى حاشية د: ((رحم الله الإمام، ما كان ينبغى لجلالته وفضله أن يذكر الإمام الأعظم بمثل ذلك
، وطريق الأدب مع سائر الأئمة واجب ، وكل مجتهد مصيب على مذهب المؤلف )) .
٢٢

الموطأ
التمهيد
شهادته . وهذا هو الصحيحُ مِن القولِ فى هذه المسألةِ . وبالله التوفيقُ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، حدَّثنا أبو داودَ ،
حدَّثنا الربيعُ بنُ نافع، حدَّثنا ابنُ المباركِ ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ، عن عبدِ اللهِ
ابنِ رافعٍ مولى أم سلمةَ، عن أم سلمةَ قالت: أَتَى رسولَ اللهِ مَلِّ رجلان
يختصِمان فى مواريثَ لهما ، فلم تكنْ لهما بينةٌ إلا دَعْواهما، فقال النبىُّ
وَاله: ((إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصِمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكونَ
ألحنَ بحُجَّتِهِ مِن بعضٍ ، فأقضِىَ له على نحوٍ ما أسمَعُ منه ، فمَن قضيتُ له
مِن حقِّ أخيه بشىءٍ فلا يأخُذْه، فإنما أقطَعُ له قطعةٌ مِن النارِ)). فبكى
الرجلان ، وقال كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِه: حقِّى لك. فقال لهما النبيُّ
وَإِلَةِ: ((أمَّا إذا فعَلتُما، فاقتسِما وتوخَّيا الحقَّ، ثم اسْتَهِما، ثم تحلّلا »(١).
منه، فقَبِل شهادتَهما وحكم "لهما بزوجيّتِهما)، أنه يَحِلُّ له ذلك ظاهرًا القبس
وباطنًا ، ويَطَؤُّها بكتابِ اللهِ. ومَعاذَ اللهِ أن يكونَ باطلٌ تُتَزَّهُ الأموالُ عن أن يَنْفُذَ
فيها ويَنْفُذَ فى الفُرُوجِ التى هى أَعْظَمُ محُزْمةً، وقد بيّا ذلك فى ((مسائلٍ
الخلافِ))، وأقوى مُتَعلَّقٍ لهم أن النبىَّ ◌َلِّ أَباح المرأةَ ى اللَّعان للزوجِ الثانى مع
أن اللعانَ زورٌ وكَذِبٌ ، واللعانُ أصلٌ مُسْتَوْفَى وحّةٌ ضرورة كما بينا ، وقد أجبنا
عن هذا الحديثِ فى ((التلخيصِ)) وغيرِهِ، وأَقْوَى ما فيه أن النبىَّ وَّه قال: ((اللهُ
يَعْلَمُ أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما مِن تائبٍ؟))(١). فبيَّن النبيُّ وَل أن قضاءَه
(١) أبو داود (٣٥٨٤) - ومن طريقه ابن الجوزى فى التحقيق فى أحاديث الخلاف (٢٠٣٩) -
وأخرجه البيهقى ٢٦٠/١٠ من طريق أسامة به.
(٢ - ٢) فى ج، م: ((له بزوجيتها)).
(٣) تقدم تخريجه فى ١٥٧/١٥.
٢٣

الموطأ
التمهيد
وفى هذا الحدیث أيضًا مِن الفقهِ مع الأحكام التی قدَّمنا فی حديثٍ
مالكٍ، جوازُ الصلح على الإنكارِ، خلافَ قول الشافعيِّ، وفيه أن
للشريكين أن يقتسِما مِن غيرِ حكمٍ حاكم، وأن الهِبَةَ تصِحُ بالقولِ ، ولا
يحتاج إلى قبضٍ فى الوقتِ؛ لقوله: حقِّى لك. ولم يقلْ رسولُ اللهِ وَلِّ:
لا يصِحُ لك حتى تقيِضَه . ومِن هلهنا قال مالكٌ: تصِخُ المطالبةُ بالهبةِ قبلَ
القبض لتُقبَضَ. وفيه جوازُ البراءة من المجهول والصلح منه وهبته . وفيه
القبس انْبنَى على كذبِ أحدِهما للضرورة، وقد اتُّفَقْنا على أن القاضى لو عليم الكذب فى
هذه المسألةٍ، لَمَا جاز له أن يَقْضِىَ. فإن أُخْطأَ القاضى - وهى مسألةٌ عظيمةٌ -
فإن ذلك لا يُلزِمُه ضمانًا ولا يُوجِبُ عليه مَلامًا، والأصلُ فى ذلك أن خالد بنَ
الوليدِ لَهَّا أَخْطَأْ فى بنى جَذيمةً لم يُعَلِّقْ به النبيُّ وَ شيئًا، اللَّهُمَّ إلا أنه قال:
((اللهمّ إنى أُبْرَأُ إِليك مِنَّا صنَع خالدٌ))(١). وقَدَاهم وأمْوالَهم، والمعنى يَعْضُدُه،
فإن القاضىَّ لو نظَر بشرط سلامةِ العاقبةِ وهو لا يُعَوِّلُ على النَّصِّ ، وإنما يَينِى مُحُكْمَه
على الاجتهاد ، لکان ذلك باطلًا من وجهين ؛ أحدهما : أنه کان یکونُ تكلیفَ ما
لا يُطاقُ. والثانى: أنه كان يكونُ تنفيرًا للخَلْقِ عن الولايةِ(٢)، فتَتَتَطَّلُ الأحكامُ.
لاحقّةٌ : قد انْدَرج فى أثناءِ الكلامِ أن العامِّىَّ لا يكونُ حاكمًا، ومن شروطِه
كما قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وغيرُه، أن يكونَ ذكّرًا، مسلمًا، عالمًا، ذا مُؤُوءةٍ ،
(١) البخارى (٤٣٣٩)، والنسائى (٥٤٢٠) من حديث ابن عمر .
(٢) فى م: ((الولاة)).
٢٤

الموطأ
جوازُ الاجتهادٍ للحاكم فيما لم يكنْ فيه نصٌّ. وفيه جوازُ التَّحُرِّى فى التمهيد
أداءِ المظالم. وفيه استعمالُ القُرْعةِ عندَ استواءِ الحقوق(١) . وفيه جوازٌ
ترديد الخصوم حتى يصطلحوا، وقد جاء ذلك عن عمر رحمه اللهُ
نصًّا (٢)، وذلك فيما أَشكّل، لا فيما بانَ، والله المستعانُ.
عاقلاً، وقد قال أبو حنيفةً: إن المرأةَ تَقْضى فيما تَشْهَدُ فيه؛ لأنه من جاز أن يكون القبس
شاهدًا فی شیءٍ ، جاز أن یکون قاضیا فیه کالذّرٍ ، وهذا يُنْتَقِضُ علیه بالكافرِ ،
فإنه يجوزُ أن يكونَ عنده شاهدًا، ولا يجوزُ أن يكونَ قاضيًا. وقد تَوَهِّم بعضُ
الناس أن المرأة تكون قاضیةً ، ونسبوا ذلك إلى الطبرئ، وقد ذكّر ذلك القاضى
عبدُ الوَهَّابِ فى كتابٍ ((المعونةِ))، وسرّد المُناظَرَةَ التى جْرَت فيها فى مجلسٍ
الُوَيْهِىِّ بينَ فقيه الشافعيَّةِ أبی الفرج بنِ طَرَاراً)) وبينَ القاضى أُبی بکرٍ بن
الطَّيِّبِ(٥) ، وذكَر احتجاجَ ابنِ طَرَارًا عليه بإجماعِ الأَمَّةِ أنها لا تكونُ خليفةٌ ،
(١) فى م: (الحق)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٣.
(٣) هو مجلس أحد ملوك بنى بويه .
(٤) فى م، وحاشية د: ((طرازا)). وهو المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد، أبو الفرج النهروانى الجريرى،
نسبةً إلى رأى ابن جرير الطبرى، كان من أعلم الناس فى وقته بالفقه والنحو واللغة وأصناف الأدب ، ولى
القضاء بباب الطاق ، وكان على مذهب ابن جرير، صنف (التفسير الكبير))، فى ست مجلدات ، و((الحدود
والعقود)) فى أصول الفقه، وكتاب (( الجليس والأنيس))، وغيرها. توفى يوم الاثنين الثامن عشر من ذى
الحجة سنة تسعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء ٥٤٤/١٦، وطبقات المفسرين ٣٢٣/٢ .
(٥) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم أبو بكر البصرى ، ابن الباقلانى ،
صاحب التصانيف ، الملقب بسيف السنة ولسان الأمة ، توفى سنة ثلاث وأربعمائة . ينظر
ترتيب المدارك ٤٤/٧، وسير أعلام النبلاء ١٩٠/١٧ .
٢٥

الموطأ
التمهيد
القبس فكذلك القضاءُ، وإنما أشار الطبرىُّ إلى مذهبٍ أبى حنيفةً، ومذهبُ أبى حنيفةً
إنما هو إِذا حكّمَتْ ، فأمَّا أن يُقَدِّمَها الإمامُ لتكونَ منصوبةً للناسِ ، فما كان ذلك
قطُّ مذهبًا لأحدٍ ، وقد اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ على أنها لا تُؤْذِّنُ ؛ لأن صوتَها عورةٌ ، فإذا لم
يَجُزْ سَماعُ صوتِها وهى فى المَأْذَنَةِ لا تُرَى، فأوْلَى وأُخْرَى ألا تجوزَ مُجالَسَتُها
ومُحادثتُها ابتداءً مِن قِبَلِ نفسِها، فكيف أن يُبيحَها١ الإمامُ لذلك، ولو تَفَطَّن
لهذا عُصْبَةُ الجاهِلِين لَمَا كانوا عن الحقِّ ناكِين.
وقولُه: ((فَأَقْضِىَ له على نحوٍ ما أسْمَعُ)). دليلٌ على أن التَّاهُمَ قد حصَل ما
بينَ الحاكم والخَصْمَيْن، فإن تَعَذَّر ذلك مِن القاضى بصَمَمٍ، أو مِن الخَصْمِ
بِتَكَم ، أو بلُغَةٍ لا يَفْقَهُها القاضى، فالذى سَمِعتُه أن الرجلَ إذا كان أصَمَّ أو أُعمَى ،
أن الناسَ اخْتَلَفوا فى توليته القضاءَ، والذى عندى أن واحدًا منهم لا يجوزُ أن
يكونَ قاضيًا، وأقولُ : إن ذلك إجماع، وذلك على الإطلاق، إلا فى الأوقاتِ
اليسيرةِ والقَصصِ المَخصوصيةِ ، فإن القضاء متنىٌ على الفصلِ، و كلُّ ما أمكن مِن
تَحْصيلِ الفصلِ والاخْتِصارِ، لا يُلْتَفَتُ معه إلى التطويلِ؛ ولهذا قال العلماءُ
بأجمعِهم : إنه لا يجوزُ قَبولُ شهودِ الفرعِ مع القُدرةِ على شهودِ الأصلِ ؛ لِمَا فى
ذلك مِن زيادةِ النظرِ على القاضى فى العدالةٍ ، ولما فى ذلك من زيادةِ الإعذارِ على
المطلوبٍ ، فإذا رُوعِى هذا القدرُ فى رسم القضاءِ، فالذى يَفوتُ بالصَّممِ والعَمَى
أعظمُ مِن ذلك، وقد درَج الإسلامُ على أنه ما وَلِيّهم مِن القُضاةِ أعْمَى ولا أُصَمّ،
(١) فى م: ((يلجئها)).
٠
.'
٢٦

الموطأ
التمهيد
أَمَّا أن النبيَّ مَ له قد اسْتَخْلَف على المدينةِ ابنَ أُمَّ مَكْتومٍ فى غزواتٍ، فقال القبس
علماؤنا : إنما كان ذلك لأنه لم يكنْ فى ذلك الزمانِ خُصوماتٌ ، وإنما كان يقعُ
فى النادرِ أمرٌ يَحتاجُ إلى التسريرِ(١)، وكان ابنُ أُمِّ مَكْتومٍ به مُسْتقِلًا، أوَ لا تَرَى أنه
ربّما كان يخافُ على المدينةِ عورةٌ، ولم يكنِ ابنُّ أمّ مكتوم مستقلًا بحمايةٍ
الحَوْزةِ، وخليفةُ الأميرِ لا بُدَّ أن يكونَ فيه من الاستقلالِ " بحمايةِ الحَوْزةِ) وَلَمّ
الشَّعَثِ عندَ الاختلافِ العامّ ، وقد كان ذلك مُتعذّرًا فى ابنٍ أمِّ مكتومٍ ، فدَلَّ على
أن رسولَ اللهِ وَّهِ، واللهُ أعلمُ، إنما كان يَثْقُ مِن ربِّه بعِضْمةِ المدينةِ عن أن
يُخالِفَ إليها بعدَه مَن يُريدُها بسوءٍ، وكان يَعْلَمُ مِن أهلِها قلةً الاختلاف ، فلأجْلِ
ذلك كان اسْتِخْلاقُه له، فأمَّا إن كان التَّعذُّرُ فى السّماعِ مِن بَكَم فلم يَفْهَمِ الحاكمُ
إشارته، أو كان مِن لُغَةٍ لم يَغْرِفِ التكلُّمَ(٤) بها، ولم يكنْ بُدِّ مِّن مُعَبِّرٍ يُعبُّ له،
فاختلف علماؤنا؛ فمنهم من قال : يُجزئُّ مُعبّرٌ واحدٌ . وبه قال أبو حنيفةً وغيرُه .
ومنهم مَن قال : لا يُجْزئُّ أقلُّ مِن اثنين. وبه قال الشافعىُّ. فإِن جَعَلْنا التعبيرَ خبرًا
فواحدٌ يَكْفى فيه، وإن جَعَلْناه شهادةً لم يكنْ بُدٌّ مِن اثنين، والصحيح أنه خبرٌ
يُجْزِئُ فيه واحدٌ، إلا أن يَشُكُّ الحاكمُ فيَزِيدَ حتى يَحصُلَ له اليقينُ.
وقولُه: ((فأقضىَ له على نحوٍ ما أسْمَعُ)). دليلٌ على أن الخصومَ هم الذين
يَأْتُون إليه، ولا يَمْشى القاضى إليهم بإجماع، إلا أن تكونَ نازلةٌ عامَّةٌ على نفرٍ
يُخافُ منها الاسْتشْرَاءُ، فيَمْشِىَ إليهم ويَفصِلَ أمرَهم، كما مشَى النبيُّ وَّل إلى
(١) فى ج: ((التشيد))، وفى م: ((التسيير)).
(٢ - ٢) ليس فى : د .
(٣) فى ج، م: ((على)).
(٤) فى ج، م: (( المتكلم )).
(٥) سقط من : م .
٢٧

الموطأ
التمهيد
القبس بنى عمرو بنِ عوفٍ ليُصْلِحَ بينَهم (١) ، ولم تُؤْسِلْ إليهم ليكونَ ذلك عندَه، وهو
حديثٌ صحيحٌ لا غُبارَ عليه، فصار هذا أصلًا فى البابِ .
تتمَّةٌ (١): فإذا كَمُل قضاءُ القاضى فلْيَكْتُبْ بذلك كتابًا إن احتاج إليه
لحَقُّ اللهِ عزَّ وجلَّ، أو إن سألَه ذلك الخَصمُ، والأصلُ فى ذلك حديثُ
محُوَيِّصَّةَ ومُحَيِّصَةً المشهورُ إلى آخِرِه؛ قال الراوى: فكتَب رسولُ اللهِ وَه
بذلك إلى خبيرَ(٢). فصار ذلك أصلًا فى البابٍ، ولأنَّ الضرورةَ تدعو إليه،
(٤) وكلُّ مَا دَعَتِ الحاجةُ إليه فى الشريعةِ، مِمّا فيه منفعةٌ ولم يُعارِضْه
محظورٌ() ، فإنه جائزٌ أَو واجبٌ بحَسَبِ حالِهِ، وهذا أصلٌ بديعٌ، فعُوهُ
ورَكِّبوا عليه، قال علماؤنا: وأكثرُ ما يكتُبُ القاضى فى قضائِه الذى يُتْفِذُه
ويُنِهِى (١) العملَ إليه أربعُ نُسَخٍ، وذلك فى مسألةٍ واحدةٍ، وهى مشهورةٌ
عندَ العلماءِ، فَلْتُنظَرْ هُنالك ولْتُنْقَلْ.
تفسيرٌ: قال مالكٌ: الترغيبُ فى القضاءِ بالحقِّ. ثم أدْخَل حديثَ أُمُّ سَلَمَةً
المُتقدِّمَ، وكلُّ ترجمةٍ فهى مُبْتَدَأَةٌ وخبرُها فيما يأتى بعدَها، وقولُ مالكِ هلهنا :
الترغيبُ . هو مصدرٌ لا بُدَّ له مِن فاعلٍ ومفعولٍ؛ لكونِه مِن الأفعالِ المُتعدِّيةِ ،
والفاعلُ والمفعولُ هلهنا مُضْمَران، فيكونُ تقديرُه : الترغيبُ للقضاةِ . والمفعولُ
(١) تقدم فى الموطأ (٣٩٣).
(٢) سقط من : م .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٦٩٣).
(٤ - ٤) فى ج، م: (( كما)).
(٥) بعده فى م: ((فإن صح)).
(٦) فى م: ((يبنى)).
٢٨

الموطأ
١٤٥٦ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ،
أن عمرَ بنَ الخطابِ اخْتَصَم إليه مسلمٌ ويهودىٌّ، فرَأى عمر أن
الحقَّ لليهودىِّ فقَضَى له، فقال له اليهودىُّ: واللهِ لقد قضيتَ
بالحقِّ . فضرَبه عمرُ بالدِّرَّةِ ، ثُم قال : وما يُدْرِيك؟ فقال اليهودىُّ:
إِنَّا نجِدُ أنه ليس قاضٍ يَقْضى بالحقِّ إلا كان عن يمينِه ملّكٌ وعن
شمالِهِ ملَكٌ، يُسدِّدانِه ويُوفِّقانِهِ للحقِّ ما دام مع الحقِّ، فإذا ترَك
الحقَّ عرَجا وتركاه .
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبٍ، أن عمرَ بنَ الاستذكار
الخطاب اختصّم إليه مسلمٌ ويهودىٌّ، فرأى عمرُ أن الحقَّ لليهودیِّ فقضَی
له ، فقال له اليهودىُّ: والله لقد قضَيتَ بالحقٌّ. فضرّبه عمرُ بالدِّرَّةِ ، ثم
قال: وما يُذْرِيك؟ فقال اليهودىُّ: إِنَّا نجدُ أنه ليس قاضٍ يقضى بالحقِّ إلا
كان عن يمينه ملكٌ وعن شمالِه ملكٌ، يُسدِّدَانِه ويوفِّقانه للحقِّ ما دام مع
كذلك أيضًا، تقديرُه: للناسِ. فإن كان للقضاةِ ما جاء بعدَ ذلك من التعبيرِ القبس
مصروفٌ فهو مُتعلِّقٌ بقولِه: ((فَقْضِىَ له على نحوٍ ما أسْمَعُ)). وإن كان للناسٍ
فهو متعلَّقٌ بقوله: ((فمَن قَضّيتُ له بشىءٍ مِن حقَّ أخيه )). إلى آخرِه، ويحتاج أن
يعودّ إليهما معًا؛ لأنه لا تَناقُضَ فى اجتماعِهما، والأُظهَرُ أنه يعودُ إلى القُضاةِ ،
بدليلٍ ما أُدْخَل بعدّه مِن حديثٍ عمرَ فى اقْرانِ المَلَكَيْن بالقاضى وتشديدِه، ففسّر
بذلك إجراءَ مَا اخْتَمَلَه اللفظُ أولًا
٢٩
1

الموطأ
الاستذكار الحقِّ، فإذا ترَك الحقَّ عَرَجا وتركاه (١).
قال أبو عمرَ : إنما ضرّب عمرُ اليهودىَّ، واللهُ أعلمُ ، لأنه كَرِهِ مَدْحَه
له، وتزكيتَه لحكمِه "فى وجهِه) ، وأما جوابُ اليهودىِّ له بعدَ ضربه
إِيَّاه (٣ وقولِه" له: وما يُدْريك؟ فليس عندى بجوابٍ لقوله: وما يُدْرِيك؟
والله أعلمُ ؛ ولكن اليهودىَّ لًّا علم أن عمر گرِه مدحه له ، أخبره أنه يجدُ
فى كتبِهَ أن الله تعالى ذِكرُه يُعينُ القاضىَ على الحقِّ، ويُسدِّدُهُ(٤) ويوفّقُه
لإصابته إذا أراده وقصَده ونواه ، ومِن عَوْنِه له أن يأمرَ المَلَكين عن يمينه
وعن شمالِهِ بتسديدِه، وهذا كلُّه ترغيبٌ وندبٌ للحكام إلى ) القضاءِ
بالحقِّ ، على ما ترجَم به مالكٌ البابَ . واللهُ الموفِّقُ للصوابِ .
وروَى ابنُّ عيينةَ هذا الخبرَ عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ
المسئَّبِ، أن عمرَ اختصَم إليه مسلمٌ ويهودىٌّ، فرأى أن الحقَّ
لليهودىِّ فقضَى له، فقال اليهودىُّ: واللهِ إن الملكين جبريل وميكائيلَ
ليتكلَّمان بلسانِك، وإنهما عن يمينك وشمالِك. فضرَبه عمرُ بالدِّرَّةِ
وقال: لا أمَّ لك، ما يُدْرِيك؟ قال: إنهما مع كلُّ قاضٍ يقضِى بالحقِّ
"القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٧٨).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((بقوله))، وفى م: ((فقوله)).
(٤) فى الأصل، م: ((يسدد له)).
(٥) فى الأصل، ح، هـ، م: ((أن)).
٣٠

الموطأ
ما دامَ مع الحقِّ، فإذا ترَك الحقَّ عرَجا وترَكاه. فقال عمر: واللهِ ما الاستذكار
أراك أُبعَدتَ .
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ، أن المسلم والكافرَ(١) الذِّمِّيَّ فى الحكم
بينَهما والفصلِ كالمسلمين سواءً. وفيه كراهيةُ المدح فى الوجهِ ، وأن من
أڈّب فاعله فلا حرج عليه، وأن الذی یرضی بأن يُمدح فى وجهِه ضعيفُ
الرأي. وقد رُوِى عن النبيِّ ◌َل أنه سمع رجلًا يمدحُ رجلًا، فقال له:
(( أما إنك لو أسمعتَه(٢) لقطعتَ ظهرَه))(١).
وروى عنه پڼ أنه قال: (( المدخ فی الوجه هو الذبخ ))(١ . وزُوِى عنه
وَه أنه قال: ((احْثُوا فى وجوهِ المدَّاحين(٥) الترابَ)). وهو حديثٌ
صحيحٌ مِن حديثِ المقدادِ بنِ الأسودٍ ١) . وهذا عندَهم فى المواجهةِ .
القبس
(١) بعده فى م: ((و)).
(٢) فى الأصل: (أصنعته))، وفى ح، هـ: ((سمعته))، وفى م: ((صنعته).
(٣) أخرجه أحمد ٦٥/٣٤، ١٢٦ (٢٠٤٢٢، ٢٠٤٨٤)، والبخارى (٦٠٦١)، ومسلم
(٣٠٠٠) من حديث أبى بكرة بنحوه .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/٩، وابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية بنحوه .
(٥) فى ح، هـ: ((المادحين)).
(٦) أخرجه أحمد ٢٤٩/٣٩، ٢٥٠ (٢٣٨٢٧، ٢٣٨٢٨)، ومسلم (٣٠٠٢)، والترمذى
(٢٣٩٣)، وأبو داود (٤٨٠٤)، وابن ماجه (٣٧٤٢).
٣١

الموطأ
. الاستذكار
وفيه تركُ الردّ على أهل الكتاب فيما يُخبرون به عن كتابهم، وفى
هذا جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﴾ فى أهلِ الكتابِ أَّا يُصدِّقوا ولا
يُكذِّبوا؛ فقال ◌َله: ((إذا حدَّثوكم بشىءٍ - يعنى عن كتابهم) - فلا
تُصدِّقوهم ولا تُكذّبوهم»(٢). لئلا يُصدَّقَ بباطل أو يُكذّبَ بحقٌّ. وقال
وَله: ((حدِّثوا عن بنى إسرائيلَ ولا حرجَ، وحدِّثُوا عَنِّى ولا تَكذِبوا
(٣)
على))(٢).
وقد فسر الشافعى معنى هذا الحديث بما قد ذكرتُه فى غيرِ هذا الموضعِ .
حدَّثْنى سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثْنى قاسمُ بنُ أَصبغٌ، قال :
حدَّثنى ابنُ وضَّاح، قال: حدِّثْنى أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثْنى
وكيع، قال: حدَّثْنَى إسرائيلُ، عن عبد الأعلى الثَّعلبىّ(٤) ، عن بلالِ بنِ
أبى موسَى، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن سأل
القضاءَ وُكِل إلى نفسِه، ومَن أُجِر(*) عليه نزّل عليه مَلَكٌ يُسدِّدُه)) (٦).
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه أحمد ٤٦٠/٢٨ (١٧٢٢٥)، وأبو داود (٣٦٤٤) من حديث أبى تملة الأنصارى .
(٣) أخرجه الحميدى (١١٦٥)، وأحمد ١٥٦/١٧،١٢٥/١٦ (١٠١٣٠، ١١٠٩٢)، وأبو
داود (٣٦٦٢) من حديث أبى هريرة.
(٤) فى هـ، م: ((التغلبى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٢/١٦.
(٥) فى الأصل، م: ((يجبرا.
(٦) ابن أبى شيبة ٢٣٥/٧، ٢٣٦، وأخرجه أحمد ٢٢١/١٩ (١٢١٨٤)، والترمذى =
٣٢

الموطأ
قال أبو عمرَ : روَى ابنُّ عيينةً، عن مِسعَرٍ، عن مُحاربٍ بنِ دِثارٍ، قال: الاستذكار
قال عمرُ بنُ الخطابِ : رُدُّوا الخصومَ حتى يصطلِحوا، فإن قضاءً القاضى
يورِثُ الإِحَنَ بينَ الناسِ(١) .
وعن أيوبَ، عن ابنٍ سيرينَ قال: لم أرَ شُريحًا أصلح بينَ خصْمَین
قطَّ إلا امرأةً استودَعها رجلٌ شيئًا، فنقَلتْ متاعَها، فضاعَ، فأصلَح
(٢)
بينَهما (٢).
وسفيانُ، عن مُجالدٍ ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ قال : لأن أقضىّ يومًا
بالحقِّ أحَبُ إلىٍّ مِن عملٍ سنةٍ(١) .
وسفيانُ ، عن أبى إسحاق ، عن الشعبىِّ، عن شريح قال: كتَب إلىّ
عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه : إذا جاءك أمرٌ فى كتابِ اللهِ فاقضٍ به ،
ولا يَلِفِتَنَّك عنه الرجالُ، فإن لم تَجدْه فى كتابِ اللهِ ففيما مضَى مِن سنَّةِ
القبس
= (١٣٢٣)، وابن ماجه (٢٣٠٩) من طريق وكيع به .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٣/٧، ٢١٤، والبيهقى ٦٦/٦ من طريق مسعر، عن أزهر العطار،
عن محارب بن دثار، عن عمر بن الخطاب .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢١٢/٧، ٢١٣ من طريق أيوب به .
(٣) بعده فى ح، هـ، م: ((سفيان عن أبى إسحاق، عن الشعبى، عن مسروق قال: لأن أقضى
يوما بحق أحب إلى من عمل سنة)). وهو تداخل بين هذا الأثر والأثر التالى.
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٩/٧، ٢١٦/١٢، ٢١٧، والبيهقى ٨٩/١٠ من طريق
مجالد به .
٣٣
(موسوعة شروح الموطأ ٣/١٨)
:

الموطأ
الاستذكار رسولِ اللهِ وَله، فإن لم تَجِدْه فيما مضَى مِن سنَّةِ رسولِ اللهِ أَّه ففيما
قضَى به الصالحون وأئمةُ العدلِ، فإن لم تَجِدْ ؛ فإن شئتَ أن تجتهدَ
رأْيَك، وإن شئتَ أن تؤامرَنى، ولا أرَى مؤامرتَك ( إياىَ إلا أسلمَ لك،
والسلامُ عليك(٢).
وروَى عيسى بنُ دینارٍ ، عن ابنِ القاسم قال: سُئل مالكٌ أَيُجبَوُ الرجلُ
على ولاية القضاءِ؟ فقال: لا ، إلا ألا يوجدَ منه عِوَضْ(١) . قيل له : أيُجبّرُ
بالحبسٍ والضربٍ؟ قال: نعم. قيل له : فالفُتْيا؟ قال: لا تجوزُ الفُتْيا إلا
لمَن علِم ما اختلَف الناسُ فيه. قيل له: اختلافُ أهلِ الرأي؟ قال: لا،
اختلافُ أصحابٍ محمدٍ وَِّ، (٢) ويعلمُ) الناسخَ والمنسوخَ مِن القرآنِ
والحديث .
وقد أشبَعْنا هذا المعنى فى كتابٍ ((العلم)). والحمدُ للهِ كثيرًا.
القیس
(١ - ١) فى ح، هـ، م: ((فإنى لا)).
(٢) أخرجه البيهقى ١١٠/١٠ من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٢٤٠، وأبو نعيم
فى الحلية ١٣٦/٤، والبيهقى ١١٥/١٠ من طريق أبى إسحاق الشيبانى به.
(٣) فى الأصل: ((عروض)).
(٤ - ٤) فى ح، هـ: ((فى).
٣٤

ما جاء فى الشَّهاداتِ
الموطأ
التمهيد
القبس
بابُ الشهاداتِ
اعْلَموا، وَفَّقكم اللهُ، أن الشَّهادةَ ولايةٌ مِن ولاياتِ الدِّين، فإنه تنفيذُ قولٍ
الغيرِ على الغيرِ)، والأصلُ ألَّ يَتْفُذَ قولُ أحدٍ على أحدٍ ، ولكن لَمَّا خَلَقَ اللهُ عزَّ
وجلَّ الخلقَ للخُلْطِ والمَعاشِ والمُعامَلةِ، وكتَب عليهم ما عَلِمَتْه الملائكةُ فيهم
مِن الفسادِ وسفكِ الدماءِ وجَحْدِ الحقوقِ والْتِوائِها ، شرَع الشهادةَ، ونفَذ بها
قولُ (٢الغيرِ على" الغيرِ على وجهِ المصلحةِ، للحاجةِ الداعية إلى ذلك؛ إحياءً
للحقوقِ الدَّارِسةِ، وقد روَى جماعةٌ أن النبيُّ وَِّ قال: «لَمَّا خلَق اللهُ عزَّ وجلَّ
آدمَ مسَح ظهرَه بيمينه، فاسْتَخْرَج منه ذُرِّيَتَه فعرَضَهم عليه، فرَأَى فيهم رجلًا
حَسَنَ الوجهِ قصيرَ العمرِ ، قال: مَن هذا يا ربِّ؟ قال: هذا١٢ ابنُك داودُ . قال له :
ياربّ ، ما أحسن وجهه، وأكثر عبادته ، لولا قِصَرُ عمره ستين عامًا . قال له: (يا
ربِّ ، زِده. قال : لا ، زده أنت مِن عمرك. قال : فقال له آدم : یا ربِّ، عمری
ألفُ سنةٍ ، أَعْطِ له منها أربعينَ تَكْمُلُ له بها مائةٌ . قال له : قد فَعَلتُ. فَلَمَّا كَمَلَتْ
مُدَّةُ آدَمَ، وجاء مَلَكُ الموتِ لِيَقْبِضَ رُوحَه، قال له: قد بَقِيَت لى أربعون عامًا .
قال له: ألم تَهَبْها لداودَ؟ قال: لا)). قال النبيُّ وَلَه: ((فجَحَد آدمُ فجَحَدتْ
ذُرَِّتْه، ونُسّىَ آدمُ فتُشْيَت ذريتُه))). ورُوِى أنه قال: ((ومِن ذلك اليوم أُمِر
(١ - ١) ليس فى : د .
(٢ - ٢) سقط من : م.
(٣) سقط من: ج ، م .
(٤) الترمذى (٣٠٧٦)، وأبو يعلى (٦٣٧٧، ٦٦٥٤) من حديث أبى هريرة .
٣٥

الموطأ
التمهيد
القبس بالكتاب والشُّهُودِ)) (١). ورَوَت جماعةٌ فى الحديثِ: ((فكَمَّل اللهُ عزَّ وجلَّ لآدمَ
الألف ، ولداود الأربعین))(٢) . ولگونها ولا یةً مِن الولایاتِ، و کثرة فسادِ الناسِ
فيها ، وتَتَابُعِهم بالمُسامَحَةِ بالزُّورِ فى أَدائِها ، ما صارتْ فى بغدادَ والشامِ ولايةٌ مِن
قِبَلِ الإِمامِ والقاضى، وصارت الفتوى مُؤْسَلّةً، فلا يَشْهَدُ ببغدادَ والشامِ إِلا مَن
وَلَّاه القاضى، ويُفْتِى كلَّ مَن عَلِم مِن غيرِ إذنٍ ، وهذه هى المصلحةُ؛ لأن المُفْتِىَ
إن زاغ فضَحه العِلمُ (١) ، والشاهدُ لا يَعْلَمُ زَئِغَه إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، وقلَب أهلُ بلادِنا
فى ذلك القَوْسَ رَكْوَةٌ(٤)، وسيرةُ بغدادَ أصلحُ وأحسنُ ، ولأجلِ ذلك كان الشاهدُ
مَن جمَع خِصالا خمسةً؛ البلوعَ، الذُّكُوريَّةَ، الإسلامَ، العدالةَ، المُؤُوءَةَ.
واخْتُلف فى السادسِ وهو الحريةُ .
فأمَّا البلوغُ، فاجتمعت الأُمَّةُ عليه؛ لأن الصغيرَ قليلُ الضَّبْطِ ناقصُ العقلِ
يَقبَلُ الخديعةَ، فلذلك لم تَجُزْ شهادتُه، ولم يَقُلْ بجوازٍ شهادتِه أحدٌ ، فيما
عَلِمتُه، إلا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبِيرِ، فإنه جوَّز شهادةَ الصِّبيانِ فيما بينَهم من
الجِراح(٥)، وتابَعَه علماؤنا، واخْتَلَف قولُ مالكٍ فى القتلِ، وذكّر فى
((الموطأَ)) مِن شروطِ شهادتِهم واحدًا، وهو ألا يُخَبَُّوا") بعدَ تفرّقِهم أو
(١) الترمذى (٣٣٦٨) من حديث أبى هريرة .
(٢) أحمد ٤٤٦/٤، ٤٤٧ (٢٧١٣)، والطبرانى (١٢٩٢٨) من حديث ابن عباس.
(٣) فى نسخة على حاشية د : ((العالم)).
(٤) يُضرب مثلًا فى الإدبار وانقلاب الأمور ، يقال: صارت القوس رَكوة. الصحاح (رك و).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٤٦٧).
(٦) خيَّبه : أى خدعه وأفسده . التاج (خ ب ب) .
٣٦

الموطأ
التمهيد
يُعَلَّموا، وذكَر المُحَرِّرون مِن علمائِنا أن شروطَ قَبُولِ شهادةِ الصِّبيانِ تسعةٌ؛ القبس
العقلُ، والإسلامُ، والذَّكُوريَّةُ، الحريةُ بينَهم فى الجِراحِ، واخْتَلَف قولُه فى
القتلِ(١) قبلَ الثَّفْرُقِ، اثنان فصاعدًا .
فأمَّا اشتراطُ العقلِ ، فلأنه أصْلُ التَّحصيلِ .
وأما اشتراطُ الإِسلام، فلأن الكافرَ لا شَهادةَ له؛ لأن الله عزَّ وجلَّ وصَفه
بالكَذِبٍ، لأنها ولايةٌ شرطُها الكرامةُ، والكافرُ حقُّه الإهانةُ، وقد قال أبو
حنيفةً : تجوزُ شهادةُ الكفارِ بعضِھم علی بعضٍ إذا کانوا غُدُولًا فى دينهم . وقد
بَيّا فسادَه فيما تقدَّم وفى ((مسائل الخلافِ )). وقال أحمدُ بنُ حنبل: تجوزُ
شهادةُ الكفارِ على المسلمين فى الوَصِيَّةِ فى السفرِ ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ
ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. يريدُ: مِن غيرِ أهلِ مِلْتِكم. قلنا: إنما أراد:
مِن غيرٍ قَبيلِتكم (١) . فإن قِيل: هذا لا يصلُحُ؛ لأن الآيةَ إنما نَزَلَتْ فى شأنٍ تميم
الدَّارِىِّ وعَدِئٍّ بنِ بَدَّاءٍ حينَ أَخَذُوا جامٌَ فضةٍ. روَى الترمذىُّ وغيرُه عن تميم
الدارىٌّ فى تفسيرِ قوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
قال: تَرِئُّ من هذه الآيةِ كلَّ الناسِ غيرى وغيرُ عَدىٍّ بنِ بَدَّاءٍ. وكانا نَصْرانَِيْن
يَخْتلِفان إلى الشامِ قبلَ الإسلام، فقدما الشامَ بتجارتهما وقدم علیھما مولّی لبنی
هاشم يُقالُ له: بُدَيْلُ ابنُ أبي مريمَ. بتجارةٍ ومعه جامٌّ مِن فضةٍ، يريدُ به
(١) فى م: ((العقل)).
(٢) في ج ، م: ((قبيلتكم)).
(٣) الجام : إناء من فضة . القاموس المحيط (ج م م).
٣٧

الموطأ
التمهید
القبس المَلِكَ، وهو عُظْمُ(١) تجارتِه، فمَرِضَ وأَوْصَى إليهما أن يُلِّغا ما تَرَك أهلَه . قال
تميمٌ: فَلَمَّا مات أخَذْنا ذلك الجامَ فِعْناه بألفٍ درهم، فاقْتَسَمْتُها أنا وعدىُ بنُ
بَدَّاءٍ، فَلَمَّا قَدِمْنا أهلَه، أو على أهلِه، دفَعْنا إليهم ما كان معنا، وفقَدوا الجامَ،
فسَأَلَونا فقُلْنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا شيئًا. قال تميم الدارىُّ: فلَمَّا
أسلمتُ بعدَ قدومِ رسولِ اللهِ وَ ل ◌َه المدينةَ، تَأْثَّمتَُ مِن ذلك، فَأَتَيْتُ أهلَه
فأخبَرْتُهُم الخبرَ، وأَدَّيْتُ إليهم الخمسمائةِ درهمٍ، وأخبرتُهم أن عندَ صاحبى
مِثْلَها، فأَتَوْا به رسولَ اللهِ وَلِ فسألَهم البَيْنَةً فلم يَجِدوها، فأمَّرَهم أن
يَسْتَحْلِفوه بما يعظُمُ على(٢) أهلِ دِينِه، فحلَفٍ، فَأَنَّزَّل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية(١) .. قلنا: هذا حديثٌ ضعيفٌ، فلا يُلْتَفَتُ إليه،
وقد أُوْعَزْنا إليكم مِرارًا(٢)؛ أنَّ أضَرَّ شىءٍ بالمُتعلِّمِ أو العالِمِ الاشتغالُ بالحديثِ
الضعيفِ، وهذا حديثٌ ليس له أصلٌ فى الصحةِ، فلا يجوزُ أن يُضافَ إلى
القرآن الذى هو صحيح ما ليس بصحيح، وإنما ثُيِّنُ القرآنَ ، ويُضافُ إليه ،
الحديثُ الصحيحُ، فيه وقَع الوعدُ الكريمُ فى قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:
وأمّا الذُّكوريَّةُ، فلأنَّ شهادةَ الأَنْثى ليست بأصلِ فى الشهادةِ ، وإنما هى
(١) فى ج، م: ((عظيم)).
(٢) سقط من: ج، وفى م: (( به ).
(٣) الترمذى (٣٠٥٩).
(٤) فى م: ((أمرًا)).
(٥ - ٥) فى د، ج: ((كل صحيح)).
٣٨

الموطأ
التمهيد
القبس
بَدَلٌ، أو كما قال أهلُ خُراسانَ: شهادةُ ضرورةٍ. ولأجل ذلك جاءت فى
القرآنِ بصفةِ الضرورةِ، وعلى نَعْتِ البَدَلِيَّةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا
رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وكما قال عزَّ وجلّ:
﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. وقال: ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَثَةٍ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإنما جازتْ فى الأموالِ، رِفْقًا مِن اللهِ عزَّ وجلَّ لِكَثْرةٍ
التَّوْدادِ فيها ، وقد يَحْضُرُها الرجالُ وقد يَغِيبون عنها ، فلو وقَف ربطُ الشهادةِ على
الذُّكورِ مع ذلك لَضاعَتِ الحقوقُ، فرُخِّص فى شهادةِ النِّساءِ فى ذلك ، وبَقِيَت
على أصلِ الرَّدٌّ فى غيرها من الحقوق ، وقد حصل الإجماع على أنها لا تجوزُ فى
الدماء .
وأما الحريةُ ، فإنها شرطٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ، وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ : تجوزُ
شهادةُ العبدِ؛ لأنه عَدْلٌ، والدليلُ على تُبُوتِ عدالتِه قَبُولُ روايته . وعَسُر
الانْفِصالُ على سائرِ العلماءِ عن دليلِ أحمدَ هذا، وسلكوا فيه طُرُقًا بَّاها فى
((مسائلِ الخلافِ))، يُغْنيكم الآنَ عنها انفصالان؛ الأولُ: أن العبدُ مُشْتغرِقُ
الأوقاتِ فى حقُّ السيّدِ، فلا يَجِدُ سبيلًا إلى الشهادةِ. والثانى: أن اعتبارَ
الشهادةِ بالخبرِ فاسدٌ؛ لأن وَضْعَها فى الشريعةِ مُختَلِفٌ، ألا تَرَى أن شهادةَ
المرأةِ لا تجوزُ فى القِصاصِ، ويجوزُ قَبُولُ روايتها، ويجوزُ قَبولُ روايةِ الفرع
مع وجودِ الأصلِ، ولا يجوزُ قَبولُ شهادةِ الفرع مع وجودِ الأصل، وهذا بيِّنَّ
عندَ التَأمُّلِ، وفيه إنصافٌ بينَنا وبينَه. وأما قَبولُها فى الجِراحِ خاصَّةً، فلأنه
الذى يَقَعُ بينَهم فى الغالبِ، ولا يَحضُرُه غيرُهم، فدارَتِ الحالُ بينَ أحدٍ
أمْرَيْن؛ إِمَّا أن يَضِيعَ هذا الحقُّ، وذلك لا يجوزُ، أَو تُقبَلَ فيه شهادةُ الصِّبيانِ،
٣٩

الموطأ
التمهيد
القبس وذلك أحسنُ، ولقولِه معَ صِغَرِه موضعٌ(١) عظيمٌ فى التحليلِ والتحريمِ، وهو فى
إباحةِ الدُّخولِ إلى المنزلِ وهَتْكِ السّترِ الذى كان مُخْتَرَمًا قبلَ قولِه، ولكنّه
جاز٢) ذلك للحاجة إليه، ولأنه لا غناء عنه، فكذلك فى مسألتنا، وركّب عليه
علماؤنا شهادةً النساءِ فى الموضع الذى لا يكونُ فيه غيرُهُنَّ، كالأعراسِ
والمآتِم والحَمّاماتِ. وأما قولنا: بينهم. فلأنها شهادةُ ضرورةٍ، فتُقَدَّرُ بقَدْرٍ
الضرورة .
وأما شرطُ الاثْتَينِيَّةِ ، فلأنها أصلٌ للشهادةِ حيثُ وُضِعَتْ ، ولا تجوزُ شهادةُ
واحدٍ عندَ أحدٍ مِن العلماءِ، ولا يَبتُ بها حقٌّ مِن الحقوقِ إجماعًا، إلا فى مسألةٍ
واحدةٍ اخْتَلَف فيها علماءُ الإسلام ، وهى شهادةُ القابِلَةِ وحدّها على الولادةِ ، ومِن
رواياتٍ مالكِ أنها تجوزُ، والأصلُ فى ذلك الضرورةُ الداعيةُ إلى ذلك؛ لأنه(٣) لا
تحضُرُ المرأةَ غيرُها، فلو لم تُقبَلْ شهادتُها لَضاعَتِ الولادةُ، ولبطّل ما يَتْرَكَّبُ
عليها مِن نَسَبٍ ومحرمةٍ وميراثٍ وسائرِ الحقوقِ ، وأمَّا قبلَ التَّفْرُقِ فلعِلَّةٍ أشار إليها
مالكٌ فى ((الموطأُ))، وهى التَّخْبِيبُ والتَّغْوِيلُ(٤)، فإِنَّ حالَ الصَّبْوةِ عُرْضَةٌ
للخِدْعةِ، فإنما يُؤْخَذون بحالِهم عندَ الاجتماع، والأمرُ فى طَرّيةٍ قبلَ أن تُصَوَّرَ له
صورةٌ أو تَتَطَرَّقَ إليه خِدْعةٌ، وذلك كلُّه ما أنَّفَقوا ولم يَخْتَلفوا، وهو الشرطُ
التاسعُ، فإذا اخْتَلَفوا سَقَطَت شهادتُهم .
(١) فى ج، م: ((مدخل)).
(٢ - ٢) فى د: ((ولكن كان)). والمثبت كما فى نسخة على حاشية د.
(٣) فى د: ((لأنها)).
(٤) فى م: ((التقويل)).
٤٠