النص المفهرس
صفحات 401-420
الموطأ
الماءِ (١).
التمهيد
أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ مُطَرّفٍ ،
وحدثنا إبراهيمُ بنُ شاكِرٍ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنٍ عثمانَ،
قالا : حدثنا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالِحٍ،
قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن محمد بنِ
عبدِ الرحمن، عن أَمَّه عَمْرَةَ، عن عائشةً ، قالت : سمِعتُ رسولَ اللهِ
يَنْهَى أَن يُمْنَعَ نَفْعُ بِثْرٍ. يعنى فضلَ الماءِ(٢) .
وحدثنا سعيدُ بنُ نَصٍ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدثنا
إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ القاضى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَّعْنَبِيُّ،
قال: حدثنا خارِجَةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ، عن أبى الرِّجَالِ ، عن أَمِّه
عَمْرَةَ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَ ﴿ أَنَّه نَهَى أَن يُمْنَعَ نَقْعُ ماءٍ بِثْرٍ ).
قال أبو عمرَ: كان ابنُّ عيينةً يقولُ فى قولِ رسولِ اللهِ وَلَهُ: (( لا يُمْنَعُ
القبس
(١) فى م: «مائها)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٧/٦، وأحمد ٩/٤٢ (٢٥٠٨٧) من طريق يزيد به، وأخرجه
أحمد ٣٣٧/٤٣ (٢٦٣١١)، وابن حبان (٤٩٥٥)، والبيهقى ١٥٢/٦ من طريق ابن إسحاق
په .
(٣) أخرجه ابن عدى ٩٢١/٣ من طريق عبد الله بن مسلمة به، وأخرجه أحمد ٢٣٩/٤٣
(٢٦١٤٧) من طريق خارجة به .
٤٠١
( موسوعة شروح الموطأ ٢٦/١٨ )
الموطأ
التمهيد نقعُ بئرٍ)): هو ألا يَمْنَعَ الماءَ قبلَ أنْ يَستقىَ. وقال ابنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ قولِه :
((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بِثْرٍ)). هو ما يَبقى فيها من الماءِ بعدَ منفعةٍ صاحِبِها .
قال أبو عمرَ: وقد رُوِى عن النبيِّ وَّ أَنَّهُ نَهَى عن بيعِ فضلِ الماءِ، من
وُجوه أيضًا صحاح، والمعنى فيها كلّها مُتَقَارِبٌ ، فمِن ذلك حديثُ أبى
الزِّنَادِ، عن الأَعْرَج، عن أبى هريرةَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ بَله عن بيع
فضلِ الماءِ لِيُمنعَ بِهِ الكَلَةُ(١) .
ومنها حدیثُ جابِرٍ ، حدثنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا ابنُ وَضَّاحِ، قال: حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً ، قال :
حدثنا وكيع، عن ابن جريجٍ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ ، قال: نَهَى رسولُ
اللهِ وَّ عن بيعٍ فضلِ الماءِ(١).
ومنها حدیثُ داود العَطّارِ ، عن عمرو بن دِینارٍ ، عن أبى المنهال ، عن
إِيَاسِ بِنِ عَبْدٍ ، أَنَّ النبيَّ ◌َِّ نَهَى عن بيعِ فضلِ الماءِ. هكذا قال داودُ
العَطَّارُ، وخالَفَه سفيانُ بنُ عُبَيْنَةً، عن عمرٍو ياسْنَادِه، فقال: عن بيعِ الماءِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٩٤).
(٢) ابن أبى شيبة ٢٥٤/٦ - ومن طريقه مسلم (٣٤/١٥٦٥)، وابن حبان (٤٩٥٣)،
والبيهقى ١٥/٦ - وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٧)، وابن الجارود (٥٩٥) من طريق وكيع به.
٤٠٢
الموطأ
حدثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال : حدثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ ، قال: حدثنا التمهيد
داودُ العطَّارُ، قال: حدثنا عمرو، عن أبى" المِنْهَالِ، عن إياسٍ بنِ عبدٍ ،
أنَّ النبيَِّمَّ نهى عن بيعِ فضلِ الماءِ (٢) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال
حدثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال : حدثنى أبى ، قال : حدثنا سفيانُ بنُ عيينةً ،
عن عمرٍو، أخبره أبو المنهالِ ، أن إياسَ بنَ عبدٍ قال لرجلٍ : لا تبعِ الماءَ؛
فإِن رسولَ اللهِ وَلِّ نَهى عن بيعِ الماءِ(٣) .
(٤)وأخبرنا خلفُ(٥) بنُ قاسِم، حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ(١)
العَشْكَرِىُّ، أنبأنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، أنبأنا الشافعىُ ، أنبأنا سفيانُ بنُ عيينةً ،
عن عمرٍو بنٍ دينارٍ ، عن أبى المِنْهَالِ، عن إِيَاسِ بنِ عَبْدٍ ، أَنَّه قال: لا تَبِيعُوا
الماء٤َ)؛ ( فإِنِّى سمِعْتُ رسولَ اللهِ بِ لّهِنَهَى عن بيع الماءِ . قال سفيانُ:
القبس
(١ - ١) فى م: ((بن)).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٧٨)، والترمذى (١٢٧١)، والنسائى (٤٦٧٦) من طريق داود به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٤٤٩٥)، وابن أبى شيبة ٢٥٦/٦، والحميدى (٩١٢)، وابن
ماجه (٢٤٧٦)، والنسائى (٤٦٧٥)، وابن حبان (٤٩٥٢)، والبيهقى ١٥/٦ من طريق
سفیان به .
(٤ - ٤) سقط من: ى.
(٥) فى الأصل، م: ((خالد)).
(٦) فى م: ((الحسن)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٤١/١٥.
(٧ - ٧) فى ى، م: ((فإن)).
٤٠٣
الموطأ
التمهيد لا يَدْرِى عمرٌو أىَّ ماءٍ هو؟
وحدثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ، قال :
حدثنا محمدُ بنُّ يُوسُفَ ، قال : حدثنا البخارىُّ ، قال : حدثنا موسى بنُ
إسماعيلَ، قال: حدثنا عبدُ الواحِدِ بنُ زِيَادٍ ، عن الأعْمَشِ، سمِعتُ أبا
صالِحٍ يقولُ: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ(( ثلاثةٌ لا يَنْظُرُ
اللهُ إليهم يومَ القِيَامَةِ ، ولا يُزَكّيهم، ولهم عَذَابٌ أليمٌ ؛ رجلٌ كان له فضلُ
ماءٍ فمَنَعَه من ابنِ السَّبِيلِ )). وذكّرَ الحديثَ(١).
أُخبرنا إبراهیمُ بنُ شاکِرٍ، قال : حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ القاضى ،
قال : حدثنا أحمدُ بنُ مسعودٍ الزَّنْتَرِىُّ(١) ، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ عبدِ الحكم، وحدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدثنا الميمونُ بنُ
حمزةَ ، قال: حدثنا الطحاوىُّ ، قال : حدثنا المزنىُ ، قالا جميعًا : أخبرنا
الشافعىُّ، بمَعْنَّى واحِدٍ، قال: مَعْنَى حديثِ النبيِّ وَّوَ أَنَّه نَهَى عن بيعِ
الماءِ، وعن بيعٍ فضلِ الماءِ، وأَنَّه نَهَى عن منع فضلِ الماءِ. هو، واللهُ
أعلمُ ، أن يُبَاعَ الماءُ فى المواضِعِ التى جَعَلَه اللهُ فيها ، وذلك أن يَأْتِىَ الرجلُ
الرجلَ له البِعْرُ، أو العَيْنُ، أو النَّهْرُ، لِيَشْرَبَ من مائِه ذلك، ولِيَسْقِىَ دابَّتَه،
القبس
(١) البخارى (٢٣٥٨). وأخرجه أحمد ٤١٠/١٢ (٧٤٤٢)، ومسلم (١٠٨/١٧٣)، وأبو
داود (٣٤٧٤)، وابن ماجه (٢٢٠٧)، والنسائى (٧٧٧٤) من طريق الأعمش به .
(٢) فى ى، م: ((الزبيرى)). وينظر الإكمال ٢٤٢/٤، وسير أعلام النبلاء ٣٣٣/١٥.
٤٠٤
الموطأ
وما أشْبَهَ هذا، فيَمْنَعَه ذلك، فهذا هو المنهى عنه؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ أَِّ التمهيد
قال: ((لا يُمْنَعُ فضلُ الماءِ)). وأمَّا قولُ رسولِ اللهِ وَلِهِ: ((لا يُمْتَغُ فضلُ
الماءِ ليُمْنَعَ به الكَلأُ)). فمَغْنَى ذلك أن يَأْتِى الرَّجلُ بدَائِه وماشِيتِه إلى
الرجلِ له البِتْرُ، وفيها فضلٌ عن سَفْي ماشِيَتِه ، فيَمْنَعَه صاحِبُ البِثْرِ السَّقْىَ،
يُرِيدُ بيعَ فضلٍ مائِه منه ، فذلك الذى نُهِى عنه من بيع فضلِ الماءِ، وعليه أن
يَمْنَعَ (١) غيرَه فضلَ مائِه؛ لِيَشْقِىَ ماشِيَتَه؛ لأنَّ صاحِبَ الماشِيَةِ إذا مُنِع أن
يَشْقِىَ ماشِيَتَه، لم يَقْدِرْ على المقامِ ببلدٍ لا يَسْقِى فيه ماشِيَتَه، فيكونَ
منعُه(٢) الماءَ الذى يَمْلِكُ مَنْعًا للكَلَأُ الذى لا يَمْلِكُ، ودَلَّتِ الشُنَّةُ على أنَّ
مالِكَ الماءِ أَحَقُّ بالتَّقَدُّمِ فى الشَّفْي من غيرِهِ؛ لأَنَّه إنما أُمِرَ بألّا يَمْتَعَ
الفضلَ، والفضلُ هو الفضلُ عن الكَفَافِ والكِفَايَةِ ، ودَلَّتِ الشَنَّةُ على أنَّ
المنعَ الذى وَرَد فى فضلِ الماءِ، هو مَنْعُ شِفَاهِ الناسِ والمَوَاشِى أَن يَشْرَبُوا
فَضْلًا عن حاجَةٍ صاحِبٍ المِلْكِ من الماءِ، وأن ليس لصاحِبِ الماءِ
مَنعُهم، وأحاديثُ رسولِ اللهِ وَّهَ فى ذلك مُتَّفِقَةٌ، تُفَسِّرُها السنةُ
المجْتَمَعُ عليها، وإن كانَتِ الأحادِيثُ بألفاظِ شَتَّى . قال: وإذا كان هذا
فى ماءِ البِتْرِ، كان فيما هو أكْثَرُ من ماءِ الِثْرِ أَوْلَى أَلا يُمْتَعَ من الشَّفَةِ . قال:
ولو أنَّ رجلًا أراد من رجلٍ له بِقْرُ فضلَ مائِه من تلك البِتْرِ، لِيَشْقِىَّ بذلك
القبس
(١) فى ى، م: ((يبيح).
(٢) فى الأصل: ((يبعه)).
٤٠٥
الموطأ
التمهيد زَرْعَه، لم يكنْ له ذلك، وكان لمالِكِ البئرِ مَنْعُه من ذلك؛ لأَنَّ النبىَّ وَلَه
إنَّما أباحَه فى الشِّفَاهِ التى يُخَافُ مع (١) منع الماءِ منها التَّلَفُ عليها ، ولا
تَلَفَ على الأرْضِ ؛ لأنَّها ليست برُوح، فليس لصاحِيِها أن يَسْقِىَ إلَّا پاذْنِ
رَبِّ الماءِ. قال: وإذا حَمَل الرجلُ الماءَ على ظَهْرِهِ، فلا بَأْسَ أن يَبِيعَه من
غيرِه؛ لأَنَّه مالكٌ لِما حَمَل منه، وإنَّما يَبِيعُ تَصَرُّفَه بحَمْلِه . قال: وكذلك
لو جاء رجلٌ على شَفِيرٍ بئرٍ، فلم يَشْتَطِعْ أن يَنْزِعَ بنَفْسِه، لم يكنْ بَأْسًا أن
يُعْطِىَ رجلاً أجْرًا ويَنْزِعَ له؛ لأَنَّ نَزْعَه الماءَ إنَّما هو إِجَارَةٌ ليست عليه . هذا
كلُّه قولُ الشافعىِّ .
وأمَّا جُمْلَةُ قولٍ مالكٍ وأصحابِه فى هذا البابِ ، فذلك أَنَّ كلَّ مَن حَفَر
فى أرْضِه أو دارِهِ بئرًا ، فله بيعُها، وبيتُ مَائِها كلُّه، (وبيعُ فضلٍ مائِها) ،
وله منعُ المارَّةِ مِن مَائِها إِلَّا بثمنٍ، إِلَّا قومٌ لا ثَمَنَ معهم ، وإنْ تُرِكوا إلى أنْ
يَرِدوا ماءَ غيرِهِ هَلَكوا، فإنَّهم لا يُمْنَعُون ، ولهم جِهَادُه إنْ مَنَعَهم ذلك ،
وأمّا ما حُفِرَ من الآبارِ فى غيرِ مِلْكِ مُعَيَّنِ(١) ؛ لماشِيَةٍ أو شَفَةٍ، وما حُفِرَ فى
الصَّحارى؛ كمَوَاجِلٍ(٤) المغرِبِ وَأَتْطَائِلُسَ(٥)، وأَشْبَاهِ ذلك، فلا يُمْنَغُ
القبس
(١) فى الأصل: ((فى)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى الأصل: ((متعين)).
(٤) المواجل: صهاريج ماء عظيمة فى برقة. معجم البلدان ٥/ ٢٣١.
(٥) أنطابلس: من بلاد برقة بين مصر وإفريقية. ينظر معجم ما استعجم ١٩٩/١، ٢٠٠،=
٤٠٦
الموطأ
أحَدٌ فَضْلَها، وإن مَنَعُوه حَلَّ (لهم قتالُه) ، فإن لم يَقْدِرِ المسافِرُون على التمهيد
دَفْعِهم حتى ماتوا عَطَشًا، فِيَاتُهم(٢) على عَوَاقِلِ المانِعِين، والكَفَّارَةُ عن
كلِّ نفسٍ على كلٌّ رجلٍ (١) من أهلِ الماءِ المانِعِينَ مع وَجِيع الأدَبِ . وكَرِه
٥
مالكٌّ بيعَ فضلٍ ماءِ مثلِ هذه الآبارِ من غيرِ تَحْرِيمٍ. قال: ولا بَأْسَ ببيع
فضلٍ مَاءِ الزرعِ من بِثْرٍ أو عَيْنٍ، وبيعٍ رِقَابِهما. قال: ولا يَُامُ أَصْلُ بِثْرٍ
الماشِيَةِ، ولا مَاؤُها ، ولا فَضْلُه. يعنى الآبارَ التى تُحْفَرُ فى الفلاةِ للماشِيَةِ . .
والشِّفَاهِ. قال: وأَهْلُها أَحَقُّ بِيِّهم، ثم الناسُ سَوَاءٌ فى فَضْلِها ، إلَّ المارَّةَ،
أو الشَّفَةَ، أَو الدَّوَابَّ، فإِنَّهم لا يُمْنَعُونَ .
٠
قال أبو عمرَ : أمّا البِتْرُ تَنْهَارُ للرجلِ ، وله عليها زرعٌ أو نحوُه من النَّبَاتِ
الذى يَهْلِكُ بعَدَم الماءِ الذى اعتادَه ، ولا بُدَّ له منه، وإلی جنِهِ بِغْوَ لجارِه
يُمْكِنُه أَنْ يَسْقِىَ منها زَرْعَه، فقد قال مالكٌ وأصْحابُه : إِنَّ صاحِبَ تلك
البِتْرِ يُجْبَرُ على أن يَشْقِىَ جارُه بفضلٍ مائِهِ زَرْعَه الذى يُخافُ هَلاكُه، إِذا
لم يكن على صاحِبِ الماءِ فيه ضَرَرٌ بَيِّنَّ. وعلى هذا المعنَى تأوَّلَ مالكٌ
قولَه وَلّ: ((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بِثْرٍ)). يعنى بِثْرَ الزرعِ. واخْتَلَف أصحابُه هل
يكونُ ذلك بثمنٍ أو بغيرِ ثمنٍ؟ فقال بعضُهم: يُجْبَرُ، ويُعْطَى الثَّمَنَ. وقال
القبس
= ومعجم البلدان ٢٦٦/١.
(١ - ١) فى ى، م: ((له قتالهم)).
(٢) فى الأصل: ((فموتاهم)).
(٣) فى الأصل: ((حال)).
٤٠٧
الموطأ
التمهيد بعضُهم: يُجْبَرُ، ولا ثَمَنَ له. وجَعَلوه كالشِّفَاهِ من الآدَمِيِّينَ والمواشى.
فتَدَبَّرْ ما أَوْرَدْتُه عن الشافعىِّ ومالِكِ ، تَقِفْ على المعنى الذى اخْتَلَفا فيه من
ذلك .
(١ وقولُ أبى١) حنيفةَ وأصْحابِه فى هذا البابِ كقولِ الشافعىِّ سواءً،
قالوا: لكلِّ مَن له بِقْرَ فى أرْضِه المنْعُ من الدُّخُولِ إليها، إلّا أن (٢ يكونَ
للشّفاه ) والحیوان، إذا لم یکنْ لهم ماءٌ يَشقِیهم. قالوا: وليس عليه سَفْئُ
زرعٍ جارِه . وقال سفيانُ الثورىُّ: إنَّما جاء الحديثُ فى منع الماءِ لشِفَاهِ
الحيوانِ ، وأمَّا الأَرَضُونَ ، فليس يجبُ ذلك على الجارِ فى فضلٍ مائِه .
وذكّرَ ابنُّ حَبِيبٍ(٢) قال: وممَّا يدْخُلُ أيضًا فى معنى: ((لا يُمْنَعُ نقعُ
◌ِفْرٍ)). و((لا يُمْنَعُ رَهْوُ(٤) بثٍ))(*) . البِتْرُ تكونُ بينَ الشَّرِيكَيْنِ يَشْقِى منها
هذا يومًا، وهذا يومًا، وأقَلَّ، وأْثَرَ، فيَشْقِى أحَدُهما يَوْمَهِ ، فَيَرْوِى نَخْلَه
أو زَرْعَه فى بعضٍ يومه ، ويَسْتَغْنِى عن السَّقْی فی بَقِيَّةِ الیوم ، أو يَشْتَغْنِی فی
يؤمه کلّه عن السقی ، فیُرِيدُ صاحبُه أن يَشْقِی فی یومِه ذلك ، فإنَّ ذلك له،
القبس
(١ - ١) فى ى، م: ((وقال أبو)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((تكون الشفاه)).
(٣) تفسير غريب الموطأ ٢٣/٢، ٢٤.
(٤) فى الأصل، م: ((وهو)). والرهو: مجتمع ماء البئر. النهاية ٢٨٥/٢.
(٥) تقدم تخريجه ص ٣٩٥ .
٤٠٨
الموطأ
وليس لصاحبٍ اليوم أن يَمْتَعَه من ذلك؛ لأنَّه ليس له مَنْتُه مِمَّا لا يَنْفَعُه التمهيد
خبسُه، ولا يضُرُه تَزْكُه .
قال أبو عمر: قولُ ابنِ حَبِيبٍ هذا حَسَنٌ، ولكنَّه ليس على أصْلِ
مالكٍ، وقد قال ◌َله: ((لا يَجِلَّ مَالُ امْرِىُّ مسلم إلّا عن طِيبٍ نفسٍ
منه»(١). وقد مَضَى القولُ فى هذا المغنى، وما للعلماءِ فيه من التَّنَازُعِ، فى
بابِ ابنِ شِهَابٍ، عن الأَعْرَّج، من كتابنا هذا(١) . والحمدُ للهِ .
قال ابنُ خَبِيبٍ: ومن ذلك أيضًا أن تكون البقر لأحدِ الّجُلَيْنِ فى
حائِطِه، فيَخْتَاجُ جارُه وهو لا شَرِكّةً له فى البِتْرِ إلى أن يَسْقِىّ حائِطَه بفضلٍ
مائِها ، فذلك ليس له، إلّا أن تكونّ بِثْرُه تَهَوَّرَتْ، فيكونَ له أن يَشْقِىَ
بفضلٍ ماءٍ جاره إلى أنْ يُضْلِح بِقْره، ويُقْضَى له بذلك ، ویدْخُلُ حينئذٍ فى
تَأْوِيلِ الحديثِ: ((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بثرٍ)). قال: وليس للذى تَهَوَّرَتْ بِثْرُه أَنْ
يُؤَخِّرَ إِصْلاحَ بِثْرِهِ، ولا يُتْرَكَ والتَّأْخِيرَ، وذلك فى الزَّرْع الذى يُخَافُ عليه
الهلاكُ إِن مُنِعَ السَّقْىَ، إلى أن يُصْلِحَ البِقْرَ. قال: فأمَّا أنْ يُحدِثّ على الِثْرِ
عملا من غَزْسٍ أو ززع ؛ لیشقته بفضلٍ ماءِ جارِه إلى أن يُصْلِحَ بِثْرَه ، فليس
ذلك له. قال: وهكذا فَسَّرَه لى مُطَرِّفٌ، وابنُ الماجِشُونِ، عن مالكِ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٩٩/٣٤ (٢٠٦٩٥)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٦٧١) من
حديث أبى حرة الرقاشى، وأخرجه أحمد ٢٣٩/٢٤ (١٥٤٨٨)، وابن أبى عاصم (٩٧٩)،
والبيهقى ٩٧/٦ من حديث عمرو بن يثربى .
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٤٢٨ - ٤٣٨.
٤٠٩
الموطأ
القضاءُ فى المَرْفِقِ
التمهيد وفَشَرَه لى أيضًا ابنُ عبدِ الحَكْمٍ، وأصْبَغُ بنُ الفَرَجِ، وأخبرنى (١) أنَّ ذلك
كان قولَ ابنِ وَهْبٍ ، وابنِ القاسمِ، وأَشْهَبَ، ورِوَايَتَهم عن مالك.
واخْتَلَفُوا أيضًا فى التَّفَاضُلِ فى الماءِ؛ فقال مالكٌ: لا بَأْسَ ببيع الماءِ
بالماءِ مُتَفَاضِلًا، وإلى أجَلِ. وهو قولُ أبى حنيفةً وأبى يُوسُفَ. وقال
محمدُ بنُ الحسنِ: هو ممَّا يُكَالُ ويُوزَنُ . فعلى هذا القولِ لا يجوزُ عندَه
فيه التَّفَاضُلُ ولا النَّسَاءُ(١)، وذلك عندَه فيه رِبًا؛ لأنَّ عِلَتَه فى الرِّبَا الكَيْلُ
والوَزْنُ . وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ بيعُ الماءِ مُتَفَاضِلًا، ولا يجوزُ فيه
الأنجلُ. وعِلَّتُه ("فى الرِّبَا٢) أن يكونَ مَأْكُولًا جِئْسًا. وقد مَضَى القولُ فى
أَصُولِهم فى عِلَلِ الرِّبًا، فى غيرِ مَوْضِعٍ من كتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادَتِه
هاهنا .
القبس
القضاءُ فى المَرْفِقِ(٤
قال رسولُ اللهِ وَ لّهِ: ((لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ
لنفسِه)) . وهذا ليس مِن شروطِ الإِيمانِ الأصليةِ، وإنما هو مِن الكمالِ والتمامِ،
(١) فى تفسير غريب الموطأ: ((أخبرانى)).
(٢). فى ى: ((التساوى)). وكتب فى حاشيتها: ((لعله النساء)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((فيه ربا)).
(٤) فى ج: ((الرفق)).
(٥) البخارى (١٣)، ومسلم (٤٥) من حديث أنس.
٤١٠
١٤٩٦ - مالك، عن عمرو بنٍ يحيى المازِنيّ، عن أبيه، أن الموطأ
رسولَ اللهِ وَّ له قال: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ)).
مالكٌ، عن عمرٍو بن يحيى المازنىّ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَلَّ التمهيد
قال: ((لا ضرر ولا ضِرارَ))(١).
لم يُختلف عن مالك فى إسنادٍ هذا الحدیث وإرساله هكذا ، وقد رواه
الدراوردىُّ ، عن عمرو بن یحیی ، عن أبيه، عن أبى سعيد الخدرىِّ ، عن
النبىّ ◌ٍَِّ(١).
ومن الأفعالِ التى شُرِعت لتقويةِ العقيدةِ ، فإذا عرَّض أمرٌ فيه رِفْقٌ () لجارك أو(٤) القبس
منفعةٌ ، أو لرفيقِك فى السفرِ ، أو لمسلم تَرِدُ عليك ويَعِيرُ ، وليس عليك مِن ذلك
ضررٌ، فاختلَف قولُ مالكٍ؛ هل يلزَمُه أن يفعلَ معه هذا أم لا؟ واختلف العلماءُ
کاختلافه ، والذی أراه وجوبُ ذلك؛ لأن منعه إياه مما ینتفع به إضرارٌ به ، والنبىُّ
وَّه قد قال: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ)). وأجمعتِ الأمةُ على معنى الحديثِ وإن كانوا
قد اختلفوا فى تأويله؛ فمنهم من قال: إنهما بمعنَى واحدٍ، و ((فِعالٌ))(٦) قد
يكون بمعنى «فَعَل)). ومنهم مَن غايَر بينَهما، وصوَّرَ المغايرةَ صورًا، مألُها
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/١١ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٩٥).
وأخرجه الشافعى ٧/ ٢٣٠، والبيهقى ٦٩/٦، ١٥٧، ١٣٣/١٠ من طريق مالك به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤١٥ .
(٣) فى م: ((مرفق)).
(٤) فى م: (( و)).
(٥) فى ج: ((يعبر)). ويَعيرُ: يذهب ويجىء كثيرًا بترددٍ. ينظر اللسان (ع ی ر).
(٦) فى النسخ: ((فاعل)). وينظر النهاية ٨١/٣، ٨٢.
٤١١
الموطأ
ورواه كثيرُ بنُّ عمرو بنِ عوفٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَ له .
التمهيد
وإسنادُ كثيرٍ هذا، عن أبيه، عن جدِّه، غير صحيحٍ، وأما معنى هذا
الحديثِ فصحيح فى الأصول، وقد ثبت عن النبيِّ وَلِ أنه قال: (( حرَّم
اللهُ مِن المؤمنِ دمَه ومالَه وعِرِضَه، وألَّ يُظنَّ به إلَّ الخيرُ))(١). وقال: ((إنَّ
دماء كم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ))(٢). يعنى: مِن بعضِكم على
القبس ألَّ(٣) تضُوَّ صاحبَك بما ينفَعُك، أو لا تمنَعَه ما لا يضُرُّك وينفَعُه. فإن قيل: فقد
قال النبيُّ ◌َّه فى الحديث الصحيح: ((لا يمنَعْ أحدُكم جارَه أن يغرِزَ خشبَه -
ورُوِى : خشبةً. على الإفرادِ (١ - فى جدارِه) (٥) . قلنا: اختلَف فيه قولُ مالكٍ
والعلماءِ، والمشهورُ عندَنا وعندَهم أن ذلك على الاستحبابِ؛ لأن الأُمّةَ
أجمعت على أن مَن اختصَّ بحقِّ لا يلزَمُّه أن يُعطِيَه لغيرِه وإن لم يضُرَّ به، فكيف
ووضعُ الخشبةِ على الجدارِ مضِرٌّ بصاحبِ الجدارِ؛ إما عاجلًا بأن يُثْقِلَ الحائطَ
فيقصُرَ عمرُه، أو بأن تَعيبَه(١)، أو بألّا يكونَ مِن هذين شىءٌ، فیوچِبُ وضعُ
الخشبةِ لصاحبها اشتراكًا فى الجدارِ مع صاحبِه، وحيازةً له تثبُتُ له بطولٍ
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٥٩/١٧.
(٣) فى ج، م: ((أن)).
(٤) فى د: ((الانفراد)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٧).
(٦) فى د: ((يغيبه))، وفى م: ((يعيبه).
٤١٢
الموطأ
بعض. وقال حاكيًا عن ربِّه عزَّ وجلَّ: ((يا عبادِى، إِنِّى حرّمتُ التمهيد
الظلمَ " علَى نفسِى١)، فلا تَظَالموا))(٢). وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَّدْ
خَابَ مَنْ حَمَلَ فُلْمًا﴾ [طه: ١١]. وأصلُ الظلم وضخُ الشىءٍ غيرَ موضِعِه،
وأخذُه مِن غيرٍ وجهِه، ومَن أضرّ بأخِيهِ المسلم، ( أو بمَن" له ذمةٌ ، فقد
ظلمه، والظلم ظلماتٌ يومَ القيامةِ، كما ثبت فى الأثرِ الصحيحِ(٤).
الزمانِ ، فإن أراد صاحبُ الجدارٍ أن (يخضَّ عِنْ) ذلك بالإشهادِ فى كلِّ وقتٍ القبس
والافتقادِ فى كلِّ حينٍ ، شغّل نفسه عن غيرٍ ذلك مِن أغراضِه، وفى ذلك إضرارٌ
به، وأما حديثُ محمدٍ بن مسلمةٌ(٦)، فاختلف فيه قولُ مالكٍ والعلماءِ، وكذلك
حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ (٢) ؛ فتارةً قالوا بقضاءٍ عمرَ فيه واستمرُّوا عليه ، وثارةٌ
قالوا : إن ذلك مِن عمر كان فى زمانٍ ناسُّه أهلُ تُقَّى، وقد حدث ما حدَّث ◌ِن
الفجورٍ. وهذا ضعيفٌ ، أهلُ التقى والفجورِ فى ذلك سواءٌ، ولا فرقَ فى مرورٍ
الماءِ على أرضٍ رچل بین (٨) أن یگون تقًا أو ◌ُخافُ منه ؛ لأن الذیی ◌ُخافُ(٩) أكثر
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ٢٧.
(٢) تقدم تخريته فى ٢٥٨/١٧.
(٣ = ٣) فى ص ١٧: ((من))، وفى ص ٢٧: (( وممن).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٩٤) من الموطأء
(٥ = ٥) فى ج: ((يخصّ على ا، وفى م: ((يحض على))
.
(٦) فى ج، م: ((سلمة)). وينظر أسد الغابة ١١٢/٥.
والحديث سيأتى فى الموطأ (١٤٩٨) .
(٧) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٩).
(٨) ليس فى : د ،
(٩) بعده فى ه: ((منه ليس)).
٤١٣
الموطأ
وقد روَى عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن جابرِ الجُعْفىِّ، عن عكرمةً ،
التمهيد
عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ، وللرجلِ
أَن يَغْرِزَ خَشَبَه(١) فى حائطِ (٢) جارِهِ))(٣) .
قال أبو عمرَ: كان شعبةُ والثورىُّ يُثنيان على جابرِ الجُعفىِّ ويصِفانِه
بالحفظِ والإتقانِ ، وكان ابنُ عيينةَ يذُمُّه، ويحكى عنه مِن سُوءِ مذهبِهِ ما يُسقِطُ
رِوايتَه، واتَّبعه على ذلك أصحابُه؛ ابنُ مَعينٍ، وعلىٍّ، وأحمدُ، وغيرُهم،
فلهذا قلتُ: إِن هذا الحديثَ لا يستنِدُ مِن وجهٍ صحيحٍ. واللهُ أعلمُ .
وأما قولُهُ وَّهِ: ((لا ضَررَ ولا ضِرارَ)). فقيل: إنهما لفظَتان بمعنَى
القبس
من مرورِ الماءِ، ومرورُ الماءِ لا يضُرُ كما قال عمرُ، وتبديلُ الطريقِ لا يضُرُ، فإنما
قضَى عمرُ بذلك على هذا الوجهِ، فإن اتفَق أن تقعَ نازلةٌ باختلافٍ الأزمانِ
والأحوالِ من أمثالٍ هذه يكونُ (٤) فيها ضررٌ، مُنِع من ذلك، ولأجلِ هذا اختلف
العلماءُ، وشاهدتُ ذلك مرارًا، وله صورٌ كثيرةٌ؛ منها أن يريدَ الرجلُ تبديلَ
الطريقٍ فى موضعٍ يحتاج هذا فيه إلى البنيانِ ، أو يكونَ له بإزائِه مِلْكٌ يَضُرُ به الماءُ،
وركِّبْ على(٥) هذا وصوّره وأقْتِ به .
(١) فى الأصل: ((خشبة))، وفى ص ١٧: (خشبته).
(٢) فى ص ١٧، م: ((جدار)).
(٣) أخرجه أحمد ٥٥/٥ (٢٨٦٥)، وابن ماجه (٢٣٤١) من طريق عبد الرزاق به .
(٤) بعده فى ج، م: ((الحكم)).
(٥) سقط من : ج ، م .
٤١٤
الموطأ
واحدٍ، تكلّم بهما معًاً(١) على وجهِ التأكيدِ. وقال ابنُ حَبيبٍ (١): الضَّرُ التمهيد
عندَ أهلِ العربيةِ الاسمُ، والضِّرارُ الفعلُ. قال: ومعنى ((لا ضَرَرَ)): لا
يَدْخُلُ على أحدٍ ("مِن أحدٍ) ضررٌ لم يدخِلْه على نفسِه، ومعنى ((لا
ضِرارَ)): لا يُضارّ أحدٌ بأحدٍ. هذا ما حكَى ابنُ حبيبٍ. وقال الخُشنىُ:
الضَّررُ الذى لك فيه منفعةٌ ، وعلى جارِك فيه مضرّةٌ، والضِّرائرُ الذى ليس
لك فيه منفعةٌ، وعلى جارِك فيه المضَرَّةُ . وهذا وجةٌ حسنُ المعنى فى
الحديثِ . واللهُ أعلمُ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
إسماعيلَ بنِ الفَرَج ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا أبو علىِّ الحسنُ بنُ
سليمانَ(٤) قُبَيْطَةَ، حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ مُعاذِ النَّصِيبىُّ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ
ابن محمد الدراوردىُّ ، عن عمرو بنِ یحیی بنِ عُمارةً ، عن أبيه ، عن أبی
سعيد الخدرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ، مَن ضَارَّ
ضَرَّ اللهُ به، ومنْ شَاقَّ شَقَّ(٥) اللهُ عليه))(٦).
القبس
(١) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((جميعا)).
(٢) تفسير غريب الموطأ ٢٥/٢.
(٣ - ٣) سقط من النسخ. والمثبت من تفسير غريب الموطأ .
(٤) بعده فى ص ٢٧: ((بن)). وينظر لسان الميزان ٢/ ٢١٢.
(٥) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧، والحاكم: ((شاق)).
(٦) أخرجه الدارقطنى ٣/ ٧٧، والحاكم ٥٧/٢، ٥٨، والبيهقى ٦٩/٦ من طريق الدراوردى به.
٤١٥
الموطأ
التمهید
وقال غيره: الضَّررُ والضِّرارُ مثلُ القتل والقتالِ، فالضررُ أن تضُرَّ بمَن
لا يضرّك، والضرارُ أن تضُرَّ مَن(١) قد أضرَّ بك مِن غيرِ جهةِ الاعتداءِ بالمثلِ
والانتصارِ بالحقِّ، وهو نحوُ قولِهِ وَلِهِ: ((أدّ الأمانةَ إلى من ائتمَنكَ، ولا
تخُنْ مَن خَانَك))(١) . وهذا معناه عندَ أهلِ العلم: لا تَخُنْ مَن خانك بعدَ أن
انتصَرتَ منه فى خيانتِه لك. والنهىُ إنما وقَع على الابتداءِ، أو ما يكونُ فى
معنى الابتداءِ، كأنه يقولُ: ليس لك أن تَخونَه وإن كان قد خانَك ،
كما(٢) لم يكن له أن يخونَك أوَّلًا. وأما مَن عاقَب بمثلٍ ما ◌ُوقِب به وأخَذ
حقَّه، فليس بخائنٍ، وإنما الخائنُ مَن أخَذ ما ليس له أو أكثرَ مما له .
وقد اختلف الفقهاءُ فی الذی یجحدُ حقًّا علیه لأحدٍ ویمنَغُه منه ، ثم
يظفَرُ المجحودُ بمالٍ للجاحدِ(٤) قد ائتمَنه عليه، أو (٥) نحو ذلك؛ فقال
منهم قائلون : ليس له أن يأخُذَ حقَّه مِن ذلك ، ولا يَجحَدَه إِيَّاه . واحتُوا
بظاهرٍ قوله: ((أدّ الأمانةَ إلَى مَن اثْتَمَنك، ولا تخُنْ مَن خَانَكَ)). وقال
آخرون : له أن ینتصِفَ منه ویأخذَ حقّه مِن تحتِ يدِه . واحتُوا بحديثٍ
القبس
(١) فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((من)).
(٢) أخرجه الدارمى (٢٦٣٩)، وأبو داود (٣٥٣٥)، والترمذى (١٢٦٤) من حديث أبى
هريرة .
(٣) بعده فى الأصل، م: (من)).
(٤) فى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((الجاحد)).
(٥) فى الأصل، م: ((و)).
٤١٦
الموطأ
عائشةً فى قصةِ هندٍ مع أبى سفيانَ (١) . واختَلَف قولُ مالك فى هذه المسألةِ التمهيد
على الوجهين المذكورين، فروَى الروايةَ الأُولى عنه ابنُ القاسم، وروَى
الأُخرى عنه زيادُ بنُ عبدِ الرحمنِ وغيرُه . وللفقهاءِ فى هذه المسألةِ وجوةٌ
واعْتِلالاتٌ ليس هذا بابَ ذِكْرِها، وإنما ذكرناها ههنا لما فى معنى
الضِّرارِ مِن مُداخَلةِ الانتصارِ بالإضرارِ مَّن أضَرَّ بك، والذى يَصُِ فى
النظَرِ، ويثبُتُ فى الأُصولِ ، أنه ليس لأحدٍ أن يَضُرَّ بأحدٍ ، سواءٌ أضرّ به قبلُ
أم لا ، إلا أن له أن ينتصِرَ ويُعاقِبَ إن قدَر، بما أبيح له مِن السلطانِ ،
والاعتداءَ بالحقِّ الذى(٢) هو مثلُ ما اعتُدِى به عليه، والانتصارُ ليس
باعتداءٍ ولا ظلم ولا ضَررٍ(٢) ، إذا كان على الوجهِ الذى أباحته الشّنةٌ،
وكذلك ليس لأحدٍ أن يضُرَّ بأحدٍ مِن غيرِ الوجهِ الذى هو الانتصافُ مِن
حقّه . ويدخُلُ الضَّررُ فى الأموالِ مِن وجوهٍ كثيرةٍ لها أحكامٌ مختلفةٌ : فَمَّن
أدخل على أخيه المسلم ضررًا مُتِع منه ، فإن أدخل على أخيه ضررًا بفعلٍ ما
كان له فِعلُه (+ فيما له٤) ، فأضرّ فعلُه ذلك بجارِه أو غيرِ جارِه ، نُظِر إلى ذلك
الفعلِ ، فإن كان تركُه أكبرَ ضررًا من الضَّررِ الداخِلِ على الفاعلِ ذلك فيما
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٧/ ٢٦١.
(٢) بعده فى م: ((له)).
(٣) فى ص ٢٧: ((ضرار)).
(٤ - ٤) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((فى ماله)).
٠٫٠٠ ٠
٤١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢٧/١٨)
الموطأ
التمهيد لَه إذا قُطِع عنه ما فعله، قُطِع أكبرُ الضررَيْن وأعظمُهما(١) حُرمةً فى
الأُصولِ ، مثالُ ذلك رجلٌ فَتَح ◌ُكُوَّةً يطَّلِعُ منها على دارٍ أخيه ، وفيها العِيالُ
والأهلُ، ومِن شأنِ النساءِ فى بيوتهن إلقاءُ بعضٍ ثيابِهن، والانْتِشارُ فى
حوائجِهِن، ومعلوم أن الاطلاعَ على العَوْراتِ محرَّمٌ قد ورَد فيه النهىُ ، ألا
تزی اُن رسولَ اللهِ ێ قال لرجل اطلع علیه من خلال(٢) باب داره: «لو
عَلِمْتُ أَنَّكَ تنظُرُ لفقَأْتُ عينَك، إنَّما جعِلَ الاستئذانُ مِن أجلِ النَّظرِ)) (١)؟
وقد جعَل جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ مَن قُقِئت عينُه فى مثلِ هذا هَذْرًا؛
للأحاديث الواردة بمعنی ما ذكرت لك، وأتی ذلك آخرون ، وجعلوا فيه
القِصاصَ ، منهم مالكٌ وغيرُه ، فلحرمةِ الاطلاع على العَوْراتِ رأى العلماءُ
أن يُغلِقوا على فاتح الكُوَّةِ والبابِ ما فتَح مما(٤) له فيه منفعةٌ وراحةٌ ،
وفى غَلقِه عليه ضررٌ؛ لأنهم قصَدوا إلى قطع أعظم الضررين إذا لم يكنْ بُدُّ
مِن قطع أحدِهما ، وكذلك مَن أَحدَث بناءً فى رَحَا ماءٍ أو غيرٍ رَحًا ، فيبطِلُ ما
أُخْدَثَه على غيرِهِ مَنْفعةً قد(٥) استُحِقَّت، وثبت مِلكُها لصاحبِها ، مُنِع مِن
ذلك؛ لأن إدخالَه المضرَّةَ على جارِه بما له فيه منفعةٌ كإدخالِه عليه المضرَّةَ
القبس
(١) فى ص ١٦: ((أكثرهما)).
(٢) الخلال جمع الخَلة، وهى الفُرجة والثقبة . اللسان (خ ل ل).
(٣) أخرجه أحمد ٤٦٢/٣٧ (٢٢٨٠٢)، والبخارى (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦)، والترمذى
(٢٧٠٩)، والنسائی (٤٨٧٤) من حديث سهل بن سعد.
(٤) فى م: ((ما)).
(٥) فى ص ١٦: ((ما)).
٤١٨
الموطأ
بما لا منفعةً فيه، ألا تَرَى أنه لو أراد هَدْمَ منفعةِ جارِه وإفْسادَها مِن غيرِ بناءٍ التمهيد
بَيْنِيه لنفسِه، لم يكنْ ذلك له؟ فكذلك إذا بنَى بناءً(١)، أو فعل لنفسِه فعلًا
يَضُرُّ به بجارِهِ، ويُفسِدُ عليه ملكه أو شيئًا قد استحقَّه وصار مالَه، وهذه
أُصولٌ قد بانَت عِللُها ، فقِش عليها ما كان فى معناها تُصِبْ إن شاء اللهُ ،
وهذا كلُّه بابٌ واحدٌ متقاربُ المعانى مُتداخِلٌ ، فاضْبِطْ أصلَه . ومِن هذا
البابٍ(٢) وجةٌ آخرُ مِن الضررِ منَع منه العلماءُ؛ كدُخَانِ الفُوْنِ ، والحمَّامِ ،
وغُبارِ الأندرٍ (٢)، والأنْتَانِ، والدُّودِ المُتَولِّدِ مِن الزِّيلِ المبسوطِ فى
الرحابٍ، وما كان مثلَ ذلك كلِّه، فإنه يُقْطَعُ منه ما بان ضررُه، وبقِىَ
أثرُه، وخُشِى تَمادِيه، وأما ما كان ساعةٌ خَفيفةً؛ مثلَ نفضِ القِيَابٍ(٤)
والخُصُرِ عندَ الأبوابِ، فإن هذا مما لا غِنَى بالناسِ عنه، وليس مما
يُستحقُّ به شىءٌ يبقَى ، والضررُ فى منعِ مثلٍ هذا أكبرُ وأعظمُ مِن الصبرِ على
ذلك ساعةً خفيفةً ، وللجارِ على جارِه فى أدبِ السُّنةِ أن يصبِرَ مِن أذاه على
ما يقدِرُ، كما عليه ألَّا يُؤْذِيَه، وأن يُحسنَ إليه، ولقد أوصَى به رسولُ اللهِ
وَّ حتى كاد أن يُورِّثَه، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
القبس
(١) سقط من: ص ١٧، م.
(٢) بعده فى ص ١٧: ((ونحوه)).
(٣) الأَنْدَرُ: كُدس القمح خاصة. ينظر التاج ( ن در).
(٤) فى ص ١٧، م: ((التراب)).
٤١٩
الموطأ
﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ غُللْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ( إِنَّمَا
التمهيد [الشورى: ٤٣].
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢]. ﴿وَلَا تَفْتَدُوَاْ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠، والمائدة: ٨٧].
أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال : حدّثنا أبو بكر أحمدُ بنُ صالح بن عمر
المُقْرِئُ ، قال: حدَّثنا أبو علىّ الحسنُ بنُ الطَّيبِ الكوفىُّ، قال: حدَّثنا
سعيدُ بنُّ أبى الربيع السَّمَّانُ البصرىُّ(١) ، قال: حدَّثنا عنبسةُ بنُ سعيدٍ ،
قال : حدَّثنَا فَوْقدُ الشَّخىُّ، عن مرَّةَ الطَّيِّبِ، عن أبى بكرِ الصدِّيقِ، قال:
قال رسولُ اللهِ وَّله: ((ملعونٌ مَن ضارَّ مسلمًا أو ماكَره))(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح بنِ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن
حامدٍ " البغدادىُّ المعروفُ بابنِ ثَوْثالٍ(٤)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ الطيِّبِ
ابنِ حمزةً الشجاعىُّ البلخى، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ أبى الربيع السّمانُ،
قال: حدَّثنا عنبسةُ بنُّ سعيدٍ، قال: حدَّثنا فَرْقدُ السَّبَخِىُّ، عن مرةَ
القبس
(١) فى ص ١٦: ((المصرى)). وينظر الأنساب ٣/ ٢٩٢.
(٢) أخرجه ابن عدى ٢٠٥٣/٦ من طريق سعيد بن أبى الربيع به، وأخرجه الترمذى
(١٩٤١)، وأبو نعيم فى الحلية ٤٩/٣، والبيهقى (٨٥٧٧) من طريق فرقد به، وأخرجه أبو
يعلى (٩٦)، والطبرانى فى الأوسط (٩٣١٢) من طريق مرة به.
(٣ - ٣) سقط من: ص ٢٧.
(٤) فى الأصل: ((توثال))، وفى ص ١٦: ((ثوثال)). وينظر تبصير المنتبه ٢١٩/١، والتاج
(ثرثل) .
٤٢٠