النص المفهرس
صفحات 301-320
الموطأ
زَمْعَةَ)). ثم قال رسولُ اللهِ وَ له: ((الولدُ للفِرَاشِ، وللعاهِرِ الحجرُ)). ثم
قال لسودة بنتِ زَمْعَةَ: ((اخْتَجِبِى منه)). لِما رَأَى مِن شَبَهِه بعتبةَ، فما رآها
حتى لَقِى الله(١) .
التمهيد
هکذا روی مالك هذا الحدیث ، لا خلافَ عَلِمتُه عنه فى إسنادِه ولا
لفظِهِ، إِلَّ أَنَّ أبنّ وَهْبٍ(٢)، وأبا جعفرِ النُّفَتِىَّ، والقَعْنَبِىِّ(١) فى غيرِ
القبس
عند القاضى وقال : أنا وصئ فلان . وله حقٍّ عند هذا الإنسان ، أمّر پاخراجه حتى
◌ُثبِتَ العهدَ، ولا يكلِّئُه عن ميتٍ حتى يُثبِتَ عهدَه عندَه، ولا عن حاضرٍ حتى
يُثِتَ وكالتّه له ، ويُثبِتُ الوصىُّ أَو مَن طلَب عن ميتٍ موتَه وعدَّةً ورثته ، فإن أَثْبَت
الموتّ دونّ الوراثةِ أو الوراثةَ دونَ الموتِ أَمَر القاضى بإخراجه حتى يُثبِتّ طريقه
التى يَسلُكُ عليها إلى طلبٍ حقِّه عندَه، فلمّا(٤) قال سعدٌ : هذا ابنُ أخى عَهِد إلىَّ
فيه. وقال الآخرُ: هذا أخى وابنُ وليدةِ أبى. فيبدو للغافلين بظاهرٍ هذا الكلام
أن النبيُّ وَلهلم يَلْتِفِتْ إلى هذه الأصول، وهى غفلةٌ عظيمةٌ، فإن النبيَّ وَلّ إنما
سگّت عنها لأحدٍ وجھین ؛ إِمَّا لأنّه كان علمها وقضی بعلمه فيها ، على قول کثیرٍ
من العلماءِ فى قضاءٍ القاضى بعلمِه، وإمَّا أن يكونَ وَّ ه قد أثبت ذلك عندَه ولم
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٤٥)، وبرواية أبى مصعب (٢٨٧٩). وأخرجه أحمد
٢٠١/٤٣ (٢٦٠٩٣)، والبخارى (٢٠٥٣، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٧١٨٢)، والطحاوى فى شرح
المعانى ١١٣/٣، ٠١١٤ وابن حبان (٤١٠٥) من طريق مالك به، ورواية أحمد مختصرة .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٠٩.
(٣) أخرجه الدارمى (٢٢٨٢) عن القعنبى به .
(٤) فى م: ((عليها)).
(٥) فى م: ((الناقلين)).
٣٠١
الموطأ
التمهيد ((الموطّاً))، رَوَوه مُختصرًا، عن مالك، عن الزهرىِّ، عن عروةً، عن
عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((الوَلَدُ الفِرَاشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ)). لم
يَذْكُرُوا قِصَّةَ عبدِ بنِ زَمْعَةً وعُثْبَةَ. رَوَاه هكذا عن ابنٍ وَهْبٍ؛ ابنُ أخيه(١)،
ومحمدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ، وبحرُ بنُ نصٍ (٢). ويقالُ: إنَّه ليس عندَ يُونُسَ
عن ابن وهبٍ().
القبس تذكُرْ عائشةُ فى الحديثِ إلا فصوصَه التى يُحتاجُ إليها من صِفَةِ الدعوى وصورةٍ
القضاءِ دونَ شروطِه التى لا تَتِمُّ إلَّ بها ، وليست الأحكامُ مأخوذةً مِن حديثٍ
واحدٍ ، ولا الشروطُ ثابتةً مِن طريقٍ واحدةٍ ، بل تُلقَطُ مِن الأدلةِ حتى تَجْتمعَ
للمجتهدين فيُوضّحوها(*) للطالبِين، إذا ثبت هذا فإن سعدًا جاء إلى النبيِّ وَله
فقال له : إن ابنَ وليدةِ زمعةً مِن(١) أخى عتبةَ، عَهِد إلىَّ فيه . فادَّعاه سعدٌ عن أخيه
بسببٍ(٢) فى الجاهليةِ، فَأَثْبَتِه النبيُِّ نَّ بسببٍ(١) فى الإسلامِ؛ وهو الفراشُ،
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٤٢/٤ من طريق ابن أخى ابن وهب به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٠٩.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٤٢٤٤)، وفى شرح المعانى ١٠٤/٣، وأبو عوانة
(٤٤٥٠)، والدارقطنى ٢٤١/٤ من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب به.
(٤) فى ج، م: ((تجمع)).
(٥) فى ج: ((فنوضحها))، وفى م: ((فتوضحها)).
(٦) فى م: ((ابن)).
(٧) فى م: ((لنسب)).
(٨) فى م: ((بنسب).
٣٠٢
الموطأ
وعندَ ابنِ وهبٍ والقَعْنَيِيِّ(١) أيضًا فى ((الموطَّأُ)) الحديثُ بتَمامِه، وهو التمهيد
أصلُ هذا الحديثِ عن مالِكِ . وقد خالَفَه ابنُ عيينةً فى بعضٍ لفظِهِ ، لم يَقُلْ
فيه: ((وللعاهِرِ الحَجَرُ)). والقولُ قولُ مالِكِ، وقد أَتْقَنَه وجَوَّدَه .
حدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم، حدَّثنا أحمدُ بنُ سليمانَ الرَّمْلِىُّ، حدَّثنا
إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ البصرىُّ، حدَّثنا أبو عاصِم الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ ، حدَّثنا
مالِكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عروةً، عن عائشةَ، أنَّ عُثْبَةَ بنَ أبى وَقَّاصٍ
٠
والسببُ الذى ادَّعاه به عتبةُ فى الجاهليةِ كان زنّى، وكانت الجاهليةُ تُثبِتُ القبس
أنسابها بالزِّنى، كما تُتْبِتُها بالنكاح، على ما مهَّدْناه فى حديث عائشةً فى صفاتٍ
نكاحِ الجاهليةِ الأربع التى تقدَّم ذكرُ الحديثِ(١) عنها بما فى كتاب النكاحِ؛
ولذلك كان عمرُ بنُ الخطابِ ثُلِيطُ (١) أولادَ الجاهليةِ بالدَّعوى فى الإسلامِ، هذا
إذا لم یکنْ معارض، فإذا كان معارض فذلك مذکور فی ((المسائل))، وقد قال
بذلك " بعضُ علمائِنا"، ونصّوا عن أنفسهم، وعن مالكِ أن مَن التاط فى الإسلامِ
ولدًا مِن زنّى فى الجاهليةِ ، لاطٌ به وثبَت نسبُه معه . رواه ابنُّ القاسمِ وابنُ كنانةَ
وغيرهما .
(١) أخرجه البخارى (٢٧٤٥، ٤٣٠٣)، وأبو عوانة (٤٤٥٠)، وأبو القاسم الجوهرى فى
مسند الموطأ (١٧١)، والبيهقى ٤١٢/٧ من طريق القعنبى به.
(٢) البخارى (٥١٢٧)، وأبو داود (٢٢٧٢). وتقدم فى ٥/١٤، ٦.
(٣) أى يلحقهم بمن ادعاهم فى الإسلام. النهاية ٢٨٥/٤ .
والأثر سيأتى فى الموطأ (١٤٨٦).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((علماؤنا)).
(٥) فى م: ((لاذ)).
٣٠٣
الموطأ
التمهيد ◌َهِد إلى أَخِيهِ سعدٍ بنٍ أَبِى وَقَّاصٍ، أنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ هو مِنِّى، فَاقْبِضْه
إليك. فَلَمَّا فَتَحوا مكةَ أَخَذَه سعدٌ، فقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ : هذا أخى ، وابنُ
وَلِيدَةٍ أَبِى. قال: فَقَضَى رسولُ اللهَِّهبه لعبدٍ بِنِ زَمْعَةَ، وقال: «الوَلَدُ
الفِرَاشِ، وللعاهِرِ الحَجَرُ)). وأمَرَ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ منه، فما رآها حتى
ماتت .
القبس
عارضة: آلْحَق(١) معاويةُ زيادًا، وأخذ الناسُ عليه فى ذلك، وأُّ أُخذٍ عليه
فیه، إن کان سمع ذلك من أبيه، وأُّ عارٍ على أبى سفيان أن يُلیط بنفسه ولدَ زِنِّی
كان فى الجاهلية؟! فمعلوم أن شُمَيَّةً لم تکنْ لأبى سفيانَ كما لم تكن وليدةُ زمعةً
لعتبةً، لکن کان العتبةً منازع تعيّن القضاءُ له ، ولم یکن لمعاويةً منازٌ فی زیادٍ ،
اللّهم إلا أن هلهنا نكتةً اختلف العلماءُ فيها؛ وهى أن الأخَ إذا استَلْحَق أَّا يقولُ:
هو ابنُّ أبى. ولم يكنْ له منازِعٌ، فإن كان وحدَه؛ فقال مالكٌ: تَرِثُ ولا يثبتُ
النسبُ. فى جماعةٍ، وقال الشافعىُّ فى آخرين: يثبتُ النسبُ " ويأْخُذُ المالَ،
هذا إذا كَان المُقَرُّ به غيرَ معروفٍ النسبِ. واحتجّ الشافعىُّ بقولِ النبيِّ وَّه:
(«هو لك يا عبدَ بنَ زمعةً، الولدُ الفِراشِ)». فقضَى بكونِه للفراشِ وإثباتِ نسبِهِ .
قلنا: هذا جهلٌ عظيمٌ، وذلك أن قولَه: إِن النبيُّ ◌َّ قضَى بكونِه للفراشِ.
صحيحٌ، وأما قولُه بثبوتِ النسبِ فباطلٌ؛ لأن عبدًا ادَّعى شيئين؛ أحدُهما:
(١) فى ج، د: ((التحق)).
(٢ - ٢) سقط من: ج .
٣٠٤
الموطأ
حذَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدثنى قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا التمهيد
محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيدِىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال:
حدَّثْنا الزهرىُّ، قال: أخبرنا عروةُ بنُ الزبيرِ، أَنَّ سَمِع عائشةَ تقولُ:
اخْتَصَمِ عندَ رسولِ اللهِ وَ﴿ سعدُ بنُ أَبِى وَقَّاصٍ وعبدُ بنُ زَمْعَةَ فى ابنِ أمةٍ
لزَّمْعَةَ، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ ، إِنَّ(١) أخى عُتْبَةً أوصانى فقال: إذا
قَدِمْتَ مكةَ، فَانظُرِ ابْنَ أَمَةٍ زَمْعَةَ، فَاقْبِضْه، فإنَّه ابنى . وقال عبدُ بنُ زَمْعَةُ :
الأَخوَّةُ. والثانى: ولادةُ الفراشِ. فلو قال له النبيُّ وَلّ: هو أخوك، الولدُ القبس
ء
الفراشِ. لكان إثباتًا للحكم ونفيًا للعلَّةِ، بيدَ أن النبيَّ وَلل عدل عن الأخوّةِ ولم
يتعرّض لها، وأعرَض عن النسبٍ ولم يصرّخ به، وإنما قال: ((هو لك)». معناه:
فأنتَ أعلمُ به. وقد مهَّدنا ذلك فى «مسائل الخلاف)) ، فالحارثُ بنُ كَّدةً لم يَدَّع
زیادًا ولا کان إلیهمنسوبًا ، وإنما كان ابن امته ژلد علی فراشه، أی فی داره، فگلُ
من ادَّعاه فهو له، إلّا أن يُعارضَه مَن هو أولى به منه، فلم يكنْ على معاويةً فى ذلك
مُغْمَزٌ، بل فعَل فيه الحقَّ على مذهبٍ مالكٍ، فإن قيل: فلمَ أنكَر عليه الصحابةُ؟
قلنا: لأنها مسألةُ اجتهادٍ، فمَن رأَى أن النسبَ لا يُلْحَقُ بالوارثِ الواحدِ أنكر ذلك
وعظَّمه. فإن قيل: ولِمَ لعَتوهُ، وكانوا يحتجُون بقولِ النبيِّ وَلّ: «ملعونٌ من
انتسب إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غيرِ مواليه)))؟ قلنا: إنما لعنه من لعنه لوجهین؟
(١) فى الأصل، ق: ((ابن).
(٢) فى د: ((يعتوه).
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٢/٥.
٣٠٥
(موسوعة شروح الموطأً ٢٠/١٨)
الموطأ
التمهيد يا رسولَ اللهِ، أخِى، وابنُ أَمَةٍ أبى، وُلِد على فِراشِ أَبى. فرَأى رسولُ اللهِ
وَهِ شَبَهَا بَيْنَا بِعُتْبَةَ، فقال: ((هو لك يا عبدَ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَّدُ للفِرَاشِ،
واخْتَجِبِى منه يا سَوْدَةُ)). قيل لسفيانَ: فإنَّ مالكًا يقولُ فيه: (( وللعاهِرِ
الحجر)). فقال سفيانُ: لكنَّا لم نَحْفَظْه مِن الزهرىِّ أَنَّه قاله فى هذا
الحديثِ(١).
القبس أحدُهما: أنه أَثْبِت نسبُه مِن هذا الطريقِ، ومَن لم يَرَ لعْنَه لهذا لعَنه لغيرِهِ ،
وكان زيادٌ أهلًا أن يُلْعَنَ عندَهم لِما أُحدَث بعدَ استلحاقٍ معاويةً، فإن قيل: قد
جعَل النبىُ ێ للزِّنی حرمةً ، ورتّب علیه حكمًا حین قال: ((واحتجیی منه يا
سودةُ). وهذا يدُلُّ على أن الزِّنى يتعلَّقُ به مِن حرمةِ الوطءِ ما يتعلَّقُ بالنكاح
الصحيح، هكذا قال الكوفيون، ومالكٌ - فى روايةِ ابنِ القاسمِ - يساعدُهم
على المسألةِ، ولا يساعدُهم على دليلها من هذا الوجْهِ، وقد يتَّها فى
كتاب النكاحِ. وقال الشافعىُّ: العذرُ فى أمرِ النبيِّ وَل﴿ لسودةَ بالاحتجابِ
مع ثبوت نسبِهِ مِن زمعةً وصحةٍ أَخوَّتِه لها(٥) بدعوى عبدٍ ()، أن ذلك تعظيمٌ
(١) الحميدى (٢٣٨). وأخرجه أحمد ١٠٣/٤٠ (٢٤٠٨٦)، والبخارى (٢٤٢١)، ومسلم
(١٤٥٧)، وأبو داود (٢٢٧٣)، وابن ماجه (٢٠٠٤)، والنسائى (٣٤٨٧) من طريق سفيان به.
(٢) سقط من : ج .
(٣) بعده فى د: ((قال)).
(٤) ليس فى : د .
(٥) فى ج، م: (( له)).
(٦) سقط من : م .
٣٠٦
الموطأ
قال أبو عمرَ: قولُه ◌َله: ((الوَلَدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ)). مِن التمهيد
أُصَحِّ ما يُرْوَى عن النبيِّ وَّهِ مِن أخبارِ الآحادِ العُدُولِ، وهذا اللفظُ عندَ
ابن عيينةَ مِن حديثٍ ابنِ شِهَابٍ، عن سعيدٍ وأبى سلمةً، عن أبى هريرةَ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْرٍ، قال: حدَّثَنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّةَ، قال:
حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الفَرَضِىُّ(١) ، قال: حدَّثنا أبو عُثْمانَ عمرُو بنُ
القبس
لحرمةِ أزواج النبئِ آلتر؛ لأنهن لم یکنَّ کأحدٍ من النساءِ فی شرفهن وفضلهن.
قلنا: لو كان أخاها بنسبٍ ثابتٍ صحيحٍ كما قلتُم - ويكونُ قولُ النبيِّ وَالتِّ:
(الولدُ للفراشِ)). تحقيقًا للنسبِ - لمَا منَع ◌َ لّهِ سودةَ منه، كما لم يمنَعْ عائشةً
مِن الرجلِ الذى قالت: هذا أخى مِن الرَّضَاعِ. وإنما قال: ((انظُوْن مَن
إخوانُكنَّ)) (١) . فإن قيل: فقد قالت عائشةُ رِضوانُ اللهِ عليها: وقال لسودةً:
((احتجبى)). لِما رأى مِن شَبَهِه بعتبةَ. فعلَّلت بشَبَهِه لعتبةً الذى يُوجِبُ أنه أجنبىٌّ
مِن زمعةً. الجوابُ: هذا من قولٍ عائشةً، وإخبارٌ عن ظنِّها لا عن النبيِّ وَلَقْرِ؛
ولذلك رُوِى فى الحديثِ أن عبدَ بنَ زمعةً قال: هو أخى. وقال سعدٌ للنبىِّ وَّه :
هو ابنُّ أخى عتبةَ، انظُرْ إلى شَبهِه به. فلم يَلتِفِتِ النبيُّ نَّ الل إلى ذلك مِن قولِ سعدٍ ،
أَلا تَرَى إلى قولِهِ وَلَه فى قصةِ هلالٍ بن أميةَ حينَ قال: ((انظُروها ؛ فإن جاءت به
أكْحَلَ العينين، سابغَ الأَلْيَتَيْن، خَدَلَّجَ الساقَيْن، فهو لشريكِ ابنِ السَّحماءِ)) ".
(١) فى الأصل: ((القاضى)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٦٣/١٦.
(٣) فى النسخ: ((السمحاء)). وينظر أسد الغابة ٥٢٢/٢.
٣٠٧
الموطأ
التمهيد محمدٍ بن بُكَيْرِ الناقِدُ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن أبى
سلَمَةَ وسعيدِ بنِ المسَيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَفٍِّ قال:
((الوَلَّدُ للفِراشِ، وللعاهِرِ الحجَرُ))(١).
وهذا الحديثُ أيضًا عندَ معمر ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً وسعیدِ بنِ
المسيبٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ﴿ مثلّه. ذَكرَه عن معمرٍ،
عبدُ الرَّزَّاقِ(٢) وغيرُه .
القبس فجاءت به على النعتِ المكروهِ، فقال النبيُّ وَ له: ((لولا ما مضّى مِن كتابِ اللهِ
لكان لى ولها شأنٌ))). وفى روايةٍ: ((لُرجَمْتُها)». فاعتبر الشَّبَهَ فى بيانِ تصديقٍ
الدَّعْوى، ولم يعتبره فى إِنفاذِ الحكم، وفائدةُ الترجمةِ التى بؤَّب عليها مالكٌ فى
قوله : إلحاقُ الولدِ بأبيه . أنه يئن إلحاقّه به بالفراشِ فى حديثٍ زمعةً ، وإلحاقه به
فى الدَّعوى فى الإسلام لأولادِ الجاهليةِ فى حديثٍ عمر، لكنَّ صفةً الفراشِ الذى
قضَى فيه النبيُّ وَلَّهِ بالولدِ مأخوذةٌ مِن أدلةٍ سواه، فالمرأةُ تَصِيرُ بعقد النكاحِ
فِراشًا، " والأمّةُ تَصِيرُ بالولادةِ فِراشًا لا خلاف فيه، واختُلِف هل تكونُ بالوطءِ
(١) أخرجه مسلم (١٤٥٨) من طريق عمرو الناقد به، وأخرجه الحميدى (١٠٨٥)، وأحمد
٢٠٣/١٢ (٧٢٦٢)، ومسلم (١٤٥٨)، والنسائى (٣٤٨٢) من طريق سفيان بن عيينة به .
وعند بعضهم عن سعيد أو أبى سلمة، أحدهما أو كلاهما.
(٢) عبد الرزاق (١٣٨٢١) - ومن طريقه أحمد ١٨٤/١٣ (٧٧٦٣)، ومسلم (١٤٥٨)،
والنسائى (٣٤٨٣).
(٣) تقدم تخريجه فى ١٧٨/١٥، ١٧٩ .
(٤ - ٤) سقط من: ج .
٣٠٨
الموطأ
ورَوّى شُعبةُ ، عن محمدِ بنِ زيادٍ ، قال: سمِعتُ أبا هريرةً يقولُ: قال التمهيد
رسولُ اللهِ وَلِ: ((الوَلَّدُ للفراش، وللعاهر الحجرُ))(١) .
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِم، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ
العشگرِىُّ ، حدّثنا بحْرُ بنُّ نصرٍ، حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ وهب ، قال : أخبرنى
مالكُ بنُّ أَنسٍ، ويُونُسُ بنُّ يزيدَ، والليثُ بنُ سعدٍ ، أنَّ ابَ شهابٍ
أخبرهم، عن عروةً بنِ الزبير، عن عائشةً، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((الوَلَدُ
للفراشٍ، وللعاهرِ الحَجَرُ))(١).
القبس
فراشًا أم لا؟ وقد مهَّدْنا ذلك فى ((مسائل الخلاف)».
ومِن أسبابٍ إلحاقِ الولدِ القولُ بالقافَةِ، والأُصلُ فى ذلك حديثُ مُجَزّزٍ (١)
المُدْلِجِىِّ، رواه الأئمةُ ولم يُدْخِلْه مالكٌ: دَخَل النبىُ مَ﴿ على عائشةَ تبرُقُ
أساريرُ وجهِه فقال: ((ألم تَرَىْ أن مُجَرِّزًا(٢) المُذْلِجِيِّ نظَرَ الآنَ إِلى أسامةً وزيدٍ،
وهما فى قَطِيفةٍ قد غَطِّيَا رُيُوسَهما وبِدَتْ أقدامُهما ، فقال: إن هذه الأقدامَ بعضُها
من بعضٍ)). وجهُ الدليلِ فى ذلك أن النبيُّ وَلِّ سُرَّ بقولِ القائفِ فى إثباتٍ
(١) أخرجه الطيالسى (٢٦١٠)، وأحمد ١٧٣/١٥، ١٣٦/١٦ (٩٣٠٢، ١٠١٥٣)»
والبخارى (٦٧٥٠، ٦٨١٨) من طريق شعبة به.
(٢) أخرجه البيهقى ٨٦/٦ من طريق ابن وهب، عن يونس به.
(٣) فى د: ((محرز)، وفى ج: ((نجدد)). وينظر أسد الغابة ٦٦/٥.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٤١ .
٣٠٩
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدّثنا
يحيى بنُّ سعيدِ القَطّانُ، عن حسينِ المُعَلِّم ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن
أبيه، عن جَدِّه، قال: لما فُتِحَت مكةُ على عهدِ رسولِ اللهِ نَّه، قام
رجلٌ فقال: إنَّ فُلانًا ابنى. فقال رسولُ اللهِ وَةِ: ((لا دِعْوةَ(١) فِى
القبس نسبٍ أسامةً مِن زيدٍ بشَبَهِ الأقدامِ فى التقديرِ والهيئةٍ ، وإن اختلَفا فى اللونِ ؛ فإن
زیدًا کان أبيض وأسامةً أسود، والنبىُ بِآلټ لا يُسَرُّ بالباطلِ، على ما قرَّرْناه فى
أصول الفقهِ، لكن قال علماؤنا: إنما يكونُ الحكمُ بالقافةِ فى الإماءِ.
واختلف قولُ مالكٍ فى الحرائرِ؛ ومشهورُ قولِه(١) أنه لا يُحْكَمُ بالقافةِ فيها،
وحديثُ النبيِّ وَ لّوإنما كان فى الحرائرِ، ولم يكنْ فى الإماءِ، فلا وجْهَ لغيرِ هذا،
واختلف العلماءُ فی ثبوتِ النسب بالقافةِ ، هل یکونُ لواحدٍ أو لاثنين؟ فمذهبُ
مالكِ أنه يكونُ للرجلِ أبوانٍ . قال أبو يوسفَ : نعم وأمَّان . فأما قولُ أبى يوسفَ
هذا فما رأيتُ له فى أثناءِ الطلبِ دليلًا أحكيه؛ لأن المشاهدةَ تُبطِلُه وتَنْفِيه، وأما
الأبوان فلا إشكالَ فى أنه ممكنٌّ، وقد تبيَّن فى حديثٍ عمرَ وجْهُ امتزاجٍ
الماءينِ. وإذا اضْطُرِرْنا إلى القافةِ وتعارَض الشَّبَهُ وأَلْحَقْناهُ(٤) بهما، فمن علمائِنا
(١) الدَّعوة فى النسب بالكسر، وهو أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته. النهاية
١٢١/٢.
(٢) فى د: ((قولنا)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٦).
(٤) فى د: ((الحقاه)).
٣١٠
الموطأ
الإسلام، ذهَب أمْرُ الجاهلِيَّةِ، الوَلَدُ لِلفِراشِ، وللعاهِرِ الأَثلبُ)). قالوا: التمهيد
وما الأثلبُ؟ قال: ((الحجرُ))(١).
قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ وُجُوهٌ مِن الفقهِ، وُصولٌ چِسامٌ ؛ منها
الحُكْمُ بالظاهِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ حَكَم بالوَلَدِ للفِرَاشِ على ظاهِرٍ
مُكْمِه وسُنِه(٢) ، ولم يَلْتَفِتْ إلى الشَّبِّهِ، وكذلك حَكَمَ فى اللِّعانِ بظاهِرٍ
الخگم، ولم يلتفِتْ إلى ما جاءت به بعد قوله: ((إن جاءَتْ بِهِ كذا، فهو
للذى رُمِيَتْ به)). فجاءَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ(١). ومِن ذلك قولُه عليه
مَن قال: يقالُ لهما : انظُرا إلى أغلبِ الشَّبَهِ. يقالُ له : فإن استوَيا، فماذا يكونُ القبس
الحكمُ ، وقد قال ابنُّ القاسم وغيرُه مِن العلماءِ: إذا أُلْحَق القافةُ الولدَ بهما كان ابنًا
لهما؟ قال بعضُهم: يوالى مَن شاء. قال ابنُّ القاسم وغيرُه: يكونُ ابنًا لهما ولا
يكونُ له الاختيارُ. وقد رُوِى عن مالكِ أنه قال : القافةُ لا تكونُ فى بغايا الجاهليةِ ،
وإنما تكونُ فى أولادِ الرَّشْدةِ) . وهذا خلافُ حديثٍ عمر الذى أُدخَل،
والصحيحُ أنها تَجْرِى فيهم ؛ لأنه إذا جاز استِلْحاقُهم بالدَّعوى ، فكلُّ نسبٍ يُلْحَقُ
بالدَّعوى والفِراشِ يدخُلُه القافةُ .
(١) أخرجه أحمد ٢٦٤/١١ (٦٦٨١) عن يحيى القطان به، وأخرجه أبو داود (٢٢٧٤) من
طريق حسين المعلم به .
(٢) فی م: ( سننه) .
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٧٨/١٥، ١٧٩ .
(٤) یقال : هذا ولد ڕِشدة . إذا كان لنکاح صحیح . کما يقال فى ضده : ولد زنية . بالكسر
فيهما، والفتح أفصح اللغتين . النهاية ٢٢٥/٢ .
٣١١
الموطأ
التمهيد السلام: ((فَأَقْضِىّ له على نحوٍ ما أُسْمَعُ منه))(١). وفى هذا الحديثِ دليلٌ
على ما كان عليه أهل الجاهلية من اشْتِلحاق أولاد الزنى ، وقد كان عمرُ بنُ
الخطابِ رَضِىَ اللهُ عنه ◌ُلِيطُ أولادَ الجاهِلِيَّةِ بمَن ادَعَاهم فى الإسلامِ.
ذكَرَه مالكٌ(١)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أَنَّ عمرَ بنَ
الخَطَّابِ رَضِىَ اللهُ عنه كان يُليطُ أولادَ الجاهِلِيَّةِ بمَن ادَعَاهم فى الإسلامِ.
قال أبو عمر: هذا إذا لم یکنْ هناك فِرَاشْ؛ لأنهم كانوا فى جاهليّتهم
يُسافِحُون وثُناكِحُون، وأكثر نكاحاتهم على محكّم الإسلام غيرُ جائزةٍ،
وقد أمْضَاها رسولُ اللهِ وَِّ، فلمَّا جاء الإسلامُ أَبطَل به رسولُ اللهِ وَمَه
محُكَّمَ الزنَى؛ لتَحْرِيمِ اللهِ إِياه، وقال: ((العاهِرِ الحجَرُ)). فَتَفَى أَنْ يُلْحَقَ
فى الإِسلام وَلَدُ الزِّنَى، وَأَجْمَعَتِ الأَنَّةُّ على ذلك تَقْلًا عن نيّها ◌َِّ،
وجعل رسولُ اللهِ﴿ كلَّ وَلَدٍ يُولَدُ على فِرَاشِ لرجلٍ(١) لاحِقًا به على كلِّ
حالٍ ، إِلَّ(٤) أن يَنْفِيَه بلعانٍ على محُكْم اللُّعَانِ، وقد ذكّرْنَاه فى مَوْضِعِه مِن
كِتابِنا هذا() .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٥٥).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٦).
(٣) فى الأصل: ((الرجل)).
(٤) فى م: ((إلى)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ١٥٩/١٥ - ١٦٦ .
٣١٢
الموطأ
وأجْمٌعَتْ(١) الجماعةُ مِن العلماءِ أنَّ الحُرَّةَ فِراشٌ بالعقدِ عليها مع التمهيد
إمكانِ الوَطْءٍ وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يُمْكِنُ معه الوَطْءُ
والحمل، فالولّدُ لصاحب الفراش، لا ینْتَفِى عنه أبدًا بدَغْوَى غيرِه، ولا
بوَجْهٍ مِن الْوُجوهِ إلَّ بِاللَّمانِ.
واختلف الفقهاءُ فى المرأةِ يُطْلقُها زوجها فى حين العقد عليها بحضرةٍ
الحاكم أو الشهودِ، فَتَأْتِى بولّدٍ لِسِنَّةِ أَشْهُرِ فصاعِدًا مِن ذلك الوقتِ عَقِيبٌ
العقدِ ؛ فقال مالك والشافعى: لا يُلْحَقُ به؛ لأنَّها ليست يفِراش له، إذْ لم
يُفکنه الوطءفى العضمة، وهو كالصغیرِ أو الصغيرة اللذين لا يُتکِنُ منهما
الوَّلَدُ. وقال أبو حنيفةً: هى فِراشٌ له، ويُلْحَقُ به وَلَدُها(٣).
واختلف الفقهاءُ فى الأُمَةِ ؛ فقال مالك : إذا أقرّ بَطْعِها صارت فِراشًا ،
فإن لم يَدَّعِ اسْتِراءَ لَحِقٍ به وَلَدُها ، وإن ادَّعَى اسْتِثْراءٌ حَلَف وقِئٌ مِن
وَلّدِها يَمِينًا واحِدًا. واخْتَجَّ بعمرَ بنِ الخطابِ فى قولِه: لا تَأْتِينى وليدةٌ
يَعْتَرِفُ سَيِّدُها أَنْ قد ألهم بها، إلَّ أَلْحَقْتُ بِه وَلَدَها، فأُرْسِلُوهنَّ بعدُ أو
أُمْسِكُوهُنَّ(١) . وقال الكوفيُّون(٤): لا تكونُ الأُمَةُ فِرَاشًا بالوَطْءِ حتى يَدَّعِىَ
القبس
(١) فى الأصل: ((اجتمعت).
(٢) فى ق: ((ماؤها)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٩٠).
(٤) فى م: ((العراقيون)).
٣١٣
الموطأ
التمهيد سَيِّدُها وَلَدَها، وأمَّا إن نَفَاهُ فلا يُلْحَقُ به، سواءٌ أَقَرَّ بوَطْئِها أم لم يُقِرَّ، وسَواءٌ
اسْتَبْرَأْ أو لم يَسْتَبْرِئُ .
وأجمَع العلماءُ على أنْ لا لِعَانَ بينَ الأَمَةِ وسَيِّدِها، وأجمَع جمهورُ
الفقهاءِ أيضًا على ألَّا يَسْتَلْحِقَ أحَدٌ غيرَ الأَبِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يُؤْخَذُ
بإقرارٍ غيرِه عليه، وإنَّما يُؤْخَذُ بإقرارِهِ على نفسِه، ولا يُقِرّ أحَدٌ على
أحَدٍ، ولو قُبِل اسْتِلْحَاقُ(١) غيرِ الأبِ، كان فيه إثباتُ حُقُوقٍ على
الأَبِ بغيرِ إِقْرَارِهِ، ولا بَيْنَةٍ تَشْهَدُ عليه، وقد أَتَى اللهُ ورسولُه مِن ذلك،
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال ◌َ له لأبى رِمْتَةً فى ابنِه: « إِنَّك لا تَجْنِی علیه ،
ولا يَجْنِى عليك))(١). وفى هذا كلِّه ما يدُلَّك على أنَّ رسولَ اللهِ وَلَِّ إِنَّما
حكَم بالوَلَدِ (٢) لزَمْعَةَ؛ لأَنَّ فِراشَه قد كان مَعْرُوفًا عندَه، واللهُ أعلمُ ، لا أنَّه
قَضَى به لعَبْدِ بنِ زَمْعَةً بِدَعْواه على أبيه. هذا أَوْلَى ما حُمِل عليه هذا
الحديثُ، واللهُ أعلمُ ؛ لأنَّ فيه قولَ عبدٍ بنٍ زَمْعَةَ: أخى وابنُ وَلِيدَةٍ أبى ،
وُلِد على فِراشِه. فلم يُتْكِرْ عليه وسولُ اللهِ وَلَه قولَه: وُلِد على فِراشِه.
القبس
(١) فى ق: ((المستلحق)).
(٢) تقدم تخريجه فى ١٧/٨ .
(٣) ليس فى: الأصل .
الموطأ
فدَلٌّ على أنَّه عَلِمَ بوَطْءٍ زَمْعَةً لوَلِيدَتِه، فلذلك لم يُذْكِرِ الفِراشَ، وكانت التمهيد
سَوْدَّةُ بنتُ زَمْعَةَ زَوْجَتَه ◌َلِّ، ومثلُ هذا لا يَخْفَى مِن أفعالِ الصِّهْرِ على
صِهْرِهِ، فلمَّا لم يُتْكِرْ قولَ عبدِ بنِ زَمْعَةَ: وُلِد على فِراشِه. دَلَّ على أنَّه قد
كان عَلِم بأنَّها كانت فِراشًا له بمَسِّه إيَّها ، فَقَضَى بما عَلِم مِن ذلك، ولولا
ذلك لم يُلْحِقِ الوَلَدَ بزَمْعَةَ بدَغْوَى أخيه؛ لأنَّ سُنَّتُه المجتَمَعَ عليها أنَّه لا
يُؤْخَذُ أحَدٌ يإِفْرَارٍ غيرِه عليه ، إِلَّ أنَّ فى هذا التَّأْوِيلِ ما يُوجِبُ قَضاءَ القاضى
بعِلْمِه، وهو مما يَأْبَاه مالِكٌ وأكثرُ(١) أصحابِهِ.
وأمَّا قولُ رسولِ اللهِ وَّهِ فى هذا الحديثِ: ((احْتَجِبِى منه
يا سَوْدَةُ)) . فقد أَشْكَلَ مَعْنَاه قديمًا على العلماءِ؛ فذهَبَ أكثرُ القائلين بأنَّ
الحرامَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ، وأَنَّ الزنى لا تَأْثِيرَ له فى التحريم ، إلى أنَّ قولَه ذلك
كان منه على وَجْهِ الاخْتِيارِ والتََّزُّهِ، فإِنَّ للرجلِ أن يَمْنَعَ امْرَأْتَه مِن رُؤْيَةِ
أخيها . هذا قولُ أصحابِ الشافعيّ. وقالت طائفةٌ: كان ذلك منه لقطع
الذريعةِ بعدَ حُكْمِه بالظاهِرِ ، فكأنّه حكَم بِحُكْمَيْنٍ؛ محُكْمٌ ظاهِرٌ وهو الولدُ
للفِرَاشِ، ومحُكْمُ باطِنٌ وهو الاخْتِجابُ مِن أَجْلِ الشَّبَهِ(١)، كأنَّه قال: ليس
بأخٍ لكِ يا سَوْدَةُ إلا فى محُكْمِ اللهِ بالوَلَدِ للفِراشِ، (٢فأمَرها بالاحتِجابِ
منه٢ . قال ذلك بعضُ أصْحابٍ مالِكِ ، وضارَعَ فى ذلك قولَ العِراقِيِّين.
القبس
(١) ليس فى : الأصل .
(٢) فى م: ((الشبهة)).
(٣ - ٣) فى م: ((فاحتجبى منه لما رأى من شبهه لعتبة)).
٣١٥
الموطأ
التمهيد وأمَّا الكوفِيُّون، فَذَهَبوا إِلى أَنَّ الزنى يُحَرِّمُ، وأنَّ له فى هذه القِصَّةٍ محُكْمًا
باطِنَا أَوْجَب الحِجَابَ، والحُكْمُ الظاهِرُ لَحاقُ ابنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بالفِراشِ.
وقد وافَقَهم ابنُّ القاسِم فى أنَّ الزنى يُحَرِّمُ مِن نِكاحِ الأَمَّ والابنةِ ما
يُحَرِّمُ النِّكامح، خِلافَ («المُوَطَّأَ)). وقد قال المزنىُ فى مَعْنَى هذا
الحديثِ غيرَ ما تقَدَّمَ.
حدَّثَتِى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدّثنا أبى، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ قاسِم، قال : حدَّثَنِی أمی ، قال : سُئِل المزَنِئُ عن حديث سعد
ابن أبى وَقَّاصٍ وعبدِ بنِ زَمْعَةَ حينَ اخْتَصما إلى رسولِ اللهِ بَلَه فى ابنٍ
وَلِيدَةٍ زَمْعَةَ، فقال: اخْتَلَف الناسُ فى تَأْوِيلٍ ما حكَمَ به رسولُ اللهِ وَلِّمِن
ذلك؛ فقال قائِلُون؛ وهم أصحابُ الشافعىّ، فى قولِ رسولِ اللهِ وَ له:
((اخْتَجِيِى منه يا سودةٌ)). إنَّه منَعَها منه لأَنَّه يجوزُ للرجل أن يمْنَعَ امرأْتَه مِن
أخيها. وذَهَبوا إلى أنَّه أخوها على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ أَلحَقَه
يفِراشِ زَمْعَةً، وما حَكَم به فهو الحقُّ الذى لا شَكَّ فيه. قال: وقال
آخرون، وهم الكوفيون: إنَّ النبيّ وَ لّ جعَلَ للزنى محكم التحریم بقوله :
«اختجبی منه یا سَوْدَةُ)). فمَنَعها مِن أخیھا فی الحُگم ؛ لأنَّه ليس بأخِيها
فى غيرِ الحُكَم، لأَنَّه مِن زِنّى فى الباطنِ؛ إذ كان شَبِيهًا بعُتْبَةً فى غيرِ
الحُكْم. فجَعَلوه كأَنَّه أَجْنَيِىٌّ، وألُّ) يَرَاها لحُكْم الزنى، وجعلوه أخاها
القبس
(١) فى م: ((لا)).
٣١٦
الموطأ
بالفِراشِ. وزَعَم الكُوفِيُون أنَّ مَا حَرَّمَه الحلالُ، فالحرامُ له أَشَدُّ تَحْرِيمًا. التمهيد
قال المزنى: وأمَّا أنا؛ فيَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هذا الحديثِ عندى، واللهُ أعلمُ ، أن
يكونَ النبيُّ مَ لّ أجاب عن المسألةِ، فأعْلَمَهم بالحُكْم أنَّ هذا يكونُ إذا
ادَّعَى صاحِبُ فِراشٍ وصاحِبُ زِنِى، لا أَنَّ قَبِل على عُثْبَةً قولَ أخيه سعدٍ ،
ولا على زَمْعَةَ قولَ انِهِ أَنَّ أُوْلَدَھا الوَلَدَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أُخْبَر عن
غيرِهِ، وقد أجْمَع المسلمون أنَّه لا يُقْبَلُ إقرارُ أحَدٍ على غيره، وفى ذلك
عندى دليلٌ على أنَّه محُكْمُ خرَجَ على (١) المسألةِ ، لُعَرّفهم كيف الحُكْمُ فى
مثلها إذا نزَل، ولذلك قال لسَوْدَةَ: ((اخْتَجِيِى منه)). لأَنَّه حكَمَ على
المسألةِ، وقد حَكَى اللهُ عزَّ وجلَّ فى كتابِهِ مثلَ ذلك فى قِصَّةٍ داودَ
والملائكةِ: ﴿إِذْ دَخَلُواْ ("عَلَى دَاوُود٢َ) فَفَرِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لَا تَخَفُ (" خَصْمَانِ
بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ﴾ [ص: ٢٢]. ولم يكونا(4) خَضْمَيْنِ ، ولا كان لواحد
منهما تسعّ وتسعون نَعْجَةً، ولكنَّهم كَلَّموه على المسألةِ، ليعرِفَ بها ما
أرادوا تَعْرِيفَه، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ وَِّ حَكَمَ فى هذه القِصَّةِ على
المسألة ، وإن لم یکن أحدٌ پۇْنِشُنى على هذا التأويل، أو كان ، فإنّه عندى
صحيحٌ، واللهُ أعلمُ . قال المزنىُ : قال الشافعىُ: إِنَّ رُؤْيَةَ ابنِ زَمْعَةَ سَوْدَةً
القبس
(١) فى الأصل: ((عن)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((عليه)).
(٣ - ٣) فى م: ((الآية)).
(٤) فى الأصل: ((یکونوا)).
٣١٧
٠٠٠
الموطأ
التمهيد مُباح فى الحُكّم، ولكنَّه كَرِهَه للشَّبَهِ (١)، وأمَر بالتَّزُّهِ عنه(١) اخْتِيارًا . قال
المزنيُ: لَمَّا لم يَصِحَّ دَعْوَى سعدٍ لأخيه(٢) ، ولا دَعْوَى عبدِ بنِ زَمْعَةً ، ولا
أَقَّتْ سَوْدَةُ أَنَّه ابنُ أبيها، فيكونَ أخاها، منَعه مِن رُؤْيَتِها، وأَمَرَها
بالاخْتِجابِ منه، ولو ثَبَت أَنَّه أخوها ما أمَرَها أن تَحْتَجِبَ منه؛ لأَنَّه وَّـ
بُعِث بصِلَةِ الأرحام، وقد قال لعائشةً فى عَمِّها مِن الرَّضَاعةِ: ((إِنَّه عَمُّكِ،
فلْيَلِجْ عليك))(٤). ويَسْتَحِيلُ أنْ يَأْمُرَ زَوْجَتَه(٥) ألَّ تَحْتَجِبَ مِن عَمِّها مِن
الرضاعَةِ، ويأْمُرَ زَوْجَةٌ له أُخْرَى(٩) تَحْتَجِبُ مِن أخيها لأبيها. قال:
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ سَوْدَةُ جَهِلَتْ ما عَلِم أخوها عبدُ بنُ زَمْعَةً ، فسَكَتَت .
قال المُزَنِىُّ: فَلَمَّا لم يَصِحَّ أَنَّه أَخْ؛ لعَدَمِ البينةِ، أو الإقرارِ ممَّن يَلْزَمُه
إقرارُه، وزادَه بُعْدًا فى القلوبِ شَبَهُه بعُتْبَةَ ، أمَرَها بالاختِجابِ منه، وكان
جوابُه وَلِيّ على الشُّؤَالِ، لا على تحقيقِ زِنَى عُثْبَةَ بقولٍ أخيه، ولا بالوَلَدِ
أَنَّه لزَمْعَةً بقولِ ابنِه، بل قال: ((الولَدُ الفِرَاشِ)). على قولِك يا عَبْدَ بنَ
زَمْعَةً، لا على ما قال سعدٌ. ثم أخبَر بالذى يكونُ إذا ثَبَت مثلُ هذا .
القبس
(١) فى م: ((لشبهة)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى الأصل، ق: ((لأبيه)).
(٤) تقدم فى الموطأ (١٣٠٧).
(٥) فى م: ((زوجة)).
(٦) بعده فى الأصل: ((أن)).
٣١٨
الموطأ
قال أبو عمرَ: لم يَصْنَع المُزَنِىُّ شيئًا؛ لأنَّ المسلمين مُجْمِعُون أنَّ مُحُكْمَ التمهيد
رسولِ اللهِ وَّهِبِينَ عبدِ بنِ زَمْعَةً وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصِ حُكْمٌ صحيحٌ، نافِذٌ
فى تلك القِصَّةِ بعينِها، وفى كلِّ ما يكونُ مثلَها، وليست قِصَّةُ داودَ وِّل
مع المَلگیْن کذلك ؛ لأنَّهما إنَّما أرادا تَغْرِیفه لا الحگم علیه، و كان أمْرًا قد
نَفَذ، فعڑّفاه بما کان علیه فی ذلك ، وحگمُ رسولِ اللهِ ێ لیس کذلك ؛
لأنَّه حُكْمٌ اسْتَأْتَفَه وقَضَى به ليُمَثَلَ فى ذلك وفی غیرِهِ .
وقال محمدُ بنُ جرير الطبرىُّ: مَعْنَى قولِه وَّهِ فى هذا الحديثِ :
((هو لك يا عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ)). أى: هولك عبدٌ مِلْكًا؛ لأنَّه ابنُ وَلِيدَةِ أبيك ،
وكلُّ أْمَةٍ تَلِدُ مِن غيرِ سَيِّدِها، فَوَلَدُها عبدٌ. ثُرِيدُ أَنَّه لما لم يُنْقَلْ فِى
الحديثِ اعْتِرافُ سَيِّدِها بوَطْئِها ، ولا شُهِد بذلك عليه، وكانتِ الأُصولُ
تَدْفَعُ قَبُولَ قولِ ابنِه عليه، لم يَثْقَ إلَّ القضاءُ بأنَّه عبدٌ، تَبَعْ لأَمّه، وأمَّرَ سَوْدَةً
بالاخْتِجابِ منه لأنَّها لم تَعْلِكْ منه إلَّا شِقْصًا (١).
وهذا أيضًا مِن الطبرىِّ تَحَكّمٌ خِلافُ ظاهِرِ الحديثِ ، ومَن قال له :
إِنَّا وَلَدَتْ مِن غيرٍ سَيِّدِها؟ وهو يَرَى فى الحديثِ قولَ عبدٍ بنٍ زَمْعَةً:
أخى، وابنُ وَلِيدَةِ أبى، وُلِدَ على فِراشِه. فلم يُتْكِرْ رسولُ اللهِ وَلِهِ قولَه،
وقَضَى بالوَلَدِ للفِرَاشِ، وقد قَدَّمْتُ لك مِن الإجماع على أنَّ الوَّلَدَ لاحِقٌ
القبس
(١) الشقص: النصيب المعلوم غير المفروز. ينظر اللسان ( ش ق ص ).
٣١٩
الموطأ
التمهيد بالفِراشِ، وأنَّ ذلك مِن مُحُكْم رسولِ اللهِ وَلِّ مُجْمَّعٌ عليه، ومِن أَنَّ وَلَدٌ
الزَّنّى فى الإسلام لا يلْحَقُ بإجماع - ما يَقْطَعُ العُذْرِ، وَتَسْكُنُ إِليه النّفْسُ؛
لأَنَّه أَصْلٌ، وإنْمائج، ونَصٌّ، وليس التَّأْوِيلُ كالنَّصِ.
وقال أبو جعفر الطحاویی : لیس قول من قال : إِنَّ دغوی سعدٍ فی ھذا
الحديث كلا دُغْوَى. بشىءٍ؛ لأنَّ سعدًا إِنَّما ادَّعى ما كان معروفًا فى
الجاهلية مِن ◌ُحوقٍ ولد الزنی بمن ادعاه ، وقد كان عمرُ يَقْضِى بذلك فى
الإسلام، فادعی سعدٌ وَصِيّةً أُخیه بما كان يُحكم فى الجاهلية به ، فكانت
دَعْواه لأخيه كدَعْوَى أخيه لنفسِه، غير أنَّ عبدَ بنَ زَمْعَةَ قابَلَه بدَغْوَى
تُوجبُ عِثْقًا للمُدَّعَى؛ لأُنَّ مُدَّعِیَه كان يَمْلِكُ بعضَه حینَ ادُّعی فیه ما
ادَّعَى ، ويَعْتِقُ عليه ما كان يَثْلِكُ منه(١) ، فكان ذلك هو الذى انْطَل دَعْوَى
سعدٍ، ولما كان لعبدٍ بنِ زَمْعَةٌ شَرِيكُ فيما ادَّعَاه، وهو أَحْتُه سَوْدَةُ، ولم
يُعْلَمْ منها فى ذلك تَصْدِيقٌ له، أَلْزَمَ رسولُ اللهِوَ لَ عبدُ بنَ زَمْعَةٌ ما
أَقَرَّ به فى نفسِه، ولم يَجْعَلْ ذلك محَّةٌ على أختِه إذ لم تُصَدِّقْه،
ولم يَجْعَلْهُ أَخَاها، وأمَرَها بالحجابِ منه. قال: وأَمَّا قولُه ◌َدِ:
((هو لَكِ يا عبدَ بِنَّ زَمْعَةَ)). فمعناه: هو لك بَدِكَ(٢) عليه، لا أنَّك
تُفْلِكُه، ولكنْ تَمْتَعُ بَيَدِك عليه كلِّ مَن سِواكٌ منه، كما قال فى اللَّقَطَّةِ :
القبس
(١) فى م: ((فيه)).
(٢) فى م: ((يدك)).
٣٢٠