النص المفهرس

صفحات 241-260

الموطأ
غربُّ المالِ بالخيارِ بينَ أخذِ المالِ أو ١) السلعةِ. قال الربيعُ: وله فيها قولٌ الاستذكار
آخر ؛ أن البیعَ فاسڈٌ إذا اشتری بالمالِ المغصوب بعينه(٢) . ورُوِی عن أبی
بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ وعطاءِ بنِ أبى رباحِ مثلُ قولٍ
مالكٍ . ورُوِى عن مجاهدٍ أنه يتصدَّقُ بالربح ، مثلُ قولٍ أبى حنيفةً. وقالت
طائفةٌ: الربحُ على كلّ حالٍ لربِّ المالِ (١) . ورُوى ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ
عمر .
حدَّثنى خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنى أبو يعقوبَ الباوردىُّ" ، قال:
حدَّثْنى يوسفُ بنُ يعقوبَ القاضى، قال: حدَّثنى أبو الربيعِ الزَّهرانِىُّ،
قال: حدَّثنی هشيمٌ، عن داودَ بنِ أمى هندٍ، عن رِياحِ(٥) بنِ عَبيدةً،
عن ابن عمرَ، أنه سئل عن رجلٍ استُبضع بضاعةً فخالَف فيها، فقال
ابنُّ عمرَ: هو ضامنٌ، فإن ربح فالربحُ لربِّ المالِ(٤) .
القبس
(١) فى ط، م: (( و)).
(٢) سقط من: ح ، هـ.
(٣) بعده فى الأصل، م: ((وروى ذلك عن أبى حنيفة وقالت طائفة الربح على كل حال ترب
المال)) ..
(٤ - ٤) فى ح، هـ: ((أبو يعقوب الماوردى))، وفى م: ((يعقوب الماوردى)).
(٥) فى ح، هـ، ط، م، ومصدر التخريج: ((رباح)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٨/٩.
(٦) أخرجه البيهقى ١١٣/٦ من طريق هشيم به.
٢٤١
(موسوعة شروح الموطأ ١٦/١٨).

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمر: لم یجعل ابن عمر رضی اللهُ عنه العمل معنی يُوجَبُ به
استحقاق ربحٍ ولا غيره.
وقد رُوِى عن عمرَ رضِى اللهُ عنه ما يَدُلَّ على أن الربحَّ له
بالضمانِ . رواه مالكٌ(١)، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه، أن عبدَ اللهِ
وعبيدَ اللهِ ابنَى عمرَ قفَلا مِن غزوةٍ، فمرًا بأبى موسى، فأُسلَفهما مِن
بيتٍ المالِ، فاشتَريا به متاعًا، فحمَلاه إلى المدينةِ فربحا فيه، فقال
غمرُ: أَدِّيَا المالَ وربحَه. فقال عبيدُ اللهِ: ما ينبغى لك هذا، لو
هلَك المالُ أو نقَص ضَمِنَّه. وسكَت عبدُ اللهِ، فأعاد القولَ عمرُ
عليهما، فراجَعه عبيدُ اللهِ، فقال له رجلٌ: لو جعَلتَه قِراضًا يا أميرً
المؤمنين؟ قال: نعم. وأخَذ نصفَ الربح. فلم يُنكِرْ عمرُ على ابنِه
عبيدِ اللهِ قولَه: لو هلَك المالُ أو نقَص ضمِنَّاه. يعنى: فلذلك طابَ
لنا ربحُه. ودلَّ على ما ذهَب إليه مالكٌ، ومَن قال بقولِه. ويحتمِلُ
أن يكونَ عمرُ فعَل ذلك عقوبةً لهما لانفرادِهما دونَ سائرِ المسلمين
بمالٍ مِن بيتِ المالِ، فشاطَرهما فى ذلك كما فعَل بعُمَّالِهِ إِذ
شاطَرهم أموالَهم .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٤٢٧).
٢٤٢

الموطأ
القضاءُ فيمَن ارتدَّ عن الإسلام
١٤٧٩ - مالكٌ، عن زيدٍ بن أسلَمَ، أن رسولَ اللهِ وَالإِه قال: ((مَن
غيَّرِ دِينَه فاضرِبوا عُنُقَه)) .
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أُسْلَمَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((مَن غَيَّرَ دِينَه التمهيد
فاضْرِبوا عُنُقَه))(١).
هکذا رواه جماعةُ زُوَاةِ ( الموَطّا ) مُوسَلًا ، ولا يَصُِ فيه عن مالِكِ غيرُ
هذا الحدیثِ المرسلِ عن زید بنِ أُسْلَمَ. وقد رُوِی فیه عن مالِكِ ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّه قال: ((مَن بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوه)). وهو
مُنگؤ الإسنادٍ() ، واللهُ أعلمُ. والحدیثُ مَعْرُوفٌ ثابتٌ ، مُسنَدٌ صحیح مِن
حدیثِ ابنِ عباسٍ .
القبس
القضاءُ فيمن ارْتَدَّ عن الإسلام
ثَبَت عن النبيِّ ◌َ أنه قال: ((مَن بَدَّل دينَه فاقْتُلُوه)) . مِن كلِّ طريقٍ، وهذا
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٧٦١، ٢٩٧٧). وأخرجه الشافعى ٢٥٧/١، وابن المظفر
فى غرائب مالك (٩٣)، والبيهقى ١٩٥/٨، وفى المعرفة (٥٠١٩) من طريق مالك به.
(٢) فی م: (عندی)).
والحديث أخرجه ابن المظفر فى غرائب مالك (٩٢) من طريق مالك به .
٢٤٣

الموطأ
التمهید
حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَنِ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
البخارىُّ، قال: حدَّثنا أبو الثَّعْمانِ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن
أيوبَ، عن عكرمةَ قال: أَتِىَ علىِّ بَزَنادِقَةٍ فَأُخْرَقَهم، فبلَغَ ذلك ابنَ
عباسٍ، فقال: لو كنتُ أنا ما أُخْرَقْتُهم؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَلَر: ((لا
تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ)). ولَقَتَلْتُهم؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَلَه: ((مَن بَدَّلَ
دينه فاقْتُلُوه))(١) .
القبس عامّ فى كلِّ مُبدِّلٍ؛ لقوله: ((مَنْ)). وهى مِن ألفاظِ العموم، وقد شَهِدَت(١)
القاعدةُ له بالاستمرارِ) على الشُّمولِ، فلذلك قلنا: إن المرأةَ إذا ارْتَدَّت تُقْتَلُ.
وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةً: لا تُقْتَلُ؛ لأن عاصِمَها معها وهو الأنوثةُ ، ألا
تَرَى أنها لم تُقْتَلْ فى الكفرِ الأصلىِّ، فكذلك فى الطارئُ. قلنا : قد حَقَّقْنا هذه
المسألةَ فى ((التلخيصِ)) وغيرِهِ، وبيّا أن عاصِمَها ليست الأنوثَةَ، وإنما عاصمُها
فى الأصلِ أنها مالٌ يُشْتَرَقُّ، وقد بطَل ذلك بالرَّّةِ. فإن قيل: هذا الحديثُ لا
حُجَّةَ فيه، (٤ لأنه روايةُ" ابنِ عباسٍ وكان يقولُ(٥) بأن المرأةَ لا تُقْتَلُ، والراوى إذا
(١) البخارى (٦٩٢٢). وأخرجه أحمد ٣٣٥/٤، ٣٣٦ (٢٥٥١)، وأبو يعلى (٢٥٣٢)،
وابن حبان (٥٦٠٦) من طريق حماد بن زيد به .
(٢ - ٢) فى د: ((وإن شهدت القاعدة له بالعموم لاستمرار)).
(٣) فى حاشية د: ((مهدت).
(٤ - ٤) فى د: ((فإن رواية))، وفى م: ((لأنه راويه)).
(٥) فى ج، م: ((يفتى)).
٢٤٤

الموطأ
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ التمهيد
بکر ، قال: حدّثنا أبو داود ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا أيُّوبُ، عن عكرمةَ ، أَنَّ عَلِيًّا أُخْرَق ناسًا
ارْتَدُّوا عن الإِسلامِ ، فَبَلَغ ذلك ابنَ عباسٍ، فقال: لم أكنْ لأُخْرِقَهم بالنارِ ؛
لأنَّ رسولَ اللهِ وَهِقال: ((لا تُعَذِّبوا بِعَذَّابِ اللهِ)). وكنتُ قاتِلَهم؛ لقول
رسولِ اللهِ وَّه: ((مَن بَدَّلَ دينَه فاقْتُلُوه)). فبَلَغ ذلك عليًّا، فقال: ويعَ
ابنِ() عباسٍ(٣) !.
قال أبو عمرَ: رُوِى مِن وُجوهٍ أَنَّ عليًّا إِنَّما حرَقَهم بالنَّارِ بعدٌ ضربٍ
القبس
أُقْتَی بخلاف ما روی سقطت روایتُه. قلنا : هذا سؤالٌ فاسدٌ ؛ لأنهم بَنَوه على
مذهبِهم، وعندَنا أن الرَّاوِىَ فى مخالفةٍ روايته كسائرِ الناسِ، وهى مسألةٌ أُصُولِيَّةٌ ،
بيانُها فى موضعها، وقد أوضّخْناها فى كتبِ الخِلافِ ، وبيّنَّا أنهم قد نَقَضوا هذا
الأُصلّ، وأخذوا فيه بمسائِلَ أَنْتَى فيها الراوى بخِلافٍ ما روَى، فَلْتُطْلَبْ هنالك .
وتعلّق الشافعىُ بعموم هذا الحدیثِ فیمن خرج عن دين اليهوديّةِ إلی دینِ
النَّصْرانيَّةِ ، فقال: إنه يُقْتَلُ . أخذًا بعمومِ الحديثِ . قلنا: إنما معنى الحديثِ : مَن
بَدَّل دينه الحقَّ. لم يُرِدْ سواه، والدليلُ عليه أنه لو رجَع الإنسانُ مِن النَّصْرانيّةِ إلى
الإسلامِ لم يُقْتَلْ، وإن كان بَدَّل دينَه ؛ لأنه بدَّل دينَه الباطلَ ، ونحن لم نُعاهِذْهم
(١) فى ص ٤: ((ابن أم)))، وفى م: ((أم ابن))، وعند أحمد: ((ابن أم ابن)). والمثبت موافق لما
عند أبى داود .
(٢) أبو داود (٤٣٥١)، وأحمد ٣٦٥،٣٦٤/٣ (١٨٧١). وأخرجه الدار قطنى ١٠٨/٣ من طريق
إسماعيل ابن علية به، وأخرجه الترمذى (١٤٥٨)، والنسائى (٤٠٧٠ - ٤٠٧٢) من طريق أيوب به .
٢٤٥

الموطأ
التمهيد أَغْناقِهم. وستَذْكُرُ بعضَ الأخبارِ بذلك فى آخرِ هذا البابِ إن
شاء الله .
وفِقْهُ هذا الحديثِ، أَنَّ(١) مَن ارْتَدَّ عن دِينِهِ حَلَّ دَمُه، وضُرِبَت ◌ُنُقُه،
والأَمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ على ذلك، وإنَّما اخْتَلَفوا فى اسْتِتَابَتّه ؛ فطائفةٌ منهم قالت :
لا يُسْتَتَابُ ، على ظاهِرِ هذا الحديثِ، ويُقْتَلُ. وطائفَةٌ منهم قالت:
(٢)
القبس على صحةٍ دينهم ، إنما عاهَدْناهم ألَّ نَغْرِضَ لهم، ألا تَرَى أنه لو عاد اليعقوبىّ
نُشْطوريًّا(٢) لم يُغْرَضْ له، وقد زَلَّ بعضُ علمائِنا فيها، فوافَق قولَ الشافعيّ فيها،
وليس بشىءٍ، فلا يُلْتَقَتُّ إليه، وهل تَجِبُ الاسْتِتابةُ أم لا؟ اخْتَلَف العلماءُ فيها
اختلافًا كثيرًا؛ فمنهم مَن تعلَّق بمطلَقِ الحديثِ، ومنهم مَن تعلَّق بقولٍ عمرَ ()،
وإِنَّه لِيَظْهَرُ فيها الاسْتِخبابُ، فأما الإيجابُ فيبعُدُ(٥) دليلُه؛ لأن معاذًا وأبا موسى
خالفا عمرَ وسائرَ الصحابةِ ، فمنهم مَن سكَت، ومنهم مَن (١) خالَف، فتَنْقَطِعُ
الحُجّةُ ولا يَتْقَى إلا ما يَظهَرُ مِن المعنى، وهو أنه يُشْتَأَنَى به، لعلَّه قد ارتدَّ بشُبهةٍ
(١) فى ص ٤: ((أنه)).
(٢) فى م: ((اليهودى)). واليعقوبى نسبةً إلى فرقة اليعقوبيّة، وهى فرقة من النصارى آل
يعقوب البرادعى ، وهم يقولون باتحاد اللاهوت والنَّاسوت، وهم أشد النصارى كفرًا وعنادًا .
ينظر الملل والنحل الشهرستانى ٥٤١/١ - ٥٤٣، والتاج (ع ق ب ) .
(٣) فى ج، م: ((نصطوريا)). والنسطوريَّة: أصحاب نسطور الحكيم ، الذى ظهر فى زمان
المأمون ، وتصرّف فى الأناجيل بحكم رأيه ، وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة .
الملل والنحل الشهرستانى ٥٣٥/١ .
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٠).
(٥) فى م: ((فيعجز)).
(٦) سقط من : م .
٢٤٦

الموطأ
يُسْتَابُ ساعَةً واحِدَةً، ومَرَّةً واحدَةً، ووَقْتًا واحدًا. وقال آخرون: التمهيد
يُسْتَتَابُ شهرًا. وقال آخرون: يُسْتَتَابُ ثلاثًا . على ما رُوِى عن عمرَ،
وعثمانَ، وعلىٍّ، وابنٍ مسعودٍ. ولم يَسْتَتِبِ ابنُ مسعودٍ ابنَ النَّوَّاحَةِ
وحدَه ◌ُ(١)؛ لقولٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ له: ((لولا أنَّكَ رسولٌ لِقَتَلْتُكَ)) . قال له:
وأنت اليومَ لستَ برسولٍ. واسْتَتَابَ غيرَه(٢).
روَى مالكٌ(٢) ، عن عبد الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَبْدٍ
القارِئِّ، عن أبيه، أنَّه قال: قَدِم على عمرَ بنِ الخطابِ رجلٌ مِن قِبَلٍ أبى
موسى الأشعرى، فسأله عمر عن الناس ، فأخبَرَه ، ثم قال له عمر: هل مِن
مُغَرِّبَةِ خبرٍ(٤)؟ قال : نعم، رجلٌ كفَرَ بعدَ إسلامِه. قال : فماذا فعَلْتُم به؟
فِيُبَيَّنُ لهُ، فإن عاد وإلا قُتِل، وهذا الاحتمالُ إنما يَستقلَّ بالاسْتِخْبابِ، القبس
ولیس یقْوی باقتضاء الإیجاب" .
(١) سقط من: ص ٤.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٥١، ٤٠٣ (٣٦٤٢، ٣٨٥٥)، وأبو داود (٢٧٦٢)، والنسائى فى
الکبری ( ٨٦٧٥، ٨٦٧٦).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٨٠).
(٤) أى: هل من خبر جديد جاء من بلد بعيد، يقال: هل من مغربة خبر؟ بكسر الراء وفتحها مع
الإضافة فيهما، وهو من الغَرْب؛ البُعْد، وشأو مغرّب ومغرّب، أى: بعيد. النهاية ٣٤٩/٣.
(٥) سقط من : م .
(٦) فى ج، م: ((يسقط)).
(٧ - ٧) فى ج: ((بقوى باقتضاء الإيجاب))، وفى م: ((بقوى)).
٢٤٧

الموطأ
التمهيد قال: قَوْنَاه فضّرَبْنا مُنُقُه. فقال عُمَرُ: فَهَلَّا حَتَشْتُموه ثلاثًا، وأَطْعَمْتُموه
كلَّ يومٍ رَغِيفًا واسْتَتُموه، لَعَلَّه يتوبُ وتُرَاجِعُ أمْرَ اللهِ؟ اللَّهُمَّ إِنِّى لم
أخضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أَرْضَ إِذْ بَلَغَنى .
أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدّثنا ابنُ أبى العقب(١)، قال: حدّثنا
أبو زُرْعَةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالِدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ،
عن عبد الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ القارئِّ ، عن أبيه ، قال :
قَدِم وفدُ أهلِ البصرةِ على عمرَ، فأخْبَرُوه بفتحِ تُستَرَ()، فحَمِد اللهَ، ثم
قال: هل حدَثَ فيكم حَدَثٌ؟ فقالُوا: لا واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ، إلَّ رجلٌ
ارْتَدَّ عن دِينِهِ فَقَتَلْناه. فقال: وَيْلَكُم، أعَجَزْتُم أن تُطيّنوا(٢) عليه بيتًا ثلاثًا ،
ثم تُلْقُوا إليه كلَّ يومٍ رَغِيفًا، فإن تاب قَبِلْتُم منه، وإن أقام كنتم قد أَعْذَرْتُم
إليه؟ اللَّهُمْ إِنِّى لم أَشْهَدْ، ولم آمُوْ، ولم أرْضَ إِذْ بَلْغَنِى(٤).
وروّى داودُ بنُ أبى مِنْدٍ، عن الشعبىٌّ، عن أنس بن مالكِ ، أَنَّ نَفَرًا مِن
بكرِ بنِ وائِلِ ارْتَدُّوا عن الإسلامِ يومَ تُستَرَ ولَحِقرا بالمشركين، فلمَّا فُتِحَت
القبس
(١) فى م: ((العقيب)).
(٢) تستر: محلة كانت ببغداد بين دجلة وباب البصرة، يعمل بها الثياب التسترية . مراصد
الاطلاع ٢٦٢/١.
(٣) فى م: ((تطبقوا)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٢٥٨٥) من طريق عبد الرحمن بن محمد به. وسيأتى
ص ٢٦٥.
٢٤٨

الموطأ
الشهيد
قُتِلُوا فى القِتالِ. قال: فأَتَّيْتُ عمر بفتحِها، فقال: ما فعلَ الَّفرین یکرِ بنِ
وائِلِ؟ فَعَرَضْتُ فى حديثٍ (١) لأَشْغَلّه عن ذِكْرِهم، فقال: ما فعل النَّفَرُمِن
بكرِ بنِ وائِلِ؟ قلتُ: قُيِلوا. قال: لأُنْ أكونَ كنتُ أَخَذْتُهم سِلْمًا أَحَبُّ
إِلىَّ ممَّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ مِن صَفْراءَ أو بيضاء. قلتُ: وهل كان
تَبِيلُهم إِلَّ القتلَ؛ ارقَدُّوا عن الإسلام ولَحِقوا بالمشركين؟ قال: كنتُ
أعرِضُ عليهم أن يَدْخُلوا فى البابِ الذى خَرَجوا منه؛ فإن فعلوا قَبِلْتُ
منهم، وإلّ اسْتَرْدَعْتهم السُّجْنَ(٢) .
ورَوَى أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن أبى عمرو الشيبانيّ، أنَّ عليًا أُنِى
بالمستَوْرِدِ العِجْلِىٌّ وقد ازْتَدَّ عن الإسْلام، فاسْتَتَابَه، فأتِى أَن يتوبّ ،
فَقَتَله(٣).
ورَوَى عُبَادَةُ(٤)، عن العَلاءِ أبى محمدٍ، أَنَّ عليًّا أَخَذَ رجلًا مِن بكرٍ
ابنِ وائِلٍ تَنَصَّرَ بعدَ الإِسلامِ، فَعَرَض عليه الإسلامَ شهرًا، فَأَتِى، فَأَمَرّ
بقتلِه .
القبس
(١) فى ص ٤: ((حديثه).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٦٩٦، ١٩٢٩٦)، وسعيد بن منصور (٢٥٨٧)، والبيهقى
٢٠٧/٨ من طريق داود بن أبى هند به.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٣١١)، وابن أبى شيبة ٣٥٥/١١، والبيهقى ٢٥٤/٦ من طريق
أبی معاوية به .
(٤) فى ص ٤: ((قتادة)). وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ١٩١.
٣٤٩

الموطأ
التمهيد
ولا أعلَمُ بينَ الصحابَةِ خِلافًا فى اسْتِتَابَةِ المؤْتَدِّ ، فدَلَّ ذلك على أنَّ
معنى الحديثِ ، واللهُ أعلمُ: مَن بَدَّلَ دِينَه وأقام على تَبْدِيلِهِ فاقْتُلوه . وأُمَّا
أقاويلُ الفقهاءِ؛ فَرَوَى ابنُّ القاسِم، عن مالِكِ، قال: يُعْرَضُ على المرْتَدٌ
الإِسلامُ ثلاثًا، فإن أسْلَم ، وإلَّا قُتِل. قال: وإن ارْتَدَّ سِرًّا قُتِل ولم يُشْتَتَبْ،
كما تُقْتَلُ الزَّنادِقَةُ. قال: وإنَّما يُستَابُ مَن أَظْهَر دِینَه الذی ارْتَدَّ إلیه . قال
مالكٌ: ويُقْتَلُ الزنادِقَةُ ولا يُسْتابُون، والقَدَرِيَّةُ يُسْتَتَابُون . قال: فقيل
لمالِكٍ: كيف يُسْتَتَابُون؟ قال: يقالُ لهم: اتْرُكُوا ما أنتم عليه. فإن
فَعَلوا، وإلّا قُتِلوا. وقال ابنُ وَهْبٍ ، عن مالكِ: ليس فى اسْتِتَابَةِ المرتدّ (١)
أمْرٌ مِن جماعَةِ الناسِ .
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلَمَةَ، قال: حدّثنا
عبدُ اللهِ بنُ الجارُودِ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: سمِعتُ
أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: المؤْتَدُّ يُسْتَابُ ثلاثًا، والمؤتَدَّةُ تُسْتَتَابُ ثلاثًا ، .
والزِّنْدِيقُ لا يُسْتَتَابُ. قال إسحاقُ: وقال لى إِسْحاقُ بنُّ رَاهُویَه كما قال
أحمدُ سَواءً .
قال أبو عمرَ: هذا مَذْهَبُ مالكِ سواءً. وقال الشافعىُّ : يُسْتَتَابُ
المؤتَدُّ ظاهِرًا والزِّنْدِيقُ جميعًا، فمَن لم يَتُبْ منهما قُتِلَ. وفى الاسْتِتَابَةِ
ثلاثًا قولان؛ أحدُهما، حديثُ عمرَ. والآخَرُ، أَنَّه لا يُؤَخَّرُ؛ لأنَّ النبيَّ
القبس
(١) سقط من النسخ. والثيت مما سيفى ص ٢٦٩.
٢٥٠

الموطأ
مَله لم يَأْمُرْ فيه بأنَاةٍ، وهذا ظاهِرُ الخبرِ. قال الشافعىُّ: ولو شَهِد عليه التمهيد
شاهِدانِ بالرّدَّةِ فَأَنْكَرَ، قيل(١): فإن أقرّ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ
اللهِ ، وتَبَوَأُ مِن كُلِّ دِينٍ خالَفَ الإسلامَ، لم يُكْشَفْ عن غيرِه. والمشهورُ
مِن قولٍ أبى حنيفةً وأصحابِه، أنَّ المرْتَدَّ لا يُقْتَلُ حتى يُسْتَابَ. وهو قولُ
ابنِ عُلَيَّةَ؛ قالوا: ومَن قتَلَه قبلَ أن يُشْتَتَابَ فقد أساء، ولا ضَمانَ عليه . وقد
رَوَى محمدُ بنُّ الحسنِ فى ((السِّيَّرِ))، عن أبى يُوسُفَ، عن أبى حنيفةَ، أَنَّ
المرؤْتَدَّ يُعْرَضُ عليه الإسلامُ، فإِنْ أَسْلَم، وإلَّا قُتِلِ مَكانَه، إلَّ أَن يَطْلُبَ أن
يُؤَجَّلَ، فإن طلَبَ ذلك أَجُلَ ثلاثةَ أَيَّامٍ . والزِّنْدِيقُ عندَهم والمرْتَدُّ سَواءٌ،
إِلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ لما رَأى ما يَصْنَعُ الزَّنادِقَةُ، وأَنَّهم يَعُودُونَ بعدَ الاسْتِتَابَةِ،
قال : أَرَى إِذا أَتِيتُ بزِنْدِيقٍ، أَمَوْتُ بضربٍ عُنُقِه، ولا أَسْتَتِئُه، فإن تابَ
قبلَ أن أَقْتُلَه لم أقْتُلْه، وخَلَّيْتُه. وقال الليثُ بنُ سعدٍ وطائفةٌ معه : لا
يُسْتَتَابُ مَن وُلِد فى الإسلام ثم ارْتَدَّ، إذا شُهِدَ عليه، ولكنَّه يُقْتَلُ، تاب مِن
ذلك أو لم يَتُبْ ، إذا قامَتِ البَيْنَةُ العادِلَةُ. وقال الحَسَنُ: يُسْتَتَابُ المرْتَدُّ
مائةَ مَرَّةٍ. وقد رُوِى عنه أَنَّه يُقْتَلُ دونَ اسْتِتابةٍ. وذكَرَ سُحْنُونٌ، أَنَّ
عبد العزيزِ بنَ أَبِى سَلَمَةَ كان يقولُ: يُقْتَلُ المْتَدُّ ولا يُسْتَابُ. ويَحْتَجُ
بحديثٍ معاذٍ مع أبى موسى الأَشْعَرِىِّ. وقد ذكّرناه فى آخِرِ هذا البابٍ(٢).
القبس
(١) فى النسخ: ((قتل)). والمثبت من مختصر المزنى ص ٢٦٠.
(٢) سيأتى تخريجه ص٢٥٩، ٢٦٠.
٢٥١
:

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: ظاهِرُ هذا الحديثِ يَشْهَدُ لِما ذهَبَ إليه الليثُ بنُّ
سَغدٍ، (١ وابنُ أبى سلمةَ()، إلَّ انَّه عَمّ كلَّ مَن بَدَّلَ دِیته، سواءً ۇُلِد فى
الإسلام أو لم يُولَدْ، والحديثُ عندِى فيه مُضْمَرٌّ، وذلك لِما صنَعَه
الصحابَةُ رضِىَ اللهُ عنهم مِن الاسْتِتَابَةِ ؛ لأَنَّهم لم يكونوا يجْهَلون مَعْنَی
الحديثِ ، فكأنَّ مَغْنَى الحديثِ، واللهُ أعلمُ: مَن بَدَّل دِينَه فاقْتُلوه إن لم
يُتُبْ. وقال مالِكٌ رَحِمه اللهُ: إنَّما عَنَى بهذا الحديثِ مَن خرَج مِن
الإسلامِ إلى الكفرِ، وأمَّا مَن خرَجَ مِن اليَهُودِيَّةِ إلى (١) النَّصْرانِيَّةِ، أو مِن كفرٍ
إلى كفرٍ ، فلم يُعْنَ بهذا الحديثِ . وعلى قولِ مالِكِ هذا جماعَةُ الفقهاءِ،
إلَّا أنَّ الشافعىَّ رَحِمه اللهُ قال: إذا كان المبَدِّلُ لِدِينِهِ مِن أَهلِ الذِّمَّةِ، كان
للإمام أن يُخْرِجَه مِن بَلَدِه ويُلْحِقَه بأرضِ الحربِ ، وجاز له اسْتِحلالُ مالِه
مع(٢) أموالِ الحزيّن إِنْ غَلَبَ على الدارِ؛ لأَنَّه إنَّما جعَلَ له الذِّمَّةَ على
الدينِ الذى كان عليه فى حينٍ عقدِ العَهْدِ(٤) له. هكذا حكاه المزَنِئُ وغيرُه
مِن أصحابِه عنه ، وهو المعروفُ مِن مَذْهَبِهِ. وحكى عنه محمدُ بنُ عبدِاللهِ
ابنِ عبدِ الحَكْمِ ، أنَّ الذِّمِّيَّ إذا خرَجَ مِن دِينٍ إلی دِينٍ، كان للإمامِ قتلُه ؛
بظاهِرِ الحديثِ . والمشْهُورُ عنه ما قَدَّمْنا ذِكْرَه مِن رِوايَةِ المزنىّ والربيعِ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((أو)).
(٣) فى ص ٤: ((من)).
(٤) فى ص ٤: ((العقد).
٢٥٢

الموطأ
وغيرِهما عنه . وقالت فِرْقَةٌ: إذا ارْتَدَّ اسْتُنِيب ، فإِنْ تاب قُبِل منه، ثم إن التمهيد
ارْتَدَّ فكذلك إلى الرابعةِ ، ثم يُقْتَلُ ولا يُسْتَتَابُ، ورُوِى عن الحسنِ أنَّه
◌ُقْتَلُ ، إِلَّا أن يتوب قبلَ ان ◌ُوفَعَ إلى الإمامِ ، وإن لم يُبْ حتى يُصِیرَ إلى
الإمام قُتِل، وكانت تُؤْبَتُه بينه وبينَ اللهِ . جعَلَه حَدًّا مِن الحدودِ ، ولا یُسَمُ
الإمامَ إِلَّ أَن يُقِيمَه .
واخْتَلَف الفقهاءُ أيضًا فى المرْتَدَّةِ؛ فقال مالكٌ، والأوزاعىُّ،
وعثمانُ البَِّّئُ، والشافعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ كما يُقْتَلُ
المرؤْتَدُّ سَواءٌ. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِىِّ(١). وحُجَّتُهم ظاهِرُ هذا
الحديثِ؛ لأَنَّه لم يَخُصَّ ذكرًا مِن أَنْتَى، و((مَن)) تَصْلُحُ (٢للواحِدِ
والاثْنَيْن) والجمعِ، والذََّرِ والأُنْثَى، وقال: ((لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئُ مسلم
إلّا بإحدَى ثَلاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ))(١). فعَمَّ كلَّ مَن كَفَرِ بعدَ إِيمانِه.
وقال الثورىُّ وأبو حنيفةً وأصحابُه: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. وهو قولُ ابنِ
شُبْرُمَّةً، وإليه ذهَبَ ابْنُ عُلَيَّةً. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: إن تَنَصَّرَتِ المسلمةُ
فَتَزَوَّجُها نصرانىٌ، جاز. ومحجّةُ مَن قال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. أَنَّ ابنَ
عباسٍ رَوَى هذا الحديثَ وقال: لا تُقْتَلُ المرْتَدَّةُ. ومَن روَى حديثًا كان
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٢٦، ١٨٧٢٧)، وابن أبى شيبة ١٤١/١٠، والبيهقى ٢٠٣/٨.
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((الواحدة والاثنين)).
(٣) سيأتى تخريجه ص٢٥٨، ٢٥٩.
٢٥٣

الموطأ
التمهيد أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِه. وقولُ ابنِ عباسٍ فى ذلك رَواه الثورىُّ، وأبو حنيفةً، عن
عاصِمٍ، عن أبى رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ (١) . وروَى قتادةُ، عن خِلاسٍ،
عن علىٍّ مثلَهُ(١). وهو قولُ الحَسَنِ وعَطَاءٍ(٣). ومِن حجِّهم أنَّ رسولَ
اللهِ وَّ نَهَى عن قتلِ النِّساءِ والوِلْدانِ(٤)، وأنَّ أبا بكرٍ رَضِى اللهُ عنه
سَبَى نِساءَ أهلِ الرِّدَّةِ. وقالوا: مَعْنَى قولِه ◌َلَهُ: ((مَن بَدَّلَ دِينَه
فاقْتُلُوه)). إنَّما هو على كلِّ مَن كان محُكْمُه إذا قُدِر عليه القتلَ على
كُفْرِه، والمرأةُ ليس محُكْمُها القَتْلَ على كُفْرِها، وإنَّما حُكْمُها الشَّبْىُ
والاسْتِرْقاقُ، فلا تَدْخُلُ فى تَأْوِيلِ هذا الحديثِ؛ لنهيِهِ وَلَّ عن قتلِ
النِّساءِ والوِلْدانِ ، وسيَأْتِى القولُ فى هذا الحديثِ فى مَوْضعِه مِن کِتابِنا
هذا(٥) إن شاء اللهُ .
ورَوَى ابنُّ المبارَكِ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، فى المؤْتَدَّةِ ، قال :
القبس
٠٠
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٠٠/٣ من طريق الثورى وأبى حنيفة به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/١٢، والدارقطنى ٢٠٠/٣ من طريق قتادة به.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٠/ ١٤٠.
(٤) تقدم فى الموطأ (٩٨٥، ٩٨٦).
(٥) ينظر ما تقدم فى ١٩٨/١٢ - ٢٠٦.
٢٥٤

الموطأ
تُقْتَلُ (١) . وقال قتادةُ: تُسْبَى؛ لأَنَّ أبا بكرٍ قَتَلَ أهلَ الرِّدَّةِ، وسَبَى التمهيد
نساءًهم() . قال مَغْمَرٌ: كانت دارَ شرك .
أخبرنا خَلَفُ بنُ القاسِم، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ جعفرِ بنِ الوَرْدِ ، حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ السلامِ(٢) ، حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ محمد الزهرىُّ،
حدّثنا یحیی بنُ ز کریا بنِ أبی زائدةً، عن مُخالِدِ (٤) بن سعیدٍ ، عن عامِرٍ
الشعبىِّ، قال: ارْتَدَّتْ بنو عامِرٍ وقَتَلوا مَن كان فيهم مِن عُمَّالِ رسولِ اللهِ
رَُّ وحَرَّقوهم بالتَّارِ، فكَتَب أبو بكرٍ إلى خالِدِ رضِى اللهُ عنهما أن يَقْتُلَ
بنى عامِرٍ ويُحَرِّقَهم بالنارِ (٥) .
ولما ارْتَدَّ الفُجاءةُ - واسْمُه إِياسُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ يالَِّل -
بعَثَ إليه أبو بكرِ الصِّدِّيقُ الزُّبَيْرَ بِنَ العَوَّامِ فى ثلاثينَ فَارِسًا، وبَيَّتَه
ليلًا، فَأَخَذَه فقَدِم به على أبى بكرٍ، فقال أبو بكرٍ: أَخْرِ جُوه إلى
البَقِيعِ - يَغْنِى إلى المُصَلَّى - فأخْرِقُوه بالنارِ. فأخْرَجوه إلى المصَلَّى
فأخْرَقُوه .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٢٥)، والدارقطنى ١١٩/٣، والبيهقى ٢٠٣/٨ من طريق
معمر به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٢٨) عن معمر به.
(٣) بعده فى م: ((حدثنا عبد الله بن أبى شيبة))، وينظر ما تقدم فى ٣٠/١١.
(٤) فى م: ((مجاهد)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٩/٢٧.
(٥) أخرجه أبو يعلى (٧١٩٠) من طريق يحيى بن زكريا به.
٢٥٥

الموطا
التمھید
وزعَمَ بعضُّ أهلِ السّيَّرِ أَنَّه رُفِعَ عليه أنَّه كانَ يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ،
ذكَرَ ذلك كلَّه يَعْقُوبُ بنُ محمدِ الزُّهْرِىُّ فى كتابٍ («الرِّدَّةِ)).
قال: وحدّثنی عبدُ العزيزِ بنُّ ابی حازم ، عن داود بنِ تَگر ، عن محمد
ابنِ المنكدرِ، أَنَّ خالِدًا كتَبَ إلى أبى بكرٍ يَذْكُمْ أَنَّه وجَدَ فى بعضِ نَواحِى
العَرَبِ رجلًا ◌ُنگُ کما تُنگُ المرأةُ ، فاستشار فیه أبو بكر ، فكان علىٍّ مِن
أشَدِّهم فيه قولًا، فقال: إنَّ هذا ذَنْبٌ لم تَعْصِ به أُثَّةٌ مِن الأُمَمِ إِلَّا أُنَّةُ
واحدةٌ، صنع اللهُ بها ما قد عَلِئْتُم، أَوَى أن تُحَرَّقُوه بالنارِ. فأجْمَع رَأْتُهم
على ذلك، فكتَبَ أبو بكرٍ إلى خالِدٍ فحَرَّقَه(١).
قال: وحدَّثنى مَعْنُ بنُ عيسى، عن معاوية بن صالح ، عن عِیَاضٍ بنِ
عبدِ اللهِ قال: لما اسْتَشارَهم أبو بكرٍ قالوا: نَرَى أنْ تَرْجُمَه. فقال على:
أَرَى أَن تُحَرَّقُوه، فإِنَّ الْعَرَبَ تَأْنَفُ مِن الْمُثلةِ، ولا تَأْنَفُ مِن الحدودِ.
فحُقُوه .
وذكَوَ موسى بنُ عُقْبَةً، عن ابنٍ شِهَابٍ، فى رِدَّةٍ أَسَدٍ وغَطَفَانَ يومَ
جُرَاحَةَ(١) ، قال: فاقْتَتَلوا - يعنى هم والمسلمون - قِتالًا شديدًا، وقتَل
القیس
(١) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٣٢، وفى الشعب (٥٣٨٩) من طريق عبد العزيز بن أبى حازم به .
(٢) بزاحة: ماء لطيئ بأرض نجد، أو لبنى أسد، فيه كانت وقعة المسلمين مع طليحة فى الردة .
مراصد الاطلاع ١٩٢/١.
٢٥٦

الموطأ
المسلمون مِن العَلُوِّ بَشَرًا كثيرًا، وأُسَرُوا منهم أَسَارَى، فأُمَرَ خالدٌ التمهيد
بالحظِيرَةِ أن تُبْتَى ، ثم أُوْقَد تحتَها نارًا عظيمةٌ، فَأَلْقَى الأَسَارَى فيها .
وَرَوَى شَيْبَانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍٍ، قال: قاتَلَ أبو بكرٍ أَهلَ الرِّدَّةِ،
فقتل وسِی وحُقَ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّوْمِذِىُّ، قال: حدَّثنا الحُمَيْدِىُّ، قال: حدَّثنا
سُفْيانُ، قال: حدَّثْنَا أَيُّوبُ، قال: حدَّثنا عكرمةُ قال: لما بلَغَ ابنَ
عِبَّاسِ أَنَّ عليًّا أَخْرَقَ المؤْتَدِّينَ - يعنِى الزنادِقَةَ - قال: لو كنتُ أنا
القَتَلْتُهم؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَ﴿: ((مَن بَدَّلَ دينَه فَاقْتُلُوه)). ولم
أَخْرِقْهم؛ لقولٍ رسولِ اللهِوَله: (( لا يَنْتَغِى أن يُعَذِّبَ بعذابِ اللهِ)). قال
سفيانُ: فقال عَمَّارُ الدُّهنِىُّ - وكان فى المجلسِ ؛ مَجْلِسٍ عمرٍو بنِ دِينَارٍ ،
وأيوبُ يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ -: إنَّ عليًّا لم يُحَرَّقْهم بالنارِ، إِنَّما حفَرَ لهم
أَسْرَابًا، فكان يُدَخِّنُ عليهم منها حتى قَتَلَهم، فقال عمرُو بنُ دِينَارٍ: أما
سَمِعْتَ قائِلَهم وهو يقولُ :
إذا لم تَرْمِ بى فى الحُفْرَتَيْنِ
لِتَرْمِ بِىَ المنايا حيثُ شاءَتْ
فذاك الموتُّ نَقْدًا غيرَ دَيْنٍ "
إذا ما أوقدوا خَطَبًا ونارًا
القبس
(١) الحميدى (٥٣٣). وأخرجه أحمد ٣٨٦/٣، ٣٨٩ (١٩٠١)، والبخارى (٣٠١٧)،
وابن ماجه (٢٥٣٥) من طريق ابن عيينة به .
٢٥٧
(موسوعة شروح الموطأ ١٧/١٨)

الموطأ
التمهيد
وروَى حامِدُ بنُّ يحيى، عن سُفْيانَ، عن مِسْعَرٍ، عن عطاءِ بنِ أبى
مَرْوانَ ، أَنَّ هذا الشِّعْرَ لِلنَّجَاشِيٌّ ، قاله إذ لَحِقٍ بمعاويةَ فارًّا فى حينٍ ضربٍ
علىٍّ له فى الخمرِ مائةً جَلْدَةٍ .
قال أبو عمرَ : قد رُوِّينا مِن وُجوهٍ أنَّ عليًّا إنَّما أخرَقَهم بعدَ قَتْلِهم ؛ ذكَرَ
العُقيلىُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدثنا شبابةُ . وذكرَه أبو
زيد عمرُ بنُ شَبَّةً، قال: حدَّثَنِى محمدُ بنُ حاتِم ، قال : حدَّثنَا شَبَابَةُ بنُ
سَوَارٍ، قال: حدَّثنا خارِجَةُ بنُ مُصْعَبٍ، عن سلَّامٍ بن أبى القاسِمِ، عن
عثمانَ بنِ أبى عثمانَ الأنصارىِّ، قال: جاء ناسٌ مِن الشِّيعَةِ إلى علىِّ،
فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ، أنت هو. قال: مَن أنا؟ قالوا: أنت هو. قال :
وَيْلَكُم، مَن أنا؟ قالوا: أنت رَبُّنا. قال: وَيْلَكُم، ارْجِعوا وتُوبُوا. فَأَبَوْا ،
فضَرَب أَعْناقَهم، ثم قال: يا قَنْبَرُ، اثْنِى بِحُزَمِ الخَطَبِ. فحفَرَ لهم فى
الأرضِ أُخْدُودًا ، فأخْرَقَهم بالنارِ ، ثم قال :
لما رأيتُ الأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا أَّجْتُ نارِى وَدَعَوْتُ قَتْبَرَا (١)
قال أبو عمرَ : رَوَى عثمانُ بنُ عفانَ(٢)، وسهلُ بنُ محُنَيْفٍ، وعبدُ اللهِ
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر ٤٧٥/٤٢ من طريق شبابة به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٩١/١ (٤٣٧)، وأبو داود (٤٥٠٢)، والترمذى (٢١٥٨)، والنسائى
(٤٠٣١، ٤٠٦٩)، وابن ماجه (٢٥٣٣).
٢٥٨

الموطأ
ابنُ مَسْعُودٍ (١)، وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ(٢)، وعائشةُ(٢)، وجماعَةٌ مِن التمهيد
الصحابةِ، عن النبيِّ وَ لَ أَنَّه قال: ((لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئَّ مسلم إلّا پاحدَى
ثلاثٍ؛ كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، أو زِنَّى بعدَ إِحْصَانٍ، أو قَتْلِ نَّفْسٍ بخيرٍ نَفْسٍ )).
فالقتلُ بالرّدَّةِ، على ما ذكّوْنا، لا خِلافَ بينَ المسلمين فيه ، ولا اخْتَلفَتِ
الرّوايَةُ والسُّنَّةُ عن النبيِّ وَلِّ فيه، وإنَّما وقَعَ الاخْتِلافُ فى الاسْتِتَابَةِ،
وفيما ذكَّرْنا مِن المرؤْتَدَّةِ .
قال أبو عمرَ: احْتَجَّ مَن قال: يُقْتَلُ المُؤْتَدُّ إِذا ارْتَدَّ ثالثةً أو رابِعَةً . بقولٍ
اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ الآية [النساء: ١٣٧]. والقِيَاسُ
أنَّ مَن وُلِدَ على الفِطْرَةِ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَابَ؛ لأَنَّه لا يَعْرِفُ غيرَ الإسلامِ .
واحْتَجُّ مَن لم يَرَ اسْتِتَابَةَ المرْتَدِّ، وقال: يُقْتَلُ على ظاهِرِ هذا الحديثِ دونَ
اسْتِتابَةٍ. بحديثٍ أبى موسى الأشعرىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ اسْتَعْمَله على
اليمنٍ، ثم أَتْبَعَه معاذَ بنَ جبلٍ، فقَدِم معاذٌّ فَوَجَد عندَه رجلًا مُقَيِّدًا
بالحديدِ ، فقال: ما شَأَنُ هذا؟ فقال: كان يَهُودِيًّا فأسْلَم ، ثم ارْتَدَّ وراجَعَ
دِينَه دِينَ السَّوْءِ. فقال معاذٌ: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ ورسوله .
القبس
(١) أخرجه أحمد ١١٩/٦، ١٢٠ (٣٦٢١)، والبخارى (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٠، ٢١ (١٤٠٢).
(٣) أخرجه أحمد ٣٤٩/٤٠، ٣٥٠ (٢٤٣٠٤)، وأبو داود (٤٣٥٣)، والنسائى (٤٠٥٩).
٢٥٩

الموطأ
التمهيد فقال له أبو موسى: الجْلِسْ. فقال: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ
ورسوله . قال : فأمر به فقُتِل .
رواہ یحیی القَطّانُ ، عن قُوَّةَ بنِ خالِدٍ ، عن حُمَيْدِ بنِ هِلال ، عن أُبی
بردةً ، عن أبى موسى().
وزُوِى مِن وُجوهٍ عن أبى موسى ، إلّا أنَّ بعضَهم قال فيه : إِنَّه قد كان
اسْتِيبَ قبلَ ذلك أيَّامًا(٣) .
واحْتَجَّ مَن رأى الاسْتِتابَةَ بهذا الحديثِ ، وهو ما حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا أبو داود ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ المزوَزِىُّ، قال: حدَّثنا علىَّ بنُ الحُسَيْنِ،
عن أبيه، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: كان
عبدُ اللهِ بنُ سعدٍ يكتُبُ لرسولِ اللهِ وَّهِ، فَأَزَلَّه الشيطانُ، فَلَحِقَ بالكفارِ ،
فأمَرَ به رسولُ اللهِ وَهِ أن يُقْتَلَ يومَ الفتح، فاسْتَجارَ له عثمانُ، فأجارَه
رسولُ اللهِ وَلِ(٣).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٢/ ٤٤٠، ٤٤١ (١٩٦٦٦)، والبخارى (٢٢٦١، ٦٩٢٣، ٧١٥٦)،
ومسلم (١٥/١٧٣٣)، وأبو داود (٣٥٧٩، ٤٣٥٤)، والنسائى (٤) من طريق يحيى القطان
به .
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٥٥، ٤٣٥٦)، والبيهقى ٢٠٦/٨ من طريق أبي بردة، عن أبى موسى.
(٣) أبو داود (٤٣٥٨). وأخرجه النسائى (٤٠٨٠) من طريق على بن الحسين به .
٢٦٠