النص المفهرس
صفحات 361-380
الموطأ
التمهيد
والحديثِ : لا بأسَ بتَلَقِّى السّلَع فى أوَّلِ الأسواقِ ، ولا يجوزُ ذلك خارج.
السوقِ، على ظاهرٍ هذا الحديثِ . وقال الليثُ بنُ سعدٍ: أكْرَهُ تَلَقِّىَ السّلَعِ
فى الطريقِ، وعلى بابِكَ، إذا قَصَدْتَ إلى ذلك، وأمَّا مَن قَعَد على بابِهِ
أو (١) فى طريقه، فمَرَّتْ به سِلْعَةٌ یریدُ صاحبها السوقَ ، فاشْتَرَاها ، فليس
هذا بالتََّقِّى، وإنَّما التَّلَقِّى أَنْ يَعْمِدَ "إلى ذلك". قال: ومَن تَعَمَّد ذلك
وتَلَقَّى سِلْعَةً فاشْتَرَاها، ثم عُلِم به ؛ فإن كان بائِعُها لم يذْهَبْ ، ژُدَّتْ إليه
حتى تُباعَ فى السوقِ ، وإن كان قد فاتَ، ارتُجِعَتْ مِن المشْتَرِى، وبِبعَتْ
فى الشُّوقِ، ودُفِعَ إِليهِ ثَمَنُها. وقال ابنُ خُوازٍ بندادَ(١): البَيْعُ فى تَلَقِّى السّلَع
صحيحٌ عندَ الجميع، وإنَّما الخِلافُ فى أن المشْتَرِىَ لا يفوزُ بالسّلْعَةِ ،
ويَشْرَكُه فيها (٤) أهلُ السوقٍ ، ولا خِيارَ للبائع، أو فى أن البائعَ بالخِيارِ إذا
هَبَط السوقَ .
قال أبو عمرَ: أَوْلَى ما قيل به فى هذا البابِ أَن صاحِبَ السُّلعةِ
بالخيارِ ؛ لثُبُوتِه عن النبيِّ ◌َچ . ..
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسِمُ بنُ
القبس
(١) فى الأصل، ى، م: ((و)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((لذلك)).
(٣) فى الأصل: ((خوازمنداذ))، وفى ى: ((خوازبنداذ)).
(٤) سقط من: ى، م.
٣٦١
الموطأ
التمهيد أصبغَ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ رَوح المدَائِنيُّ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ
هارون ، قال: حدثنا هشامُ بنُ حسانَ، عن محمد بنِ سیرینَ، عن أبی
هريرةَ، عن النبيِّ وَّلَهِ أَنَّه قال: ((لا تَلَقَّوا الجَلَبَ، فمن تَلَقَّى مِنه شيئًا
فاشْتَراه، فصاحبُه بالخِيارِ إِذا أتَى السوقَ))(١).
وذكَره أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ : حدثنا أبو أسامَةً ، عن هشام بنِ حسانَ ،
بإسنادِهِ مثلَه سَوَاءٌ(١) .
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال : حدثنا محمدُ بنُ
بكرٍ ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال : حدثنا أبو تَوْبةَ الربيعُ بنُ نافعٍ، قال :
حدثنا ◌ُبيدُ اللهِ بنُ عمرو (٣) الوَقِّئُ ، عن أيوب ، عن ابنِ سِیرینَ ، عن أبى
هريرةَ، أنَّ النبيَّ وَّ نَهَى عِن تَلَقِّى الجَلَبِ، فإن تَلَقَّه مُتَلَقٌّ فاشْتَرَاه،
فصاحِبُ السَّلْعَةِ بالخِيارِ إذا وَرَدَتِ السُوقَ(٤) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢١٧/١٦ (١٠٣٢٤) عن يزيد بن هارون، وأخرجه الدارمى (٢٦٠٨)،
ومسلم (١٦/١٥١٩، ١٧)، والنسائى (٤٥١٣) من طريق هشام بن حسان به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٦٩.
(٣) فى م: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٦/١٩.
(٤) أخرجه البيهقى ٣٤٨/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٤٣٧) - وعنه
أبو عوانة (٤٩٠٩). وأخرجه البيهقى ٣٤٨/٥ من طريق أبى توبة به، وأخرجه أحمد ١٢٩/١٥
(٩٢٣٦)، والترمذى (١٢٢١) من طريق عبيد الله بن عمرو به .
٣٦٢
الموطأ
١٤٢١ - مالكٌ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج ، عن أبى هريرةَ ، أن
رسُولَ اللهِ وَ لَه قال: ((لا تَلَقُّوا الر كبانَ للبيع، ولا تیغ بعضكم على بيعِ
بعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا تَبعْ حاضرٌ لبادٍ ، ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ ،
فمَن ابتاعها بعدَ ذلك فهو بخيرِ النظَرَيْنِ بعدَ أن يَحلُبَها ؛ إن رضِيها
أمسكها، وإن سخِطها ردَّها وصاعًا من تمرٍ)) .
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ التمهيد
◌َال﴾ قال: «لا تلقّوا الُّکبانَ للبيع، ولا بغْ بَعضُكم على بيعِ بعضٍ، ولا
تَنَاجَشُوا، ولا بيع حاضرٌ لبادٍ ، ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ ، فمَن ابْتَاعها بعدَ
ذلك فهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بعدَ أن يَحْلُبَها ؛ إِن رَضِيَها أمْسَكَها ، وإن سَخِطها
ردَّها وصاعًا مِنْ تمرٍ))(١).
أمّا قولُه: ((لا تَلَقَّوْا الركبانَ)». فهو النهى عن تَلَقِّى السّلَعِ، وقد رُوِى
هذا المعنَى بألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فروَى الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ
مِّهِ: ((لا تَلَقَّوا الرُّكبانَ)». كما تَرَى. ورَوَى ابنُّ سیرینَ، عن أبى هريرةَ ،
عن النبيِّ مَ له: ((لا تَلَقَّوًا الجَلَبَ))(٢). وروى أبو صالح وغيرُه، عن أبى
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٠ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٧٠٢).
وأخرجه أحمد ٥٠٢/١٤، ٦١/١٦ (٨٩٣٧، ١٠٠٠٤)، والبخارى (٢١٥٠)، ومسلم
(١١/١٥١٥)، وأبو داود (٣٤٤٣)، والنسائى (٤٥٠٨) من طريق مالك به.
(٢) تقدم تخريجه الصفحة السابقة ، وسيأتى تخريجه ص ٣٦٩ .
٣٦٣
الموطأ
قال مالكٌ: وتفسيرُ قولِ رسولِ اللهِ وَّه فيما نُرَى واللهُ أعلمُ: ((لا
تَعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ)). أنه إنما نهَى أَن يَسُومَ الرجلُ على سَوْمٍ
أخيه إذا ركَن البائعُ إلى السائمِ، وجعَل يَشترِطُ وزنَ الذهبِ، ويَبؤَأُ مِنَ
العيوبٍ ، وما أشبَهَ هذا ممَّا يُعرَفُ به أن البائعَ قد أراد مُبايعةَ السائم،
فهذا الذى نهَى عنه. واللهُ أعلمُ .
قال مالكٌ: ولا بأسَ بالسَّوْمِ بالسلعةِ تُوقَفُ للبيعِ فِيسُومُ بها غيرُ واحدٍ .
قال: ولو ترَك الناسُ السَّوْمَ عندَ أُولِ مَن يَشُومُ بها، أُخِذَتْ بِشِئْهِ
الباطلِ من الثمنٍ، ودخَل على الباعةِ فى سِلَعِهم المكروهُ، ولم يَزَلِ
الأمرُ عندَنا على هذا .
التمهيد هريرةَ، عن النبيِّ ◌َلِّ، أَنَّه نهَى أَن تُتَلَقَّى السّلَعُ حتى تَدخُلَ الأسواقَ(١).
ورؤَى ابنُ عباسٍ: ((لا تَسْتَقْبِلُوا السوقَ، ولا يتَلَقَّ(٢) بعضُكم لبعضٍ))(٣).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٨٠/١٦ (١٠٦٤٩) من طريق أبى صالح به.
(٢) كذا فى النسخ وشرح معانى الآثار، وفى بقية مصادر التخريج: ((ينفق)). ولا ينفّق : أى
لا يقصد أن ينفق سلعته على جهة التجش ، فإنه بزيادته فیھا یرغب السامع ، فیکون قوله سببًا
لابتياعها ، ومنفّقًا لها . النهاية ٩٩/٥ .
(٣) أخرجه الترمذى (١٢٦٨)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ١٥٧/٤ (٢٣١٣)، وأبو
يعلى (٢٣٤٥، ٢٣٥٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤/ ٧.
٣٦٤
الموطأ
والمعنى فى ذلك كلّه واحدٌ ، وقد مضَى القولُ فى ذلك، وفى معْنَى قولِه: التمهيد
((لا بيع بعضُكم على بيعٍ بعضٍ)). فى بابِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ(١)، لأَنَّ
القعنیی ذکر ذلك عن مالك فی حدیث نافع . وذکر یحیی وغیرُه مِن
ذلك ما وصَفْنا هُنالِك، وسنَزِيدُ المعنيَيْنِ هلهُنا بَيَانًا مِن قولٍ أصحابِنا
وغيرِهم إن شاء اللهُ. فُجُمْلَةُ قولٍ مالكِ فى ذلك أنَّه لا يجوزُ أَن يَشْترِىَ
أحدٌ مِن الجَلَبِ والسّلَع الهابِطَةِ إلى الأسواقِ، وسواءٌ هبَطَتْ مِن أطرافٍ
المصرِ أو مِن البوادِى حتى يُبْلَغَ بالسّلْعَةِ سوقُها، هذا إذا كان التََّقِّى فى
أطرافٍ المصرِ أو قريبًا منه. وقيل لمالكِ: أرأيتَ إن كان ذلك على رأس
سنَّةٍ أَمْيالٍ ؟ فقال: لا بَأْسَ بذلك، والحيوانُ وغيرُ الحيوانِ فى ذلك كلِّه
سواءٌ. وروَى عيسى، وأصْبَغُ، وسُحْنُونٌ ، عن ابن القاسم ، أن السلعةَ إذا
تَلَقَّاهَا مُتَلَقٌّ ، واشْتَرَاها قبلَ أنْ يُهْبَطَ بها إلى السوقِ ؛ قال ابنُ القاسمِ:
تُعْرَضُ السِّلْعَةُ على أهلِ السَّلَع فى السوقِ ، فیشترِ كون فيها بذلك الثمنِ لا
زيادةَ، فإن لم يكنْ لها سُوقٌ عُرِضتْ على الناسِ فى المصرِ، فيَشْتَرِكون
فيها إن أحبُّوا، فإن نقَصتْ عن ذلك الثمنِ، لَزِمتِ المشْتَرِىَ. قال
شُنُون : وقال لی غیرُ ابن القاسم : يُفْسَخُ البيئُ. وقال عیسی ، عن ابنٍ
القبس
(١) ينظر ص٣٥٦، ٣٥٧.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٥٥ .
٣٦٥
الموطأ
التمهيد القاسم: يُؤَدَّبُ مُتَلَقِّى السّلَع إذا كان مُعْتادًا بذلك. وروَى سُحْنُونٌ عنه
أيضًا أَنَّه يُؤَدَّبُ، إلا أنْ يُعْذَرَ بالجهَالةِ. وقال عيسى، عن ابنِ القاسمِ: إِنْ
فاتتِ السَّلْعَةُ فلا شىءٍ عليه. ورَوَى أَشْهَبُ ، عن مالكٍ ، أَنَّ كَرِه أن يَخْرُجُ
الرجلُ مِن الحاضرةِ إلى أهلِ الحوائطِ فيَشْتَرِىَ منهم الثمرةَ مكانَها ، ورَآه
مِن التَّلَقِّی ومِن بيع الحاضر للبادِی . وقال أشھبُ : لا بأس بذلك ، ولیس
هذا بمُتَلَقٌّ، ولكنَّه اشْتَرَى الشىءَ فى مَوْضِعِه . ورَوَى أبو قُوَّةَ، قال : قال
لى مالكٌ: إِنِّى لأْرَهُ تَلَقِّىَ السَّلَعِ، وأن يَتْلُغُوا بالتَّلَقِّى أربعةَ بُدٍ .
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ خِلافًا فى جوازِ خُروجِ الناسِ إلى البلدانِ فى
الأَمْتِعَةِ والسّلَع، ولا فَوْقَ بينَ القريب والبعيدِ مِن ذلك فى النَّظَرِ، وإنَّما
التَّلَقِّى تَلَقِّى مَن خَرَج بسِلْعَةٍ يُريدُ بها السوقَ ، وأَمَّا مَن قَصَدْتَه إِلى مَوْضِعِه،
فلم تتلَّقَّه . وقال الليثُ بنُ سعدٍ : أْرَهُ تَلَفِّىَ السّلَعِ، وشراءَها فى الطريقِ،
أو على بابِكَ، حتى تَقِفَ السَّلْعَةُ فى سُوقِها التى تُباعُ فيها ، فإِن تَلَقَّی أحدٌ
سِلْعَةً فاشْتَرَاها ثم عُلِم به، فإن كان بائِعُها لم يذهَبْ رُدَّتْ إليه حتى تُباعَ
فی الشوق ، وإن كان قد ذهب ، ارتُچِعتْ منه وبیعَتْ فى السُّوقِ ، ودُفِع
إليه ثمنُها . قال: وإن كان على بابِهِ ، أو فى طريقه ، فمَّتْ به سِلْعَةٌ يريدُ
صاحِبُها سوقَ تلك السّلْعَةِ، فلا بأسَ أن يَشتَرِيَها إذا لم يَقْصِدْ لِتَلَقِّى
السّلَعِ، وليس هذا بالتََّقِّى، إنَّمَا التَّلَقِّى أَنْ يَعْمِدَ لذلك.
القبس
٣٦٦
الموطأ
قال أبو عمرَ: أما مذهبُ مالِكٍ، والليثِ، ومَن قال بمثل قولِهما التمهيد
فى النهي عن تَلَقِّى السّلَع، فمَعْنَاه عندَهم الرَّفْقُ بأهلِ الأُسواقِ ؛ لئلّا يَقْطعَ
بهم عَمَّا له جَلَسُوا يَتْتَغُونَ مِن فضلِ اللهِ ، فَتُهِى الناسُ أن يَتَّقُّوا السَّلَعَ التى
◌ُھطُ بها إليهم ؛ لأن فى ذلك فسادًا عليهم . وأمَّا الشافعىُّ ، فمذهبه فى
ذلك أنَّ النهىَ إِنَّما وَرَد رِفْقًا بصاحبِ السلعةِ؛ لئلّا يُنْخَسَ فى ثمنِ سِلْعتِه .
قال الشافعىُّ: لا تُتَلَقَّى السّلْعَةُ، فمَن تَلَقَّاها، فصاحِبُها بالخِيارِ إذا بلَغ
السوقَ . وقد رُوِى بمثلٍ ما قاله الشافعىُّ خَبرٌ صحيحٌ يَلْزَمُ العملُ به .
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داودَ ، قال: حدثنا أبو تَوبةَ الربيعُ بنُّ نافع، قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ بنُ
عمرٍو الرَّقِّى، عن أيوب، عن ابنٍ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، أن النبىَّ وَهُ
نَهَى عن تَلَقِّى الجلَبِ، فإن تَلَقَّاه مُتَلَقٌّ فاشتراه ، فصاحِبُ السلعةِ بالخِيارِ
(٢)
إذا ورَدتِ الشُوقَ(٢) .
قال أبو عمرَ : هذه الروايةُ عن ابن سيرينَ تُبيِّنُ ما رَوَاه عنه هشامُ بنُ
حسانَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((لا تَلَقَّوْا الجَلَبَ،
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((نحو)).
(٢) تقدم تخريجه ص٣٦٢.
٣٦٧
الموطأ
التمهيد فمَن تَلَقَّاه فاشترى منه شيئًا، فهو بالخِيارِ إذا أتى السوقَ))(١).
قال أبو عمرَ: فقولُه فى خبرِ هشامٍ: ((فهو بالخيارِ )). يريدُ البائِعَ ؛ لئلّا
يتَنَاقَضَ الحديثانِ، وهو جائزٌ فى اللغةِ أن يَقْصِدَه وإن لم يَذْكُرْهِ إِلا
بالمعنی ، وقد ژُوِّینا مِن حديث هشام نصًّا کما قال أيوبُ ، وهو الصوابُ ،
وما خالفَه فليس بشىءٍ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: تَفسيرُ النهى عن التََّقِّى
أن يخرجَ أهلُ الأسواقِ فِيَخْدَعُونَ أَهلَ القافلةِ ويَشتَرونَ منهم شراءً
رخِيصًا، فلهم الخِيارُ؛ لأَنَّهم قد غَرُوهم وخَدَعُوهم. وأمَّا أبو حنيفةً
وأصحابُه، فالنهىُ عن تَلَقِّى السلعِ عندَهم إنَّما هو مِن أَجْلِ الضَّرَرِ، فإن لم
يَضُرَّ بالناسِ تَلَقِّى ذلك لضِيقِ المعيشةِ، وحاجتهم إلى تلك السلعِ، فلا
بأسَ بذلك. وقال أبو جعفر الطحاوىُّ: لما جعَل رسولُ اللهِ وَله الخيارَ
فى السلعةِ المتلَّقَّةِ إِذا هُبِط بها إلى السوقِ ، دلَّ على جوازِ البيع؛ لأَنَّه ثَبَّتَه
وجعَل فيه الخِيارَ. قال: وهذا يدُلَّ على أن التَّلَقِّى المكروة إذا كان فيه
ضرَرٌ، فلذلك جعَل فيه الخيارَ، فإن لم يكنْ فيه ضررٌ، فهو غيرُ مكروهٍ .
وقال ابنُ خُوازِ بندادَ : البيعُ فى تَلَفِى السّلَع صحيحٌ على قولِ الجميعِ،
وإنَّما الخلافُ هو أن المُشْتَرِىَ لا يفوزُ بالسلعةِ، ويَشْرَكُه فيها أهلُ
الأسواقٍ ، ولا خِيارَ للبائع، أو أن البائعَ بالخِيارِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٦٢، وسيأتى تخريجه الصفحة التالية.
٣٦٨
الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: ما حكاه ابنُ خُوَازِ بندادَ عن الجميعِ فى جوازِ البيعِ فى
ذلك، مع ما دَلِّ علیه الحدیثُ ، هو الصحیحُ، لا ما حكاه سُحْنُونٌ عن
غیر ابن القاسم ، انّه يُفْسُ البيئُ . وبالله التوفيقُ . و کان ابنُ حبیب یذهَبُ
إلى فَسْخِ البيعِ فى ذلك، فإنْ لم يُوجَدِ البائعُ، عُرِضَتِ السلعةُ على أهلِ
الأسواقِ ، واشْتَرَكوا فيها إن أحَبُّوها ، وإن أبَوْا منها، رُدَّتْ على مُجْتَاعِها.
إلى كلام كثيرٍ ذكره، وفَّق بينَ الطعام فى ذلك وغيرِه، وقال: الطعامُ
يُوقَفُ للناسِ كلِّهم يَشْتَرُونَه بالثمنِ، وإن كان له أهلٌ راتبونَ فى السّوقِ،
و(٢)لم يُفسَخْ فيه البيئُ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال : حدثنا أبو
أسامةَ، عن هشام، عن محمدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ الإِ قال: ((لا
تَقُّوا الأَجْلابَ، فمن تَلَقَّى منه شيئًا فاشْتَراه، فصاحبُه بالخِيارِ إذا أُتَّى
(٢)
السوقَ))(٢).
وأما قولُه فى الحديث: ((ولا بيغ بعضُكم على بيعِ بعضٍ)).
فهو كقوله: ((لا يبعِ الرجلُ على بيع أخيه، ولا يستام على
القبس
(١) سقط من : ص ١٦ .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢١٧٨) عن ابن أبى شيبة به، وأخرجه ابن ماجه (٢١٧٨) من طريق
أبى أسامة به. وتقدم ص ٣٦٢ .
٣٦٩
(موسوعة شروح الموطأ ٢٤/١٧ )
الموطأ
التمهيد سومه)) ) .
ذكَر الحسنُ بنُ علىّ الحُلْوَانُ، قال: حدثنا عفانُ: قال : حدثنا
إسماعيلُ ، قال : حدثنا ابنُ عَوْنٍ ، قال: قال محمدُ بنُ سیرینَ: أُتَدْرِی
متى لا يَستامُ الرجلُ على سَوْم أخيه؟ قلتُ : لا أدْرِى. قال: وأنا لا أُدْرِى.
وقال سفيانُ : هو أن يقولَ : عندى خيرٌ منه . وقال مالكٌ : معنى ذلك
الؤُكُونُ. قال مالكٌ: تفسير قولٍ رسول اللهِ وَاله: ((لا يبغ بعضُكم على
بيعٍ بعضٍ)). فيما نُرَى، واللهُ أعلمُ ، أَنَّه إنَّما نهى أن يَسُومَ الرجلُ على سومٍ
أخيه إذا ركَن البائعُ إلى السائم، وجعَل يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذهبِ، ويتَبَوَأُ مِن
العُيُوبِ ، وما أشْبَهَ هذا ممَّا يُعرفُ به أن البائعَ قد أراد مُبايعةً السائم ، فذلك
الذى نَهَى عنه. واللهُ أعلم. قال مالكٌ: ولا بأسَ بالسومِ بالسلعةِ توقَفُ
للبيعِ فيسومُ بها غيرُ واحدٍ. قال: ولو ترَك الناسُ السومَ عندَ أوَّلِ مَن يسوم
بالسّلْعَةِ، أَخِذتْ بشِبْهِ الباطلِ مِن الثمنِ، ودخّل على الباعةِ فى سِلَعِهم
المكروهُ والضررُ. قال: ولم يَزَلِ الأمرُ عندَنا على هذا.
قال أبو عمرَ: أقوالُ الفقهاءِ كلِّهم فى هذا البابِ مُتَقَارِبَةُ المعنَى،
وكلُّهم قد أجْمَعوا على جوازِ البيع فيمَن يزِيدُ، وهو يُفَسِّرُ لك ذلك.
ومذهبُ مالكٍ أن البيعَ فى ذلك يُفْسَخُ ما لم يَقُتْ . ومذهبُ الشافعىِّ وأبى
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣٥٦ .
٣٧٠
الموطأ
حنيفةً، أن البيعَ لازِمٌ، والفعلَ مكروهٌ. وذكر ابنُ خُوازِ بندادَ، قال: قال التمهيد
مالكٌ : لا يبعِ الرجلُ على بيع أخيه، ولا يَخْطُبْ على خِطيتِه (١)، ومتى
فَعَل ذلك فُسِخ البيعُ ما لم يَقُتْ، وفُسِخ النكاحُ قبلَ الدخولِ . وقال
الشافعُ وأبو حنيفةً ، فیمَن باع على بيع أخيه : العَقْدُ صحیح ، ويُگرهُ له ما
فعَل .
وأجْمَع الفقهاءُ أيضًا على أنَّه لا يجوزُ دخولُ المسلم على الذمِّى فى
سَومِه ، إلا الأوزاعىَّ وحدَه ، فإِنَّه قال: لا بأسَ بدخولِ المسلم على الذمِّىِّ
فى سومِه؛ لقولِه وَله: ((لا يبغْ بَعضُكم على بيع بعضٍ، ولا يَسُمْ" على
سومٍ أخيهِ))(٣). وحُبّةُ سائرِ الفقهاءِ أن الذمِّيَّ لما دخَل فى نَهْيِه ◌َلُآل عن
بيعِ الغَرَرِ ، وبيعٍ ما لم يُقْبَضْ، والنَّجْشِ، ورِئْحِ ما لم يُضْمَنْ، ونحوِ ذلك،
كان كذلك فى السوم على سومِه ، وإذا أُطْلِق الكلام على المسلمین دخَل
فيه أهلُ الذمَّةِ ، والدليلُ على ذلك اتفاقُهم على كراهيةٍ سومِ الذمىِّ على
الذمىٌّ، فدَلَّ على أنَّهم مُرادُون .
وكان ابنُ حَبِيبٍ يقولُ: إنَّما نُهِى أن يَشْتَرِىَ الرجلُ على شراءِ الرجلِ،
وأمَّا أن يبيعَ على بيعِه، فلا. قال: لأَنَّه لا يبيعُ أحَدٌ على بيعِ أحدٍ . قال :
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((خطبة أخيه)).
(٢) فى ص، ص ١٦، ص١٧: ((يسوم الرجل)).
(٣) تقدم تخريجه ص٣٥٦ .
٣٧١
الموطأ
التمهيد وإنَّما هو أن يَشْتَرِىَ مُشْتَرٍ على شراءٍ مُشْتَرٍ. قال: والعربُ تقولُ: بِعْتُ
الشىءَ. " فى معنَى١): اشْتَرَيْتُه. وأَنْشَد أبياتًا فى ذلك، وجعَل البيعَ فيه
صحيحًا، وفاعِلَه عاصِيًا، أمَّره بالتَّوبةِ والاستغفارِ، وأن يَغْرِضَ السّلعةً على
أخِيه الذى دخَل فيها عليه، فإن أحَبَّها أخَذها .
قال أبو عمرَ: لا أدرِى وَجْهًا لإنكارِهِ أن يُرادَ بذلك البائعُ(١) ، والعربُ
وإن كان يُعرَّفُ مِن لُغَتِها أَن تقولَ: بِعْتُ . بمعنَى: اشْتَرَيْتُ ، فالذى هو
أَعْرَفُ وأَشْهَرُ عنها أن يقولَ: بِعْتُ. بمعنَى: بِعْتُ. وأىُّ ضرورةٍ بنا إلى
هذا والمعنَى فيه واضحٌ على ما قال مالكٌ وغيرُه ؟ وباللهِ العونُ والتوفيقُ.
وأمَّا قولُه: ((لا تَناجَشُوا)). فقد مضَى القولُ فى معنَاه عندَ ذكرٍ
حديثٍ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَِّ أَنَّه نهى عن
النَّْشِ(١) . ولا تَخْتَلِفُ الفقهاءُ أنَّ المناجشةَ معناها: أن يدُسَّ الرجلُ إلى
الرجلِ لِيُعْطَى بسِلْعَتِه عطاءً وهو لا يريدُ شراءها، ليغُوّ(٤) به مَن أراد شراءَها
مِن الناسِ ، أو يَفْعَلَ ذلك هو بنفسِه فى سِلْعَتِهِ إذا لم يُعْلَمْ أَنَّها له . واختلفوا
فى هذا البيع؛ فقال مالكٌ: مَن اشْتَرَى سِلْعَةً مَنْجُوشَةً، فهو بالخيارِ إذا
القبس
(١ - ١) فى ص، ص١٧: ((بمعنى)).
(٢) فى ص، ص١٧، م: ((البيع)).
(٣) سيأتى ص ٣٩٨، ٣٩٩.
(٤) فى الأصل، ص، م: ((ليعتبر)).
٣٧٢
الموطأ
عَلِم، وهو عيبٌ مِن الغُيُوبِ. وهذا تَحْصِيلُ مذهب مالكِ عندَ التمهيد
المِصرِّین(١) والعراقٹین مِن أصحابه . ذكر ذلك ابنُ خوازٍ بنداد وغیرُه عن
مالكٍ . وقال الشافعىُّ وأبو حنيفةً: ذلك مكروة، والبيعُ لازِمٌ. وقال ابنُ
حَبيبٍ : مَن فَعَل ذلك جاهلاً أو مُجْتَرِئًا، فُسِخ البيعُ إن أدْرِك قبلَ أن
يَقُوتَ، إلّا أن يُحِبَّ المشْتَرِى أَن يَتَمسَّكَ بالسّلعةِ بذلك الثمنِ الذى
أخذها(٢) به . قال : فإن فاتتْ فی یَدِه، كانت عليه بالقيمةِ ، وذلك إذا كان
البائعُ هو الذى دَسَّه، أو كان المُعْطِى مِن سَبَبِ البائع، وإن لم يكنْ شيئًا
من ذلك، وكان أجْنَبِيًّا لا يَعْرِفُ البائعَ ولا يَعْرِفُ قصَّتَه، فلا شىءً على
البائعِ، والبيعُ تامّ صحيحٌ، والفاعِلُ آثِمٌ . هذا كلُّه قولُ ابنِ حَبِيبٍ .
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((ولا يبع حاضرٌّ لِيادٍ)). فإن العلماءَ
اختلفوا فى ذلك؛ فكان مالكٌ يقولُ: تفسير ذلك؛ أهلُ الباديةِ وأهلُ
القُرى، فأمَّا أَهلُ المدائنِ مِن أهلِ الرِّيفِ، فإنه ليس بالبيع لهم بَأْسٌ ممَّن
يُرَى أَنَّه يَغْرِفُ السومَ، إِلَّ من كان منهم يُشْبِهُ أهلَ الباديةِ ، فَإِنِّى لا أُحِبُ أن
يَبِيعَ لهم حاضِرٌ. وقال فى البَدَوِىِّ يَقْدَمُ فِيَسْألُ الحاضِرَ عن السّعْرِ: أْرَهُ له
أنْ يُخْبِرَه، ولا بَأْسَ أن يَشْتَرِىَ له، إنَّما يُكْرَهُ أن يَبِيعَ له ، فأمَّا أن يشترِىَ له،
القبس
(١) فى ص ١٦: ((البصريين)).
(٢) فى ص، ص ١٧: ((أخذه)).
٣٧٣
الموطأ
التمهيد فلا بَأْسَ. هذه روايةُ ابنِ القاسم عنه. قال ابنُ القاسم: ثم قال بعدُ: ولا
يَبِيعُ مصرىٌّ لمدنىٌّ، ولا مدنيٌّ لمصرىٍّ، ولكنْ يُشِيرُ عليه. وقال ابنُ
وهب، عن مالكٍ: لا أَرَى أن يَبِيعَ الحاضِرُ للبادى، ولا لأَهلِ القُرى .
وقد حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال : حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدثنا المُفَضَّلُ(١) بنُ محمدِ الجَنَدِىُّ،
قال : حدثنا علىُّ بنُ زيادٍ ، قال: حدثنا أبو قُرّةَ، قال : قلتُ لمالكٍ: قولُ
النبيِّ وَلَهُ: ((لا يبغ حاضرٌ لبادٍ)). ما تفسيرُه؟ قال: لا يبغ أهلُ القُرى
لأَهلِ الباديةِ سِلَعَهم . قلتُ : فإِنْ بعَث بالسّلْعَةِ إلى أخٍ له مِن أهلِ القُرى،
ولم يَقْدَمْ مع سِلعتِه؟ قال : لا يَنبغِى له . قلتُ له : ومَن أهلُ الباديةِ؟ قال :
أهلُ العمودِ . قلتُ له : القُرى المسكونةُ التى لا يُغارِقُها أهلُها يُقيمون فيها ،
تكونُ قُرَى صِغارًا فى نواحى المدينةِ العظيمةِ، فَيَقْدَمُ بعضُ أهلِ تلك
القُرَى الصِّغارِ إلى أهلِ المدينةِ بالسّلَعِ، فَبِيعُها لهم أهلُ المدينةِ ؟ قال :
نعم ، إنَّما معنى الحديثِ أهلُ العمودِ .
وروَى أصبغُ، عن ابنِ القاسمِ، فيمَن فعَل ذلك مِن بيعِ الحاضرِ
للبادى، أنَّه يُفْسَخُ بيعُه. وكذلك روَى عيسى، عن ابنِ القاسمِ، قال:
وإن فات، فلا شىءً عليه .
القبس
(١) فى ص ١٦: ((الفضل)). وينظر سير أعلام النبلاء ٢٥٧/١٤.
٣٧٤
الموطأ
وروَى شُخْنُونٌ، عن ابنِ القاسم، أنَّه يَعْضِى البيعُ. قال سُحْنُونٌ: التمهيد
وقال لی غیرُ ابن القاسم : إِنَّه ◌ُرَدُّ البيئ . وروَی شُحْنُونٌ وعیسی ، عن ابنِ
القاسم ، أنَّه ◌ُؤَدَّبُ الحاضِرُ إذا باع للبادی. قال فى رواية عيسى : إن كان
مُعْتَادًا لذلك . وروَى عبدُ الملكِ بنُ الحسنِ زُونانُ(١)، عن ابنٍ وهبٍ، أَنَّه
لا يُؤَدَّبُ ، عالمًا كان بالنهي عن ذلك أو جاهِلًا.
قال أبو عمرَ: لم يَختلِفْ قولُ مالكِ، واللهُ أعلمُ، فى كراهيةٍ بِيعِ
الحاضرِ للبادِى، واخْتَلف قولُه فى شراءِ الحاضرِ للبادى، فمرةً قال: لا
بأس أن يشترى له. ومرةً قال : لا یشتری له ، ولا يُشیژ علیه . ذکر ذلك فی
کتاب السلطان من «المُستخرجةٍ)). وبه قال ابنُ حبیب ، قال: والبادى
الذى لا يبيعُ له الحاضرُ هم أهلُ العمودِ (١)؛ أهلُ التَوادِى والبرارى، مثلُ
الأعرابِ. قال: وجاء النهى فى ذلك إرادةَ أن يُصِيبَ الناسُ غِرَّتَهم. ثم
ذكَر عن الحِزَامِىِّ، عن سفيانَ ، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((زوقان)). وهو عبد الملك بن الحسن بن محمد بن زريق - أو رزيق -
أبو مروان، سمع أشهب وابن القاسم وابن وهب، كان يذهب مذهب الأوزاعى ثم رجع إلى
مذهب المدنيين، وكان الأغلب عليه الفقه والزهد ولم يكن من أهل الحديث، ولى قضاء
طليطلة ، توفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. تاريخ علماء الأندلس ٢٦٩/١، وترتيب المدارك
٤/ ٠١١٠
(٢) بعده فى الأصل، ص، ص١٧: ((و).
٣٧٥
الموطأ
التمهيد
وَجَرِ قال: «لا يبع حاضر لبادٍ، دَعُوا الناسَ يَرزُقِ اللهُ بعضَهم مِن
بعضٍ))(١) . قال: فأمَّا(٢) أهلُ القُرَى الذين يَعْرِفُون أثمانَ سِلَعِهم وأسْواقَها ،
فلم يُعْنَوا بهذا الحديثِ . قال: فإذا باع الحاضرُ للبادِى، فُسِخ البيعُ؛ لأن
عَقْدَه وقَع مَنْهِيًّا عنه ، فالفَشْخُ أوْلَی به. قال: و كذلك اخترنی أصْبَغُ ، عن
ابنِ القاسم، قال عبدُ الملكِ بنُ حَبِيبٍ: والشِّراءُ للبادى مثلُ البيع، ألا
تَرَى إلى قولِهِ بَله: (( لا يبغ بعضُكم على بيع بعضٍ)). إنَّما هو: لا يَشْتَرِى
بعضُكم على شِرَاءِ بعضٍ . قال : فلا يجوزُ للحضرىِّ أن يَشْتَرِىَ للبدوىِّ،
ولا يَبِيعَ له، "ولا٢) أن يَبعثَ البدوِىُّ إلى الحضَرِىِّ بمتاعٍ فيَبِيعَه له
الحدَرُّ، ولا يُشِيرَ عليه فى البيعِ إِن قَدِم عليه .
قال أبو عمرَ: قال الليثُ بنُ سعدٍ: لا يُشِيرُ الحاضِرُ على البادى ؛ لأنَّه
إذا أشار عليه فقد باع له ؛ لأن مِن شأنِ أهلِ الباديةِ أن يُرَخِّصُوا على أهلِ
الحضَرِ(٤)؛ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهم بالسوقِ، فنهَى رسولُ اللهِ وَلِّ عن البيعِ له .
قال: ولا بأسَ أن يَتَتَاعَ الحاضِرُ للبادى، وأمَّا أَهلُ القُرَى، فلا بأسَ أن يَبِيعَ
لهم الحاضِرُ. وقال الأوزاعيُ: لا يبع حاضرٌ لبادٍ، ولكنْ لا بأسَ أن يُخْبِرَه
القبس
(١) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٢) فی ص ١٦: (فنھی)).
(٣ - ٣) فى ص١٦: ((إلا)).
(٤) فى ص ١٦: ((المصر)).
٣٧٦
الموطأ
بالسّعْرِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا بأسَ أن يَبِيعَ الحاضِرُ للبادِى. ومِن التمهيد
محّتِّهم أن هذا الحديثَ قد عارَضه قولُهُ وَّهِ: («الدينُ النصيحةُ لكلِّ
مسلم ) ) . وقال الشافعىُ : لا یبئ حاضر لبادٍ ، فإن باع حاضر لبادٍ ، فھو
عاصٍ إذا كان عالمًا بالنهي، ويجوزُ البيعُ؛ لقولِهِ وَله: ((دَعُوا الناسَ بَرْزُقِ
اللهُ بعضَهم مِن بعضٍ)).
قال أبو عمرَ : هذا اللفظُ يقضِى على أن النهىَ عن بَيْع الحاضِرِ للبادِى
إنَّما هو لئلّا يُمْنَعَ المَشْتَرِى فَضْلَ ما يَشْتَرِيه، وهذا(٢) مُوَافِقٌ للنهى عن تَلَقِّى
السّلَعِ، على تأويلِ مالكٍ وأصحابِهِ، ومُخَالِفٌ لذلك على تَأْوِيلِ الشافعىّ
فى النهي عن تَلَقِّى السّلَعِ. وهذا لفظٌ صحيحٌ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ(١) عمرَ، قال:
حدثنا علىُّ بنُ خَرْب ، قال : حدثنا سفيانُ ، عن أبى الزُّبَيْرِ ، عن جابرٍ ،
قال: قال النبيُّ وَالِهِ: (( لا يبع حاضرٌ لبادٍ، دَعُوا الناسَ يَرْزُقِ اللهُ بعضَهم
(٤)
مِنْ بعضٍ))(٤).
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
(٢) فى ص، ص١٦، ص ١٧، م: ((هو)).
(٣) بعده فى ص١٦: ((يحيى بن)). وهو محمد بن يحيى بن عمر. وقد ينسب إلى جده عمر
كما سيأتى فى الأسانيد التالية، وينظر سير أعلام النبلاء ٣٥٧/١٥.
(٤) أخرجه الحميدى (١٢٧٠)، وأحمد ١٩٦/٢٢ (١٤٢٩١)، ومسلم (٢٠/١٥٢٢)،
والترمذى (١٢٢٣)، وابن ماجه (٢١٧٦) من طريق سفيان به.
٣٧٧
الموطأ
التمهید
وحدَّٹنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داودَ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ النُّفَيْلىُ، قال: حدثنا زُهَيْرٌ،
قال: حدثنا أبو الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالـ: (( لا یبغ
حاضرٌ لبادٍ، ذَرُوا الناسَ يَرْزُقِ اللهُ بعضَهم مِن بعضٍ)) (١).
وروَى ابنُ عباسٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ بَێ أن تبيعَ حاضِرٌ لبادٍ .
ذكره معمرٌ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ . وقال : قلتُ
له: ما ((تَبِيعُ حاضرٌ لِبَادٍ)»؟ قال: لا يكونُ له سِمْسَارًا (١) ..
وروی أُنشُ بنُ مالك ، عن النبىِ پڑ قال: «لا يبغ حاضرٌ لبادٍ وإن
كان أباه أو(٢) أخاه))(٤).
وفى حديثٍ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ ، أَنَّه قال للأعرابيّ حين قَدِم عليه
بحلُوبَةٍ له تَبِیعُها : إنَّ النبيُّ ◌َّٹے نھی أن تبيعَ حاضر لبادٍ ، ولکنِ اذْهَبْ إلی
الشُوقِ فَانْظُرْ مَن يُبَايِعُك، وشاوِرْنى حتى آمُرَكَ أَو أَنْهَاكَ .
القبس
(١) أبو داود (٣٤٤٢) - وعنه أبو عوانة (٤٩٤٢) - وأخرجه أحمد ٢٤٤/٢٢ (١٤٣٤٠)،
ومسلم (٢٠/١٥٢٢) من طریق زهير به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٧٠)، وأحمد ٤٣٦/٥ (٣٤٨٢)، والبخارى (٢١٥٨، ٢١٦٣،
٢٢٧٤)، ومسلم (١٩/١٥٢١)، وأبو داود (٣٤٣٩)، وابن ماجه (٢١٧٧)، والنسائى (٤٥١٢)
من طريق معمر به .
(٣) فى م: ((و)).
(٤) أخرجه البخارى (٢١٦١)، ومسلم (٢١/١٥٢٣)، وأبو داود (٣٤٤٠)، والنسائى (٤٥٠٤ - ٤٥٠٦).
٣٧٨
الموطأ
ذكره حمادُ بنُّ سلمةً، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن سالم المكِّيّ ، أنَّ التمهيد
أعرابيّا حدَّثه، أنَّ قَدِم بحَلُوبَةٍ له على طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ. فذكره(١).
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عمرَ ، قال : حدثنا
علىُّ بنُ حَوْبٍ، قال : حدثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ ،
قال : إِنَّما نھی رسولُ اللہِ ٹے ◌ُن ◌ِيعَ حاضر لبادٍ فی زمانِه ، أراد أن يُصِيبَ
الناسُ بعضُهم مِن بعضٍ، فأمَّا اليومَ، فليس به بأسٌ . قال ابنُ أبى نَجيح :
وقال عطاء: لا يصلُحُ ذلك؛ لأن رسولَ اللهِ وَلِّ نهَى عنه (١).
وحدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ عمرَ ، قال : حدثنا
علىُّ بنُ حربٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن مسلم الخياطِ ، سَمِع ابنَ عمرٌ
يَنْهَى أَن يَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ . قال مسلمٌ: وقال أبو هريرةً: لا يبيعنَّ حاضرٌ
(٣)
لبادٍ(٢).
قال أبو عمرَ: مَن فسخ البيعَ مِن أهلِ العلمِ فى المناجشةِ، وبيعِ
الحاضرِ للبادى، وبيعِ المرءِ على بيعٍ أخيه، ونحوِ ذلك مِن الآثارِ،
فحُجَّتُهم أنَّه بيعٌ طابَق النهىَ ففسَد، وكذلك البيعُ عندَهم بعدَ النِّدَاءِ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٤١)، وأبو يعلى (٦٤٣) من طريق حماد به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٤٠/٦، ٢٤١ من طريق سفيان به.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٤٠/٦، ٢٧٨/١٤ من طريق سفيان به، ووقع عنده خطأ فى
الموضعين .
٣٧٩
الموطأ
التمهيد للجمُعةِ، أو مع الأذانِ لها. وكان أبو حنيفةً، والثورىُّ، والشافعىُّ،
وداودُ، وجماعةٌ مِن أصحابِهِم وغيرِهم، يذهبون إلى أن البيعَ عندَ الأذانِ
للجمعةِ جائزٌ ماضٍ، وفاعلَه عاصٍ، وكذلك البيوعُ المذكورةُ المنهِىُّ
عنها فى الحديثِ المذكورِ فى هذا البابِ، واستدلَّ مَن ذهَب هذا
المذهبَ بأن النهىَ عن ذلك لم يُرَدْ به نفْسُ البيعِ ، إِنَّما أُرِيد به معنًی غیرُ
البيع، وهو تركُ الاشتغالِ عن الجمُعةِ بما يَخْبِسُ عنها، وسواءٌ كان بيعًا أو
غيرَ بِيعٍ، وجرَى فى ذلك ذِكْرُ البيع ؛ لأنَّهم كانوا يبتاعُونَ(١) ذلك الوقت،
فتُهوا عن كلٌّ شاغلٍ يَشْغَلُ عن الجمُعةِ ، وعن كلّ ما يَحولُ بينَ مَن وجَبتْ
عليه وبينَ الشَّغْيِ إليها، والبيعُ وغيرُه فى ذلك سواء. قالوا: ولا معنَى
لفسخِ البيعِ؛ "لأَنَّه معنَّى غيرُ شُهُودِ) الجمُعةِ؛ لأنَّه قد تَبِيعُ ذلك الوقتَ
ويُدْرِكُ الجمُعَةَ. قالوا: ألا ترَى ("أنَّ رجلًا لو٣) ذكَر صلاةٌ لم يَثْقَ مِن وَقْتِهَا
إِلَّ ما يُصَلِّيها فيه، كان عاصيًا بالتَّشاغُلِ عنها بالبيع، وجاز بيعُه؟ قالوا :
فکذلك من باع بعد أذانِ الجمعة سواءً . قالوا : و كذلك لو کان فى صلاةٍ ،
فقال له رجلٌ : قد بِعتُكَ عبدى هذا بألفٍ . فقال: قد قَبِلْتُ. صَحَّ البيعُ،
وإن كان مَنْهِيًّا عن قَطْع صلاتِه بالقولِ(٤).
القبس
(١) فى ص١٦، ص١٧: ((يتبايعون)).
(٢ - ٢) فى ص١٦، ص ١٧: ((لا معنى غير)).
(٣ - ٣) فى ص١٦: (لو أن رجلا)).
(٤) فى ص١٦، ص١٧: ((بالقبول)).
٣٨٠