النص المفهرس
صفحات 321-340
الموطأ
رسولِ اللهِ وَ لّه قال: اسْتَسْلَف رسولُ اللهِ،وَهِ بَكْرًا، فجاءَتْه إِبلٌ من التمهيد
الصدقةِ. قال أبو رافع: فأمَرنى رسولُ اللهِ وَلِهِ أن أُقْضِىَ الرجلَ بَكْرَه،
فقلتُ: لم أجِدْ فى الإبلِ إلَّ جملًا خيارًا رَباعيًا. فقال رسولُ اللهِ إِلّهِ:
(أعطِه إيَّه، فإن خیارَ الناس أحسنُهم قضاءً))(١).
قال أهلُ اللغةِ: البَكْرُ من(١) الإبلِ الفَتِىُ، والخِيارُ المختارُ الجيّدُ . قال
صاحبُ ((العينِ))(١) : ناقةٌ خِيارٌ، وجملٌ خِيارٌ، والجمعُ خِيارٌ(٤) أيضًا .
قاعدَتَيْن، وقد أعطَى النبىُّ نَِّ فى القرضِ سِنَّا) أفضلَ مِن السنّ، وقال: القبس
(( خياركم أحسنكم قضاءً)). وهذا كما قال مالكٌ إذا لم يكن فى ذلك شرطٌ ، ولا
وأَّ(٢) ، ولا عادةٌ، فإنه حينئذٍ يخرُجُ مِن بابِ المعروفِ إلى بابِ المعاوضةِ()
الذى يُعتبرُ فيها الربا، ويجوزُ فى المقدارِ إذا كان يسيرًا، فإن كان كثيرًا لم يَجُزْ؛
وعليه يُخرَّجُ قولُ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه: فأين الحمَّالُ(1)؟
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٢٧)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/١٠ظ، ١٠ و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٦٩٣). وأخرجه أحمد ١٦١/٤٥ (٢٧١٨١)، ومسلم (١٦٠٠) ،
وأبو داود (٣٣٤٦)، والترمذى (١٣١٨)، والنسائى (٤٦٣١) من طريق مالك به.
(٢) فى س: ((فى)).
(٣) العين ٣٠١/٤ .
(٤) فى ك ١: ((خياير)).
(٥) فى د: ((شيئًا)). والسن: أى جمل له سن معين. ينظر فتح البارى ٥٩/٥ .
(٦) الوأى : الوعد الذى يوثقه الرجل على نفسه ويعزم على الوفاء به . وقيل: الوأى: التعريض
بالعِدّة من غير تصريح . وقيل: هو العِدَة المضمونة. اللسان (وأى)، والنهاية ١٤٤/٥.
(٧) فى د: ((العادة)).
(٨) فى ج: (( الجمال)).
وسيأتى فى الموطأ (١٤١٦).
٣٢١
(موسوعة شروح الموطأ ٢١/١٧ )
الموطأ
التمهيد ويقالُ: أربعَ الفرسُ، وأربعَ الجملُ ، إذا ألقَى رَبَاعِيَتَه، فهو ربائعٌ، والأُنْثَى رَبَاعِيَّةٌ.
قال أبو عمرَ: معلومٌ أن اسْتِسْلافَ رسولِ اللهِ نَّهِ الجملَ الْبَكْرَ
المذكورَ فى هذا الحديثِ لم يكنْ لنفسِه ؛ لأَنَّه قَضاه من إبلِ الصدقةِ ،
ومَعلومٌ أن الصدقةَ مُحرَّمةٌ عليه، لا يَحِلُّ له أكلُها ولا الانتِفائُ بها، وقد
مضَى بيانُ هذا فى بابٍ ربيعةً(١)، ولهذا عَلِمْنا أنَّه لم يكنْ لِيُؤَدِّىَ عن نفسِه
من مالِ المساكينِ، وإذا صحَّ هذا، عَلِمْنا(١) أنَّه إنَّما اسْتَسْلَف الجملَ
للمساكينِ، واسْتَقْرَضه عليهم؛ لِمَا رأى ببعضِهم(٢) مِن الحاجةِ، ثم ردَّه
من إبلِ الصدقةٍ، كما يَشْتَقْرِضُ () وَلِىُّ اليتيم عليه نظرًا له، ثم يَرُدُّه من مالِه
إذا طرَأ له مالٌ، وهذا كلُّهُ °ما لا تنازُعَْ) فيه. والحمدُ للهِ .
وقد اختلف العلماءُ فى حالِ المسْتَقْرَضِ منه الجملُ التَكْوُ(٦) المذكورُ
فى هذا الحديثِ ؛ فقال منهم قائلُون: لم يكنِ المسْتَقْرَضُ منه ممن تحبُ
عليه صدقةٌ ، ولا تَلْزَمُه زكاةٌ؛ لأَنَّه قد رَدَّ عليه رسولُ اللهِ وَّ صدقَتَه ، ولم
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٧/١٥ - ٥٩ .
(٢) بعده فى ص ٤: (( به)).
(٣) سقط من: ك ١، م.
(٤) بعده فى س: ((من)).
(٥ - ٥) فى ك ١، م: ((لا ينازع)).
(٦) سقط من: ك ١، س، م.
٣٢٢
الموطأ
يَحْتَسِبْ له بها، وكان ) وقتٌ أُخْذِ الصدقاتِ وخروج السُّعاةِ لها وقتًا التمهيد
واحدًا ، يَستوِى الناسُ فيه ، فلمَّا لم يَحْتَسِبْ له بما أخَذ منه صدقةً ، عُلِم
أنَّه لم يكنْ ممَّن تَلْزَمُه صدقةٌ فى ماشيتِه؛ لقصورٍ نصابها عن ذلك(١) واللهُ
أعلمُ ، هذا قولُ من لم يُجِرْ تعجيلَ الزكاةِ قبلَ محِلِّها . وقال آخرون : جائزٌ
أن يكونَ المشتَقْرَضُ منه فى حينٍ ردِّ ما اسْتُقْرِضَ منه إليه ممَّن لا تَجِبُ
علیه الصدقةُ ؛ لجائحةٍ لَحِقَتْه فی إیله ومالِه قبلَ تمام الحولِ ، فوجب ردُّ ما
أُخِذ منه إليه . ومثالُ(٤) الاسْتِسْلافِ فى هذا الموضع عندَ هؤلاء، أن يقولَ
الإمامُ للرجلِ : أَقْرِضْنِى على زكاتِكَ لأَهلِها ، فإن وجَبتْ عليك زكاةٌ بتَمامِ
مِلْكِك للنّصابِ حَوْلًا فذاك، وإلّا فهو دينٌ لك أرُدُّه عليك من
الصدقةِ. وهذا كلَّه على مذهبٍ مَن أجاز تعجيلَ الزكاةِ قبلَ وقتٍ
وُجوبها .
وقد اختلف الفقهاءُ فى تعجيلِ الزكاةِ قبلَ حلولِ الحولِ ، فأجاز ذلك
أكثرُ أهلِ العلم . وممن ذهب إلى إجازَةٍ تَعْجِيلِ الزكاةِ قبلَ الحولِ ؛ سفيانُ
الثورىُّ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلِ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ك ١، س، م.
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) بعده فى ص ٤: ((وذهاب ماشيته)).
(٤) بعده فى ك ١، س، م: ((ذلك)).
٣٢٣
الموطأ
التمهيد ابنُّ راهُويه، وأبو عُبيدٍ. ورُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وإبراهيم
النخعى، وابنٍ شهابٍ، والَگمِ بنِ ◌ُتيبةً(١)، وابن أبى ليلى. وقال أبو
حنیفةً، وأبو یوسف، ومحمدٌ : يجوزُ تَغْجِيلُ الزكاةِ لما فى يَدِه، ولما
يَسْتَفِیدُه فی الحول وبعده بسنین . وقال زُفُ: التعچِيلُ عمَّا فی یَدِہ جائزٌ ،
ولا يجوزُ عمَّا يَسْتَفِيدُه. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يجوزُ تَعْجِيلُ الزكاةِ لسنتين(٢).
وقال مالكٌ: لا يجوزُ تَعْجِيلُها قبلَ الحولِ(٣) إِلَّا بيسيرٍ. وقالت طائفةٌ: لا
يجوزُ تَعْجِيلُها قبلَ مَحِلُّها بِيَسيرٍ ولا كثيرٍ، ومن عبَّلها قبلَ محِلِّها لم
تُجْزِئْه، وكان عليه إعادَتُها، كالصلاةِ. ورُوِى ذلك عن الحسنِ
البصرىِّ(٤). وهو قولُ بعضِ أصحابٍ داودَ، وروَى خالدُ بنُ خداشٍ
وأشهَبُ ، عن مالكِ مثلَ ذلك .
قال أبو عمرَ : من لم يُجِزْ تَعْجِيلَها قاسَها على الصلاةِ وعلی سائِر ما
يَجبُ مُؤَقًَّا؛ لأَنَّه لا يُجْزِئُ من فعَله قبلَ وَقْتِهِ، ومن أجاز تَعْجِيلَها (°قاس
ذلك°) على الديونِ الواجبةِ لآجالٍ محدودةٍ ، أَنَّه جائزٌ تَعْجِيلُها، وفرّق(٦)
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٠٦٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٤٨/٣.
(٢) فى ص ٤، م: ((لسنين)).
(٣) فى م: ((الحلول)).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٤٩/٣.
(٥ - ٥) فى ص ٤: ((قاسها)).
(٦) بعده فى ص ٤: ((ما)).
٣٢٤
الموطأ
بينَ الصلاةِ والزكاةِ ، بأن الصلاةَ يَسْتَوِى الناسُ كلُّهم(١) فى وقتِها، وليس التمهيد
كذلك أوقاتُ الزكواتِ(٢)؛ لاختلافٍ أحوالِ الناسِ فيها، فأُشْبَهتِ
الديونَ إذا عُجِّلتْ . وقد اسْتدَلَّ الشافعىُّ على جوازٍ تَعْجيلِ الزكاةِ بهذا
الحديثِ. وفى قضاءِ رسولِ اللهِ وَِّ المستَشْلَفَ منه البَكْرُ جملًا جَيِّدًا ،
دليلٌ على أنَّه لم يكنْ ممن عليه صدقةٌ ؛ لأنَّه لم يَخْتَسِبْ له بذلك ؛ قضاه
وبَرِىَّ إليه منه . ولا حُجّةً للشافعيّ فيما اسْتَدَلّ به من هذا الحدیثِ فی
جواز تعجيل الز کاة . وقد اختُّ بعضُ من نصر مذهبه على ما ذگوناه بأن
قال: جائزٌ أن يكونَ الذى اسْتَقْرَض منه البَكْرَ ممَن تَحِلُّ له الصدقةُ ،
فأعطاه النبىُ وَّهِ غيرَ بعيرِهِ بمقدارٍ حاجتِه، وجمَع فى ذلك وضعَ الصدقةٍ
فى موضعِها ومحسنَ القضاءِ. قال: وجائزٌ أنْ يَسْتَسْلِفَ الإمامُ للفقراءِ
ويقضِىَ من سهمهم أكثرَ ممَّا أخَذ لما يراه من النّظرِ والصلاح إذا كان ذلك
من غيرِ شرطٍ ولا منفعةٍ تعجيلٍ .
ثم نعودُ إلى القول فى معنَى الاسْتِشلافِ المذكور فى هذا الحديثِ ،
فتقولُ: إِن قال قائلٌ: لا يجوزُ أن يكونَ الاستِقراضُ المذكورُ على
المساكينِ؛ لأنَّه لو كان قرضًا على المساكينِ لما أعطَى رسولُ اللهِ وَله
من أموالهم أكثرَ ممَّا استقرَض لهم. قيل له: لما بطَل أَنْ يَستقرِضَ
القبس
(١) بعده فى ص ٤: ((من المسلمين)).
(٢) فى م: ((الزكاة)).
٣٢٥
الموطأ
التمهيد رسولُ اللهِ وَّله على الصدقةِ لغنيٌّ، وأن(١) يَسْتَقْرِضَها لنفسِه، لم يَبقَ إلَّ
أَنَّه اسْتقرَضها لأهلِها؛ وهم الفقراءُ ومن ذُكِر معهم، وكان فى هذا
الحديثِ دليلٌ على أنَّه جائزٌ للإمامِ إذا اسْتَقْرَض للمساكينِ أنْ يَؤُدَّ من مالِهم
أكثرَ منَّا أَخَذ على وجهِ الَّظَرِ والصلاحِ، إذا كان من غيرِ شرطٍ، ووجهُ
النَّظرِ فى ذلك والمصلحةِ معلومٌ، فإنَّ منفعةً تعجيل ما أخَذه لشدَّةٍ حاجةٍ
الفقراء إليه أضعافُ ما يَلحَقُهم فى ردّ الأفضلِ ؛ لأَنَّ ميلَ الناسِ إلى العاجلِ
من أمرِ الدُّنيا أكثرُ من ميلِهم إلى الآجلِ. فإن قيل: إن المستَقْرَضَ منه
غني٢ٌ، فكيف يُعطيه أكثرَ ممَّا أَخَذ منه، والصدقةُ لا تَحِلُّ لغنيّ؟
فالجوابُ عن هذا ، أنَّه جائزٌ ممكنٌ أن يكونَ المسْتَقْرَضُ منه قد ذهبتْ إِبُه
بنوعٍ مِن جَوائحِ الدنيا ، وكان فى وقتٍ صرفٍ ما أُخِذَ منه إليه فقيرًا تَحِلُّ له
الزكاةُ، فأعْطاه النبيُّ نَّهِ خيرًا من بعيرِهِ بمقدارِ حاجَتِه، وجمَع فى ذلك
وضعَ الصدقةِ " فى موضعِها، و"حسنَ القَضاءِ، وجائزٌ أن يكونَ غارِمًا أو
غازِيًا مَن تَحِلُّ له الصدقةُ (٤ مع " الغِنى٤)، فيعطيه لذلك أفضلَ ممَّا أَخَذ
منه، فيجمَعُ فى ذلك حسنَ " القضاءِ ووضْعَ الصدقةِ موضِعَها. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) بعده فى م: ((لا)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى س: ((موضعها مع)).
(٤ - ٤) فى ك ١، ص ٤: ((من الأغنياء)).
٣٢٦
الموطأ
وسيأْتِى (١) ذكر الخمسةِ الأغنياءِ الذين تَحِلُّ لهم الصدقةُ فيما بعدُ من التمهيد
حديث زيدِ بنِ أسلمَ(٢) إن شاء اللهُ.
وفى هذا الحديث أيضًا مِن الفقه إثباتُ الحيوان فى الذمَّةِ ، وإذا صحّ
ثُبُوتُ الحيوانِ فى الذَّةِ(٣) بما صعَ مِن جوازِ (٤)اسْتِقْراضٍ الحيوانِ، صحّ
فيه السَّلَمُ على الصِّفَةِ، وبطَل بذلك قولُ من لم يُجِزْ الاسْتِقْراضَ فِى
الحيوان، ولا أجازُوا السَّلَمَ فيه .
واختلَف الفقهاءُ فى السَّلَم فى الحیوانِ ، وفی اسْتِقْراضِه؛ فذهَب
العراقيُون إلى أن السَّلَمَ فى الحيوانِ(٥) لا يجوزُ. وممَّن قال ذلك) ؛ أبو
حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ بنُ صالح. وژُوِی ذلك عن ابنِ
مسعودٍ، وحذيفةً، وعبد الرحمنِ بنِ سَمُرَةً(١) . وحجّةٌ من قال بهذا القولِ
القبس
(١) بعده فى ك ١، س، م: ((فى)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٦٠٨).
(٣) بعده فى ص ٤: ((على الصفة)).
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((استقراضه بطل بذلك قول من قال لا يجوز السلم فى الحيوان ولا أجاز
استقراضه والذين كرهوا استقراضه الحيوان ولم يجيزوه ولا أجازوا السلم فيه جماعة فقهاء
الکوفیین منهم» .
(٥) بعده فى م: ((وفى استقراضه)) ..
(٦) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤١٤٧ - ١٤١٥٠، ١٤١٦٠)، وشرح معانى الآثار ٦٣/٤،
وسنن البيهقى ٢٢/٦.
٣٢٧
الموطأ
التمهيد أن الحيوانَ لا يُوقَفُ على حقيقةٍ صِفتِه؛ لأَنَّ مَشْيَه وحَركاتِهِ ومَلاحَتَه
وخُبرتَه(١) ، كلُّ ذلك لا يُذْرَكُ وَصفُه ، وكلُّ ذلك تَزِيدُ فى ثمنِهِ ويَرفَعُ من
قِيمتِه . فادَّعَوا النسخَ فى حديث أبى رافِعِ المذكورِ وما كان مثلَه، وقالوا :
نسخه ما قضَى به رسولُ اللهِ وَلِهِ، فِى أَنَّه أَوْ جَب على المُعْتِقِ نَصيبَه مِن
عبدٍ بينَه وبينَ آخَرَ ، إِذْ أَوْجَب عليه قيمةَ نَصِيبٍ شريكِه(١)، ولم يُوجِبْ
عليه نصفَ عبدٍ مثلِه . وقال داودُ بنُ علىٍّ وأصحابُه: لا يجوزُ السَّلَمُ فى
الحيوانِ ، ولا فى شىءٍ من الأشياءِ ، إلّا فى المكيلِ والموزونِ خاصةً ، وما
خرَج عن المكيلِ والموزونِ فالسَّلَمُ فيه غیرُ جائزٍ عندَهم؛ لحديثِ ابنِ
عباسٍ، عن رسولِ اللهِ وَلَّ أنَّه قال: ((مَن أسلَم فليُسلِمْ فى كيلٍ
معلومٍ، ووَزْنٍ مَعَلُومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ))(١). ولنَهْيِهِ عن بيعٍ ما ليس
عندَك(٤) . قالوا: فكلّ ما لم يكن مكيلًا أو موزونًا فداخل فى بيع ما
لیس عندك .
قال أبو عمرَ: بنوا هذا على ما أصَّلوا من أن كلَّ بيعِ جائزٌ بظاهرٍ .
القبس
(١) فى ك ١: ((جرته))، وفى ص ٤: ((دبرته))، وفى م: ((جريه)). والخبرة: الصوف الجيّد من
أول الجزّ. التاج (خ ب ر).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٣٩).
(٣) أخرجه البخارى (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤)، وأبو داود (٣٤٦٣)، والترمذى
(١٣١١)، والنسائى (٤٦٣٠)، وابن ماجه (٢٢٨٠) بلفظ: ((من أسلف)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٠٠/١٦، ٢٠١، ٥٢٨، ٥٢٩.
٣٢٨
الموطأ
قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. إلَّا بِيعُ ثبَت فى التمهيد
السنةِ النهى عنه، أو أجمَعتِ الأُمَّةُ على فسادِه. وقال أهلُ المدينةِ ، ومالكٌ
وأصحابُه، والأوزاعي، والليثُ ، والشافعىُّ وأصحابُه: السَّلَمُ فى الحيوانِ
جائزٌ بالصفةِ ، وكذلك كلُّ ما يُضْبَطُ بالصفَةِ فى الأغلبِ . ومُحُجَّتُهم فى
ذلك حديثُ أبى رافع هذا؛ لِما فيه مِن ثبوتِ الحيوانِ فى الذِّمَّةِ، ومثلُه
حديثُ أبى هريرةَ فى اسْتِقْراضٍ رسولِ اللهِ وَ لِّ الجملَ(١) . ومن حُجَّتِهم
أيضًا إيجابُ رسولِ اللهِ وَِّهِ دِيَّةَ الخطأً فى ذمَّةٍ من أوْجَبها عليه، وهى
أخماسٌ؛ عشرونَ بِنتَ مخاضٍ، وعشرونَ بنتَ لَهُونٍ، وعشرونَ ابنَ
لَكُونٍ، وعشرونَ حِقَّةً، وعشرونَ جَذَعَةً، ودِيَّةَ شِئْهِ العمدِ، وذلك مِن
الإبلِ ثلاثون ◌َذَّعَةً، وثلاثونَ حِقَّةً، وأربعون خَلِفَةً فى بطونِها
أولادُها (١) . فجعَل الحيوانَ دَيْنًا فى الذمَّةِ إلى أجلِ، وقد كان ابنُ عمرَ
يُجِيزُ السَّلَمَ فى الوصفاءِ(٣)، وأجازَ ( أصحابُ أبىّ) حنيفةَ أن يُكاتِبَ
الرجلُ عبدَه على مملُوكٍ، وهذه مناقضةٌ منهم، وأجاز الجميعُ النكاح
على عبدٍ موصوفٍ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٦٣، وسيأتى ص ٣٣٤ .
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٦٤٤) من الموطأ .
(٣) فى س: ((الوصفان)). والوصفاء: العبيد والإماء. النهاية ١٩١/٥.
والأثر أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٦٣/٤.
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((أبو)).
٣٢٩
الموطأ
التمهید
وذكَر الحسنُ بنُ علىّ الحُلْوانِيُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ،
قال: حدَّثنا الليثُ ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ سعيدٍ، قال: قلتُ لربيعةً: إِن
أهلَ أَنْطائُلُسَ(١) حدَّثونى أنَّ خيرَ(٢) بنَ نُعِيمِ(٣) كان يَقْضِى عندَهم بأنَّه لا
يَجوزُ السلفُ فى الحيوانِ، وقد كان يُجالِسُك، ولا أحسبُه قضَى به إِلَّا
عن رأيك ؟ فقال لی ربیعةُ : قد كان ابنُ مسعودٍ يقول ذلك . قال يحيى :
فقلتُ : وما لنا ولابنٍ مسعودٍ فى هذا؟ قد كان ابنُ مسعودٍ يَتَعَلَّمُ منا ولا
نتَعَلَّمُ منه، وقد كان يَقْضِى فى بلادِه بأشياءَ ، فإذا جاء المدينةَ وجد القضاءَ
علی غیرِ ما قضی به، فیزجئ إليه(٤) .
وأمَّا اعتلالُ العِراقِتِين بأن الحيوانَ لا يُمْكِنُ صِفَتُه، فغيرُ مُسلِّم لهم ؛
لأن الصَّفَةَ فى الحيوانِ(٥) يأتِى الواصفُ منها بما يَرفَعُ(٦) الإشكالَ،
ويُوجِبُ الفَرْقَ بينَ الموصوفِ وغيرِهِ، كسائرِ الموصوفاتِ مِن غيرِ
الحيوانِ ، وإذا أمكنَتِ الصِّفَةُ فى الحيوانِ، جاز السَّلَمُ فيه بظاهرٍ
القبس
(١) أنطابلس: مدينة بين الإسكندرية وبرقة. مراصد الاطلاع ١٢٤/١.
(٢) فى ك ١، ص ٤: ((خبر)، وفى س: ((جبير)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٢/٨.
(٣) فى س: (( نفیر)).
(٤) بعده فى ص ٤: ((وقد روى عن سعيد بن المسيب أنه لم يجيز السلم فى شىء من الأشياء
وروى عنه خلاف ذلك على ما عليه القضاء».
(٥) بعده فى س: (( أن )).
(٦) فى ص ٤، م: ((يدفع)).
٣٣٠
الموطأ
قولِه وَهُ: ((لا تَصِفُ المرأةُ المرأةَ لزَوْجِها حتى كأنَّه يَنْظُرُ إليها)) (١). التمهيد
فجعَل وَلِّ الصِّفةَ تقومُ مقامَ الرُّؤيةِ .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه(٢) : لا يجوزُ اسْتِقراضُ شیءٍ مِن الحیوانِ ،
كما لا يجوزُ السَّلَمُ فيه ؛ لأنَّ ردَّ المثلِ لا يُمْكِنُ ؛ لتَعَذَّرِ المماثلةِ عندهم فى
الحيوانِ . وقال مالكٌ، والأوزاعىُ، والليثُ ، والشافعىُّ: يجوزُ اسْتِقِراضُ
الحيوانِ كلِّه إلَّ الإماءَ، فإنَّه لا يجوزُ اسْتِقراضُهُنَّ. وعندَ مالكِ فیما ذكّر
ابنُّ المؤَّازِ ، إِنِ اسْتَقْرَض أمةً ولم يَطَأْها رَدَّها بعينِها ، وإن وَطِئِها لَزِمَته القيمةُ
ولم يَؤُدَّها. وعندَ الشافعىِّ يَرُدُّها ويَرُدُّ معها عُقْرَها(١) - يَعنِى صداقَ
مِثْلِها - وإن حمَلَتْ ردَّها بعدَ الولادةِ، وقيمةَ ولدِها (٤) إن وُلِدوا أحياءً يومَ
سقَطوا، وما نقَصَتْها الولادةُ، وإن ماتَتْ لزِمه مثلُها ، فإن لم يُوجَدْ مثلُها
فقيمتُها .
وحجّةُ مَن لم يُجِزِ اسْتِقْراضَ الإماءِ - وهم(٥) جمهورُ العلماءِ - أن
الفُروجَ محظورةٌ لا تُشْتَبَاحُ إلَّا بنكاح أو ملك يمينٍ، ولأن القرض لیس
القبس
(١) تقدم تخريجه ص١٦٦، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٦) من الموطأ .
(٢) فى ص ٤: ((غيره)).
(٣) فى ك ١، م: ((عقدها)).
(٤) بعده فى س: ((و)).
(٥) فی س: (هو).
٣٣١
الموطأ
التمهيد بعقدٍ لازم مِن جهةِ المُقْتَرِضِ؛ لأَنَّ يَؤُدُّه متى شاء، فأشْبَهَ الجاريةَ المشْتَرَاةَ
بالخيارِ ، لا يجوزُ وطُها بإجماع حتى تَنْقَضِىَ أیامُ الخیارِ ، فهذه قياس
عليها، ولو جاز استِقْراضُ الإماءِ لحصَل الوطءُ فى غيرِ نكاح ولا مِلْكِ
صحيحٍ. وقال أبو (١) إبراهيمَ المزنىُ، وداودُ بنُ علىّ، وأبو جعفرِ الطبرىُّ:
اسْتِقْراضُ الإماءِ جائزٌ. قال المزنيُ والطبرىُّ: قياسًا على بيعِها، وأنَّ مِلْكَ
المسْتَقْرِضِ صحيحٌ يجوزُ له فيه النَّصَرُفُ كلُّه، وكلُّ ما جاز بَيْعُه جاز
قرضُه فى نفسِ القِياسِ. وقال داودُ: لم يَحْظُرِ اللهُ اسْتِقْراضَ الإماءِ، ولا
رسولُه، ولا اتَّفَق الجميعُ على المنع منه، وقد أباح الاسْتِشلافَ فی
الحیوان) ، رسولُ الله ◌ُآلێ، والأصلُ الإباحةُ حتی یَصِحّ المنثُ مِن وجهِ لا
مُعارضَ له .
واحتجّ بهذا الحديثِ أيضًا كلَّ مَن أوجب على من اسْتَهْلَك شيئًا من
الحیوان مثله إن ◌ُچِد له مِثْلٌ لا قیمته، قالوا : و کما کان یکونُ له مثلٌ فی
القضاءِ، فكذلك يكونُ له مِثْلٌ فى الضَّمانِ عن الاستهلاكِ . وممَّن قال
بالمِثْلِ فى المسْتَهْلَكاتِ كلِّها؛ الشافعىُ، وأحمدُ، وداودُ، وجماعةٌ؛
لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِّ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأمّا
القبس
(١) سقط من: ص ٤، وينظر ما سيأتى ص ٣٥١.
(٢ - ٢) فى س: ((استسلاف الحيوان))، وفى م: ((الاستسلاف للحيوان)).
٣٣٢
الموطأ
مالكٌ رحِمه اللهُ ، فقال : من اسْتَهْلَك شيئًا من الحيوانِ بغيرِ إذنِ صاحبِه، التمهيد
فعليه قيمتُه، ليس عليه أن يُؤْخَذَ بمِثلِه مِن الحيوانِ ، ولكن عليه قِيمَتُه يومَ
اسْتَهْلَكه؛ القيمةُ أَعدَلُ فيما بينَهما فى الحيوانِ والعُروضِ. قالوا: وأمَّا
الطعامُ فبمنزِلةِ الذهبِ والوَرِقِ ، وإذا اسْتَهْلَكه أحَدٌ بغيرِ إذنِ صاحبِهِ ، فعليه
مثلُ مَکِیلَتِهِ مِن صِنفِه .
قال أبو عمرَ: المكيلُ كلُّه، والموزونُ المأكولُ والمشروبُ ، هذا
مُحُكْمُه عندَه، وأمَّا ما لا يُؤْكَلُ (١) ، مثلَ الرَّصاصِ والقُّطْنِ، وما أشْبةَ ذلك،
فالذى اختاره إسماعيلُ أن يكونَ فيه المثلُ؛ لأنَّه يُضْبَطُ بالصِّفَةِ . قال :
وقد اخْتَبَّ عبدُ الملكِ فى القيمةِ فى الحيوانِ بأنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ قِضَى
فيمن أَعتَق نصفَ عبدٍ له بقِيمَةِ النصفِ الباقِى للشرِيكِ ، ولم يَقْضِ بنصفٍ
(٢)
عبدٍ مثله(٢).
قال أبو عمرَ: فى حديثٍ أبي رافع هذا ما يَدُلَّ على أن المقْرِضَ إن
أعطاه المسْتَقْرِضُ أفضَلَ ممَّا أَقْرَضه؛ جِنْسًا، أو كيلاً، أو وزنًا، أنَّ ذلك
معروفٌ وأنَّه يطيبُ له أخْذُه منه؛ لأنَّه أَثْنَى فيه على من أحسَن القضاءَ،
وأطلَق ذلك ولم يُقَيِّدْه بصفةٍ .
القبس
(١) فى ص ٤: ((يكال ولا يوزن من الطعام فالواجب عنده فيه القيمة واختلف أصحابه فى
المكيل والموزون مما لا يكال)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٥٣٩).
٣٣٣
الموطأ
التمهید
وروَى سلمةُ بنُ كُهيلٍ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ ، قال : جاء
رجلٌ إلى النبيِّ وَِّ يتقاضاه، فأغلَظ له، فهَمَّ به أصحابُه، فتَهاهم
وقال: ((ألا كنتم مع الطَّالبٍ؟)). ثم قال: ((دَعُوهُ؛ فإن لصاحبٍ
الحقِّ مَقَالًا، اشتَرُوا له بعيرًا)). فلم يَجِدوا إلّا فوقَ سِنِّه، فقال:
((اشتَرُوا له فوقَ سِنِّهِ فَأَعْطُوه)). فجاء إلى النبيِّ وَةِ، فقال: ((أَخَذْتَ
حَقَّك؟)). قال: نعم. قال: ((كذلك(١) افعلوا، خيرُكم أحسنكم
(٢)
قضاءً)) (٢).
وهذا عندَ جماعةِ العلماءِ إذا لم يكنْ عن شرطٍ منهما فى حينٍ
السلفِ. وقد أجمع المسلمون نَقْلًا عن نبيِّهم وَلَ، أَنَّ اشتراطَ
الزيادةِ فى السلفِ رِبًا، ولو كان قَبْضَةٌ ("واحِدَةً من عَلَفٍ) - كما
قال ابنُّ مسعودٍ -: أو حثَّةً واحدةً(٤).
وفيه دليلٌ على أن للإمامِ أن يَسْتَشْلِفَ للمساكينِ على الصدقاتِ ،
ولسائرِ المسلمين على بيتِ المالِ ؛ لأَنَّ كالوَصِىِّ لجميعِهم، أو الوكيلِ.
وفيه أن التَّدائِنَ فى البِرّ والطاعةِ والمباحاتِ جائزٌ، وإنَّما يُكرَّهُ النَّدایُنُ فى
الإسراف وما لا يجوزُ. وباللهِ العصمةُ .
القبس
(١) فى س: (( كذا)).
(٢) تقدم تخريجه ص٢٦٣ .
(٣ - ٣) فى س، م: ((قبضة من علف أو حبة)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٤١٩).
٣٣٤
١٤١٥ - مالك، عن حُميدٍ بن قيس المكيّ، عن مجاهدٍ ، أنه الموطأ
قال : استسلَف عبدُ اللهِ بنُ عمر من رجل دراهم ، ثمّ قضاه دراهم خيرًا
منها ، فقال الرجلُ : يا أبا عبد الرحمنِ، هذه خيرٌ من دراهمى التى
أسلَفْتُكَ. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: قد عَلِمتُ، ولكن نفسى بذلك
طَيَّةٌ .
قال مالكٌ : لا بأسَ بأن يَقبِضَ مَن أَسلَفَ شيئًا من الذهبِ أو الوَرِقِ
أو الطعامِ أوِ الحيوانِ ، ممَّن أسلَفه ذلك ، أفضلَ ممَّا أُسَفه، إذا لم يكنْ
ذلك على شرطٍ منهما أو عادةٍ ، فإن كان ذلك على شرطٍ أو وَأي أو
مالكٌ، عن محُميدٍ بن قيسٍ المكيّ، عن مجاهدٍ، قال: استسلَّف الاستذكار
عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ مِن رجلٍ دراهمَ، ثم قضاه دراهمَ خيرًا منها، فقال
الرجلُ : يا أبا عبد الرحمنِ، هذه خيرٌ مِن دراهمى التى أسلفتُك . فقال
عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: قد علِمتُ، ولكن نفسى بذلك طيّةٌ(١).
قال مالكٌ : لا بأسَ أن يَقبِضَ من أَسلَف شيئًا مِن الذهبِ أو الوَرِقِ أو
الطعام أو الحيوانِ ممَّن أسلَفه ذلك أفضلَ (٢ مما أسلَفه)، إذا لم يكنْ ذلك
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٢٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/١٠و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٦٩٤). وأخرجه ابن سعد ١٦٩/٤، والبيهقى ٣٥٢/٥ من طريق مالك
به .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((بالسلعة)).
٣٣٥
الموطأ عادةٍ، فذلك مكروهٌ ولا خيرَ فيه. قال: وذلك أن رسولَ اللهِ وَله
قضَى جملاً رباعِيًّا خِيارًا مكانَ بَكْرِ استَسلَفه، وأن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
استسلف دراهم فقضی خیرًا منها ، فإن کان ذلك عن طيب نفسٍ من
المُستسلِف ، ولم یکنْ ذلك على شرطٍ ولا وأي ولا عادةٍ ، كان ذلك
حلالًا لا بأسَ به .
الاستذكار على شرطٍ منهما أو عادةٍ، فإن كان ذلك على شرطٍ (١ أو وأي١) أو عادةٍ،
فذلك مكروة ولا خيرَ فيه. قال: وذلك أن رسولَ اللهِ وَ الِ قَضَى
جملًا رَبَاعِيًّا خيارًا مكانَ بَكْرِ استسلَفه(٢)، وأن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
استسلَف دراهمَ فقضَى خيرًا منها، فإن كان ذلك عن طيبٍ نفسٍ
مِن المُستسلِفِ، ولم يكنْ ذلك على شرطٍ ولا وأي ولا عادةٍ، كان
ذلك حلالاً لا بأسَ به .
قال أبو عمر : لا أعلمُ خلافًا فيمن اشترط الزيادة فى السلفِ أنه ربًا
حرامٌ لا يَحِلُّ أكلُه، وأما الوأَىُ والعادةُ فيكرةُ ذلك عندَ الشافعىِّ
والكوفيّين، ولا يَرَون ذلك حرامًا؛ لأنه (٣) معروفٌ إذا وقَع، ولا تُعلمُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ. وفى م: ((أو أى)).
(٢) تقدم فى الموطأ (١٤١٤).
(٣) بعده فى الأصل، ب: ((منكر و)).
٣٣٦
الموطأ
صحتُه ما لم يَقَعْ ؛ لأن العادةَ تُقطعُ دونَها البَدَواتُ (١) واختلافُ الأحوالِ، الاستذكار
ومَن حكَم بذلك استعمَل الظنَّ وحكم بغيرِ اليقينِ، فالأحكامُ إنما هى
على الحقائقِ لا على الظُّنونِ، ومَن تورَّع عن ذلك نال فضلًا . واللهُ أعلمُ .
ومن هذا الباب أكلُ هديةِ الغريم، واختلافُ الفقهاءِ فيها على نحوٍ ما
ذكرنا؛ قال مالكٌ: لا يصلُحُ أن يَقْبَلَ هديةَ غريمِه إلا أن يكونَ ذلك بينهما
معروفًا " قبل ذلك)، وهو يعلمُ أن لیس هدیتُه إلیه لمكانٍ دينه. وقال
الثوریُ مثلَ ذلك . وقال أبو حنيفةً والشافعىُ وأصحابُهما : إن اشترط فى
السلفِ(١) زيادةً كان حرامًا، وإن اشترط على الغريم هديةً كان حرامًا ، ولا
بأسَ أن يقبَلَ هديتَه بغيرِ شرطٍ . قالوا (*) : وكلَّ قَرضِ جَرَّ منفعةً لا خيرَ فيه .
ورُوِى عن إبراهيمَ مثلُهُ(٤). وقال الطحاوىُّ: هذا عندَهم إذا كانت المنفعةُ
مشروطةً، وأما إذا أهدى إليه مِن غيرِ شرطٍ ، أو أكّل عندَه، فلا بأسَ به
عندَهم. وقال الليثُ : أكرهُ أن يقبَلَ هديتَه أو يأكُلَ عندَه . وقال عبيدُ اللهِ
ابنُّ الحسنِ : لا بأسَ أن يَأْكُلَ الرجلُ هديةَ غريمِه . وقال الشافعىُّ: لا بأسَ
أن یقضیه أجود مِن دینه أو دونَه إذا تراضيًا ذلك .
القبس
(١) سقط من: ح، هـ، م، وفى الأصل ((البيوات)). والبدوات: جمع بَدَاة، قال النووى:
يقال: بدا له فى الأمر بداء بالمد ، أى : حدث له فيه رأى لم يكن ، وهو ذو بدوات ، أى يتغير رأيه .
صحيح مسلم بشرح النووى ٩٥/٩، وينظر لسان العرب ( ب د و ).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فى الأصل: ((باب)).
(*) هنا خرم فى المخطوط ((ب)) وسينتهى ص٤٠٧.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٦٥٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧٦/٦، ١٧٧.
٣٣٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٢/١٧)
الموطأ
قال أبو عمر : اختلف السلفُ فى هذه المسألةِ ، وعلى حسب ذلك
الاستذكار
كان اختلافُ الخلفِ مِن الفقهاءِ فيها، فرُوِى عن أبىٌّ بنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ
ابنِ سلامٍ، أنهما كرِها أكلَ (١) هديةِ الغريمِ(٣).
وروَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان له صديقٌ يُسلِفُه ، وكان عبدُ اللهِ
ابن عمر یُهدی له(٣).
وروی شعبةُ ، عن یحیی بن سعیدٍ ، عن أنس ، قال : إذا أقرضتَ رجلًا
قَرِضًا، فلا تركَبْ دابتَه ، ولا تَقْبلْ هديتَه، إلَّا أن يكونَ قد جرَت بينَك
وبينَه قبلَ ذلك مُخالَطٌ (٤).
وروى عن ابن عباسٍ فيها رخصةٌ (). وفى هذا البابِ حديثٌ مسنَدٌ
جيّدٌ، وهو محجّةٌ وملجأٌ لمن قال به.
القبس
(١) سقط من: ح، هـ، وفى الأصل، م: ((كل)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٦٥٢، ١٤٦٥٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٧٦/٦،
وصحيح البخارى (٣٨١٤).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ١١٧/١١ من طريق نافع به.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ١١٦/١١، والبيهقى فى الشعب (٥٥٣٢) من طريق
شعبة به .
(٥) الوارد عن ابن عباس المنع، وينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٦٥٠، ١٤٦٥١)، وابن أبى
شيبة ٦/ ١٧٥، والمحلى ٤٧٨/٨.
٣٣٨
الموطأ
" حدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيد٢١ٌ، قالا: حدَّثنى قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: الاستذكار
حدَّثنى محمدُ بنُ وضاح، قال(٢): حدَّثنى أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال:
حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنى يزيدُ(١) بنُ زيادِ بنِ أبى الجَعْدِ،
قال: حدَّثنى أبو صخرةَ(٤) جامعُ بنُ شَدَّادٍ، عن طارقٍ المُحاربىِّ ، قال :
لَمَّا ظهَر الإسلامُ خرَجنا فى رَكْبٍ ومعنا ظَعِينةٌ() لنا، حتى نزَلنا قريبًا مِن
المدينةِ ، فبينا نحن قُعُودٌّ إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان فسلّم، ثم قال :
((مِن أين أقبَل القوم؟ )) فقلنا: مِن الرَّبَذةِ. ومعنا جملٌ أحمرُ. فقال:
(( أَتبيعونِى الجملَ؟)). قال: قلنا: نعم. قال: ((بكم؟)) قلنا : بكذا وكذا
صاعًا مِن تمرٍ. فأخَذه ولم يُعْطِنا شيئًا، قال: ((قد أخذتُه)). وأخذ برأسٍ
الجملِ حتى تَوارَى بحِيطانِ المدينةِ. قال: فتَلاوَمْنا فيما بيننا، قلنا :
أعطيتُم جملكم رجلًا لا تعرفونه. فقالت الظَّعِينةُ: لا تَلاوَموا(٩)، ولقد
رأيتُ وجهَ رجلٍ ما كان لِيُخْفِرَكم(٧)، ما رأيتُ رجلًاً أشبَهَ بالقمر ليلة البدرِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((قال أبو عمر قال حدثنى سعيد بن نصر قال)).
(٢) فى الأصل، م: ((و)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨/١٦.
(٣) فى ح، هـ: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ١٣٠.
(٤) فى ح، هـ، م: ((صخر)). وينظر تهذيب الكمال ٤ /٤٨٦.
(٥) الظعينة: المرأة . النهاية ١٥٧/٣.
(٦) فى الأصل: ((تلاهذا))، وفى ح: ((تلاوموه)).
(٧) فى الأصل، هـ، م، وسنن الدارقطنى: ((ليحقركم)). وعند ابن أبى شيبة: ((ليجفوكم)).
وأَخْفَرت الرجل: إذا نقضت عهده وزِمامه. النهاية ٥٢/٢.
٣٣٩
الموطأ
الاستذكار مِن وجهِه. قال: فلما كان العشئ أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم ، أنا
رسولُ (١) رسولِ اللهِ وَ الّ إليكم، وهو يأمر كم أن تأكّلوا حتى تشبَعوا ، وأن
تكتالوا حتى تَشْتوفوا. فأكّلنا حتى شبِعنا ، واكْتَلنا حتى اسْتَوفَينا(٢).
ففى هذا الحديثِ إباحةُ أكلٍ طعامٍ مَن له عليه دَينٌ، وما كان رسولُ
اللَّهِ وَِّ ليُطعِمَ مَا لا يَحِلُّ. ويشهدُ لذلك حديثُ أبى رافع (وما كان
مثلَه٣). ومثلُه حديثُ أبى هريرةَ، وقد ذكرناه فى ((التمهيدِ))(٤). وذلك كلُّه
يدُلُّ على أنه جائزٌ لمَن له دَينٌ على رجلٍ مِن ◌ْقرضٍ أَقْرَضه)، أو بيعٍ باعه،
أن يقبَلَ منه ما زاد به بطيبٍ نفسِه شكرًا له ، وأن يأْكُلَ طعامَه ويقبَلَ هديتَه .
وما کان مثل ذلك کلِّه فليس بربًا .
وقضَى الإجماعُ أن مَن اشتَرط شيئًا مِن ذلك فهو ربًا، فكان الوجهُ
الأولُ مِن الحلالِ البَيِّنِ، والوجهُ الآخَرُ للشرطِ مِن الحرامِ البَيِّنِ . والحمدُ
للَّهِ .
٠
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) مسند ابن أبى شيبة (٨٢٢) - ومن طريقه الطحاوى فى شرح المشكل (٤٣٢٨) -
وأخرجه الدارقطنى ٤٤/٣، ٤٥ من طريق ابن نمير به .
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((المذكور فى صدر هذا الباب)).
والحديث تقدم فى الموطأ (١٤١٤) .
(٤) تقدم تخريجه ص٢٦٣، وينظر ص٣٣٤.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((دين أقرضته))، وفى م: ((دين أقرضه)).
٣٤٠