النص المفهرس

صفحات 261-280

الموطأ
ج
التمهيد
اُلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظَلِمِ﴾ [النساء: ١٤٨]. وهذه الآيةُ نزَلَتْ فى
ء
رجلٍ تَضَّفَ قومًا ، فلم يُضَيِّفُوه ، فَأَبِيحَ له أنْ يقولَ فيهم: إِنَّهم لِقَامٌ لا خَيْرَ
فيهم. ولولا مَنْعُهم له مِن حَقِّ الضِّيافةِ ما جازَ له أنْ يقولَ فيهم ما فيهم ؛
لأَنَّهَا غِيبةٌ مُحرَّمَةٌ. قال ◌َةِ: ((إِذَا قُلْتَ فى أُخيكَ مَا فيه فقد اغْتَبْتَه، وإذَا
قُلْتَ فيه ما ليس فيه فذلكَ البُهْتَانُ))(١) .
وهكذا لمّا كان مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمًا أُبِيعَ لَغَرِيمِه ◌ِرْضُه. ومَعْنَى قَوْلِهِ
فى هذا الحديثِ: ((وعُقُوبَتَه)). واللهُ أعلم، المعاقبةُ له بأَخْذٍ ما له
عندَه مِن مَالِهِ إِذا أَمْكَتَه أخْذُ حَقِّه منه بغيرِ إِذْنِهِ، وكيف أمْكَنَه مِن مَالِه ؛
قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِّ﴾
[النحل: ١٢٦]. وقد شَكَتْ هنْدٌ إلى النبيِّ وَّ أَنَّ زَوْجَها أبا سفيانَ لا يُغْطِیھا
ما يَكْفِيها ووَلَدَها بالمعروفِ، فقال لها: ((خُذِى مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ
ووَلَدَكِ بالمعروفٍ))(٢) . فأمَرَها أنْ تُعَاقِبَه بأَخْذِ ما لَها مِن حَقٍّ عندَه . فهذا
مَعْنَى قَوْلِهِ وَّهِ عندى، واللهُ أعلمُ: ((لَكُ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعُقُوبَتَّه)) .
حدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْدٍ ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٢٢) من الموطأ .
(٢) أخرجه أحمد ٤٠/ ١٤٣، ٢٧٩ (٢٤١١٧، ٢٤٢٣١)، والدارمى (٢٣٠٥)، والبخارى
(٢٢١١)، ومسلم (٧/١٧١٤)، وأبو داود (٣٥٣٢)، والنسائى (٥٤٣٥)، وابن ماجه
(٢٢٩٣) من حديث عائشة .
٢٦١

الموطأ
التمهيد أحمدُ بنُ عمرو ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ،
عن " وَيْرِ بِنِ أَبِى كُلَيلَةً)، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَيُونٍ ، قال : حدَّثَنِی
عَمْرُو بنُ الشَّرِيدِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «لَُ الوَاجِدِ يُحِلّ
عِرْضَه وعُقُوبَتَه))(٢) .
وقد اسْتَدَلَّ جماعةٌ مِن أهلِ العلم والتَّظَرِ على جوازِ حَبْسٍ مَن وجَبَ
عليه أدَاءُ الدَّيْنِ حتى يُؤَدِّيَه إلى صاحبِه، أو تَثْبُتَ عُشْرَتُه، بقولِهِ وَ لَهِ:
((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ )). وبقوله: ((لَُ الوَاجِدِ يُحِلَّ عِرْضَه وعُقُوبَتَه)) . قالوا:
ومِن عُقُويَتِه الحبسُ. هذا إذا كان دَيْنُهُ بعِوَضٍ حاصِلٍ بِيَدِهِ ، إِلَّ أنَّ أكْثَرَ
أصحابِنَا لا يُفَرَّقُون بينَ وُجُوبِ الدَّيْنِ عليه مِن أْلٍ عِوَضٍ ، أو غيرٍ عِوَضٍ؛
لأَنَّ الأَصْلَ عندَهم اليَسَارُ حتى يَثْبُتَ العُدْمُ، وعندَ غيرِهم الأُصلُ فِى النَّاسِ
العُدْمُ؛ لأَنَّ اللهَ لم يُخْرِجْ خَلْقَه إلى الوُجودِ إلَّا فقراءَ، ثم تطرأُ الأَمْلاكُ
عليهم بأسبابٍ مختلفةٍ ، فمَنِ ادَّعَى ذلك فعليه البينةُ ، وأمَّا مَن أقَوّ بالعِوَضِ
فقد أَقَوّ باليَسَارِ؛ فإنِ ادَّعَى الفَقْرَ لم يُقْبَلْ منه بغيرٍ بينةٍ، ومَظْلُه
ومُدافَعَتُه ظُلْمٌ ، وأمَّا إذا صَعَّ يَسَارُه، وامْتَنَعَ مِن أداءِ ما وَجَبَ عليه،
فحَبْسُه واجبٌ؛ لأَنَّه ظالمٌ بإجماع؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا
السِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]. وهذا حديثٌ غريبٌ لا
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ص ١٦: (وبرة بن أبی دلیل)، وفی ص، ص ١٧: «وبر بن أبی دلیل)).
وفى م: ((وبرة بن أبى دليلة)).
(٢) أخرجه أحمد ٢١٤/٣٢، ٢١٥ (١٩٤٦٣)، والبخارى فى تاريخه ٢٥٩/٤، =
٢٦٢

الموطأ
التمهید
یچِىءُ إِلَّ بهذا الإسْنَادِ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال :
حدَّثنا بَكْرُ بنُ حَمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يَحْتَى، عن شُعْبَةً،
عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ ، أَنَّ
رجلًا أَتَى النبىَّ وَِّيَتَقَاضَاه، فأَغْلَظَ له، فهَمَّ به أصحابُه، فقال رسولُ اللهِ
وَ: ((دَعُوه، فإنَّ لصاحبِ الحَقِّ مَقَالًا))(١).
وأمّا قولُهُ: ((وإذَا أُتْبِعَ أحَدُكم على مَلِىءٍ فَلْيَتْبَعْ)). فمعناه الحَوَالَةُ ؛
يقولُ: وإذا أُحِيلَ أحَدُكم على مَلِىءٍ، فلْيَتْبَعْه. وهذا يُبَيِّنُه ويَرْفَعُ الإشكالَ
فيه حديثُ يُونُّسَ بنِ عُبَيْدٍ، عن نافعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَِّ: ((مَطْلُ الغنيّ ظُلْمٌ، وإذا أُحِلَّتَ على مَلِىءٍ فائْبَتْه))(٢). وهذا عندَ
أكْثَرِ الفقهاءِ نَذْبٌ وإرشادٌ لا إيجابٌ، وهو عندَ أهلِ الظَّاهرِ واجبٌ ؛ فقال
ابنُ وَهْبٍ : سألتُ مالِكًا عن تفسيرٍ حديثٍ رسولِ اللهِ وَلَ: ((مَنْ أُتْبِعَ
القبس
= والطبرانى (٧٢٤٩)، والبيهقى ٥١/٦ من طريق أبى عاصم الضحاك بن مخلد به.
(١) أخرجه البخارى (٢٤٠١) عن مسدد به، وأخرجه أحمد ٢٢٨/١٥ (٩٣٩٠)، والبخارى
(٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩)، ومسلم (١٢٠/١٦٠١)، والترمذى (١٣١٧) من
طريق شعبة به ، وسيأتى ص ٣٣٤.
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٢/٩ (٥٣٩٥)، وابن ماجه (٢٤٠٤)، والترمذى (١٣٠٩) من طريق
يونس بن عبيد به .
٢٦٣

الموطأ
التمهيد على مَلِىءٍ، فَلْيَتْبَعْ)). قال مالكٌ: هذا أمرُ ترغيب، وليس بالذى يُلْزِمُه
الشُلْطَانُ الناسَ، ويَتْبَغِى له أنْ يُطِيعَ رسولَ اللهِ وَالتِ. قال: وسألتُ مالِكًا
عن الحولِ بالدَّيْنِ ، فقال: انظُرْ ما أقولُ لكَ: أحِلْ بما قد حَلَّ مِن دَيْنِكَ،
فيما حَلَّ وفيما لم يَحِلِّ، ولا تُحِلْ ما لم يَحْلِلْ فى شىءٍ، لا فيما حَلّ ولا
فيما لم يَجِلَّ .
واخْتَلَفَ الفقهاءُ فى مَعْنَى الحَوَالَةِ ؛ فجُمْلَةُ مَذْهَبٍ مالكِ وأصحابِه
فيها أنَّ مَنِ احْتَال بدَيْنٍ له على رجلٍ على آخَرَ، فقد بَرِئَ المُحِيلُ ، ولا
يرجعُ إليه أبَدًا؛ أَقْلَسَ أو ماتَ، إلّا أنْ يَغُرَّهُ مِن فَسٍ، فإنْ غَرَّه انصرَفَ
عليه ؛ وهذا إذا كان له عليه دَينٌ، فإن لم يكنْ له عليه دَينٌّ فهى حَمَالَةٌ،
ويَرجِعُ إِليه أبدًا ، فإن كان له عليه دَينٌّ فهى الحَوَالَةُ ، ولا يكونُ للمُخْتالِ أن
يُرْجِعَ على المُحيلِ بوَجهٍ مِن الوُجُوهِ، تَوِىَ المالُ(١) أو لم يَتْوَ، إِلَّا أَنْ يَغُوَّه
مِن فَلَسٍ قد عَلِمَه. وهذا كلُّه مذهَبُ الشَّافعىِّ وأصْحابِهِ أيضًا. قال ابنُ
وهب، عن مالكٍ: إذا أُحِيلَ بدَينٍ عليه، فقد بَرِئَ المُحِيلُ، ولا يرجعُ
عليه بمَوْتٍ ولا إِفْلَاسٍ. وقال ابنُ القاسم عنه: إنْ أَحَالَه، ولم يغُرَّه مِن
فَلَسِ علِمَه مِن غَرِیمِه، فلا يرجئُ علیه إذا كان عليهدين له، فإن غرّه ، أو لم
يُكُنْ له عليه شىءٌ، فإِنَّه يرجِعُ عليه إذا أحَالَه. وقال الشَّافعىُ: يَيرُ المُحِيلُ
القبس
(١) توى المال: ذهب فلم يُوج. اللسان (ت ی و).
٢٦٤

الموطأ
بالحَوَالَةِ ، ولا يرجِعُ عليه بمَوتٍ ولا إِفْلاسِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : التمهيد
يَرأُ المُحيلُ بالحَوَالَةِ ، ولا يُرجِعُ عليهِ إلَّ بعدَ التَّوَى ، والتّوَى عندَ أبى حنيفةً
أن يموت المُحالُ علیه مُغلِسًا، أو يخلِفَ ما لَه علیه مِن شیءٍ، ولم يكُنْ
للمُحِيلِ بَيِّنَةٌ. وقال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ : هذا تَوَّى ، وإفلاسُ المُحالِ عليه
أيضًا تَوَّى .
وقال عُثْمَانُ البِّىّ: الحَوَالَةُ لا تُبْرِئُ المُحِيلَ، إِلَّا أن يَشْتَرِطَ البَراءَةَ،
فإن اشْتَرَطَ البَراءَةَ بَرِئَّ المُحِيلُ إذا أحَالَه على مَلِىءٍ، وإن أُحَالَه علی مُفلِسٍ
ولم يُعْلِمه أنَّه مُفلِسٌ فإِنَّه يرجِعُ عليه وإن أَبْرَأَه، وإن أَعْلَمَه أَنَّه مُفلِسٌ
وأبْرَأَه لم يرجع على المُحِيلِ. وقال ابنُ المباركِ، عن الثَّورىِّ: إذا
أَحَالَه على رجلٍ فَأَقْلَسَ، فليس له أن يَرْجِعَ على الآخَرِ إلَّا
بمحضَرِهما، وإن ماتَ وله ورَثَةٌ ولم يترُكْ شيئًا، رجَعَ، حضَرُوا أو لم
يحضُرُوا. وقال اللَِّثُ فِى الحَوالَةِ : لا يُرجِعُ إِذا أفلَسَ المُحالُ عليه.
وقال ابنُ أبى ليلَى: يَتْرَأُ صاحبُ الأصلِ بالحَوَالةِ. وقال زُفَرُ والقاسمُ
ابنُّ مَعنٍ (١)، فى الحَوَالَةِ: له أن يَأْخُذَ كُلَّ واحدٍ منهما بمنزِلَةِ الكَفالَةِ .
القبس
(١) فى ص: ((معين)). وهو القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود أبو عبد الله
الهذلى المسعودى، قاضى الكوفة، قال ابن أبى حاتم : ثقة صدوق، وكان أروى الناس للحديث
والشعر، وأعلمهم بالعربية والفقه، روى له أصحاب السنن. توفى سنة خمس وسبعين ومائة .
تهذيب الكمال ٤٤٩/٢٣، والجواهر المضيئة فى طبقات الحنفية ٢/ ٧٠٨.
٢٦٥

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: لِمَّا قَال ◌َّهِ: ((وإذَا أُحِيلَ أحدُكم - أو أُنْبَعَ أحَدُكم -
على مَلِىءٍ، فَلْيَتَبَعْ)). دَلَّ على أنَّ مَن غَرَّ غَرِيمَه مِن غيرٍ مَلىءٍ لم يكُنْ له أن
يتبَعَه، وكان له أن يَرجِعَ عليه بحقِّه؛ لأنَّه لم يُحلْه على مَلِىءٍ، وإذا أُحَالَه
على مَلِىءٍ، ثم لحِقته بعدَ ذلك آفَةُ الفَلَسِ، لم يكُنْ له أن يَرجِعَ؛ لأنَّه قد
فعَلَ ما كان له فِعلُه، ثم أَتَّى مِن أمرِ اللهِ غيرُ ذلك، وقد كان صعَّ انتقالُ ذمَّةٍ
المُحيلِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، فلا يُفسَخُ ذلك أبدًا، وما اعتَرَاه بعدُ مِن
الفَلَسِ فمُصِيبتُه مِن المُحتالِ ؛ لأَنَّه لا ذمَّةَ له غيرُ ذمَّةٍ غَرِيمِه الذى احتَالَ
عليه . وهذا بيِّنَّ إن شاءَ اللهُ. ومِن حُبَّةٍ أبى حنيفةَ وأصحابِه أنَّ المِلْءَ لَّا
شُرِطَ فى الحَوَالَةِ دلَّ على أنَّ زَوالَ ذلك يُوجِبُ عَودَ المالِ عليه ؛ وشَبَّهوا
بيع١َ) الذِّمَّةِ بِالذِّمَّةِ فى الحَوَالَةِ، كابتياع عبدٍ بعبدٍ ؛ فإذا ماتَ العبدُ قبلَ
القَبضِ بِطَلَ البيعُ، قالُوا: فكذلكَ موتُ المُحالِ عليه مُفلِسًا. قالُوا:
وإفلاسُ المُحالٍ عليه مِثلُ إِبَاقِ العبدِ مِن ◌َدِ البائعِ، فیکُونُ للمُشترِی الخیارُ
فی فسخ البيع، وإن کان قد يُرجَی ◌ُمُوعُه وتَسْلیمُه؛ كذلكَ إفلاسُ
المُحالِ عليه .
"قال أبو عمرَ: أَصَحُ شيءٍ فى الحَوَالَةِ مِن أقوالِ الفقهاءِ، ما ذهب
إليه مالك والشافعيُ، واللهُ أعلمُ) . فهذا ما للعلماءِ فى الحَوَالَةِ مِن
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((شبهه يبيع).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص ١٦.
٢٦٦

الموطأ
١٤١٠ - مالك، عن موسى بن ميسرةً، أنه سمِع رجلًا يَسأَلُ
سعيدَ بنَ المسيَّبِ ، فقال: إنى رجلٌ أبيعُ بالدَّينِ. فقال سعيدٌ : لا تَبِغْ
إلا ما آوَيْتَ إلى رَحِلِكَ .
المَعَانى، والأصلُ فيها حديثُ هذا البابِ، والحَوَالَةُ أصلٌ فى نفسِها، التمهيد
خارجَةٌ عن بيع(١) الدَّينِ بالدَّينِ، (٢ وعن تَيْعِ ذهَبٍ بذهَبٍ ، أو ورِقٍ بوَرِقٍ،
وليس يدًا بَيَدٍ)، كما أنَّ العَرايَا أصلٌ فى نفسِها خارجٌ عن المُزَابنَّةِ،
وكما أنَّ القِراضَ والمُساقَاةَ أصلان فى أَنفُسِهما خارجَان عن معنَى
الإجاراتِ ، فَقِفْ على هذه الأصولِ تفْقَة ، إن شاءَاللهُ، وليس هذا موضِعَ
ذكرِ الكَفالَةِ . واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوابِ .
الاستذكار
مالكٌ، عن موسى بنٍ ميسرةً، أنه سمع رجلًا يسألُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ،
فقال له: إنى رجلٌ أبِيعُ بالدَّينِ. فقال سعيدٌ: لا تَبِعْ إلا ما آويتَ إلى
رَخْلِك (٣) .
هذا خبرٌ فيه من الفقهِ النهى عن الدَّينِ بالدَّينِ، وعن بيعِ ما ليس
عندَك، وهما معنيان قد مضَى القولُ فيهما .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ١٧، م.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ص ١٧.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٢٥)، وبرواية يحيى بن بكير (٦/١٠ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٦٧٥).
٢٦٧

الموطأ
قال مالكٌ فى الذى يشترِى السلعةً من الرجلِ على أن يُوَفِيُّه تلكَ
السلعةَ إلى أجلِ مسمَّى ؛ إِمَّا لشُوقٍ يرجو نَفاقَها فيه، وإمَّا لحاجةٍ فى
ذلك الزمانِ الذى اشترَط عليه، ثمّ يُخلِفُه البائعُ عن ذلك الأجلِ،
فيُريدُ المشترى رَدَّ تلك السلعةِ على البائع : إن ذلك ليسَ للمشترِى،
وإن البيعَ لازم له، ولو أن البائعَ جاءَ بتلك السلعةِ قبلَ مَحِلُّ الأجل لم
يُكرَّهِ المشترى على أخذِها .
الاستذکار
قال مالكٌ فى الذى يشترِى السلعةَ مِن الرجلِ على أن يُوَفِّيَّه تلك السلعةَ
إلى أجلٍ مُسَمَّى؛ إما لسوقٍ يرجو نَفَاقَها فيه، وإما لحاجةٍ فى ذلك
الزمانِ الذى اشتَرط عليه، ثم يُخلِفُه البائعُ عن ذلك الأجلِ، فیریدُ
المُشترِى رَدَّ تلك السلعةِ على البائع: إن ذلك ليس للمُشترِى، وإن
البيعَ لازم له، ولو أن البائعَ جاء بتلك السلعةِ قبلَ مَحِلِّ الأجلِ لم
يُكْرَهِ المُشترِى على أخذِها .
قال أبو عمرَ: أما قولُه : لو أن البائعَ جاء بتلك السلعةِ قبلَ مَحِلِّ الأجل
لم يُكْرَهِ المُشترِى على أخذِها. فهو كذلك عند سائرِ العلماءِ؛ لأن
أغراضَ (١) الناسِ ومنافعَهم تختلفُ فى ("الآجالِ التى يضربونها) للسلعِ
التى يبتاعونها، وليست السلعُ كالدنانيرِ والدراهم التى يلزَمُ من عُجِّلت له
القبس
(١) فى الأصل، ح، م: ((أعراض)).
(٢ - ٢) فى ح: ((الاحتيال)).
٢٦٨

الموطأ
قبلَ مَحِلٌّ أجلِها أخذُها؛ لأنها لا مؤنةً لها ، ولا يختلِفُ العَرْضُ فيها وإن الاستذكار.
اختلف ما يُصرفُ فيه .
وأما مَن سلَّم فى شىءٍ مِن المأكولِ أو الحيوانِ (" إلى أجلٍ() له فيه منفعةٌ
إذا قبضه عندَ ذلك الأجلِ، فقد اختلف العلماءُ فى ذلك، واختلف فيه
أصحابُ مالكِ؛ فروَى أشهبُ وابنُ وهبٍ، عن مالكٍ فيمنَ سلِّم فى
كِبَاشِ يُؤْتَى(٢) بها فى الأضحى، فلم يأتِه بها حتى مضَى الأضحى ، أنه
يلزَمُه أخذُها ، كما لو سلَّم فى قطائفَ(١) فى الشتاءِ، فَأَتَى بها المسلِّمُ إليه
فى الصيفِ ، أو سلَّم فى قمح لإَّانِ يغْلُو(٤) فيه، (°فيأتى به°) بعد ذلك،
كلُّ ذلك يلزَمُه أن يقبلَه. وهذا معنى ما ذكّره فى ((الموطأ)). قال(٦)
ابنُّ وهبٍ: وقال غيره: لا يلزَمُه أخذُها - يعنى الضَّحايا - إذا أتاه بها
بعدَ الأضحى بيوم أو يومين. قال أشهبُ : قيل له: فالرجلُ يتكارَی
إلى الحجّ، فيأْتِيه بعدَ (٢) إِبَّانِ الحجّ، أَيكونُ مثلَ ذلك؟ يعنى ما تقدَّم
القبس
(١ - ١) سقط من: ح.
(٢) فى ح: ((يوفى)).
(٣) فى الأصل، م: ((وصائف)). والقطائف جمع قطيفة وهى دثار له خَمْل. المصباح المنير (ق ط
ف).
(٤) فى ح: ((لغلو)).
(٥ - ٥) فى ح: ((فيأتيه)).
(٦) بياض فى ح، وفى م: ((قاله)).
(*) هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ((هـ)) والمشار إليه فى ٣٨١/١٦.
٢٦٩

الموطأ
الاستذكار ذكرُه مِن الضَّحايا والقَطائفِ (١) . قال: ليس الحجُ مِن هذا فيما أرى،
ولا هو مثلَه.
قال أبو عمرَ: ألزمه (٢) مالكٌ أخذَ الضحايا بعدَ الأضحى، والقطائفِ(١)
بعدَ انقضاءِ الشتاءِ قياسًا ، واللهُ أعلمُ، على غيرِها مِن السلع المُسلّم فيها ،
وعلى الدنانيرِ والدراهم يشترطُ فيها أجلًا، فلا يُؤَفِيه إلا بعدَ الأجلِ.
ومَن "أتى من٣) ذلك قال: لم أدفع فى ثمنٍ ما سأَّمتُ إليك فيه مِن
الضحايا وشِبهِها، إلَّ لتأتِيَنى بها(٤) فى وقتٍ أُدرِكُ سوقَها، فلذلك شرّطتُ
عليك ذلك الوقتَ ، والمسلمون عندَ شروطِهم . وقاسَه على المُکترِی إلى
الحجّ ، لا يأتيه كَرِيُّه بالراحلةِ(٤) إلَّا بعدَ انقضاءِ الحجّ، أو فى وقتٍ لا يُدرِكُ
فيه الحجّ، فلم يَلزَمْه أخذُ ذلك .
وقال الشافعى: كلُّ من سلَّف فى شىءٍ ، فجاء به المُسلَّفُ إليه خلافَ
جنسِه أو صفتِه، أو خالَف فى منفعةٍ أو ثمنٍ، كان له ألا يَقْبَلَه . قال : ولو
جاءه به قبلَ مَحِلُّه؛ فإن كان نُحاسًا أو تِبْرًا، أَو عَرْضًا غيرَ مأكولٍ ولا
القبس
(١) فى م: ((الوصائف)).
(٢) فى ح: ((ما لزمه))، وفى م: ((ما ألزمه)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((ابان)).
(٤) سقط من : ح ، م.
٢٧٠

قال مالكٌ فى الذى يَشترِى الطعامَ فيَكتالُه، ثمَّ يأتيه مَن يَشترِيه الموطأ
مشروبٍ، ولا ذى رُوحٌ(١)، أجبرتُه على أخذِه، وإن كان مأكولًا أو الاستذكار
مشروبًا ، فقد یرید(٢) أكله وشُوبه جدیدًا ، وإن کان حيوانًا فلا غنى به عن
العَلَفِ والرعى ، فلا يُجبرُ على أخذِه قبلَ مَحِلُّه؛ لأنه يلزَمُه فيه مؤنةٌ إلى أن
ینتهىَ إلى وقتِه(٢) .
قال أبو عمرَ: يجبُ على أصلِه هذا إذا كان لا يَلزمُه أخذُه، لِمَا فيه
عليه مِن المؤنة إلى وقتٍ حِلُّهُ(٤)، ألا يَلزَمَه أخذُه أيضًا إذا فاتَتِ السوقُ أو
الموسمُ الذى له قُصد بالشراءِ كالضحايا وشِبهِها؛ لأن ما يفوتُه هنا
مِن الفائدةِ كالذى يلحَقُه فيه مِن المؤنةِ قبلَ الأجلِ إلى وقتٍ حلولِه .
والقياسُ ما قاله مالكٌ أنه يلزَمُه أخذُه؛ لأنه ليس بمظلِمةٍ() له فى
المَطْلِ والتأخيرِ عن الوقتِ تُبطلُ صفقتَه وتُفسِدُ ما كان صحيحًا مِن
بيعِه . واللهُ أعلمُ .
قال مالكٌ فى الذى يَشْترِى الطعامَ فيَكْتَالُه، ثم يأتيه مَن يَشترِيه منه،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((زوج).
(٢) فی ح: «یری)).
(٣) فى ح: ((أکله)).
(٤) فى الأصل: ((كله))، وفى م: ((مثله)).
(٥) فى الأصل، م: ((بظلمة)).
٢٧١

الموطأ منه ، فيُخبِرُ الذى يأتيه أنه قد اكتاله لنفسِه واستوفاه ، فيُريدُ المبتامُ أن
◌ُصدّقه ویأخذه بگیله ، أنه ما بیعَ على هذه الصفة بنقدٍ فلا بأس به ، وما
بيعَ على هذه الصفةِ إلى أجلٍ فإنه مكروة حتى يَكتالَه المشترِى الآخَرُ
لنفسِه ، وإنما كُرِهِ الذى إلى أجلٍ؛ لأنه ذريعةٌ إلى الرِّبا، ويُتَخَوَّفُ أن
ژدار ذلك على هذا الوجه بغیر کیلٍ ولا وزن ، فإن کان إلى أجل فهو
مكروة ، ولا اختلافَ فيه عندَنا .
الاستذكار فيُخبِرُ الذى يأتيه أنه قد اكتاله لنفسِه واسْتَوفاه(١) ، فيريدُ المُبتائحُ أن
يُصَدِّقه ویأخذَ بگیله أنه ما یبعَ على هذه الصفة ( بنقدٍ فلا بأس به ، وما بِيع
على هذه الصفةِ ) إلى أجلٍ فإنه مكروة حتى يكتالَه المُشترى الآخرُ لنفسِه،
وإنما كُرِه الذى إلى أجلِ ؛ لأنه ذريعةٌ إلى الربا، ويُتَخَوَّفُ أن يُدارَ ذلك
على هذا الوجه بغیر کیْلٍ ولا وزنٍ ، فإن كان إلى أجلٍ فهو مكروة، ولا
اختلافَ فيه عندَنا .
قال أبو عمرَ: اختلافُ العلماءِ فى هذه المسألةِ فى البيعِ كهو (3) فى
السَّلَمِ .
القبس
(١) فى الأصل: ((بعد)).
(٢) فى ح: ((اشتراه)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
(٤) فى الأصل، م: ((كهذا)).
٢٧٢

الموطأ
وكذلك روَى ابنُ القاسم وغيرُه عن مالكِ ، قال: إذا قال المُسلّمُ إليه الاستذكار
للمُسَلَّم: هذا كُهُ(١) قد كِلْتُهَ. وصدَّقه المُسَلَّمُ، جاز له أن يأخذَه بذلك
الكَثِلِ. وكذلك "لو كان٢) المُسَلَّمُ إليه(٣) اشتراه (٢ مِن غيرِه) وقبَضه،
جاز للمُسَلَّمِ أخذُه بذلك.
قال أبو عمر: الذی کرِهه مالك فى البيع إلى أجل ، وجعله ذريعةً إلى
الرّبا، معناه أنه لم يُصدِّفْه إلا مِن أجلِ الأجلِ، فكأنه أخَذ الأجلَ ثمنًا ؛ لأنه
يُمكِنُ أن يكونَ دونَ ما قاله له مِن الكيلِ، فرضِى بذلك للأجلِ ) ، فصار
إذا كان كذلك ربًا ؛ لِمَا وصَفنا، ولهذا، واللهُ أعلمُ، أدخَل مالكٌ هذه
المسألةَ فى بابٍ الربا فى الدَّينِ. وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعىُ، والليثُ بنُ سعدٍ: إذا اكتالَ المُسَلَّمُ
إليه كُوَّا لنفسِه من بائعِه، ثم سلَّمه إلى المُسَلَّمِ بغيرِ كَئِلٍ، لم يَجُزْ ذلك،
وليس له أن يبيعَه ولا يتصرّفَ فيه بأكلٍ ولا غيرِه حتى يكْتَلَه.
قال أبو عمرَ : أصلُهم فى هذا أنه لَمَّا كان المُصدَّقُ القابضُ لِمَا ابتاعه
القبس
(١) سقط من: م. والكر: مكيال لأهل العراق وهو عندهم ستون قفيزا، وعند أهل مصر أربعون
إردبا، وبالمكاييل المعاصرة ٥٦,١٩٧٨ لترًا. ينظر التاج (كرر)، والمقادير الشرعية. ( مجلة
الشريعة الإسلامية ) ص ٢٧٢ .
(٢ - ٢) سقط من: ح .
(٣) فى ح، م: ((الذى)).
(٤) فى الأصل، م: ((الأجل)).
٢٧٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/١٧ )

الموطأ
الاستذكار مِن الطعام مِن سَلَم أو غيره، لا يجوز له أن تبيعه حتی یکتاله ؛ لحديثِ ابنِ
عباسٍ، "عن النبيِّ وَّةٍ)) أنه قال: ((مَن ابتاعَ طعامًا فلا بِئْه حتى
يكتالَه))(١). " وهذا عندَهم تفسيرُ معنى حديثٍ ابنِ عمرَ ، عن النبيِّ
ژاڵ : (لا ییغه حتی یشتوفیه»(٤) . والاستیفاءُ لا یکونُ إلا بالگیلِ فیما بیعَ
كَيْلًا - كان كذلك سائرُ التصرفِ، ودَلَّ على أن مَن لم يَكْتَلْ ولم يستوفٍ
على ذلك ، لا يَصِحُ قبضُه؛ معلومًا (٥)؛ لإمكان الزيادة فيه والنُّقْصانِ . وقال
الشافعىُّ: فإن هلَك ذلك الطعامُ(١) فى يدِ المُشترِى قبلَ أن يَكِيلَه، فالقولُ
قولُه فی الگتِلِ مع يمينه .
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن استهلَكه
المُشترِى ( وتصادقاً) أنه مُوّ، كان مُستوفِيًا. وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ :
إن استهلَكه المُشترِى ضمِن قیمتَه، كالبيع الفاسدِ. وقال أبو ثور : القولُ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ح ، م.
(٢) تقدم تخريجه فى ٥٢٦/١٦، ٥٢٧ .
(٣ - ٣) سقط من: ح.
(٤) تقدم فى الموطأ (١٣٦٥).
(٥) فى ح: (( قالوا)).
(٦) بعده فى الأصل، م: ((فذلك الطعام)).
(٧ - ٧) سقط من: ح، وفى م: ((وتصادفا)).
٢٧٤

قال مالكٌ: لا ينبغى أن يُشتَرِى دَينٌ على رجلٍ غائبٍ ولا حاضرٍ إلا الموطأ
بإقرارٍ من الذى عليه الدَّيْنُ، ولا على ميِّتٍ ، وإن عُلِم الذى ترَك
الميّتُ؛ وذلك أن اشتراءَ ذلك غَررٌ، لا يُدرَى أَيَتِمُ أم لا يَمُ .
فيه قولُ المُشترِى مع يمينِه، ويَرجعُ عليه بما بقِى، وإن باعه كان بيعُه الاستذكار
جائزًا .
وروَى ابنُّ وهبٍ فى ((موطئِه)) عن مالكِ ، أنه سُئل(١) عن رجلٍ ابتاع
مِن رجلٍ طعامًا ، وأخَذه بكَيْلِه الأولِ(٢) وصدَّقه فيه، فلما حازه به كالَه،
فوجَد فيه زيادةَ إردبّ أو إردئَين، أترى أن يَؤُدَّ ذلك على البائع؟ قال: إن
كان ذلك شيئًا بيِّنًا فنعم .
قال أبو عمرَ : يعنى أنه ما زاد على ما يمكِنُ أن يكونَ بينَ الکیلین فعلیه
رَدُّه، وما كان معهودًا مثلُه بينَ الأكيالِ فليس عليه رَدُّه، وأما إن وجده
ناقصًا فالقولُ قولُ البائع عندَ مالكِ مع يمينِه؛ لأنه قد صدَّقه المُشترِى إِذْ()
قبضه منه بقوله .
قال مالكٌ: لا ينبغى أن يُشترى دَيْنٌ على رجلٍ غائبٍ ولا حاضرٍ إلا
بإقرارٍ من الذى عليه الدَّينُ ، ولا على ميتٍ ، وإن عُلِمِ الذى ترَك الميتُ ؛
القبس
(١) فى الأصل، م: ((سأل)).
(٢) فى الأصل، م: ((الأقل)).
(٣) فى ح، م: ((إذا)).
٢٧٥

الموطأ قال: وتفسيرُ ما كُرِه من ذلك؛ أنه إذا اشترَى دَينًا على غائبٍ أو
ميِّتٍ ، أنه لا يَدرِى ما يَلحَقُ الميّتَ من الدَّينِ الذى لم يَعلَمْ به ، فإن
لحِقَ الميتَ دَينٌ، ذهَب الثمنُ الذى أعطَى المبتاعُ باطلا .
قال مالكٌ: وفى ذلك أيضًا عيبٌ آخَرُ؛ أنه اشتَرَى شيئًا ليسَ
بمضمونٍ له ، وإن لم يَتَمَّ ذهَب ثمنُه باطلا ، فهذا غَرَرٌ لا يصلُحُ .
الاستذكار وذلك أن اشتراءَ ذلك غَرَرٌ، لا يُدرى أَيَّمُ ذلك أم لا يَمُّ .
قال أبو عمرَ: هو كما قال عندَ سائرِ العلماءِ؛ لأن الغائبَ ربما أنكَر
الدَّينَ، أو أتَى بالبراءةِ منه إذا حضَر. وكذلك الحاضرُ ما لم يُقِرّ(١)،
والميتُ فى ذلك كذلك؛ لأنه قد يَثْبُتُ(٢) عليه ديونٌ تستغرِقُ مالَه أو
أكثرَه . وعلى هذا أو نحوِه فسَّره مالكٌ فى كتابِه، فقال: وتفسيرُ ما كُرِه
مِن ذلك؛ أنه إذا اشترى دَيْنًا على غائبٍ أو ميتٍ ، أنه لا يَدرِى ما يَلْحَقُ
الميتَ مِن الدَّيْنِ الذى لم يَعلمْ به ، فإن لحِقَ الميتَ دَيْنٌّ ذهَب الثمنُ الذى
أعطَى المُبتائ باطلًا .
قال مالك : وفى ذلك أيضًا عیب آخر ؛ أنه اشترى شيئًا ليس بمضمون
له، وإن لم يَمَّ ذهَب ثمنُه باطلًا، فهذا غَرَرٌّ لا يصلُحُ .
القبس
(١) فى م: ((يعرف)).
(٢) فى ح، م: ((ثبتت)).
٢٧٦

قال مالكٌ: وإنما فُرِقَ بينَ ألَّ يبيعَ الرجلُ إلا ما عندَه، وأن يُسلِّفَ الموطأ
الرجلُ فى شىءٍ ليسَ عندَه أصلُه ؛ أن صاحبَ العِينةِ إنما يَحمِلُ ذهبَه
التى تُريدُ أن يبتاعَ بها ، فيقولُ : هذه عشَرةُ دنانيرَ، فما تُريدُ أن أَشترِىَ
لكَ بها؟ فكأنه يبيعُ عشرةَ دنانيرَ نقدًا بخمسةَ عشَرَ دينارًا إلى أجلٍ ،
فلهذا كُره ذلك، وإنما تلك الدُّخْلةُ والدُّلسةُ .
قال مالكٌ: وإنما فُرِق بينَ ألا يبيعَ الرجلُ إلا ما عندَه، وأن يُسلِّفَ الاستذكار
الرجلُ فی شیءٍ لیس عنده أصلُه ؛ أن صاحبَ العِینة إنما یحمِلُ ذهبه التى
يريدُ أن يبتاعَ بها ، فيقولُ : هذه عشَرةُ دنانيرَ، فما تريدُ أن أشترىَ لك بها؟
فكأنه يبيعُ عشَرةَ دنانيرَ نقدًا بخمسةَ عشَرَ دينارًا إلى أجلِ، فلهذا كُرِهِ
ذلك، وإنما هى الدُّخْلَةُ والدُّلْسَةُ. وقد تقدَّم هذا المعنى فى بابِ العِينةِ
مُجَوَّدًا. والحمدُ للهِ .
القبس
٢٧٧

الموطأ
ما جاء فى الشركةٍ والتوليةٍ والإقالة
١٤١١ - قال مالك فى الرجل يبيعُ البَزَّ المُصَنَّفَ ويستثنِی ثيابًا
برُقُومِها ، أنه إنِ اشترَط أن يختارَ من ذلك الرَّقْمَ فلا بأسَ به، وإن لم
يشترط أن يختار منه حین استثنى ، فإنی أراه شریکا فی عددِ البُزِّ الذى
اشترى منه ؛ وذلك أن الثوبین یکونُ رَقْمُهما سواءً، وبينهما تفاوتٌ فى
الثمنِ .
الاستذكار
بابُ الشركةِ والتوليةِ والإقالةٍ
قال مالكٌ فى الذى يبيعُ البَزَّ المُصَنَّفَ ويستثنى ثيابًا (١) برُقُومِها ، أنه إن
اشترط أن يختارَ مِن ذلك الرَّقْمَ فلا بأسَ به، وإن لم(١) يشترِطْ أن يختارَ منه
حین استثنى ، فإنی أراه شریکا فی عدد البُزِّ الذی اشتُرِى منه؛ وذلك أن
الثوبَيْن يكونُ رُقومُهما سواءً، وبينَهما تفاوتٌ فى الثمنِ (١).
قال أبو عمرَ : قد تقدَّم فى بابِ الثُّنيا مِن هذا الكتابِ أن أكثرَ العلماءِ لا
يُجِيزون أن يُستثنَى مِن جملةٍ (٢ الثيابٍ و"الغنم والدوابٌ، وما أشبه ذلك،
القبس
(١) بعده فى الأصل، ح: ((مرقومة)).
(٢) سقط من: م.
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٦٨٠).
(٤ - ٤) سقط من: ح، هـ.
٢٧٨

قال مالكٌ: والأُمرُ عندَنا، أنه لا بأسَ بالشِّرْكِ والتَّوْليَّةِ والإقالةِ فى الموطأ
الطعامِ وغيرِهِ ، قبَض ذلك أو لم يقبِضْ ، إذا كان ذلك بالنقدِ ، ولم يكنْ
فيه ربحٌ ولا وَضيعةٌ ولا تأخيرٌ، فإن دخَل ذلك ربحٌ أو وَضيعةٌ أو تأخيرٌ
من واحدٍ منهما ، صار بيعًا يُحِلَّه ما يُحِلّ البيعَ، ويُحرِّمُه ما يُحرِّمُ البيعَ،
وليس بشركٍ ولا تَوليةٍ ولا إقالةٍ .
شىءٌ(١) يختارُه البائعُ؛ لأن ما عدا المختارَ ليس بمعلومٍ(١) عندَهم، الاستذكار
وكذلك مَن استثنَى مِن التمرِ أو الصُّبَرِ كيلاً ، وقد تقدَّم هذا المعنى فلا وجه
لتكرارِهِ . وقولُ مالكِ هذا على أصلِه، وقد بيَّن وجه(٢) قولِه .
قال مالكٌ: والأمرُ عندَنا، أنه لا بأسَ بالشركِ والتوليةِ والإقالةِ فى
الطعامِ وغيرِهِ ، قَبَض ذلك أو لم يقبِضْ ، إذا كان ذلك بالنقدِ ، ولم يكنْ فيه
ربح ولا وضيعةٌ(٤) ولا تأخيرٌ، فإن دخلَ ذلك ربح أو وَضِيعٌ أو تأخیرٌ مِن
واحدٍ منهما ، صار بیعًا يُحِلُّ ما يُحِلَّ البیعَ، ويُحرِّمُه ما يُحرِّمُ البیعَ ، ولیس
بشِرْكٍ ولا توليةٍ ولا إقالةٍ .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((شيئا)).
(٢) فى الأصل، م: ((بزائد)).
(٣) ليس فى: الأصل.
(٤) وضيعة: خسارة. التاج (وضع).
٢٧٩

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : لا خلافَ بينَ العلماءِ أن الإقالةَ إذا كان فيها نُقْصانٌ أو
زيادةٌ أو تأخيرٌ ، أنها بيعً، وكذلك التوليةُ والشركةُ، وقد نهَى رسولُ اللهِ
رَِّ عن بيعِ الطعامِ حتى يُستوفَى. وإنما اختلفوا فى الإقالةِ على وجهِها بلا
زيادةٍ، ولا نُقْصانٍ، " ولا نظِرةٍ، هل١) هى بيعٌ فيحِلَّ فيها ويَحْرُمَ ما يحِلُّ
فى البيعِ ويحرُمُ؟ أم هى معروفٌ وإحسانٌ وفعلُ خيرٍ ليست ببيعٍ؟ وكذلك
الشركةُ (" والتوليةُ(٢) - فذهَب مالكٌ إلى أن الشركةَ والتوليةَ والإقالةً
جائزٌ ذلك كلُّه فى السَّلَمِ قبلَ قبضِه وفى الطعامِ كلِّه؛ لأنه مِن فعلِ
الخيرِ وصُنْعِ المعروفِ، والحُجَّةُ له قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَفْعَلُواْ
اَلْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقولُ رسولِ اللهِ وَله: ((كلَّ معروفٍ
صدقةً))(٣).
وقد لزِم الإقالةَ والتوليةَ والشركةَ اسمٌ غيرُ اسم البيع، فلذلك(٤) جاز
ذلك فى السَّلَمِ، و(٥)الطعامِ قبلَ الاستيفاءِ والقبضِ.
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((ولا))، وفى م: ((لا نظرة ولا)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٥٠) من الموطأ .
(٤) فى الأصل، م: ((فكذلك)).
(٥) فى ح، هـ: ((فى)).
٢٨٠