النص المفهرس

صفحات 381-400

الموطأ
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ، فمَن ابْتَاعَها التمهيد
بعد ذلك فهو بخير النَّظَرِئْن بعدَ أن يَخْلُبها ؛ إِن رَضِتها أمْسَگها ، وإن
سَخِطَها ردَّها وصاعًا مِنْ تمرٍ)). فقد اخْتَلَف العلماءُ فى القولِ بهذا
الحدیث ؛ فمنهم من قال به ، ومنهم مَنرَگّه ولم يَستَعمِلْه . وممّن قال به ؛
مالكُ بنُّ أَنسٍ ، والشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وجمهورُ أهلِ الحديثِ .
ذكّر أسدٌ، وسُحْنُونٌ، عن ابنِ القاسم، أنَّه قال له : أَيَأْخُذُ مالكٌ بهذا
الحديثِ ؟ فقال: قلتُ لمالِكِ: تَأْخُذُ بهذا الحديثِ ؟ قال: نعم. وقال
مالكٌ: أوَ لأُحَدٍ فى هذا الحديثِ رأى؟ قال ابنُ القاسم: وأنا آخُذُ به، إلَّ
أن مالكًا قال لى: أرَى لأَهلِ البلدانِ إذا نزل بهم هذا أن يُعْطُوا الصَّاعَ مِن
عَيْشِهم. قال: وأهلُ مِصرَ عَيشُهم الحِنْطَةُ .
قال أبو عمرَ: رَدَّه أبو حنيفةَ وأصحابُه، وزعَم بعضُهم أنه منسوخٌ،
وأَنَّه كان قبلَ تحريم الرِّبًا ، وبأشياءَ لا يَضْلُحُ لها معنًى إلا مجردَ الدعوى،
وقد روَى أُشْهبُ عن مالك نحوَ ذلك. ذكَر العُتْبِئُ مِن سَماع أُشْهَبَ عن
مالكِ، أَنَّ سُئِل عن قولِ رسولِ اللهِ وبَله: ((مَن ابْتَاعِ مُصَرَّةً فهو بِخَيْرِ
النَّظَرَيْنِ بعدَ أَن يَحْلُبَها؛ إن شاء أمسكها، وإن شاءردَّها وصاعًا مِنْ تمرٍ )).
فقال: قد سمِعتُ ذلك، وليس بالثابتِ ولا المُوَطّأُ عليه، ولئنْ لم يكنْ
ذلك أن له اللبنَ بما أعْلَف (١) وضَمِن. قيل له: نَراكَ تُضَعِّفُ الحديثَ؟
القبس
(١) فى ص١٦: ((احتلبه)).
٣٨١

الموطأ
التمهيد فقال: كلَّ شيءٍ يُوضَعُ مَوْضِعَه، وليس بالمُوَطَّأَ ولا النَّابِتِ ، وقد سَمِعْتُه .
قال أبو عمرَ: هذه روايةٌ مُتْكَرَةٌ ، والصحِيحُ عن مالكِ ما رواه ابنُ
القاسم، والحديثُ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ صحيح من جهةٍ النقلِ ، رَواه
جماعةٌ عن أبى هريرةَ؛ منهم موسى بنُّ يسارٍ(١) ، وأبو صالحِ السمَّانُ(٣)،
وهَمَّامُ بنُّ مُنَبِّهُ(١) ، ومحمدُ بنُ سيرينَ؛ ومحمدُ بنُ زیادٍ ، بأسانِيدَ صحاحِ
ثابتةٍ ؛ فروايةُ الأعرج قد ذكّرناها مِن حديثٍ مالكٍ.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عیسی ، قال : حدثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حَبابةَ ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمد البغوىُّ، قال: حدثنا جَدِّى ، قال:
حدثنا یزیدُ بنُ هارون ، قال : حدثنا شعبةٌ، عن محمد بن زیادٍ ، عن أُمی
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَن اشْتَرَى مُصَرَّةً فهو بالخيارِ ثَلاثًا ،
وإن رَدَّها رَدَّ معها صاعًا من تمرٍ))(٤).
وحدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسم بنِ عیسی ، قال: حدثنا عُبیدُ اللهِ بنُ حَبابةً ،
قال : حدثنا البَغَوِىُّ، قال : حدثنا علىُّ بنُ الجعدِ ، قال : حدثنا أبو جعفر
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٩٢، ٣٩٣.
(٢) أخرجه أحمد ٢٣٢/١٥ (٩٣٩٧)، ومسلم (٢٤/١٥٢٤) من طريق أبى صالح به .
(٣) أخرجه أحمد ٥٢٥/١٣ (٨٢١٠)، ومسلم (٢٨/١٥٢٤) من طريق همام به.
(٤) البغوى فى الجعديات (١١٣٧). وأخرجه أحمد ٣٤٣/١٥ (٥٩٥٩)، وأبو عوانة (٤٩٥٩)
من طريق شعبة به، وأخرجه أحمد ٥٥٠/١٤ (٩٠٠٦)، والترمذى (١٢٥١) من طريق محمد بن
زیاد به .
٣٨٢

الموطأ
الرَّازِىُّ، عن هشامٍ، عن ابنٍ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ التمهيد
◌َالتر : «مَن اشتری مُصَوَّاً فهو بالخيارِ ثلاثةَ أيام، فإن ردًّها رَدَّ معها صاعًا
مِنْ تمرٍ لا سَمْرَاءَ)) (١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدثنا ابنُ
وَضَّاحِ، قال : حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدثنا أبو أسامةً ، عن
هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ
وستا
فذكره حَرفًا بحرفٍ، وزادَ: ((لا سَمْرَاءَ)). يعنى الحِنْطَةَ(٢).
قال أبو عمرَ: أمّا قولُه فى حديثٍ أبي الزنادِ: (( ولا تُصَرُّوا الإِبِلَ
والغنمَ ، فمَن ابتاعَها)). يُرِيدُ مَن ابتاع المصَرَّةَ مِن الإبلِ والغنم . والمصَرَاةُ
هى المحَفِّلَةُ ، سُمِّيَتْ مُصَرَّةً لأنَّ اللبنَ صُرِّى فى ضَرْعِها أيامًا حتى اجْتَمَع
وكَثُر. ومعنَى صُرِّى: مُحيِس، فلم تُحْلَبْ حتى عَظُمْ ضَرْعُها به لِيَغْتَرَّ
المشْتَرِى بذلك، ويَظُنّ أن تلك حالُها، وأصلُ التَّصريةِ حَبْسُ الماءِ
وجَمْعُه، تقولُ العربُ منه: صَرَّيْتُ الماءَ. إذا حَبَسْتَه، وليس هذا اللفظُ
مِن الصِّرَارِ والتَّصْرِيرِ، ولو كان منه لكانت مَصْرُورَةً لا مُصَرَّةً ، وإنَّما قيل
للمُصَرَّةِ: المحَفِّلَةُ. لأن اللبنَ الْتَمَع فى ضَرْعِها، فصارَتْ حافِلًا،
القبس
(١) البغوى فى الجعديات (٣٠٢٢). وأخرجه أحمد ٣٤٥/١٦ (١٠٥٨٦)، والدارمى
(٢٥٩٥)، وأبو داود (٣٤٤٤) من طريق هشام به .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٣٩) عن ابن أبى شيبة به .
٣٨٣
٠٠٠

الموطأ
التمهيد والشاةُ() الحافِلُ: الكثيرةُ اللبنِ، العظيمةُ الضَّرْع، ومنه قيل: مجلس
حافِلٌ ومُحْتَفِلٌ. إذا كَثُر فيه القومُ. وهذا الحديثُ أصلّ فى النهي عن
الغشِ، وأصلُ فيمَن دُلِّس عليه بعيبٍ(٢) ، أو وجَد عَيْبًا بما ابْتَاعَه، أَنَّه
بالخِيارِ فى الاسْتِمْساكِ(١) أو الرَّدِّ، وهذا مُجْتَمَعٌ عليه(٤) فى الرَّدِّ بالعُيُوبِ،
گلُّھم یجعَلُ حدیثَ المصرّاةِ أصلا فى ذلك . وأما استعمالُ الحديث فى
المصرّاةِ على وجهِه، فمختَلَفٌ فيه ، قال به أكثر أهلِ الحجازِ ، واستعملوا
كثيرًا من معانيه، ومِن أهلِ العلمِ بالعراقِ والحجازِ من يأتى استعمالَ
حديثٍ المصرَّةِ، واخْتَلَف الذين أَبُوا ذلك؛ فقال منهم قائلُون: ذلك
خُصُوصٌ فى المُصرَّةِ ، غيرُ مُستَعمَل فى غيرِها ؛ لأن اللبنَ المحلُوبَ منها
فيه للمُشْتَرِى حَظٍّ، لأن بعضَه حَدَث فى مِلْكِه، فهو غَلّةً(٥) له. وذكروا
قولَه وَله: ((الخرائج بالضَّمانِ))(١). و: ((الغَلَّةُ بالضَّمانِ))(١). قالوا:
والغَلَّةُ والكَشْبُ لما(٨) كانا عندَ الجميع بالضَّمَانِ، كان رَدُّ الصَّاعِ
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ص ١٦.
(٢) بعده فى ص، ص ١٧: ((أنه يرد عليه بيعه إن شاء المبتاع وأصل فيمن دلس عليه بعيب)).
(٣) فى ص١٧: ((الاسترسال)).
(٤) بعده فى ص، ص ١٧، م: ((بالمدينة)).
(٥) الغلّة: الدخل الذى يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنّتاج ونحو ذلك. النهاية ٣/ ٣٨١.
(٦) سيأتى تخريجه ص ٣٨٥ - ٣٨٧.
(٧) سيأتى تخريجه ص٣٨٦ .
(٨) فى ص، ص ١٧: ((إنما)).
٣٨٤

الموطأ
خصُوصًا فى المُصَرَّةِ .
التمهيد
أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مّؤْوانَ ، قال : حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال :
حدثنا عبدُ اللهِ بنُ علىٍّ بنِ الجارودِ، قال: حدثنا بَحْرُ بنُ نَصْرٍ، عن
الشافعى ، قال : حدثنا مسلمُ بنُ خالد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن
عائشةَ، أن رجلًا اشْتَرى عبدًا فاسْتَغَلَّه، ثم ظهر منه على عيبٍ ، فخاصّم
فيه إلى رسولِ اللهِ وَلّهِ، فَقَضَى لَه بَرَدِّه، فقال (١) البائعُ: يا رسولَ اللهِ ، إِنَّه
قد أخَذ خَراجَه. فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((الخرائج بالضَّمَانِ))(١).
وحدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ قراءةً مِنِّى عليه، أن الميمونَ بنَ
حمزةَ الحسينىَّ حدثهم، قال: حدثنا الطحاوىُّ ، قال : حدثنا المزنىُّ،
قال : حدثنا الشافعىُّ ، قال : أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عن هشام بنِ عروةَ ،
عن أبيه، عن عائشةً. فذكره سواءٌ .
وأخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَزْوانَ ، قال: أخبرنى الحسنُ بنُ یحیی
القُلْزُمِىُّ، قال: حدَّثنا ابنُ الجارودِ ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ()،
القبس
(١) بعده فى ص: ((له)).
(٢) ابن الجارود (٦٢٦)، والشافعى فى اختلاف الحديث ص٢٧١. وأخرجه أحمد ٥٩/٤١،
٣٤٤ (٢٤٥١٤، ٢٤٨٤٧)، وابن ماجه (٢٢٤٣) من طريق مسلم بن خالد به .
(٣) فى ص١٦، م: ((هشام)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٧/١٦.
٣٨٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١٧ )

الموطأ
التمهيد قال : حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن ابنِ أبى ذِئْبٍ ، قال : حدثنى مَخْلَدُ بنُ
خُفَافٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ بَّهِ قال: ((الخَرامج
بالضَّمانِ))(١) .
وقرأتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدثهم،
قال : حدثنا محمدُ بنُإسماعیلَ ، وأبو ) یحیی بنُ أُبی مسةَ ، قالا : حدثنا
مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ . قال قاسمٌ: وحدثنا أحمدُ بنُ حمادٍ ببغدادَ ، قال :
حدثنا عبدُ الأعلَى بُ حمادِ النَّوْسِئُ ، قالا : حدّثنا مسلِمُ بنُ خالدٍ، عن
هشامٍ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لّه قال: ((الخَرامج
بالضَّمانِ))(٣) .
وفی حدیث أحمد بن حمّادٍ ، أن رجلًا اشتری غلامًا فَدَّه بعیب به،
فقال الرجلُ: إِنَّه قد استغلَّه يا رسولَ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ وَلَ: ((الغَلَّةُ
بالضمان » .
وحدَّٹنا عبدُ الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا بکرٌ ، حدثنا مسددً ، حدثنا
يحيى ، عن ابنٍ أَبى ذِئْبٍ ، عن مَخْلَدِ بنِ خُفَافٍ بنِ إيماءٍ، عن عروةً ، عن
القبس
(١) ابن الجارود (٦٢٧). وأخرجه أحمد ٢٧٢/٤٠ (٢٤٢٢٤) عن يحيى به، وأخرجه أبو داود
(٣٥٠٨، ٣٥٠٩)، والترمذى (١٢٨٥)، والنسائى (٤٥٠٢)، وابن ماجه (٢٢٤٢) من طريق ابن
أُبی ذئب به .
(٢) سقط من: ص، ص ١٧.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٢/٤ من طريق مطرف به.
٣٨٦

الموطأ
عائشةً، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((الخراج بالضمانِ))(١).
التمهيد
وقال منهم آخرون : حديثُ المصرَّةِ منسوخٌ، كما نُسِختِ العُقُوباتُ
بالغَراماتِ . واعْتَلَّوا فى جوازٍ دعوى النسخ فى ذلك بأن قالوا: العلماء لم
يجعَلوا حديثَ المصَرَّاةِ أصلًا يَقِيشُونَ عليه وَلَدَ الجاريةِ إِذا وَلَدتْ عندَ
المشْتَرِى، ثم اطْلَع على عيبٍ؛ لأنَّهم اختلفوا فى ذلك؛ فقال مالكٌ:
يَرُدُّها ووَلَدَها على البائع. وقال الشافعىُّ: يَخْبِسُ الولدَ لنفسِه؛ لأنَّه حدَث
فى مِلْكِه. قالوا: ومَعْلُوم أن فى لَبَنِ المُصَرَّةِ مُجزءًا حادثًا فى مِلكِ المشْتَرِى
فى الحَلْبَةِ الأُولَى؛ لأن اللبنَ يَحْدُثُ بالساعاتِ ، فقد أمَر فى هذا الحديثِ
برَدِّ ما حدَّث(٢) مِن ذلك فى مِلْكِ المبتاعِ، وهذا يُعارِضُه قولُه ◌ِ:
((الغَلَّةُ بالضَّمانِ)). فلهذا لم يجْعَلوا هذا الحديثَ أصْلًا يَقِيسُون عليه .
هذه جملةُ ما اعْتَلَّ به مَن رَدَّ حدیثَ المصرَّةِ فیما ذگونا . وممَّن رَدَّه أبو
حنيفةً وأصحابُه، وهو حديثٌ مُجْتَمَعٌ على صِحَّتِه وتُوتِه مِن جِهَةِ النقلِ،
وهذا ممَّا يُعَدُّ ويُنْقَمُ على أبى حنيفةَ مِن السُّنَنِ التى رَدَّها برأيه، وهذا ممَّا
عِيب عليه، ولا معنى لإنكارِهم ما أنْكَروه مِن ذلك؛ لأن هذا الحديثَ
أصلٌ فى نَفْسِه، والمعنى فيه ، واللهُ أعلم، على ما قال أهلُ العلم ، أن لبنَ
القبس
(١) أخرجه الحاكم ١٥/٢ من طريق مسدد به.
(٢) فى ص١٦: ((أحدث)).
٣٨٧

الموطا
الشهيد المصراة لما كان مُغَنِیًا لا ◌ُوقَفُ على صحة مقداره، وأُمگن التَّدَاعی فی
قِيمَتِه، وقِلَّةٍ ما طَرَأْ منه فى ملكِ المُشْتَرِى وكَثْرَتِه، قطَعَ النبيُّ
الخُصومَةَ فى ذلك بما حَلَّه فيه، كما فعَل عليه السَّلامُ فى دِيَةِ الجنينِ،
قَطَّع فيه مثلَ ذلك؛ لأن الجنينَ لما أمكن أن يكونَ حيّا ، فتكونَ فيه الدِّيَّةُ،
وأمگن أن یکون میًا، فلا یکون فیه شىءٌ، قطع رسول الله ێ محكْمَه
بما حَدَّ فيه. واتَّفَق العلماءُ على القول به مع قولهم: إن فى الطفلِ الحىّ
الدِّيَّةَ كامِلَةً، والميِّثُ لا شىءَ فيه، فذلك حُكْمُ المُصَرَّةِ، لا يُلْتَفَتُ
فيها إلى ما خالَفها مِن الأصولِ؛ لأن مُحُكْمَها أصلٌ فى نفسِه، لُبُوتٍ
الخبرِ بها عن النبيِّ ◌َ﴿ كَالعَرَايَا وما أَشبَهَها، واللهُ أعلمُ. وأمَّا الرَّدُّ
بما دَلْس فيه بائِعُه مِن العيبِ فى سِلْعَتِه، فهذا الحديثُ عندَهم أَصْلٌ
(١)
فی ذلك(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال:
حدثنا أبو يحيى بنُ أَبِى مَسَرَّةَ، قال: حدثنا الشُقْرِئُ ، قال: حدثنا
المسعودىُّ، عن جابرٍ(١)، عن أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ ، قال: قال
عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أَشْهَدُ على الصَّادقِ المصدوقِ أبى القاسم وَلَقِ أَنَّه
القبس.
(١) بعده فى ص، ص١٧: ((وقد جعله العراقيون والشافعى أصلا فى الخيار ثلاثة أيام لا
يتجاوز». وسيأتى هذا الكلام ص ٣٩٧ .
(٢) بعده فى النسخ: ((و)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٤٦٥.
٣٨٨

الموطأ
التمهيد
قال: ((بيعُ المحَفَّلاتِ خِلابَةٌ(١)، ولا تحِلُّ خِلابةُ مسلم)»(٣).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرِ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ،
قال : حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن أبى الزِّنادِ،
عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أن النبيُّ وَلِّ قال: «أيُّما رجلٍ اشْتَرَى
مُحَفَّلةً، فله أن يُمسِگها ثلاثاً؛ فإن أُحبُّها أمسكها، وإن سَخِطھا رَدَّها
وصاًا مِن تمرٍ))(٢).
و کذلك رواه ابن المباركِ ، عن عبيد الله بن عمر ، عن أبی الزِّنادِ ، عن
الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّ أَنَّه نهَى عن بَيْع الشاةِ وهى مُحَفَّلَةٌ
فإذا باعَها فإنَّ صاحبها بالخِيارِ ثلاثةَ أيام، فإن كَرِهها رَدَّهَا وصاعًا
مِن تمرٍ ). لم يقُلْ: ((لا تُصَرُّوا الإبلَ وَالغنمَ، فَمَنِ ابتاعَها)). ولا
قال: ((مَن ابتاع غنمًا مُصَرَّةً، فَاخْتَلَبها)). وجعَل الحديثَ فى شاةٍ
واحدةٍ .
القبس
(١) خلابة: خداع. النهاية ٥٨/٢.
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٩٠)، وأحمد ١٩٣/٧ (٤١٢٥)، وابن ماجه (٢٢٤١) من طريق
المسعودى به، وينظر علل الدارقطنى ٤٨/٥.
(٣) تقدم تخريجه ص١٤٢.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٨/٤، ويسى بنت عبد الصمد فى جزئها (١٠٢) من
طريق ابن المبارك به .
٣٨٩

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: بهذا الحديثِ اسْتَدَلَّ مَن ذهَب إلى أن الصَّاعَ إنَّما
ثُرَدُّ عن الواحدة لا عن أكثرَ مِن واحدةٍ ، وبهذا اخْتَجَّ مَن ذهب إلى ذلك
مِن مُتَأْخِّرى الفقهاءِ، وقال: فإن كانَت أكثرَ مِن واحدةٍ، رَدَّ صَاعًا عن كُلِّ
واحدةٍ، وسَواءٌ فى ذلك الناقةُ والشاةُ ؛ تَعَبْدًا وتَسْلِيمًا. واللهُ أعلمُ .
وقد اختلف المتأخّرون مِن أصحابِنا وغيرِهم فيمن اشترى مُحَفَّلاتٍ
فى صفقةٍ؛ فبعضُهم قال بما ذكّرنا، وبعضُهم قال: لا يَؤُدُّ معهنَّ إن
سَخِطَهُنَّ إلا صاعًا واحِدًا مِن تمرٍ، أو صاعًا من عيشِ بَلَدِه . وأظُنُه ذهَب
إلی ما رواه ابنُ جریچ ، عن زیادٍ بن سعدٍ ، عن ثابتٍ مولی عبد الرحمنِ بنِ
زيدٍ، سمع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن اشْتَرَى غنمًا مُصَرَّةً
فاحْتَلَبها؛ فإِن رَضِيها أمسَكها، وإنْ سَخِطها ففى حلبتِها صاعٌ مِن تمرٍ)).
ذكره أبو داودَ(٢)، عن عبدِ اللهِ بنِ مَخْلَدٍ ، عن مَكِئٌ بنِ إبراهيمَ ، عن
ابنِ جريجٍ .
وذگره البخاریُ)) ، حدثنا محمدُ بنُ عمرو، حدثنا مكى ، أخبرنا
ابنُ جريجٍ، أخبرنى زيادٌ ، أن ثابتًا مَولَى عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ أُخبره ، أنَّه
سمِع أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه. فذكره سواءً.
القبس
(١ - ١) فى ص، ص ١٧: ((هذا الحديث يدلك على)).
(٢) أبو داود (٣٤٤٥).
(٣) البخارى (٢١٥١).
٣٩٠
٠ ٠

الموطأ
قال البخارىُّ(١) : وحدثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدثنا الليثُ ، عن جعفر بن التمهيد
ربيعةً، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لَهِقال: ((لا تُصَرُّوا الإبلَ
والغنمَ، فمَن ابتاعها بعدُ فإنَّه بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بعدَ أن يحلُّتَها ؛ إِن رَضِيها
أمسكها، وإن سَخِطَها رَدَّها وصاعًا مِنْ تمرٍ )).
وهذا مثلُ حديثٍ مالكِ سواءً، وهو مُحْتَمِلٌ للتأويلِ. ومَن استَعمَل
ظواهرَ آثارِ هذا البابِ على مجملتِها ، لم يُفَرِّقْ بينَ شاةٍ وغنم ، ولا بينَ ناقةٍ
ونُوقٍ ، فى الصَّاعِ عمَّا ابتاعه ممَّا ضَمِن مِن ذلك ودُلِّس عليه به، واللهُ
أعلمُ . والأكثرُ مِن أصحابِنا وغيرِهم يقولون : إن الصاعَ إنما هو عن الشاةِ
الواحدةِ المصَرَّةِ ، أو الناقةِ الواحدةِ المحَفَّلَةِ . واحتجوا بروايةِ عكرمةَ(١)،
وأبى صالحُ، وخِلاسٍ بنٍ عمرٍو (٤) ، وابنٍ سيرينَ، كلَّهم يقولُ عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ وَله: ((مَن اشْتَرَى شاةً مُصَرَّةً، أَو نَعْجَةً مُصَرَّاةً)).
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داود ، قال: حدثنا موسى بنُ إسماعیلَ، قال: حدثنا حَمَّادٌ، عن
القبس
(١) البخارى (٢١٤٨).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٨/٤ من طريق عكرمة به .
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٨٢ .
(٤) أخرجه إسحاق بن راهويه (٤٩٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٧/٤ من طريق خلاس
به .
٣٩١

الموطأ
التمهيد أيوبَ، وهشامٍ، وحَبِيبٍ، عن محمدٍ بنِ سِيرِينَ، عن أبى هريرةً ، أن النبىّ
وَلَّه قال: ((مَن اشْتَرَى شاةً مُصَرَّةً، فهو بالخِيارِ ثلاثةَ أيام؛ إن شاء رَدَّها
وصاعًا مِن طعامٍ لا سَمْرَاءَ)) (١).
وهكذا روَاه جماعةٌ فى حديثٍ ابنٍ سيرينَ وغيرِه، عن أبى هريرةً:
((شاةً مُصَرَاةً)). وبعضُهم يقولُ فى هذا الحديثِ: ((لا سمراءَ)).
وبعضُهم لا يذكُّرُه، ويقولُ: ((صاعًا من طَعام)). وفَسَّرَ بعضُهم قولَه:
((صَاعًا مِنْ طَعَامِ لا سَمراءَ)). قال: يقولُ: تمرًا ليس(٢) يُرٌّ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوصٍ، قال: حدثنا الخُنَيِّئُّ(١) ، عن داود
ابنِ قيسٍٍ، عن موسى بنٍ يسارٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَلَه: ((إذا اشترى أحدُكم الشاةَ المُصَرَّةَ، فهو بخيرِ النَّظَرَيْنِ بعدَ أن
يَحْلُبَها؛ فإن رَضِيَها أمسكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا مِن تمرٍ))(٤).
القبس
(١) أبو داود (٣٤٤٤). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٩/٤، والبيهقى ٣١٨/٥، ٣١٩
من طریق حماد به .
(٢) فى ص، ص ١٧: ((لا)).
(٣) فى ص، ص١٦: ((الحسينى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٦/٢.
(٤) أخرجه أحمد ٤١/١٦ (٩٩٦٠)، والنسائى (٤٥٠٠) من طريق داود بن قيس به.
٣٩٢

الموطأ
" وكذلك رواه القعنبئُ(١)، وابنُ وهبٍ(٢) ، عن داودَ بنِ قيسٍ، عن التمهيد
موسى بن يسار، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ وَ ل إلا أنهما قالا: « فلْيَثْقَلِبْ
بها فَلْيَحْلُبْهَا؛ فَإِنْ رَضِى حِلابَها أُمْسَكها، وإلا ردَّها ومعها صاعٌ من
تَمْرٍ))).
وأما الحديثُ المذكورُ فيه: ((صاعًا مِن طعامٍ)). فأخبرناه
عبدُ الرحمنِ بنُ مَزوان ، قال : حدثنا الحسنُ بنُ یحیی، قال : حدثنا ابنُ
الجارودِ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشم ، قال : حدثنا رَؤُ بنُ عبادةً ، عن
شعبةَ، عن سَيَّارٍ، عن الشعبىِّ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَالإِ قال: ((لا
تبايعوا پالقاء الحصی ، ولا تناجشُوا ، ولا تبايعُوا بالملامسة ، ومَن اشْتَری
منكم مُحَقِّلَةٌ فَكَرِهها، فلْيَزْدَّها، ولْيُدَّ معها صاعًا مِن طعامٍ))(1).
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، ص١٧، وفى ص١٦: ((ورواه ابن وهب عن داود بن قيس عن
موسى بن يسار عن أبى هريرة قال قال رسول الله و# من اشترى شاة مصراة فلینقلب فليحلبها
فإن رضى حلابها أمسكها وإلا ردها ورد معها صاعا من تمر وهكذا رواية بكير بن الأشج أن أبا
إسحاق حدثه عن أبى هريرة عن النبى والإر من اشترى شاة مصراة فلينقلب فليحلبها فإن رضى
حلابها أمسكها وإلا ردها ورد معها صاعاً من تمر)). ورواية بكير بن الأشج عند الطحاوى فى
شرح العانى ١٨/٤.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣/١٥٢٤)، وأبو عوانة (٤٩٥١)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٨/٤،
والبيهقى ٣١٨/٥ من طريق القعنیی به .
(٣) أخرجه أبو عوانة (٤٩٥٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٨/٤ من طريق ابن وهب به.
(٤) ابن الجارود (٥٩٣)، وأخرجه أحمد ٢١/١٦ (٩٩٢٧) عن روح بن عبادة به.
٣٩٣

الموطأ
التمهید
وأمَّا أقاويلُ الفقهاءِ فى هذا البابِ ، فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: المحَفَّلَةُ
عندَنا وغيرُها سَواءٌ. ومَن اشْتَرى عندَه وعندَ أصحابِه شاةً مُصَرَّاً ، فحَلَب
لبَنَها ، لم يَرُدَّها بعَيْبٍ ، ولكنَّه يَرْجِعُ بنُقْصانِ العيبِ. وقالوا : هذا الحدیثُ
فى المُصَرَّةِ مَنْسُوحٌ. واخْتَلَفوا فيما نسخه؛ فمنهم من قال: نَسَخه :
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وأَنَّه لا
يجبُّ فيمَنِ اسْتَهْلَك شيئًا لأَحَدٍ غيرِه إِلَّا مِثْلُه أو قِيمَتُه. ومنهم من قال:
نسَخَّه: ((الخرائجُ بالضَّمَانِ))(١)، و: ((الكالِيُ بالكَالِىِّ))(٣). لأن لبنَ
المصَرَّةِ دَيْنٌ فى ذِمَّةِ المُشْتَرِى، وإذا ألزَمناه فى ذِمَّتِه صاعًا مِن تمرٍ ، كان
الطعامُ بالطعامِ نَسِيئَةً ، ودَينًا بدَينٍ، وهذا كلَّه مَنْشُوخٌ بما ذكَوْنا . وأْثَروا
مِن التَّشْغِيبِ فى ذلك، بعدَ إجماعِهم على أنَّه مَنْسُوخٌ كما نُسِخَتِ
العُقُوباتُ فى الغَرَاماتِ بأَكْثَرَ مِن المثلِ فى مانع الزكاةِ ؛ أنَّها تُؤْخَذُ منه مع
شَطْرِ مالِه ، وفى سارِقِ التمرِ مِن غيرِ الجَرِينِ غَرَامَةُ مِثْلَيْه ، وجَلَداتُ نِکالٍ ،
ونحۇُ ذلك . وقال ابنُ أبی لَیْلَی ، ومالك ، والشافعىُ ، والثورىُّ : هو بخيرٍ
النَّظَرَيْنِ إذا احْتَلَبها ووَجَد حِلابَها بِخِلافٍ ما ظهَر، فإِن رَدَّها، رَدَّ معها
صاعًا مِن تمرٍ ، ولا يَرُدُّ اللبنَ الذى محُلِب وإن كان قائمًا بعينِه . قال مالكٌ:
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٨٥ - ٣٨٧.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١/٤، والدارقطنى ٧١/٣، ٧٢، والبيهقى ٢٩٠/٥ من
حديث ابن عمر .
٣٩٤

الموطأ
وأرَى لأهل كلٌّ بَلَدِ أن يُعْطُوا الصاعَ مِن عَيْشِهم، حِنْطَةً أو غيرَها . قالوا: التمهيد
وإنَّما تَسْتَبِينُ المصَرَّةُ ( وَيُعْلَمُ بأَنَّها١) مُصَرَّةٌ إذا حَلَبها المشْتَرِى مرّتينٍ أو
ثلاثًا ، فَنَقَص اللبنُ فى كلِّ مرّةٍ عمَّا كان عليه فى الأُولَى . وقال مالكٌ: إنَّما
يُخْتَبَرُ بالحلابِ الثانى، فإذا حَلَب ما يُعْلَمُ أَنَّه قد اختَبَرها به، فهو رضًا .
وقد (٢) رُوِى عن زُفرَ(٣) بنِ الهُذَيْلِ فى نَوادِرَ تُنْسَبُ إليه فيمَنِ اشْتَرَى شاةً
مُصَدّاً ، قال : هو بالخِیارِ ثلاثًا ؛ لِيخلُبها ، فإن شاءرَدَّها ، وردّ معها صاعًا
مِن تمرٍ، أو نصف صاع مِن بُرِّ. قال: وإنِ اشْتَرَاها وليست بمُحَفَّلَةٍ
فاخْتَلَبها، فليس له أنْ يَؤُدَّها ، ولكنَّه يَرْجِعُ بنُقْصَانِ العيبِ؛ لأَنَّا اتَّبَعْنا الأُثُرَ
فى المحَفَّلَةِ ، فإن حدَث (٢)فى المحَفَّلَةُِ) عَيْبٌ فإِنَّه يَرْدُّ النُّقْصَانَ، إِلَّ أن
يَرْضَى البائِعُ أن يأْخُذَها كما هى.
قال أبو عمرَ : تَلخيصُ اختلاف الفقهاءِ فى هذا البابِ أن نقولَ(*):
قال مالك : من اشْتَری مُصَّاةً ، فاختلبها ثلاثًا ، فإن رَضِيها أمسكها ، وإنْ
سَخِطها لاخْتِلافٍ لبنِها ، رَدَّها ورَدَّ معها صاعًا مِن قُوتٍ ذلك البَلَدِ ، تمرًا
القبس
(١ - ١) فى ص: ((تعلم بأنها))، وفى ص١٦: ((يعلم أنها))، وفى ص ١٧: ((تعلم أنها)).
(٢) فى م: ((قال)).
(٣) فی م: (زيد)).
(٤ - ٤) فى ص، ص ١٧: ((بالمحفلة)).
(٥) بعده فى ص١٦: (( كما)).
٣٩٥

الموطأ
التمهيد كان، أو بُؤًا، أو غير ذلك. وبه قال الطبرئُّ. وقال عيسى بنُ دينارٍ فى
مَذْهَبٍ مالكِ: لو عَلِمٍ مُشْتَرِى المصرَّةِ أَنَّها مُصَرَّةً بإقْرَارِ البائع، فَرَدِّها قبلَ
أنْ يَحْلُيُها، لم يكنْ عليه غُزْمٌ؛ لأَنَّه لم يَحْلُبِ اللبنَ الذى مِن أَجْلِه يُلْزَمُ غُْمَ
الصاع - قال أبو عمر: هذا مالا خلافَ فيه - قال عيسى: ولو خَلَبَها مَرَّةً ،
ثم حَلَبها ثانيةً فتَقَص لبْنُها، رَدَّها وَرَدَّ معها صاعًا مِن تمرٍ للحلبةِ الأُولَى،
ولو جاء باللبنٍ بعينه الذى حلّبه، لم يُقْبَلْ منه، ولَزِمّه غرمُ الصَّاعِ ، ولو لم
يَوْدَّها للحَلْبَةِ الثانِيَةِ، وظَنَّ أَنْ نَقْصَ لَبَنِها كان مِن اسْتِثْكارِ الموضعِ،
فحلبها ثالثةً ، فتبيّنَ له ضؤها ، فأراد رَدِّها ، فإنَّه يَحْلِفُ باللهِ ما كان ذلك
منه رضًا، ويَؤُدُّ معها الصَّاعَ الذى أمر به رسولُ اللهِ وَلَةِ. وَاخْتَلَف
المتأخّرون مِن أصحاب مالكٍ على القولينِ اللذَينِ قَدَّمْنا ذِكْرَهما فى
مُشْتَرِى عَدَدٍ مِن الغَنَم، فوجَدها كلَّها مُصَرَّةً ؛ فبعضُهم قال: يَؤُدُّ عن كلّ
واحدةٍ صاعًا مِن تَمْرٍ. وقال بعضُهم : بل يَرُدُّ عن جميعِها صاعًا واحِدًا مِن
تمرٍ تَعَبْدًا؛ لأَنَّه ليس بثمنٍ اللبنِ ولا قيمته. وقال الشافعىُّ فى المصَرَّةِ:
يُدُّها ويَرُدُّ معها صاعًا مِن تمرٍ، لَا يَؤُدُّ غيرَ التمرِ. وكذلك قال ابنُ أَبِى لَيْلَى
والليثُ بنُ سعدٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو مُبيدٍ ، وأبو ثورٍ . ويجىءُ على
أَصُولِهم أنَّ التمرَ إذا مُدِم وجَب رَدُّ قیمتِه . وقد رُوِى عن ابنٍ أبى ليلَی ،
وأبى يوسفَ ، أنَّهما قالا: يُعْطِى معها قيمةً اللبنِ. وقال زُفرُ: يَرُدُّها ويَرُدُّ
معها صاعًا مِن تمرٍ، أو نصف صاعٍ مِن بُرٌّ. وقال أبو حنيفةً: إذا حَلَبها لم
القبس
٣٩٦

الموطأ
يَرُدُّها، وإنَّما يَرْجِعُ بنُقْصَانِ العيبِ.
التمهيد
.
قال أبو عمرّ: سواءٌ كان اللبنُّ المحلوبُ مِن المصّرَاةِ حاضِرًا أو
غاتِبًا، لا يَردُّاللبنَ، وإنَّما يَرُدُّ البَدّلّ المذكور فى هذا الحديثِ؛ لأَنَّه قد أُمِرِ
برَدِّ الصاع لا اللبنِ ، فلو رَدَّ اللبنّ ، كان قد فعل غيرٌ ما أُمِر به ، وهو نَصَّ لا
يجوزُ خلاقُه إلى القياسِ، ومَعْلُومُ أَنَّه لا يَسْتَبِينُ أَنَّها مُصَرَّةٌ إِلَّ بِالحَلْبَةِ
الثانية ، وإذا كان ذلك كذلك ، ◌ُلِمٍ أَنَّ لبن الحلبة الأولى قد فات أو تغيّر ،
فلو أَلْزّموا المُبتاعَ مثلَه، خالفوا ظاهِر الخبر إلى القياس ، وذلك غير جائزٍ.
وأمَّا أصحابنا ، فيَزْعُمون أنَّه لو رَدَّ اللبنَ، دخله بيعُ الطعامِ قبلَ أنْ يُشْتَؤْفَى ؛
لأَنَّه كأنَّه قد وجَب له الصَّامع تمرًا، فَأُخَذ فيه اللبنَ وباعه قبلَ أن يَسْتَوْفِتْه .
ويَدْخُلُ عليهم مثلُ ذلك فى قَوْلهم: يُعْطِى بدّلَ الثَّعْرِ صاعًا مِن قُوتِه
وعَيْشِه . وبالله التوفيقُ.
قال أبو عمر : جعل العراقيُّونَ والشافعىُّ حديثّ المصرّاةِ مِن رواية ابنٍ
سيرينَ، ومحمدٍ بنِ زيادٍ(١)، ومن تابعهما، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ لاَم
أُصْلًا فى الخِيارِ أَنَّه لا يكونُ أكثرَ مِن ثلاثةِ أيام، وذهَب مالكٌ إلى أن الخيارَ
لا حَدَّ فيه، وإنَّما هو على ما شَرَطه المتبابِعانِ ممَّا يَلِيقُ ويُعْرَفُ مِن مُدَّةِ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٨٢ .
٣٩٧

الموطأ
١٤٢٢ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ
◌َا﴾ نھی عن النَّجْشِ.
قال مالك : والنَّجشُ أن تُعطیه بسلعته أكثرَ من ثمنها ولیس فی
نفسِكَ اشتراؤُها ، فِيَقتَدِىَ بك غيرُكَ .
التمهيد اخْتِبارٍ(١) مثل تلك السّلْعَةِ. وحَُّتُه فى ذلك عُمُومُ قولِهِ وَلَه: ((إلَا بِيعَ
الخِيَارِ)). وقد مَضَى القولُ فى الخِيارِ مُمَهَّدًا، فى بابٍ نافِعُ(١) . والحمدُ
للهِ ربِّ العالمين.
مالِكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ مَِّ نَّھی عن
النَّجْشِ().
(٣)
هکذا روی هذا الحدیثَ جماعةُ أصحاب مالك ، عن مالك ، وزاد فيه
القَعْنَيِىُّ: قال: وأَحْسَبُه قال: وأن تُلقَّى السّلَعُ حتى يُهْبَطَ بها الأسواقُ (٤).
ولم يذْكُرْ غيرُه هذه الزيادةَ(٥) ، وقد مَضَى القولُ فيها بما للعلماءِ فى ذلك
القبس
(١) فى م: ((اختيار)).
(٢) ينظر ما تقدم ص١٩٦ - ٢٢٣.
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/١٠و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٧١٣).
وأخرجه أحمد ١٢٦/٨، ١٠٤/١٠، ٤٨٢ (٤٥٣١، ٥٨٦٢، ٦٤٥١)، والدارمى (٢٦٠٩)،
والبخارى (٢١٤٢، ٦٩٦٣)، ومسلم (١٣/١٥١٦) من طريق مالك به.
(٤) أخرجه أبو عوانة (٤٩٣٨) من طريق القعنبى به، وهو بهذه الزيادة فى الموطأ برواية محمد
ابن الحسن (٧٧٢).
(٥) بعده فى الأصل، ى، م: ((ورواه أبو يعقوب إسماعيل بن محمد قاضى المدائن قال أنبأنا =
٣٩٨

الموطأ
فيما تقَدَّمَ مِن كتابِنا هذا (١).
التمهيد
وأمَّا النَّْشُ، فلا أَعْلَمُ بينَ أهلِ العِلْم اخْتِلافًا فى أن معناه أن يُعطِىَ
الرجلُ الذى قد دَسَّه البائعُ وأمَره فى السّلْعَةِ عطاءً لا يريدُ شراءَها به فوقَ
ثمنِها؛ لِيغُّ المُشْتَرِىَ فِيَرْغَبَ فيها، أو يَعْدَحَها بما ليس فيها فيَغْتَوَّ
المشْتَرى حتى تَزِيدَ فيها، أو يفعلَ ذلك البائعُ(٢) بِنَفْسِه لِيَغُوَّ الناسَ فى
سِلْعَتِه، وهو لا يُعرَفُ أَنَّه رَبُّها. هذا معنى النَّْشِ عندَ أهلِ العِلْم، وإن كان
لَفْظِى رُبَّما خالَف شيئًا مِن ألفاظِهم، فإن كان ذلك فإنَّ غیرُ مُخَالِفٍ لشیءٍ
مِن معانيهم، وهذا مِن فِعْلِ فاعِلِه مَكَرٌ وخِدائعٌ ، لا يجوزُ عندَ أحدٍ مِن أهلِ
العِلْمِ؛ لتَهْيِ رسولِ اللهِ بَّهِ عن النَّجْشِ، وقولِه: ((لا تَنَاجَشُوا))(١).
وأجْمَعوا أنَّ فاعِلَه عاصٍ للهِ إذا كان بالنَّهْىِ عالمًا. واخْتَلَف الفقهاءُ فى
البيع على(٤) هذا إذا صَحَّ وُلِمٍ به ؛ فقال مالكٌ: لا يجوزُ النَّجْشُ فى البيعِ،
فمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً مَنْجُوشَةً ، فهو بالخِيارِ إذا عَلِم ، وهو عَيْبٌ مِن الثُيوبِ .
القبس
= یحیی بن موسی البلخی قال أنبأنا عبد الله بن نافع قال حدثنی مالك بن أنس عن نافع عن ابن
عمر أن رسول الله وَ* نهى عن التحبير قال والتحبير أن يمدح الرجل سلعته بما ليس فيها هكذا
قال التحبير وفسره ولم يتابع على هذا اللفظ وإنما المعروف النجش)).
وأخرجه أحمد ١٢٦/٨، ٢٢٣/٩ (٤٥٣١، ٥٣٠٤) من طريق ابن مهدى، وأخرجه
الدارمى (٢٦٠٩) من طريق خالد بن مخلد، وأخرجه ابن عساكر ٣٧١/١٣، ١٠٩/١٩ من
طريق زهير بن عباد ثلاثتهم عن مالك به بهذه الزيادة .
(١) ينظر ما تقدم ص ٣٥٥ - ٣٦٢.
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) تقدم فى الموطأ (١٤٢١) .
(٤) بعده فى ى: ((مثل)).
٣٩٩

الموطأ
قال أبو عمر : الحجّةُ لمالِكِ فی قولِه هذا عندی ، أن رسولَ اللهِ
التمهید
جعَل لمشْتَرِى المصَرَّةِ الخِيارَ إذا عَلِم بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ ، ولم يَقْضِ بفسادٍ
البيعِ، ومَعْلُومٌ أن النَّصْرِيَةَ غشٌ(١) ومَكْرُ وحَدِيعَةٌ، فكذلك النَّجْشُ يُصِحُ
فيه البيعُ ، ويكونُ المبتائحُ بالخِيارِ مِن أُجْلِ ذلك، قياسًا ونَظَرًا. واللهُ أعلمُ.
وقال الشافعىُّ وأبو حنيفةً: ذلك مَكْرُوهُ ، والبيعُ لازِمٌ ، ولا خِيارَ للمُبتاعِ فى
ذلك .
قال أبو عمرَ : لأن هذا ليس بعَيْبٍ فى نفس المبيع كالمصَرَّاةِ المدَلَّس
بها ، وإنَّما هو كالمدحِ وشِبْهِه، وقد كان يجبُ على المشْتَرِى التَّحَفُّظُ،
وأن يَشْتَعِينَ بمَنْ يُمَيُِّ، ونحوُ هذا. وقالت طائفةٌ مِن أهلِ الحديثِ وأهلِ
الظّاهرِ: البَيْعُ فى هذا باطلٌ مَرْدُودٌ على بائعِه(١) إذا ثَبَت ذلك عليه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ الھیئم أبو الأُخوص ، قال : حدثنا أبو يعقوبَ الخُنَينُّ ،
عن مالكِ والعُمَرِىٌّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النبيَّ وَّ نَھَى عن
النَّجْشِ .
وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
القبس
(١) فى الأصل، م: ((نجش)).
(٢) فى ى: ((فاعله)).
٤٠٠