النص المفهرس
صفحات 341-360
الموطأ
ما لا يجوزُ من السلفِ
١٤١٦ - مالكٌ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابٍ قال فى رجلٍ
أسلَف رجلًا طعامًا على أن يُعطِيَه إِيَّاه فى بلدٍ آخَرَ ، فکرِه ذلك عمرُ بنُ
الخطابٍ وقال : فأينَ الحَمْلُ ؟ يَعنى حُمْلانَه .
١٤١٧ - مالكٌ، أنه بلَغه أن رجلاً أَتَى عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، فقال:
يا أبا عبد الرحمن، إنى أُسلَفتُ رجلًا سلفًا، واشترَطتُ عليه أفضلَ
ممَّا أسلَفتُه. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: فذلك الرِّبا. قال: فكيفَ تأمُرُنى
الاستذكار
بابُ ما لا يجوزُ مِن السَّلَفِ
مالكٌ ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطابٍ قال فى رجلٍ أسلَف رجلًا طعامًا
علی أن يُعطيه إيّاه فى بلدٍ آخرَ ، فکړه ذلك عمر وقال : فأين الحملُ ؟ یعنی
محمْلانَه(١).
قال أبو عمرَ: هذا بَيِّنٌ؛ لأنه اشتَرط فيما أسلَفه زيادةً ينتفِعُ بها وهى
مُؤنةُ حُملانِهِ، وكلُّ زيادةٍ مِن عينٍ أو منفعةٍ يشترِطُها المُسْلِفُ على
المُستسلفِ فھی ربًا لا خلافَ فى ذلك .
مالكٌ، أنه بلغه أن رجلاً أتى عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، فقال: يا أبا
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٠و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٩٦).
٣٤١
الموطأ يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: السلفُ على ثلاثةِ أُوجهٍ ؛
سلفٌ تُسلِفُه تريدُ به وجهَ اللهِ فلك وجهُ اللهِ ، وسلفٌ تُسلِفُه تریدُ به
وجهَ صاحِبِك فلك وجهُ صاحِبِك، وسلفٌ تُسلِفُه لتأخُذَ خبيئًا بطيّب
فذلك الرِّبا. قال: فكيفَ تأمُرُنى يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أَرَى أن
تَشُقَّ الصحيفةَ؛ فإن أعطاكَ مثلَ الذى أُسلَفتَه قبِلتَه، وإن أعطاكَ دونَ
الذى أسلفتَه فأخذتَه أُجِرْتَ، وإن أعطاكَ أفضلَ مما أُسلَفتَه طيّةً به
نفسُه فذلك شُكرّ شكره لك، ولك أجرُ ما أَنظَرتَه .
الاستذكار عبد الرحمنِ، إنى أسلَفتُ رجلًا سَلَفًا، واشترطتُ عليه أفضلَ مما
أسلفتُه. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمر: فذلك الربا . قال : فکیف تأمُرُنی یا أبا
عبدِ الرحمنِ؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: السَّلَفُ على ثلاثةِ أوجهٍ؛ سَلَفٌ
تُسلِفُه تُريدُ به وَجهَ اللهِ فلك وَجُ اللهِ ، وسَلَفٌ تُسلِفُه تُريدُ به وجه صاحبِك
فلك وَجهُ صاحبِك، وسَلَفٌ تُسلِفُه لتأخُذَ خبيثًا بطَيِّب فذلك الربا . قال :
فكيف تأمُرُنى يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: أَرَى أَن تَشُقَّ الصحيفةَ؛ فإن
أعطاك مثلَ الذى أسلفتَه قَبِلتَه، وإن أعطاك دونَ الذى أسلفتَه فأخَذتَه
أَجِرتَ، وإن أعطاك أفضلَ ممَّا أسلفتَه طيبةً به نفسُه فذلك شُكرّ شكره
لك، ولك أجرُ ما أنظَرتَه(١).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٠و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٩٧).
وأخرجه عبد الرزاق (١٤٦٦٢)، والبيهقى ٣٥٠/٥، ٣٥١ من طريق مالك به.
٣٤٢
الموطأ
١٤١٨ - مالك ، عن نافع، أنه سمع عبد الله بن عمر یقولُ : مَن
أَسلَف سلفًا فلا يَشترِطْ إلا قضاءَه.
١٤١٩ - مالكٌ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ کان یقولُ: مَن
أسلَف سلفًا فلا يَشترِطْ أفضلَ منه، وإن كان قبضةً من علفٍ
فھو رِبًا .
مالكٌ، (١ عن نافع٢)، أنه سمع عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: مَن أسلَف سَلَفًا الاستذكار
فلا يشترِطْ إلا قضاءَه (٢).
مالكٌ ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: مَن أَسلَف سَلَفًا فلا
يشترِطْ أفضلَ منه، وإن كان قبضةً مِن عَلَفٍ فهو ربًا (٢).
قال أبو عمرَ : هذا البابُ كلَّه عن عمرَ، وابنٍ عمرَ، وابنٍ مسعودٍ،
يَدُلَّك على أنه لا ربا فى الزيادةِ فى السلفِ إلا أن تُشتَرَطَ تلك الزيادةُ ما
كانت ، فهذا ما لا شكَّ فيه أنَّه ربًا ، والوَأَىُ والعادةُ مِن قطع الذرائع، ومِن
تَوْكِ ما ليس به بأسّ مخافةً مُواقعةٍ ما به بأسٌ، كما جاء فى الحديثِ(٤)،
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((أنه بلغه)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٢٨)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/١٠و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٦٩٨). وأخرجه البيهقى ٣٥٠/٥ من طريق مالك به .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٠ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٩٩).
(٤) أخرجه عبد بن حميد (٤٨٣)، والترمذى (٢٤٠١)، وابن ماجه (٤٢١٥) من حديث
عطية السعدى .
٣٤٣
الموطأ
قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا ، أن مَن استسلَف شيئًا من
الحيوانِ بصفةٍ وتحليةٍ معلومةٍ ، فإنه لا بأسَ بذلك ، وعليه أن یرُدَّ مثله ،
إلا ما كان من الولائدٍ ، فإنه يُخافُ فى ذلك الذريعةُ إلى إحلال ما لا
يَجِلُّ، فلا يصلُحُ. وتفسيرُ ما كُرِه من ذلك؛ أن يَستسلِفَ الرجلُ
الجاريةً ، فيُصيبَها ما بدا له، ثمّ يرُدَّها إلى صاحبِها بعينها ، فذلك لا
يَحِلُّ ولا يصلُحُ، ولم تَزَلْ أهلُ العلمِ يَتَهَون عنه ولا يُرخِّصُون فيه
لأحدٍ .
الاستذكار وتَركِ ما يَرِيبُ إلى ما لا يَرِيبُ، كما قال ◌َله: ((دَعْ ما يَرِيئك إلى ما لا
ترِيئك))(١). وقال عمر: اتركوا الرِّبا والرّيبةَ(٢). فالوَأْىُ والعادةُ فى هذا البابِ
من الرِّيبةِ. واللهُ أعلمُ .
قال مالكٌ: الأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا، أن مَن استسلَف شيئًا مِن
الحيوانِ بصفةٍ وتَحْليةٍ(٢) معلومةٍ، فإنه لا بأسَ بذلك، وعليه أن يَؤُدَّ مثلَه،
إلا ما كان من الولائي (٤)، فإنه يُخافُ فى ذلك الذريعةُ إلى إحلالٍ ما لا
يَجِلَّ، فلا يَصلُحُ . وتفسيرُ ماكُرِهِ مِن ذلك؛ أن يستسلِفَ الرجلُ الجاريةَ ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٤٨/٣ (١٧٢٣)، والدارمى (٢٥٧٤)، والترمذى (٢٥١٨)، والنسائى
(٥٧٢٧) من حديث الحسن بن على.
(٢) أخرجه أحمد ٣٦١/١، ٤٢٥ (٢٤٦، ٣٥٠)، وابن ماجه (٢٢٧٦).
(٣) التحلية: الوصف. اللسان (ح ل ی).
(٤) الولائد: الشواب من الجوارى. التاج (ول د).
٣٤٤
الموطأ
فيُصيبَها ما بدا له، ثم يَرُدَّها إلى صاحبِها بعينِها، فذلك لا يَحِلّ ولا الاستذكار
يَصلُحُ، ولم يَزَلْ أهلُ العلمِ يَتَهَون عنه ولا يُرَخِّصون فيه لأحدٍ .
قال أبو عمرَ: اختلف العلماءُ قديمًا وحديثًا فى استقراضٍ الحيوانِ
واستسلافه، فکرِهه(١) وأباه قومٌ ، ورخّص فيه آخرون؛ فمَن کرهه ولم
يُجِزْه ولا أجاز السَّلَمَ فيه مِن الصحابةِ ، عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ، وحذيفةُ ،
وعبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرةً(١). وبه قال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ،
والحسنُ بنُ صالح، وسائرُ الكوفيِين. ومحُجَّتُهم أن الحيوانَ لا يُوقفُ على
حقیقةٍ صفته ؛ لأن مشيه وحر كته وچژّته(٢) ومَلاحته، كلَّ ذلك ◌ِزِیدُ فی
ثمنِهِ ، لا يُدرَكُ ذلك بوصفٍ، ولا يُضبطُ بنعتٍ؛ لأن قارحًا أخضرَ غيرُ
قارحِ غيرِ أخضرَ، ونحوُ هذا :ن صفاتٍ سائرِ الحيوانِ ، وادَّعَوا النسخَ فى
حديثٍ أبى رافع المذكورِ فى أولِ هذا البابِ ؛ لِمَا فيه مِن استقراضٍ رسولٍ
اللَّهِ وَةِ الْبَكْرَ، وَرَدِّه(٤) الجملَ الخيارَ. ومثلُه حديثُ أبى هريرةَ(٢)، فادَّعَوا
النسخَ فى ذلك بحديثٍ ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ وَ لِّ قِضَى فى الذى أُعتَق
القبس
(١) بعده فى ح، هـ، م: ((قوم)).
(٢) ينظر ما تقدم ص٣٢٧ - ٣٣٢.
(٣) فى ح، هـ، م: ((جريه))، وتقدم فى ص ٣٢٨: ((وخبرته)). والجزة هى صوف نعجة مجزَّ فلم
يخالطه غيره . القاموس المحيط (ج ز ز) .
(٤) فى ح، هـ: ((أداه)). وينظر ما تقدم فى الموطأ (١٤١٤).
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٦٣، وينظر ص٣٣٤.
٣٤٥
الموطأ
الاستذكار نصيبَه مِن عبدٍ بينَه وبينَ غيرِه بقيمةٍ نصيبٍ شريكِه، ولم يُوجِبْ عليه
نصفَ عبدٍ مثلِه (١). وقال داودُ وطائفةٌ مِن أهلِ الظاهرِ : لا يجوزُ السَّلَمُ فى
الحيوانِ ، ولا فى شىءٍ مِن الأشياءِ، إلا فى المَكِيلِ والموزونِ خاصةً ، وما
خرَج عن الكَيلِ والوزنِ فالسَّلَمُ فيه غيرُ جائزٍ؛ لنهي رسولِ اللهِ وَّه عن بيعٍ
ما ليس عندَ البائع، ولقولِهِ مَ له: ((مَن سَلَّم فَلْيُسْلُّمْ فى كيلٍ معلومٍ،
ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ)). ويُخَصُّ المكيلُ والموزونُ من سائرٍ
ما ليس عندَ البائع، فكلّ ما لم يكنْ مكيلاً ولا موزونًا فقد دخَل فى
بيع ما ليس عندك .
قال أبو عمرَ: قد نقَض داودُ وأهلُ الظاهرِ ما أصَّلوا فى قولهم فى بيعِ ما
ليس عندَك: كلّ بيع جائزٌ بظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
E
وَحَرَّمَ الْرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. إلا بيعٌ ثبتَت السُّنَّةُ بالنهي عنه، أو(١) أجمعتِ
الأُمةُ على فسادِه فيَلْزَمُهم (١) أن يُجِيزُوا السَّلَمَ فى الحيوانِ بظاهرِ القرآنِ ؛
لُن بيع ما ليس عندك غير مدفوع بما قاله الحجازیون فی معناه ، أنه بيئُ ما
ليس عندَك مِن الأعيانِ ، وأما ما كان مضمونًا فى الذمةِ موصوفًا فلا. وقال
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٣٩).
(٢) فى ح، هـ: ((و)).
(٣) فى الأصل: ((فلم يلزمهم).
٣٤٦
الموطأ
مالكٌ، والشافعىُ، وأصحابُهما، والأوزاعىُ، والليثُ بنُّ سعدٍ: الاستذكار
استقراضُ الحيوانِ جائزٌ والسَّلَمُ فيه جائزٌ، وكذلك كلُّ ما يُضبَطُ
بالصفةِ فى الأغلبِ . وحُجَّتُهم حديثُ أبى رافعٍ فى استقراضٍ رسولِ اللهِ
وَاِّهِ البَكْرَ، وفى استقراضِه الحيوانَ إثباتُ الحيوانِ فى الذِّمَّةِ بالصفةِ
المعلومةِ. ومِن حُجَّتِهم أيضًا إيجابُ رسولِ اللهِ وَ لهديةَ الخطأ فى ذِمَّةٍ
مَن أوجَبها عليه ، ودِيةَ العَمدِ المقبولةَ، ودِيَةَ شِئْهِ العمدِ المُغلَّظةَ ، كلُّ ذلك
قد ثبَت بالسُّنَّةِ المُجتمع على ثُبُوتِها، وذلك بإثباتِ الحيوانِ بالصفةِ فى
الذمةِ ، فكذلك الاستقراضُ والسَّلَمُ .
وقد كان ابنُ عمرَ يُجِيزُ السَّلَمَ فى الوصفاءِ (١) . وأجاز أصحابُ أبى
حنيفةً أن يُكاتِبَ الرجلُ عبدَه على مملوكٍ بصفةٍ ، وذلك منهم تناقضٌ على
ما أصَّلوه . وأجاز الجميعُ النكاح على عبدٍ موصوفٍ .
وذكَر الليثُ عن يحيى بنِ سعيدٍ ، قال: قلتُ لربيعةَ: إِنَّ أَهلَ أَنْطَابُلُسَ
حدَّثونى أن " خيرَ بنَ نُعَيم٢) كان يقضِى عندَهم بألا يجوزَ السَّلَمُ فى
الحيوانِ ، وقد كان يجالِسُك، ولا أحسبُه قضَى به إلا عن رأيك ؟ فقال
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣٢٩ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((جبير بن نعيم))، وفى ح، هـ: ((جبر بن نعيم))، وفى م: ((جبير ابن
معين)). والمثبت مما تقدم ص٣٣٠، وينظر تهذيب الكمال ٣٧٢/٨.
٣٤٧
الموطأ
الاستذكار ربيعةُ : قد كان ابنُّ مسعودٍ يقولُ ذلك. فقلتُ : وما لَك ولابنٍ مسعودٍ فى
هذا ؟ قد کان ابنُ مسعودٍ پتعلمُ مِنّا ولا نتعلمُ منه، وقد کان یقضِی فی
بلادِه بأشياءَ، فإذا جاء المدينةَ وجد القضاءَ على غيرِ ما قضَى به، فيرجعُ
(١)
إليه(١).
قال أبو عمرَ: إنما يُؤْخَّذُ هذا على صحةٍ لابنٍ مسعودٍ فى مسألةٍ
أمهاتِ النساءِ والربائبِ ؛ كان قد أفتَى بالكوفةِ بأن الشرطَ فى الأمّ والرّيةِ ،
فلمَّا قدِم المدينةَ قال له عمرُ و(٢)علىٍّ: إنَّ الشرطَ فى الرَّبيبةِ، والأمُّ
مُبهمةٌ(٢). فرجع إلى ذلك(4). وهذا لم يَسلَمْ منه أحدٌ، قد كان عمرُ
بالمدينةِ يَعرِضُ له مثلُ هذا فى أشياءَ يرجعُ فيها إلى قولٍ علىَّ وغيرِه على
جلالةٍ عمرَ وعلمِه. وابنُ مسعودٍ أحدُ العلماءِ الأُخيارِ الفقهاءِ مِن
الصحابةِ، وهو المعروفُ فيهم بصاحبٍ سُنَّةِ رسولِ اللهِ وَلِّ؛ لقولِه عليه
السلامُ له : ((إذنُك علىَّ أَن تَرفعَ الحجابَ، وأن تَسمعَ سِوادِی حتى
أنهاك))(١). وفسّر العلماءُ السّوادَ هلهنا بالسِّرارِ. وقال أبو وائلٍ: لَمَّا أمَر
القبس
(١) تقدم ص ٣٣٠.
(٢) ليس فى الأصل. وينظر القرطبى ١٠٦/٥.
(٣) فى ح، هـ، م: ((مهملة)).
(٤) أخرجه البيهقى ١٥٩/٧.
(٥) أخرجه أحمد ٢٠٩/٦، ٣٨٣ (٣٦٨٤، ٣٨٣٣)، ومسلم (٢١٦٩)، والنسائى فى =
٣٤٨
الموطأ
عثمانُ بالمصاحفِ أن تُشقَّقَ ، قال عبدُ اللهِ: ما أعلَمُ أحدًا أعلَمَ بكتابِ اللهِ الاستذكار
منِّى . قال أبو وائلٍ: فقُمتُ إلى الحِلَقِ(١) لأسمعَ ما يقولون، فما سمِعتُ
أحدًا مِن أصحاب محمدٍ ثُنکِرُ ذلك عليه(١) .
قال أبو عمرَ: يعنى مَن كان بالكوفةِ مِن الصحابةِ يومَئذٍ ، ونزَلها منهم
جماعةٌ . وقال عقبةُ بنُ عمرو الأنصارىُّ أبو مسعودٍ : ما أَرَى رجلًا أعلَمَ بما
أَنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ على محمدٍ نَّهِ مِن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (١.
وقال أبو موسى الأشعرىُّ: لَيومٌ أو ساعةٌ أُجالِسُ فيها عبدَ اللهِ بنَ
مسعودٍ أوثقُ فى نفسِى مِن عملٍ سَنَةٍ؛ كان يسمَعُ حينَ() لا نسمعُ،
ويدخُل حينَ لا ندخُلُ(٥). وقال: لا تسألونى عن شىءٍ ما دام هذا الخَبرُ
بِينَ أظهُرٍ كم . يعنى ابنَ مسعودٍ (١) . وأخبارُه فى مثل هذا كثيرةٌ، وفضائِلُه
القبس
= الكبرى (٨٢٦١)، وابن ماجه (١٣٩).
(١) فى ح، هـ، م: ((الخلق)).
(٢) أخرجه البخارى (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢)، والنسائى فى الكبرى (٧٩٩٧) من طريق
أبی وائل .
(٣) أخرجه الطبرانى (٨٤٩٥)، والحاكم ٣١٦/٣، والخطيب فى الموضح ٢/ ٤٢٤.
(٤) فى الأصل، م: ((حتى)).
(٥) أخرجه الفسوى فى المعرفة ٥٤٥/٢ بشطره الأول، وأخرجه الطبرانى (٨٤٩٥)، والحاكم
٣١٦/٣، والخطيب فى الموضح ٤٢٤/٢ بشطره الثانى.
(٦) تقدم فى الموطأ (١٣٢٠).
٣٤٩
الموطأ
الاستذكار قد ذكرنا كثيرًا منها فى كتابٍ ((الصحابةِ)) (١)، والحمدُ للهِ كثيرًا.
وأما اعتلالُ العراقيين بأنَّ الحيوانَ لا يُمكِنُ صفتُه، فغيرُ(٢) مُسَلَّمِ لهم؛
لأَنَّ الصفةَ فى الحيوانِ يأتى الواصفُ منها بما يَرفَعُ الإشكالَ، ويُوجِبُ الفَرْقَ
بينَ الموصوفِ وغيرِه ، كسائرِ الموصوفاتِ مِن غيرِ الحیوانِ ، وحسْبُ
المُسلَّمِ إليه إذا جاء بما تقعُ عليه تلك الصفةُ(١) . وأما اختلافُ الفقهاءِ فى
استقراضٍ الإماءِ؛ فقال بقولِ مالكِ فى ذلك الليثُ ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ:
يجوزُ استقراضُ الحيوانِ كلِّه إلا الإماءَ، فإنه لا يجوزُ استقراضُهن. وكذلك
قولُ أبى حنيفةً على أصولِهم أنه لا يجوزُ استقراضُ شىءٍمِن الحيوانِ؛ لأنَّرَدَّ
المِثْلِ لا يمكِنُ ؛ لتعذّرِ المماثلةِ عندَهم فى الحيوانِ . ولا خلافَ عن مالك
ومَن ذكّرنا معه ، فيمَن استقرَض أَمَةً ولم يطأها حتى ◌ُلِم ذلك من فعلِه ، أنه
يَؤُدُّها بعينِها، ويُفْسَخُ استقراضُه. واختلفوا فى حكمِها إن وطِئها ؛ فقال
مالكٌ: إن وطِئُها لزِمته بالقيمةِ ولم يُرُدَّها . وقال الشافعىُّ: يَؤُدُّها ويَرُدُّ معها
عُقْرَها ، وإن حمَلت أيضًا ردَّها بعدَ الولادةِ، وقيمةً ولدِها إِن وَلَدت أحياءً يومَ
سقطوا مِن بطنِها ، ويَرُدُّ معها ما نقَصتها الولادةُ ، وإن ماتَت لزِمه مِثْلُها ، فإن لم
يُوجَدْ مثلُها فقيمتُها .
القبس
١٠
(١) الاستيعاب ٩٨٧/٣.
(٢) فى الأصل، م: ((بغير)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((إن بعته منه).
٣٥٠
الموطأ
ما يُنْهَى عنه من المساومةِ والمبايعةِ
وقال داودُ بنُ علىٍّ، وأبو إبراهيمَ المزنيُّ صاحبُ الشافعيِّ ، وأبو جعفرٍ الاستذكار
الطبرىُّ : استقراضُ الإماءِ جائزٌ. قال الطبرىُّ والمزنيُ : قياسًا على بيعِها ،
وأنَّ مِلْكَ المُستقرِضِ صحيحٌ يجوزُ له فيه التَّصَرِفُ كلُّه، وكلُّ ما جاز بيعُه
جاز قرضُه فى القياسِ. وقال داودُ: لم يَحْظُرِ اللهُ استقراضَ الإِماءِ، ولا
رسولُه، ولا اتفَق الجميعُ (١) عليه. وأصولُ الأشياءِ عندَه على الإباحةِ ،
واستدلَّ بأنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ أجاز استسلَافَ الحيوانِ، والإماءُ مِن
الحيوانِ(١). وحُجَّةٌ مَن لم يُجِزِ استقراضَ الإماءِ - وهم جمهورُ العلماءِ -
أنَّ الفروجَ محظورةٌ لا تُستَباحُ إِلا بنكاحِ أو مِلْكِ يمينٍ بعقدٍ لازمٍ ، والقَرْضُ
ليس بعقدٍ لازم؛ لأَنَّ المُستقرِضَ يُرُدُّه متى شاء، فأَشبَه الجاريةَ المُشتَرَاةَ
بالخيارِ ، فلا يجوزُ وطؤُها بإجماع حتى تنقضِىَ أيامُ الخيارِ ، فيلزَمَ العقدُ
فيها، وهذه قياس عليها . وباللهِ التوفيقُ .
التمهيد
فصلٌ فى الضررِ : قد ثبت تحريمُه شرعًا، فحيثُما وقَع امتنَع، وقد خصَّ القبس
النبيُّ وَ لِّ منها نوازلَ واقعةً كقوله: ((لا تَعْ بعضُكم على بيع بعضٍ)). فإن البيع
إذا کان جائزًا على الإطلاق ، والمزايدةُ مباحةً بالإجماع ؛ فإن ذلك عندَ ر کونٍ
المتبايعَين واتفاقِهما على تقريرٍ ) العقدِ قبلَ أن يُنْفِذاه، وهى ثلاثةُ أحوالٍ :
(١) فى ح، هـ: ((العلماء)).
(٢) تقدم ص٣٣٢.
(٣) فى ج، م: (تقدير)).
٣٥١
الموطأ
التمهيد
القبس
الأولى : بيعُ المزايدةِ ؛ ومنه مشىُ السّمسارِ بالسلعةِ .
الثانيةُ: الزيادةُ بعدَ تمامِ البيعِ؛ وذلك لا ينفَعُ المشترىَ الثانىَ، ولا يضُرُ
الأوَّلَ؛ لأن بيعَه قد انعقَد، أمَّا أن فيه إدخالَ همّ على البائعِ، فيمتنِعُ مِن هذا
الوجهِ. والحالةُ الثالثةُ: هى حالةُ الركونِ ، فلا يحِلَّ للبائعِ بعدَ الركونِ إِلى
المشترى أن يَرْجِعَ عنه إلى غيرِه لزيادةٍ يزيدُها أحدٌ له، وإن فعَل لم يَلْزَمْ وفُسِخ
ذلك فى الصحيح من المذهبٍ؛ لأنه فِئْلٌ صادَف نصًّا منقولاً وعمومًا معقولًا،
تعاضَد فيه الشرعُ والعقلُ، فوجَب أن يُقْضَى بفسخِه، وكقوله: ((لا تَلَقَّوا
الوُكْبانَ )) (١) . وقد اختُلِف فى ذلك؛ هل هو لحقِّ الراكبِ، أو لحقٌّ المركوبِ إليه
بالسلعةِ؟ والصحيحُ عندى أنه لحقُّ المركوبِ إليه، وعليه يدُلُّ قوةُ قولِه ◌ِمَّدٍ:
(( دعوا الناسَ يرزُقِ اللهُ بعضَهم مِن بعضٍ))(١). وهو أيضًا مثلُ الأوَّلِ فى الخلافِ،
وعندى مثلُّه فى الفسخ، ومنها النَّجَشُ؛ وهو أن يزيدَ فى السلعةِ لمنفعةِ البائعِ() لا
لعقدِ الشراءِ، وهو تغريرٌ بالمشترِى، وله الخيارُ إذا عَلِم، والزيادةُ حرامٌ على
البائع، و کذلك الغشُّ حرام باتفاق ، وإذا وقع واطّلع عليه المشترى ؛ فإنه بالخيارِ
بِينَ أن يحتمِلَه، أو يُدَّ البيعَ، والضابطُ لذلك أنه متى كان المنعُ لحقِّ اللهِ تعبَّدًا
فُسِخ البيعُ إجماعًا، ومتى ما كان لحقِّ الآدمىٌّ كالعيبٍ والغشّ فله الخيارُ، ومتى
ما كان لحقِّ اللهِ ولحقٌّ الآدمىِّ فعندَ كافةِ العلماءِ ( أنه یفسُ) . واختلف علماؤنا
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٢١).
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٧٧ .
(٣) سقط من : ج .
(٤ - ٤) سقط من : ج .
٠٣٥٢
الموطأ
التمهيد
فيه على تفصيلٍ طويلٍ تردَّدُ(١) فى ((المسائلِ))، عمدتُه على الإطلاقِ أنه إن قَوِى القبس
حقُّ الآدمىٌّ، بأن يكونَ فى نَهْي الشرع عنه رائحةُ المصلحة ، ففیه الخیارُ، وإن
قَوِى فيه حكمُ التعبُّدِ وجَب الفسخُ، وقولُ النبيِّ وَّهِ: ((لا تُصَرُّوا الإبلَ
والغنمَ، فمَن ابتاعها بعدَ ذلك فهو بخيرِ النظرينِ بعدَ أن يحلُّتَها - فى
((الصحيح)): ((ثلاثا)) - إن رَضِيها أمسكها، وإن سَخِطها ردَّها وصاعًا مِن
تمرٍ)) (١) . وفى ((الصحيح)) أيضًا: ((من سَمْراءَ))(٤). وهذا حديثٌ عظيمٌ، بيانُه
فى موضعين؛ ((مسائلِ الخلافِ))، و ((شرحِ الصحيحِ)). ومن فصولِه القويةِ(٥)
أن التصريةَ عندَه٢١ُ عيبٌ، وبه قال الشافعىُّ، وقال أبو حنيفةً: ليس بعيبٍ.
والدليلُ على أنه عيبٌ زيادةُ الثمنِ بالتصريةِ ونقصانُه بعدمِها ، ولا جواب عن
هذا. وردًّ أبو حنيفةَ هذا الحديثَ لوجهين :
أحدُهما: أنه قال: إن راويَه أبو هريرةً ولم يكنْ فقيهًا، وإنما كان رجلاً
صالحًا، وإنما تُقْبِلُ رواياتُه فى المواعظِ لا فى الأحكام. وأسندوا ذلك إلى
الشعبىِّ(١)، ونعوذُ باللهِ مِن مسألةٍ لا تثبُتُ لصاحبِها إلا بالطعنِ على الصحابةِ،
(١) فى ج: ((ترد))، وفى م: ((يرد).
(٢) مسلم (٢٤/١٥٢٤، ٢٥).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٢١).
(٤) مسلم (٢٥/١٥٢٤، ٢٦) بلفظ: ((لا سمراء)).
(٥) فى د: ((الصحيحة)). والمثبت كما فى نسخ على حاشية (د)).
(٦) فى ج، م: ((عندنا)).
(٧) كذا فى د، م، وعارضة الأحوذى، وفى ج: ((الشيعيين)). ولعل الصواب ((النخعى)). وهو ما نقل
عنه، ونقم عليه من قوله: لم يكن أبو هريرة فقيها. ينظر ميزان الاعتدال ١/ ٧٥، وسير أعلام النبلاء
٠٥٢٨/٤،٦١٩/٢
٣٥٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٣/١٧ )
الموطأ
التمهید
القبس
وأبو هريرةَ زاهدٌ حافظٌ قد نالَتْه بركةُ الثوبِ المجموع له ١ ، فلو لم يكنْ فقيهًا
لنفَعَتْه بركةُ الحفظِ فى كلِّ ما يقولُ، ولقد كنتُ بجامع المنصورِ فى حلقةِ قاضى
القضاةِ الدامَغانىٌ، وجرَّت هذه المسألةُ فى ذكرٍ أبى هريرةَ، فقال لى بعضُ
علمائِنا : طعَن بعضُهم) فى أبى هريرةَ فى هذا المجلسِ ، فوقَعت حيَّةٌ مِن السقفِ
فى أثناءِ المجلسِ عظيمةُ المنظرِ ، وقصَدتْ إلى المتكلّم فى أبى هريرةَ، ونفَر
المجلسُ وتفرَّق الخلقُ، ثم أخذت تحتَ بعضِ السوارى(٢) حَجَرًا (٤) فدخلت
(٥)
فيه(٥) .
الثانى: وقد قال أبو حنيفةً: إن هذا الحديثَ يخالفُ أصولَ الشريعةِ من
ثمانية أوجهٍ. فأَوْرَدها وجاوَبْنا عليها كما فى ((مسائلِ الخلافِ)).
ومن غرائبٍ مذهبنا أن أشهب ذُكِر عنه فى ((المُتْبِئَةِ)) أنه قال : إنْ رًّها لم يُدَّ
معها شيئًا؛ لأن الخراج بالضمانِ . وهذا قولٌ باطلٌ مِن وجهين ؛ أحدُهما : أن
الخراج بالضمانِ حديثٌ لم يصِعّ(١) ، مدارُه على عائشةً، لكن المعنی مجمٌ
عليه ، ولو صحَّ الطريقُ إلى عائشةً، وهو الجوابُ الثانى، لما كان فيه حجّةٌ؛ لأنه
عمومٌ وهذا نصّ، والنصّ لا يُرَدُّ بالعموم باتفاقٍ من الأمة ، وأشهبُ أجلُّ قذرًا مِن
هذا فهمًا ودينًا، وإنما هى مِن مسائلِ ((العُتْبِيَّةِ)) التى لم يثبُتْ فيها روايةٌ ، وإنما هى
(١) إشارة إلى الحديث فى فضل أبى هريرة، أخرجه مسلم (٢٤٩٢).
(٢) وكان حنفى المذهب ، كما فى مصدر التخريج .
(٣) فى د: ((البوادى)).
(٤) كذا فى النسخ، ولعلها: ((مجحرًّا)).
(٥) سير أعلام النبلاء ٦١٨/٢، ٦١٩.
(٦) سيأتى تخريجه ص ٣٨٥ - ٣٨٧ .
٣٥٤
١٤٢٠ - مالكّ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ الموطأ
وَ لِّ قال: ((لا تَيغْ بعضكم على بيع بعضٍ)).
مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((لا يَبَعْ التمهيد
بعضُکم علی یچٍ بعضٍ)»(١).
هکذا روی یحیی هذا الحدیثَ دونَ زیادة شیءٍ ، وتابعه ابنُ بُگیْرِ(٢) ،
وابنُّ القاسم ، وجماعةٌ . وروَاه قومٌ عن مالك ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أن
رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((لا تَبَعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، ولا تَلَقُّوا السّلَعَ
حتى يُهْبَطَ بها الأسواقُ)). وهذه الزيادةُ صحيحةٌ لابنٍ وهبٍ(٣)،
والقَعْنَِىِّ، وعبد اللهِ بنِ يوسفَ (٢) ، وسليمانَ بنِ بُردٍ، عن مالكِ،
٠
القبس
منقولةٌ مِن صحفٍ ملفَّقةٍ مِن البيوتِ ، وفى مثلِها قال مالكٌ : لا يجوزُ بيعُ كتبٍ ا
الفقهِ. يعنى القراطيسَ والأوراقَ التى كانت تُكْتبُ عنه، فأما كتابٌ محصّلٌ
مروىٍّ مضبوطٌ بالفصولِ والأصولِ ؛ فإنه يجوزُ بيعُه إجماعًا .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٨٤)، وبرواية أبى مصعب (٢٦٥١). وأخرجه أحمد
١٢٦/٨، ٢٢٣/٩ (٤٥٣١، ٥٣٠٤)، والدارمى (٢٦٠٩)، والبخارى (٢١٣٩)، ومسلم
١١٥٤/٣ (٧/١٤١٢)، وابن ماجه (٢١٧١)، والنسائى (٤٥١٥) من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/١٠ ظ - مخطوط ).
(٣) أخرجه أبو عوانة (٤٨٨٨)، والبيهقى ٣٤٧/٥ من طريق ابن وهب به، وليس عند أبى
عوانة زيادة، وعند البيهقى مقتصرًا على النهى عن تلقى السلع.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٤٣٦)، وأبو عوانة (٤٩٠٥، ٤٩٣٨)، والجوهرى فى مسند الموطأ
(٦٨٩) من طريق القعنبى به، ولفظ أبى داود: ((لا يبع حاضر لباد)).
(٥) أخرجه البخارى (٢١٦٥) عن عبد الله بن يوسف به.
٣٥٥
الموطأ
التمهيد وليستْ لغيرِهم (١)، وهى صحيحةٌ. وأمّا سائرُ أصحاب مالكِ، فإنَّما(٢)
هذا المعنَى وهذه الزيادةُ عندَهم فى حديثٍ أبى الزِّنَادِ(٣)، وهى صحيحةٌ
محفوظَةٌ مِن حديثٍ مالكِ وغيرِه، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، فى النَّهْيِ عن
تَلَقِّى السّلَعِ حتى يُهْبَطَ بها الأسواقُ .
قال أبو عمر: معنى قوله پآلے فى هذا الحدیث وغیرہ: ((لا يبغْ
بعضُكم على تَيْعٍ بعضٍ)). و: ((لا تَبِغْ أحدُكم(٤) على بيع أخيه ، ولا يَسُمْ
على سَوْمِه)). عندَ مالكٍ وأصحابِهِ، معنّى واحدٌ كلّه، وهو أنْ
يسْتَحْسِنَ المشْتَرِى السّلعَةَ ويَهْواها، وتَرْكَنُ إلى البائع، ويَمِيلُ إليه،
ويتَذاكَرانِ الثمن، ولم يَتِقَ إلَّ العَقْدُ، والرّضا الذى يَتِمُّ به البيعُ، فإذا كان
البائعُ والمشْتَرِى على ("مثلِ هذه) الحالِ، لم يَجُزْ لأُحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَه،
فيَعْرِضَ على أَحَدِهما ما يُفْسِدُ به(٧) ما هما عليه مِن التَّبَايُع، فإن فَعَل أحدٌ
ذلك، فقد أساء، وبئسما فعل، فإن كان عالمًا بالنهي عن ذلك، فهو
عاصٍ للهِ، ولا أقولُ: إن مَن فَعَل هذا حَرُم بَيْعُه الثانِى . ولا أعلمُ أحَدًا مِن
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٢٦/٨، ٢٢٣/٩ (٤٥٣١، ٥٣٠٤)، ومسلم (١٤/١٥١٧) من طريق
عبد الرحمن بن مهدى ، وأخرجه الدارمى (٢٦٠٩) من طريق خالد بن مخلد كلاهما عن مالك به .
(٢) فى الأصل: ((فإن)).
(٣) ينظر ما سيأتى ص ٣٦٣، ٣٦٤.
(٤) فى ظ، م: ((الرجل)).
(٥) أخرجه مسلم (١٤١٣)، وابن ماجه (٢١٧٢)، وأبو يعلى (٥٨٨٧) من حديث أبى هريرة.
(٦ - ٦) فى الأصل: ((هذا))، وفى ى: ((هذه)).
(٧) فى ی: ((عليه)).
٣٥٦
الموطأ
أهل العلم قاله، إلّ روايةً جاءتْ عن مالكِ بذلك، قال: لا تَيع الرجلُ على التمهيد
بيع أخيه ، ولا يَخْطُبْ على خِطْبَةِ أَخيه، ومن فعَلَ ذلك، فُسِخ البيتُ ما لم
يفُتْ ، وفُسِخ النكاح قبلَ الدُّخولِ . وقد أنكر بعضُ (١) أصحاب مالكٍ هذه
الروايةَ عن مالكٍ فى البيع دونَ الخِطْبَةِ ، وقالوا: هو مكروهٌ لا يَنْبَغِى . وقال
الثورىُّ فى قولِ رسولِ اللهِ وَله: (( لا تَبِعْ بعضكم على بيع بعضٍ)): أن
يقولَ: عندى ("ما هو٣ خيرٌ منه. وأمَّا الشافعىُ، فقولُه ◌َالتر: ((لا تَيغ
بعضكم على بيع بعضٍ)). معناه عندَه أن يبتاعَ الرجلُ السّلْعَةَ فِيَقْبِضَها،
ولم يَفْتَرِقًا ، وهو مُغْتَبِطٌ بها غیرُ نادِم عليها ، فيأتيه قبلَ الانْتِراقِ مَن يَغْرِضُ
عليه مثلَ سِلعتِه ، أو خيرًا منها ، بأَقَلْ مِن ذلك الثمنِ، فَيَفْسَخَ بيعَ صاحِبِه ؛
لأن له الخِيارَ قبلَ التَّفَرُقِ ، فيكونَ هذا فسادًا .
قال أبو عمرَ: وأمَّا قولُهُ وَِّ: ((لا يَسْمِ(٣) الرجلُ على سَومٍ أخيه)).
فَيُشْبِهُ أن يكونَ مَذْهَبُ الشافعىِّ فى تأويلِ هذا اللفظِ كمَذْهِبٍ مالكٍ
وأصحابه فى قوله آلر: ((لا تَبغ أحدُ كم على بيع أخيه، ولا يَشُم على
سَوْمِه)). واللهُ أعلمُ . ولا خِلافَ عن الشافعىِّ وأبى حنيفةً فى أن هذا العَقْدَ
صحيحٌ، وإِنْ كُرِه له ما فَعَل، وعليه جمهورُ العُلماءِ ، ولا خِلافَ بينَهم فى
القبس
(١) ليس فى: الأصل.
(٢ - ٢) سقط من: ظ .
(٣) فى ظ، ى، م: ((يسوم)).
٣٥٧
الموطأ
التمهيد كراهيةٍ بيع الرجلِ على بيع أخيه المسلم، وسَوْمِه على سَوْمٍ أخيه المسلم ،
ولم أعلَمْ أحدًا منهم فَسَخ بيعَ مَن فَعَل ذلك ، إلّ ما ذكّرْتُ لك عن بعضٍ
أصحابٍ مالكِ بنِ أنسٍ، ورَوَاه أيضًا عن مالكٍ، وأمَّا غيرُه فلا يُفْسَخُ البيعُ
عندَه ؛ لأَنَّه أمرٌ لم يَتِمَّ أولًا، وقد كان لصاحبِهِ أَلَّا يُتِمَّه إن شاء. وكذلك لا
أعلمُ خِلافًا فى أَنَّ الذمِّيَّ لا يجوزُ لأحدٍ أن يبيعَ على بيعِه، ولا يَشُومَ على
سَوْمِه، وأنَّه والمسلمَ فى ذلك سواءٌ، إلّ الأوزاعيَّ، فإِنَّه قال: لا بأسَ
بدخولِ المسلم على الذمِّيِّ فى سومِه؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ إنَّما خاطَب
المسلمين فى ألّا يبيعَ بعضُهم على بيعِ بعضٍ، وخاطَب المسلمَ ألَّ
يبيعَ على بيع أخيه المسلم، فليس الذمِّئُ كذلك. وقال سائر العلماءِ: لا
يجوزُ ذلك. والحُجّةُ لهم أنَّه كما دخَل الذُّمِّئُ فى النهى عن النَّْشِ، وفى
رِئْحٍ ما لم يُضْمَنْ، ونحوِه، كذلك يدْخُلُ فى هذا. وقد يُقالُ : هذا طريقُ
المسلمينَ . ولا يمنَعُ ذلك أن يدْخُلَ فيه ويَسْلُكَه أهلُ الذمَّةِ . وقد أجْمَعوا
على كراهيةٍ سَوْمِ الذمِّىٌّ على الذمِّىٌّ، فدَلَّ على أنَّهم مُرَادُون . واللهُ أعلمُ .
وأمَّا تَلَقِّى السّلَعِ، فإِنَّ مالكًا قال: أكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِىَ أحَدٌ مِن الجَلَبِ فى
نَوَاحِى المصرِ حتى يُهْبَطَ بها إلى الأسواقِ . فقيل له: فإن كان على سِتَّةٍ
أمیالٍ ؟ فقال : لا بأس به . ذكره ابنُ القاسم ، عن مالك ، وقال ابنُ وهپٍ :
سمِعتُ مالكًا وسُئِلٍ عن الرجلِ يخْرُجُ فى الأُضْحَى إلى مِثْلِ الإصْطَبلِ،
وهو نحوٌ مِن مِيلٍ، يَشْتَرِى ضحايا، وهو مؤْضِعٌ فيه الغَنَمُ، والناسُ
القبس
٣٥٨
الموطأ
يخْرُمجون إليهم يشْتَرُون منهم هناك ، فقال مالكٌ: لا يُعْجِبُنى ذلك ، وقد التمهيد
نُهِى عن تَلَقِّى السّلَعِ، فلا أرَى أنْ يُشْتَرَى شىءٌ منها حتى يُهْبَطَ بها إلى
الأسواقِ . قال مالكٌ: والضَّحايَا أفْضلُ ما احْتِيط فيه؛ لأنه نُسُكُ يُتَقَوّبُ به
إلى اللهِ تعالى، فلا أرَى ذلك. قال: وسَمِعْتُه وسُئِل عن الذى يتَلَقَّى السّلْعَةً
فِيَشْتَرِيها ، فتُوجَدُ معه ، أتَرَى أَن تُؤْخَذَ منه فتُباعَ للناس ؟ فقال مالكٌ : أرَی
اُنْ یُتھی عن ذلك، فإنْ نُھی عن ذلك، ثم ۇُچِد قد عاد ، نُكَل.
قال أبو عمرَ: لم نَرَ فى هذه الروايةِ لأهلِ الأسواقِ شيئًا فى السّلْعَةِ
المُتَلقَّةِ، وتحصِيلُ المذهبِ عندَ أصحابِهِ أَنَّه لا يجوزُ تَلقِّى السّلَعِ
والؤكْبانٍ، ومَن تلَقَّاهم فاشْتَرَى منهم سِلْعَةً، شَرِكَه فيها أهلُ سُوقِها إن
شاءُوا، وكان فيها(١) واحدًا منهم، وسواءٌ كانت السّلعَةُ طَعامًا، أو بَزًا ، أو
غيرَه. وقد رَوَى ابنُّ وهبٍ أيضًا عن مالكٍ، أنَّه سُئِل عن الرجلِ يأتيه
الطعامُ، والبَّرُّ، والغنمُ، وغير ذلك مِن السّلَع، فإذا كان مَسيرَةَ اليومِ
والیومینِ جاءه خبز ذلك وصفته، فيخپر بذلك، فيقول له رجلٌ : بِغنی ما
جاءَك. أَفْتَرَى ذلك جائزًا؟ قال: لا أَرَاهُ جائزًا، وأرَى هذا مِن التَّلقِّى . قيل
له : والبرُّ مِن هذا؟ قال: نعم، البَرُّ مثلُ الطعام ، ولا ينْبَغِى أَنْ يُعْمَلَ فى أَمْرٍ
واحدٍ بأمْرَينِ مُخْتَلِفَيْن، وأكْرَهُ ذلك، وأرَاه مِن تَلَفِّى السّلَعِ. وقال
القبس
(١) سقط من: ظ ، م.
٣٥٩
الموطأ
التمهيد الشافعىُّ: يُكْرَهُ تَلَقِّى سِلَع أهلِ الباديةِ، فمَن تَلَقَّها (١) فقد أساء، وصاحبُ
السّلْعَةِ بالخِيارِ إِذا قَدِم بها السوقَ، فى إِنْفاذِ البيعِ أو رَدِّه؛ وذلك أنَّهم
يتَلقَّوْنَهم فيخْبِرُونَهم بانكِسارٍ سِلْعَتِهم وكَسادِ سُوقِها، وهم أهْلُ غِرَّةٍ،
فيبيعُونَهم (١) على ذلك، وهذا ضَرْبٌ من الخَديعَةِ. حَكَى هذا عن
الشافعىِّ؛ الزَّعْفَرانِىُّ، والربيعُ، والمزَنِىُّ، وغيرُهم، وتَفْسِيرُ قولِ الشافعىِّ
عندَ أصحابِهِ، أنْ يخْرُجَ أهلُ الأسواقِ فِيَحْدَعُون أهلَ القافِلَةِ ، ويَشْتِرُون
منهم شِراءً رخِيصًا، فلهم الخِيارُ؛ لأَنَّهم غَرُّوهم. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه : إذا كان الثّلَقِّی فی أرضٍ لا يَضُرُ بأهلها فلا بأسَ به ، وإذا كان
٥
يَضُر بأهلها فهو مكروة . وقال الأوزاعىُ: إذا كان الناسُ مِن ذلك شِباعًا فلا
بأسَ به ، وإن كانوا مُحْتاچِينَ فلا يَقْرَبونه حتى يُهْبَطَ بها "إلى السوقِ).
ولم يجعلِ الأوزاعىُّ القاعدَ على بابِهِ فَتَمُرُّ به سِلْعَةٌ لم يَقْصِدْ إليها،
فِيَشْتَرِيها، مُتَلَقِّيًّا، والمُتَلَقِّى عندَه التاجِرُ القاصِدُ إلى ذلك الخارجُ إليه.
وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ: لا يجوزُ تَلَقِّى السّلَعِ ولا شِرَاؤُها فى الطريقِ، حتى
يُهبطَ بها الأسواقُ(٤). وقالت طائفةٌ مِن المتأخّرين مِن أهلِ الفقهِ
القبس
(١) فى الأصل، ظ: ((تلقاه)).
(٢) فى ظ: ((فيتبعونهم)).
(٣ - ٣) فى ى، م: ((الأسواق)).
(٤) فى الأصل: ((إلى السوق).
٣٦٠