النص المفهرس

صفحات 261-280

الموطأ
مِن تحتها. كذا قال ابنُّ قتيبةَ فى كتابٍ ((الفِقْهِ)) له. قال: ثم وصَف أَنَّه التمهيد
يُغْرِيها(١) فى السّنِينَ الجوائحِ، أى : يُطْعِمُ ثمرتها أهلَ الحاجةِ فی سِنِى
الجدب والمجاعَةِ، وقد كان الرجلُ منهم يُعْطِى ذلك أيضًا لأهْلِه ولعيالِه
يأكلون ثمرتَها، فتُدْعى أيضًا عَرِيَّةً. فهذه كلُّها أقاوِيلُ أهلِ اللغةِ فى العَرِيّةِ.
وأمَّا معنى العَرَايا فى الشريعةِ، ففيه اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ على ما
أُصِفُه لك بعونِ اللهِ؛ فمن ذلك أنَّ ابن وَهْپ روَى، عن عمرو بنِ
الحارثِ، عن(٢) عبدِ رَبِّه بن سعيدِ الأنصارىِّ، أَنَّه قال: العَرِيَّةُ؛ الرجلُ
يُعْرِى الرجلَ النخلةَ، أو الرجلُ يُسَمِّى(٢) مِن مالِهِ النخلةَ أو(٤) النخلتين
ليَّأْكُلَهَا فِيَبِيعُها بتمٍ(٥).
وأخبرنا أبو محمد عبدُ الله بن محمد بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ بكرٍ بنِ داسَةً ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا هَنَّادٌ ، عن
عَبْدَةَ، عن ابنِ إسحاقَ قال: العَرَايا أن يَهَبَ الرجلُ للرجلِ النخَلاتِ
القبس
(١) فى س: ((یعیرها)).
(٢) فى ك ١، م: ((بن)).
(٣) فى مصادر التخريج: ((يستثنى).
(٤) فی م: ((و)).
(٥) أخرجه سحنون فى المدونة ٤/ ٢٦٠، وأبو داود (٣٣٦٥)، وأبو عوانة (٥٠٤٨)، والبيهقى
٣١٠/٥ من طريق ابن وهب به.
٢٦١

الموطأ
التمهيد فيَشُقَّ عليه أن يقومَ عليها فيتَبِيعَها بمثلِ خَرْصِها (١).
وهذا مِن أحسن ما فُسّر به مَعْنَى العَرَايا. فذهَب قوم إلى هذا، وجعَلوا
الرخصةَ فى بيع العَرَايَا بخَرْصِها وَقْفًا على الرّفْقِ بالمُعْرَى تَبِيعُها ممَّن شاء؛
المُعْرِى وغيْرُه فى ذلك عندَهم سَواءٌ. ومِن حُجَّةٍ مَن ذهَب هذا المذهب
ما روَاه حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أيوبَ وعبيدٍ (٢) اللهِ بنِ عمرَ جميعًا، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النبيَّ بَّ نَهَى البائِعَ والمُشْتَرِىَ عن المزابَنّةِ.
قال ابنُ(١) عمرَ: وقال زيدُ بنُ ثابِتٍ: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أَوْخَص فى
العَرَايا؛ النخلةِ والنَّخْلَتَيْنِ يُوهَبَان للرجلِ، فيبيعُها بخرصِها تمرًا (٤) .
قالوا : فقد أطلَقَ فى هذا الحديثِ بَيْعَها بخرصِها تَمْرًا، ولم يقلْ : مِن
المُعْرِى ولا مِن غيرِه. فدَلَّ على أنَّ الرُّخْصَةَ فى ذلك قُصِدَ بها المُعْرَى
المسكِينُ لحاجتِه. قالوا: وهو الصحيحُ فى النظَرِ ؛ لأَنَّ المُعْرَى قد مَلَك
ما ؤُهِب له، فجائزٌ له أن تَبِيعَه مِن المُعْرِى ومِن غيرِهِ إِذْ أَرْخَصَتْ له الشُنَّةُ
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٣١٠/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٠٦٦) - وعنه
أبو عوانة (٥٠٤٩).
(٢) فى م: (عبد).
(٣) فى ك ١، م: ((أبو)).
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٤/٤، والطبرانى (٤٧٧٠) من طريق حماد به، ورواية
الطبرانى مقتصرة على حديث زيد بن ثابت .
٢٦٢

الموطأ
فى ذلك، وخَصَّتْه مِن معنى المزابَنَةِ فى المقدارِ المذكورِ فى حديثٍ هذا التمهيد
البابِ . ذهَب إلى هذا جماعَةٌ مِن العلماءِ؛ منهم أحمدُ بنُ حنبلٍ . وستَذْكُرُ
قولَه فى هذا البابٍ بعدَ ذكرِ قولِ مالِكِ والشافعىِّ إن شاء اللهُ. وذهَب
جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ فى العَرَايا إلى أنْ جعَلوا الرُّخْصَةَ الوارِدَةَ فيها مَوْقُوفَةً
على المُعْرِىُ والمعرَّى) لا غيرُ، فقالوا: لا يجوزُ بِيعُ الرُّطَبِ بالتمرِ بوجهٍ
مِن الؤُجُوهِ إلَّا لمن أُغْرِى نخلاً يأْكُلُ ثمرَها رُطَبًا، ثم بَدَا له أن تَبِيعَها
بالتّغْرِ ، فإنّه أزخص للمُغرِی ان یشْتَرِیَها مِن المُغْرَی إذا کان ذلك خَرْصَ
خمسةٍ أوْسُقٍ أو دُونَها، لما يدْخُلُ عليه مِن الضَّرَرِ فى دُخُولٍ غيرِه عليه
حائِطَه، ولأنَّ ذلك مِن بابِ المعروفِ، يَكْفِيه فيه مُؤْنةَ السَّقْي ، ولا يجوزُ
ذلك لغيرِ المُعْرِى؛ لأَنَّ الُخْصَةَ فيه ورَدَتْ ، فلا(٢) يتَعَدَّى بها إلى غيرِ
ذلك؛ لنهي رسولِ اللهِ وَّ عن المزاَنَةِ، ونَهِْه عن بيعِ النَّمَرِ(٣) بالتَّغْرِ،
وعن بيع الرطبِ بالتمرِ، وهو أمرٌ مُجْتَمَعٌ عليه، فلا يجوزُ أنْ
يتعَدَّى (٢) بالرخصةِ موضعَها. وممَّن ذهَب إلى هذا؛ مالكُ بنُ أنسٍ
وأصحابُه فى المشهورِ عنهم.
القبس
(١ - ١) سقط من: ك ١، م.
(٢) بعده فى ك ١، م: ((يجوز أن)).
(٣) فى النسخ: ((التمر)).
(٤) فی س: (یعدی)).
٢٦٣

الموطأ
التمهید
ومن محُجَّتِهم فى ذلك ما حدَّثنا به سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ
ابنُّ أصبغَ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدثنا الحميدىُّ،
قال: حدّثنی سفيان ، قال : حدّثنی یحیی بنُ سعیدٍ ، قال : أخبرنی بُشيرُ
ابنُ يَسارٍ مولَى بنى حارثةَ ، قال : سمِعتُ سهلَ بنَ أَبِى حَثْمَةً يقولُ: نَھَى
رسولُ اللهِ وَِّ عن بيع الثمرِ (١) بالتَّغْرِ، إِلَّ أنَّه أرْخَص فى العَرِيَّةِ(٢) أن تُبَاعَ
بخَرْصِها يَأْكُلُها أهلُها رُطَبًا(٣).
وذكّره أبو ثورٍ ، عن الشافعىِّ، عن سفيانَ، عن يحيى، عن (٤) ثُشَيرٍ،
عن سهلِ مثلَه سواءً، إلّا أنَّه قال: ورَخَّص فى العَرايَا بِخَرْصِها تَمْرًا يأْكُلُها
صاحِبُها رُطَبًا (٥).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ رَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو
القبس
(١) فى النسخ: ((التمر)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) فى ك ١، م: ((العرايا)).
(٣) الحميدى (٤٠٢)، ومن طريقه الطبرانى (٥٦٣٣)، وأخرجه البخارى (٢١٩١)، ومسلم
(٦٩/١٥٤٠)، وأبو داود (٣٣٦٣)، والنسائى (٤٥٥٦) من طريق سفيان به.
(٤) فى ك ١، م: ( بن).
(٥) الشافعى ٥٤/٣ - ومن طريقه أبو عوانة (٥٠٤٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٩/٤،
٣٠، والبيهقى ٣٠٩/٥، ٣١٠، والبغوى فى شرح السنة (٢٠٧٣).
٢٦٤

الموطأ
أسامَةً، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا بُشَيرُ بنُ يَسار مولَى التمهيد
بنى حارثةَ، أنَّ رافعَ بنَ خَدِيج وسهلَ بنَ أبى حَثْمَةَ حدَّثَاهِ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَّ نَهَى عن المزابَةِ؛ الثمرِ (١) بالثَّعْرِ، إِلَّ أصحابَ
العَرَايَا، فإنَّه قد أذِنَ لهم(٢) .
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسمُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ
القاضى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ هشامِ البَغَوِىُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ
حنبلٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن بُشَيْرِ بنِ
يَسارٍ، عن سهلٍ بن أبى حَثْمَةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عن بيع الثَّمرِ("
بالتَّمْرِ ، وأَرْخَص فى بيع العَرَايَا أنْ تُشْتَرَى بِخَرْصِها يأْكُلُها أهلُها رُطَبًا . قال
سفيانُ: قال لى يحيى: ما أَعْلَمَ أهلَ مكةً بالعَرَايَا؟ قلتُ: أَخْبَرَهم عطاءٌ،
سَمِعه(٤) مِن جابرٍ(٥).
قال أبو عمر: ألا تَرَى إلى قولِه: يَأْكُلُها أهْلُها رُطًَا. وإلى اسْتِشْنَائِه
القبس
(١) فى النسخ: ((التمر)).
(٢) ابن أبى شيبة ٧/ ١٢٩، ١٣٠ - وعنه مسلم (٧٠/١٥٤٠) - وأخرجه البخارى (٢٣٨٣،
٢٣٨٤)، ومسلم (٧٠/١٥٤٠)، والترمذى (١٣٠٣)، والنسائى (٤٥٥٧) من طريق أبى
أسامة به .
(٣) فى النسخ: ((التمر)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) فى س: ((سمعته)، وفى م: ((وسمعه)).
(٥) أحمد ١٤/٢٦ (١٦٠٩٢).
٢٦٥

الموطأ
التمهيد العَرَايا مِن المزابَنَةِ على هذه الصِّفَةِ؟ كانَّه ، واللهُ أعلم ، یریدُ صاحبها الذى
أَعْرَاها وأهلَها الذين وهَبُوا ثمرتَها(١) وأغْرَؤها، فهم الذين أباح لهم شِرَاءَها
بالتمرٍ(٢) خاصَّةً. هذا تأْوِيلُ أصحابٍ مالكٍ ومَن اتَّبَعَهم.
وبجمْلَةُ قولٍ مالكٍ وأصْحابِه فى هذا البابِ فى العَرَايَا ، أنَّ العَرِيَّةَ هى أنْ
یھَبَ الرجلُ من حائطِه خمسةً أُوسُقِ فما دُونَها ، ثم یرید أن يشْتَرِيها مِن
المعْرَى عندَ طِيبٍ الثمرِ(١)، فأَبِيحَ له أنْ يَشْتَرِيَها بِخَرْصِها تَمْرًا عندَ
الجَدادِ ، وإِن عَبَّلَ له لم يَجُزْ، ويجوزُ أنْ يُعْرِىَ مِن حائطِه ما شاءَ، ولكنَّ
البيعَ لا يكونُ إلَّ فى خمسةِ أوْسُقِ فما دونَ. هذا جملةُ قولِه وقولٍ
أَصْحابِهِ، ولا يجوزُ عندَهم البيعُ فى العَرَايا إِلَّ لَوَجْهَيْنِ؛ إِمَّا لدَفْعِ ضَرُورَةٍ
دُخُولِ المُعْرَى على المُعْرِى، وإِمَّا لِأَن يَرْفُقَ المُعْرِى المُعْرَى
فِيَكْفِيَّه (٤المؤنةَ فيها٤)، فأُرْخِص له أن يشْتَرِيَها منه بخرصِها (٥) تَمْرًا إلى
الجَدادِ ، ولا يجوزُ بيعُ العرِيَّةِ قبلَ زَهْوِها إلا كما يجوزُ بيعُ غيرِ العَرِيَّةِ على
الجَدادِ والقَطْع، ولا يجوزُ بيعُ العَرِيَّةِ وإن أَزْهَتْ بِخَرْصِها رُطَبًا، ولا
بخَرْصِها تَمْرًا نَقْدًا، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ وإِنْ جَدَّها مكانَه، ولا تُبائُ ينِصْفٍ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((ثمرها)).
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) فى ك ١، م: ((التمر)).
(٤ - ٤) فى ك ١، م: ((المئونة).
(٥) سقط من: م.
٢٦٦

الموطأ
سِواها مِن الثَّعْرِ، مثلَ أن تكونَ مِن التَرْنِىُّ (١) فتُباعَ بالعَجْوَةِ، ولا تُبائحُ بُيُشْرِ التمهيد
ولا رُطَبٍ ولا تَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وإنَّما تُبائحُ بتَشرٍ يكونُ فى الذِّمَّةِ إلى الجَدَادِ
بِخَرْصِها، ومَا عَدَا وَجْهَ الُّخْصَةِ فيها صار (١) مُزَابَنَةً ، ولا يكونُ البيعُ منها
فى أكثرَ مِن خمسةٍ أُوْسُقٍ ، إلّا أنْ يكونَ بعَيْنِ أو عَرْضٍ غيرِ الطعامِ ، فيجوزَ
نقْدًا أو إلى أجَلِ، كسائرِ البُوعِ. فإن كان طعامًا رُوعِىَّ فيه القَبْضُ قبلَ
الاقْتِراقِ، أو الجَدَادُ قبلَ الافْتِراقِ . وقال ابنُ القاسِم: مَن أَعْرَى جميعَ
حائطِه ، فذلكَ جائزٌ له(١) ، وله شِراءُ جميعِه وبعضِه بالخرصِ إذا لم يتجاوزِ
المبيعُ(٢) خمسةَ أَوْسُقٍ. قال: وتوَقَّف لى مالكٌ فى شِراءٍ جَمِيعِه بالخَرْصِ
وإن كان خمسةً أَوْسُقٍ أُو أَدْنَى، وبَلَغَنى عنه إجازَتُه، والذى سمِعتُ أُنا منه
شِراءُ بعْضِه، وجائزٌ عندِى شِراءُ جميعِه. قال: فإن قيل: إنه (٤) أَغْرَى
جَمِيعَه، فلا يَنْفِى عن نفسِه بشِرائِه ضَرَرًا. قيل(٥): إلَّا أنَّ ذلك إرفاقٌ
للمُعْرَى ، والعَرِيَّةُ تُشْتَرَی للإژفاق ، کما یجوزُ لمن اسْگن رجلاً دارًا حیاته
شراءُ جميعِ السُّكّنَى أو بعضِها، ولا يَدْفَعُ بذلك ضرَرًا. قال سُحْنُونٌ:
القبس
(١) البرنى: نوع جيد من التمر مدور أحمر مشرب بصفرة، ويقال: نخل برنى، ونخلة برنية.
الوسيط ( ب ر ن ).
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) فى ك ١، م: ((البيع)).
(٤) فى ك ١، م: ((له)).
(٥) فى ك ١، م: ((قبل)).
٢٦٧

الموطأ
التمهيد وقال كثيرٌ مِن أَصْحابٍ مالكِ: لا يجوزُ لأحَدٍ أَنْ يَشْتَرِیَ بعضَ عرِيَّتِه؛
لأن النهىَ الذى من أجلِه أَرْخِص فى ذلك قائمٌ بعدُ. قال: ولا
يجوزُ شراءُ المُعْرِى لما٢١ أغْرَى إِلَّ لدفع الضرر. (٢ هذه جملةُ قولِ
مالكٍ وأصحابِه ) .
وقال ابنُ وهبٍ، عن مالكِ: العَرِيَّةُ أنْ يُعْرِىَ الرجلُ الرجلَ(٢) النحْلَةَ
أو (٤) النخلتين أو أكثرَ مِن ذلك، سنَةً أو سنَيْن أو ما شاء، فإذا كان التمر(٥)
قد طاب قال صاحبُ النخلِ : أنا أُکفیگم سَقْيَها وضمانها ، ولکم خرصُها
تَمْرًا عندَ الجَدَادِ . وكان ذلك منه مَعْرُوفًا عندَ الجَدادِ . قال: ولا أُحِبُ(٦)
أن يُجاوزَ ذلك خمسةَ أُوْسُقٍ. قال: وتجوزُ العَرِيَّةُ فى كلِّ ما يَتَشُ
ويُدَّخَرُ ؛ نحوَ العِنَبِ ، والتِّينِ، والزَّيْتُونِ ، ولا أُرَى لصاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَها
إلا ممَّن فى الحائط إذا كان له ثمژ یخزصُها تَمْرًا. وقال ابنُ عبدِ
الحكم، عن مالِكِ: العَرِيَّةُ أنْ يُغْرِىَ الرجلُ الرجلَ ثمرةً(٨) نَخْلَةٍ له أو
القبس
(١ - ١) فى ك ١، م: ((ما)).
(٢ - ٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) سقط من: ك ١، م.
(٤) فى ك ١، م: ((و)).
(٥) فى ك ١: ((الثمر)).
(٦) فى س: ((يحب)).
(٧) فى س، م: ((تمر)).
(٨) فى م: ((تمر)).
٢٦٨

الموطأ
نَخَلاتٍ فِيَعْلِكَها المُعْرَى، ثم يتناعَها المُعْرِى من المعرَى بما شاء مِن التمهيد
الثمنِ(١)، ولا يَتَاعُها منه بخَرْصِها تَمْرًا (٢) إِلَّ المُعْرِى؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ فيه
(٣)
ورَدَتْ(٣).
وقد روى ابنُ نافع وغیژه" ، عن مالك، فی رجل له نخلتانِ فی
حائطِ رجلٍ، فقال له صاحِبُ الحائطِ: أنا آخُذُها بخَرْصِها إلى الجَدادِ .
قال : إن كانَ ذلك منه للمَرْفِقِ يُدْخِلُه عليه ، يغْنِى على صاحبِ النخْلَتَيْن،
فلا بَأْسَ به . قال مالكٌ: وإنْ كان(٥) كَرِهِ دُخولَه ولم يُرِدْ أنْ يَكْفِيَه مُؤْنَةً
السَّفْىِ، فهذا على وجهِ البيع، ولا أُحِبُّه. فهذه الرِّوايَةُ عن مالكٍ على
خِلافٍ أصلِه فى العَرِيَّةِ أَنَّها هِبَةُ الثمرة ، وأُنَّ الواهِب هو الذی ژُخص له فى
شِرائها، على ما ذكّرْنا؛ لأنَّ هذا لم يُوهَبْ له ثَمَؤُ (٦) نخلٍ ، بل هو مالِكُ
رِقَّابِ نخلٍ مِقْدَارُها خمسةُ أَوْسُقٍ أو دونَ، أُبِيح له بيعُ ثمرتها(٢) بالخرصِ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((التمر)).
(٢) فى ك ١: ((ثمرا)).
(٣) بعده فى ك ١، م: ((فهذه جملة قول مالك وتحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه)).
(٤ - ٤) سقط من: ك ١، م.
(٥) سقط من: ك ١، م.
(٦) فى س: ((تمر)).
(٧) فى ك ١، م: ((ثمرها)).
٢٦٩

الموطأ
التمهيد إلى الجَدادِ بالتَّعْرِ. وهى رِوايَةٌ مشْهُورَةٌ عنه بالمدينةِ وبالعراقِ ، إِلَّ أن
العراقيين رَوَوْها عنه(١) بخلافٍ شىءٍ من معناها؛ وذلك أنَّ الطحاوىّ
ذكّرها عن ابنٍ أبى عمرانَ، عن محمدِ بنِ شُجَاعٍ، عن ابنِ نافعٍ، عن
مالِكٍ، أَنَّ العَرِيَّةَ النخلةُ والنخلتانِ للرجلِ ) فى حائطٍ لغيرِهِ، والعادَةُ
بالمدينةِ أَنَّهم يَخْرُجون بأهْلِهم فى وَقْتِ الثِّمارِ إلى حَوائِطِهم، فِيَكْرَةُ
صاحِبُ النخلِ الكثيرِ دُخولَ الآخَرِ عليه، فيقولُ: أنا أُعْطِيك خرصَ
نخلَتِك تَمْرًا. فَرَخَّصَ لهما(١) فى ذلك .
قال أبو عمرَ: هذه الرِّوايَةُ وما أشْبَهها عن مالكٍ تُضارِعُ مَذْهَبَ
الشافعىِّ فى العَرَايا؛ وذلك أنَّ الذى ذهَب إليه الشافعىُّ إجازةُ بيع ما دونَ
خمسة أُؤسُقٍ مِن الُطَبِ بالتّغرِ يدًا بيدٍ ، وسواء كان ذلك مئَّن ژُهِب له
ثَمَرُ نخلةٍ أَو نَخَلاتٍ، أو فيمَن يُريدُ أنْ يبيعَ ذلك المقدارَ مِن حائطِهِ ، لِلَّةٍ
أو لغيرِ عِلَّةٍ ، الرُّخْصَةُ عندَه إِنَّما ورَدَتْ فى المقدارِ المذْكُورِ، فخَرَج ذلك
عندَه مِن المزابَةِ، وما عدا ذلك فهو داخِلٌ فى المزابَنَةِ ، ولا يجوزُ عندَه
بوجهٍ مِن الوجوهِ. وحُجَّتُه فى ذلك ظاهِرُ حديثٍ داودَ بنِ الحُصَيْنِ
المذكورِ فى هذا البابٍ، وحديثُ ابنِ عمرَ، أَنَّ النبيَّ وَلِّ نَّهَى عن
القبس
(١) فى ك ١، م: ((عن مالك)).
(٢) سقط من: ك ١، م.
(٣) فى م: ((له)).
٢٧٠

الموطأ
بيع (١ القَّعْرِ بِالثَّعْر١ِ)، إِلَّا أَنَّه أَرْخَص فى (٢) العَرَايا(٣) . وحديثُ سهل بن أبى التمهيد
حَثْمَةً الذی ذكرناه فى هذا الباب(٢) . وقال فى قوله فى ذلك الحديث :
يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا. أى: يَأْكُلُها الذين يَتَاعُونَها رُطَبًا. قال: وهم أهْلُها.
وروى عن محمودِ بنِ لَبِيدِ يإِسْنادٍ مُنْقَطِعِ ما يُوَضِّحُ تَأْوِيلَه هذا؛ وذلك أنَّ
محمودَ بنَ لَبِيدٍ قال لرجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ بَّ؛ إِمَّا زِيدُ بنُ ثابِتٍ وإِمَّا
غيرُه، قال: ما عَرَاياكم هذه؟ قال: فسَتَّى رِجالاً مُخْتاجِين مِن الأنْصَارِ
شَكَوْا إلى رسولِ اللهِ مَّهِ أَنَّ الُّطَبَ يَأْتى ولا نقدَ بأيديهم يتناعون
به رُطَبًا يأْكُلُونه مع الناسِ، وعندَهم فَضْلٌ مِن قُوتِهم مِن الثَّعْرِ (٥)،
فرَخَّصَ لهم أنْ يَتَاعُوا العَرَايا بخرصِها مِن التَّعْرِ الذى " فى أيديهم)
يَأْكُلُونَها رُطَبًا(١). ورَوَى الربيعُ، عن الشافعىِّ فى العَرِيَّةِ إذا بِيعَت وهى
خمسةُ أوسُقٍ ، قال: فيها قولان؛ أحدُهما، أنَّه جائزٌ. والآخَرُ ، أنَّ البيعَ
لا يَصِحُ إلّ ما دونَ خمسةٍ أوْسُقٍ. وقال المزنىُّ: يلزَمُّه على أصلِ قولِه أن
القبس
(١ - ١) فى ك١، س: ((التمر بالتمر))، وفى م: ((الثمر بالثمر)).
(٢) بعده فى م: (بيع)).
(٣) أخرجه الشافعى فى مسنده ٣١١/٢ (٥١٦ - شفاء العى)، والحميدى (٦٧٣)، وابن أبى
شيبة ٧/ ١٣١، وأحمد ١٩٦/٨ (٤٥٩٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٩/٤.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٦٤، ٢٦٥.
(٥) فى س: ((الثمر)).
(٦ - ٦) فى ك ١، م: ((بأيديهم)).
(٧) ذكره الشافعى ٥٤/٣، وفى اختلاف الحديث ص ٢٦٨ عن محمود بن لبيد.
٢٧١

الموطأ
التمهيد يُفْسخَ البيعُ من(١) خمسةٍ أوسقٍ فما زاد؛ لأَنَّهَا شَكِّ، وأَضْلُ بِيعِ الثمرٍ(٢)
فى رُءوسِ النخلِ بالتشْرِ (٣) خَرامٌ، فلا يَحِلُّ منه إلَّ مَا اسْتُوفِيَتِ الرُخْصَةُ
فيه، وذلك ما دونَ خمسةٍ أوْسُقٍ. وإلى هذا ذهَب المزنىُّ، وأبو الفرج
المالِكِىُّ. واحتَجَّ أبو الفرجِ بحَدِيثِ جابٍ فى الأربعةِ الأُوسقِ، وسنَذْكُرُه
فى آخرِ هذا البابِ إن شاء اللهُ(٤).
ولا عَرِيَّةَ عندَ الشافعىِّ وأصْحابِهِ فى غيرِ النخلِ والعِنَبِ؛ لأنَّ
رسولَ اللهِ وَلّ سَنَّ الخرصَ فى ثمرتِهما)، وأنَّه لا حائِلَ دونَ
الإِحاطَةِ بهما(١) . قال الشافعىُّ: ولا تُبائعُ العَرِيَّةُ بالَّعْرِ إِلَّ بأنْ تُخْرَصَ
العَرِيَّةُ كما تُخْرَصُ للعُشْرِ، فيقال: فيها الآنَ رُطّبًا كذا، وإذا يَيِس
كان تَمْرًا كذا. فيَدْفَعُ مِن التمرِ مَكِيلَةً خَرْصِها تَمْرًا، ويَقْبِضُ النخلةَ
بَتَشْرِها قبلَ أنْ يفْتَرِقًا، فإن اقْتَرَقا قبلَ دَفْعِه فَسَد البيعُ. قال: وتَيِيغُ
صاحبُ الحائطِ مِن كلِّ مَن رُخِّص له أن يشْتَرِيَه بالتَّعْرِ وإن أُتَّى على
جميعٍ حوائطِه .
القبس
(١) فى س: ((فى)).
(٢) فى ك١، س: ((التمر)).
(٣) فى م: ((بالثمر)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٨٠، ٢٨١.
(٥) فى ك١، م: ((ثمرتها)).
(٦) فى ك ١، م: ((بها)).
٢٧٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: يغنى مَنُ(١) لا ذهبَ عندَه ولا وَرِقَ ولا عَرْضَ غيرَ التمهيد
التَّعْرِ(١) أو(٢) الزَّبِيبِ، وبه حاجَةٌ إلى الرُّطَبِ أو(٤) إلى العِنَبِ، فَافْهَمْ.
وقولُ أبى ثورٍ فى العزايا كقول الشافعي سواءً، واحتجُّ أبو ◌َوْرٍ لاخْتِیارِ قولٍ
الشافعىِّ ، فقال: وذلك أن تَزِيدَ بنَ هارونَ أخبرنا، عن يحيى بن سعيدٍ ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: رَخَّص رسولُ اللهِ وَِّ فِى
بيع العرایا بخزصِها گیلایاُلُها أهلُها رُطبًا(٥) .هكذاذكرفى هذاالحديثِ ،
ثم أردفه عن الشافعی بحدیثِ ابنِ عیینةً ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن بُشَیرِ بنِ
یَسَارٍ ، عن سَهْلِ بنِ أبی حَثْمَةً ، على ما ذكرناه فى كتابنا هذا (١) .
وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ فحَكَى عنه أبو بكرِ الأثرمُ، قال : سمِعتُ أبا
عبدِ اللهِ يُسْألُ عن تَفْسِيرِ العَرَايا، فقال: أنا لا أقولُ فيها بقولٍ مالكٍ،
وأقولُ: العَرَايا أن يُعْرِىَ الرجلُ الجارَ أو القرابَةَ للحاجَةِ والمسْكَّنَةِ ، فإذا
أَعْراه إِيَّاهَا فللمُعْرَى أن تَبِيعَها ممَّن شاء، إنَّما نَهَى رسولُ اللهِ وَِّ عن
المزابَنَةِ، وأَرْخَص فى العَرَايا، فَرَخَّص فى شىءٍ من شىءٍ، فَنَهَى عن
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى ك ١: ((الثمر)).
(٣) فى ك ١، م: ((و).
(٤) فى م: (( و)).
(٥) أخرجه أحمد ٥١٢/٣٥ (٢١٦٥٦)، وابن الجارود (٦٦٠)، وأبو عوانة (٥٠٣٥) من
طریق یزید بن هارون به .
(٦) تقدم تخريجه ص ٢٦٤.
٢٧٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/١٦ )

الموطأ
التمهيد المزابَنَةِ أن تُباعَ مِن كلِّ أَحَدٍ، ورَخَّص فى العَرَايا أن تُباعَ مِن كلِّ أَحَدٍ،
فیبیعُها ممَّن شاء. ثم قال : مالكٌ یقولُ بسبعها مِن الذی اُعْرَاها إِيَّاه ، ولیس
هذا وجهَ الحديثِ عندى، وتَبِيعُها ممَّن شاء. قال: وكذلك فشّرَه لی
سفيانُ بنُ عيينةَ وغيرُه . قال الأثرمُ: وسمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ : العَرِيَّةُ فيها
مَعْنيانٍ لا يجوزانِ فى غيرِها؛ فيها أنها رطبٌ بتمرٍ وقد نهَى النبىُّ بَ لِّ عن
ذلك، وفيها أنَّها تَمْرٌ بِثَمَرٍ (١)، يُعْلَمُ كَئِلُ التَّغْرِ(٢) ولا يُعْلَمُ كَيْلُ الثَّمرِ(٣)،
وقد نَهَى رسولُ اللهِ لَّهِ عن ذلك، فهذا لا يجوزُ إلَّا فِى العَرِيَّةِ. قلتُ لأبى
عبدِ اللهِ: فإذا باع المُعْرِى العَرِيَّةَ، أله أن يأْخُذَ التَّمْرَ السَّاعَةَ، أو عندَ
الجَدَادِ ؟ قال: بل يأخُذُ الساعَةَ. قلتُ له: إنَّ مالِكًا يقولُ: ليس له أنْ
يأخُذَ التَّمْرَ الساعَةَ حتى يُجَدَّ . قال: بل يأخُذُ السَّاعَةَ على ظاهِرِ الحديثِ .
أخبرنا بذلك كلِّه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمِنِ، قال: حدَّثنا
عبدُ الحَمِيدِ بنُ أحمدَ الوَرَّاقُ ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا
أبو بكرِ الأثرمُ. فذكَرَه بتَمامِه(٤) .
وأمَّا أبو حنيفةً وأصحابُه، فقالوا فى العَرَايا قَوْلًا لا وَجْهَ له؛ لأنَّه
القبس
(١) فى س: ((بتمر)).
(٢) فى س: ((الثمر)).
(٣) فى س: ((التمر)).
(٤) فى ك ١، م: ((بمثله)).
٢٧٤

الموطأ
مُخالفٌ لصحيح الأثَرِ فى ذلك، فوجَب أَلَّا يُعَرَّجَ عليه، وإنكارُهم للعَرَايا التمهيد
كإِنكارِهم للمُسَاقَاةِ مع صحَّتِها، ودَفْعِهِم لحديثِ (١) التَّفْليسِ، إلى أشياءَ
مِن الأَصُولِ رَدُّوها بتَأْوِيلٍ لا مَغْتَى له، فأمَّا قولُهم فى ذلك، فَقَالُوا: العَرِيَّةُ
هى النخلةُ يَهَبُ صاحِبُها ثمرَها(٢) لرجلٍ، ويَأْذَنُ له فى أخْذِها فلا يَفْعَلُ،
حتى يَبْدُوَ لصاحِبِها أن يَمْنَعَه مِن ذلك، فله مَنْتُه؛ لأَنَّهَا هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضَةٍ ؛
لأَنَّ المُعْرَى لم يكنْ مَلَكَها، فأُبِيح للمُعْرِى أن يُعَوِّضَه بِخَرْصِها تَمْرًا
ويَمْتَعَه . وهذا على أَصُولِهِم فى الهِبَاتِ ، أَنَّ للواهِبِ مَنْعَ ما وَهَب (ما لم)
يَقْبِضْه الموهوبُ له. وقال بعضُ أصحابٍ أبى حنيفةً؛ وهو عيسى بنُّ
أبانٍ: الرّخْصَةُ فى ذلك للمُعْرَى أنْ يأْخُذَ بدَلًا مِن رُطَب لم يَمْلِكْه تَمْرًا .
وقال غيرُه منهم: الرخصةُ فيه للمُغْرِى؛ لأنَّه كان يكونُ مُخْلِفًا لوعده،
فرخِّصَ له فى ذلك، وأُخْرِج به مِن إِخْلافِ الوعدِ. وليس للعَرِيَّةِ عندَهم
مدخلٌ فى(٤) البيوعِ، ولا يجوزُ لأُحَدٍ عندَهم أن يشْتَرِىَ ثَمَرَ العَرِيَّةِ غيرَ
المغْطِى وحدَه على الصفةِ المذكورةِ، والعَرِيَّةُ عندَهم هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضَةٍ .
واخْتَجَّ بعضُهم بحَدِيثٍ معمرٍ ، (°عن ابنٍْ) طاوسٍ، عن أبى بكرِ بنِ محمدٍ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((بحديث).
(٢) فى س، م: ((تمرها)).
(٣ - ٣) فى ك ١، م: ((حتى).
(٤) فى م: ((من)).
(٥ - ٥) فى ك ١: ((ابن أبى)).
٢٧٥

الموطأ
التمهيد قال: كان النبيُ وَ لَهِ يَأْمُرُ أصحابَ الخرصِ أَلَّ يَخْرُصوا العَرَايا. قال:
والعَرايا أن يَمْنَعَ الرجلُ مِن حائطِه رجلًا نخلًا، ثم يَتَاعَها الذى مَنَحَها إِيَّاه
مِن الممْنُوحِ بِخَرْصِها (١) . قالوا: فالعَرِيَّةُ مِنْحَةٌ وعَطِيَّةٌ لم تُقْبَضْ ؛ فلذلك
جاز فيها هذه الرُّخْصَةُ. واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ: الآثارُ الصِّحاحُ تَشْهَدُ بأنَّ العَرَايا بيعُ الثَّمَرِ بالتَّعْرِ فى
مقدارٍ مَعْلُومٍ مُسْتَثْنَى مِن المحظورِ فى ذلك على حَسَبِ ما تَقدَّم مِن
الوَصْفِ فى العَرَايا، ومحالٌ أَن يَأْذَنَ رسولُ اللهِ وَّهِ لأَحَدٍ فى بيعٍ ما لم
يَغْلِكْ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ (١) اللهِ، قال: حدَّثنی
عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنی ◌ُونُسُ بنُ يزيدَ ، عن ابنِ شهابٍ ، قال :
حدَّثنى خارِجَةُ بنُ زيدٍ بن ثابتٍ، عن أبيه، أنَّ النبيَّ وَّهِ أَرْخَص فى بيعِ
العَرايا بالتمرِ أو (٤) الرُّطَبِ (٥). كذا قال: أو الرُّطَبِ.
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٢١٠) عن معمر به.
(٢) فى ك ١، س: ((التمر)).
(٣) فى ك ١: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨٧/١.
(٤) فى م: ((و)).
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٩/٤ من طريق ابن وهب به .
٢٧٦

الموطأ
وحدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ (١ محمدِ بنِ) عبدِ المؤمِنِ، قال: حدَّثنا التمهيد
محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالِحٍ،
قال: حدّثنا ابنُ وهب، قال : أخبرنا يُونُسُ بنُ یزیدَ، عن ابنٍ شهابٍ ،
قال : أخبرنی خارجةُ بنُ زيد بن ثابت ، عن أبيه، أنَّ النبي ێ رخّص فى
بيعِ العرايا بالتمرِ والرُّطَبٍ(٢).
وروی الثوریُّ ، عن یحیی بن سعیدٍ وُبئْدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن زيد بنِ
ثابتٍ، أنَّ النبيَّ وَ لِّ رَخَّص فى بيع العَرَايا أن تُباعَ بخرصِها، ولم يُرَخِّصْ
فى غيرِها. قال: والعَرَايا التى تُؤْكَّلُ(٣).
ورَوّى مالكٌ(٤) ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، أَنَّ رسولَ
اللهِ وَ لَهُ أَرْخَص لصاحِبِ العَرِيَّةِ أن تَبِيعَها بخَرْصِها.
فهذه الآثارُ كلُّها قد أَوْضَحَتْ أنَّ ذلك بيعٌ، فلا مَعْنَى لما خالَفَها .
قال أبو عمرَ: فى حديثٍ يُونسَ، عن ابنِ شهابٍ ، عن خارجةً ، عن
القبس
(١ - ١) سقط من: ك ١، م.
(٢) أخرجه البيهقى ٣١١/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٣٦٢).
وأخرجه النسائى (٤٥٥١) من طريق ابن وهب به، وأخرجه الطبرانى (٤٨٤٨) من طريق يونس
به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٤٤٨٦)، وأبو عوانة (٥٠٣٤) من طريق الثورى به.
(٤) تقدم فى الموطأ (١٣٣٧).
٢٧٧

الموطأ
" التمهيد أبيه، ذكرُ بيعِها بالُّطَبِ. وهو مما اخْتُلِفَ فيه؛ فذهَبُ(٢) قومٌ منهم
أصحابُ أبى حنيفةً إلى أنَّه جائزٌ بيعُها بالُّطَبِ خَرْصًا، كما يجوزُ بالتَّعْرِ
خوصًا .
قال أبو عمرَ: ذكرُ الرُّطَبِ فى هذا الحديثِ ليس بمحفوظٍ إلّ بهذا
الإسنادِ ، وقد جعَله بعضُ أهلِ العلم وهمًّا، وجعَل القولَ به شُذُوذًا. ومَن
ذهَبَ إلى القولِ بحديثٍ يُونُسَ هذا قال: رُوَاتُه كلُّهم ثِقاتٌ فقهاءُ عُدُولٌ .
واخْتَجَّ أيضًا بأنَّ الرُّطَبَ بالرطبِ أَجْوَزُ فى البيع مِن الرُّطَبِ بالتمرِ. وقال
آخرون وهم الجمهورُ: لا يجوزُ بيعُها؛ لأنَّ العِلَّةَ حِينَئذٍ تَرْتَفِعُ وتذْهَبُ،
وأىّ ضرورَةٍ تَدْعُو إلى بيعِ رُطَبٍ بِرُطَبٍ لا يُغْرَفُ أنَّ ذلك مثلٌ بمثلٍ؟
وكيفَ يجوزُ ذلك وهو المزابَنَةُ المنهىُّ عنها، ولم تَدْعُ ضرورةٌ إليها ؟
والذين أجازوا بيعَها بالُّطَبِ جعَلوا الرخصةَ فى العَرِيَّةِ، أنَّها ورَدَتْ فى
المقدارِ المُسْتَثْنَى رُخْصَةٌ لمن شاء ذلك مِن غيرِ ضرورَةٍ ؛ إذ الضرورَةُ لم
تُنَصَّ فى الحديثِ . قالوا : ومَن لم يُرَاعِ الضرورةَ لم يُخالِفِ الحديثَ ، إِنَّما
يُخالِفُ تَأْوِيلَ مُخالِفِه. ولهم فى هذا اغْتِراضاتٌ لا وَجْهَ لِذِكْرِها .
قال أبو عمرَ: لا أعْلَمُ أحدًا قال (٢ بجوازٍ بِيع٢ِ) العربيةِ بِالرُّطَبِ إِلَّ بعضَ
القبس
(١) فى م: ((فقال)).
(٢ - ٢) فى ك ١، م: ((يجوز أن يبيع)).
٢٧٨

الموطأ .
أصحابِ داودَ، وأصحابَ أبى حنيفةَ. واللهُ أعلمُ. وكان أبو بكرِ الأَبْهَرِىُّ التمهيد
رَحِمه اللهُ يقولُ: معنى حديثٍ يُونُسَ هذا أنْ يَأْخُذَ المُعْرِى الُّطَبَ ،
ويُعْطِىَ خَرْصَها تَمْرًا عندَ الجَدادِ للمُعْرَى، وهذا يُخرَّجُ على أصلٍ مَذْهَبِه .
قال الأبھرِىُّ : ولا اعْلَمُ أحدًا تابعَ يُونسَ علی ما ذكره فى حديثه عن ابنٍ
شھَاپ بالُطَبِ .
قال أبو عمرَ: قد روَى الأوزاعىُّ، عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ، عن
أبيه، عن زيدٍ فى هذا الحديثِ ذكرَ الرُّطَبِ أيضًا إن كان مَحْفُوظًا عن
الأوزاعىّ .
حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حَكَم قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً ،
قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبِى حَسَّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ ، قال :
حدّثنا عبدُ الحمیدِ ، قال: حدثنا الأوزاعىُ ، قال: حدّثنی ابنُ شهابٍ ،
عن سالم، عن أبيه، عن زيد بن ثابتٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَرْخَص فى بِيعِ
العَرَايا بالرُّطَبِ، لم تُرَخّصْ فى غيرِ ذلك(١).
قال أبو عمرَ : عبدُ الحميدِ کاتبُ الأوزاعِيّ ليس بالحافِظِ المُتْقِنِ، ولا
ممَّن يُحْتَجُ به، وقد روَى هذا الحديثَ بهذا الإسنادِ عن ابن شهابٍ ،
القبس
(١) أخرجه الدارمى (٢٦٠٠)، وأبو عوانة (٥٠٣٧)، والطبرانى (٤٧٥٩)، والبيهقى ٣١١/٥ من
طریق الأوزاعى به .
٢٧٩

الموطأ
التمهيد سفيانُ بنُ عيينَةً، فقال فيه: إنَّ رسولَ اللهِ وَلّ رخّص فى بيع العَرَايا(١). لم
یقُلْ: بالُطَبِ، ولا بالتّغْرِ . وحدیثُ نافع، عن ابنِ عمرَ، عن زيدٍ ، يدُلُّ
على أنَّ ذلك بالتَّعْرِ. واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ ، قال: حدَّثنَا بَكْرٌ، قال:
حدَّثْنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن عُبَيْدِ اللهِ، قال : أخبرنا
نافع، عن ابن عمر ، أُنَّ زید بن ثابتٍ أخبره ، اُنَّ رسولَ الله څټ رخّص فی
العَرَايا أنْ تُباعَ بخرصِها كيلًاً(٢).
واخْتَلَف العلماءُ فى مقدارِ العَرِيَّةِ، بعدَ إجماعِهم أنَّها لا تجوزُ فى أكثرَ
مِن خمسةٍ أَوْسُقٍ، فقال قومٌ: مِقْدارُها خمسةُ أوْسُقٍ. وقال آخرون :
مقدارها دُونَ خمسةٍ أوسُقٍ ولو بأقَلَّ ما يَبِينُ مِنِ النَّقْصانِ . وحُجّةُ الطائفتَيْن
حديثُ أبى هريرةَ المذْكُورُ فى هذا البابِ مِن روايةٍ مالكِ وغيرِه. وقال
آخرون : لا تجوزُ العَرِيَّةُ فى أكثرَ مِن أربعةِ أُوْسُقٍ . واحْتَجُوا بما رواه محمدُ
ابنُإسحاق ، عن محمد بن یحیی بن حبان ، عن عَمِّه واسع بنِ حُبَّانَ ، عن
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٤٢/٨، ٤٦٠/٣٥ (٤٥٤١، ٢١٥٨٤)، ومسلم ١١٦٧/٣، ١١٦٨
(١٥٣٩) والنسائى (٤٥٤٦، ٤٥٥٠)، وابن ماجه (٢٢٦٨) من طريق سفيان به.
(٢) أخرجه الطبرانى (٤٧٧١) من طريق مسدد به، وأخرجه مسلم (٦٥/١٥٣٩)، والنسائى
(٤٥٥٢) من طريق يحيى القطان به، وأخرجه أحمد ٥٠٠/٣٥ (٢١٦٣٨)، ومسلم
(٦٤/١٥٣٩) من طريق عبيد الله به .
٢٨٠