النص المفهرس
صفحات 81-100
الموطأ عن الغِيلَةِ ، حتى ذكَرتُ أَنَّ الرُّومَ وفارِسَ يَصْنَعُون ذلكَ فلا يَضُرُ أولادَهم))(١). التمهيد قال أبو عمرَ: هكذا هو فى ((المُوَطَُّ)) عندَ جميعِ الرُّوَاةِ، إِلَّا أبا عامٍ القبس ز کریا محمد بن العباس بن حُوته ١ اللغویِّ ببغداد ، وقرأتُه بعد ذلك علی ابی الحسنِ المُباركِ بنِ عبدِ الجبارِ ، قلتُ : أخبرك أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ عمرَ الفقيهُ الحنبلىُ(١)، وعلىُ بنُ عمرَ الحَزيئُ(٤) الزاهدُ، قال(٥) : أخبرنا أبو العباسِ محمدُ(٤) ابنُّ ز کریا المذ کورُ، قال : سألتُ أبا عمر الزاهد عن مجدًّامةً بنت وهب التی تروِی حديثَ الغيلةِ ، فقال: هى جدًّامةُ ، بضم الجيم وتشديدِ الدالِ المهملة ، وهی فی اللغةِ اسم لطَّرَفِ السَّعَفَةِ التى فى النخلِ . (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/١٢و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٥٣). وأخرجه أحمد ٥٨٤/١٤ (٢٧٠٣٤)، والدارمى (٢٢٦٣)، ومسلم (١٤٠/١٤٤٢)، والترمذى (٢٠٧٧)، والنسائى (٣٢٢٦) من طريق مالك به . (٢) فى د: ((حبوبة))، وفى ج: ((حبوية)). وهو محمد بن العباس بن محمد بن زكريا البغدادى الخزَّاز ابن حيُّويه ، المحدث الثقة المسند ، سئل البرقانى عنه فقال : ثقة ثبت حجة . توفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة . تاريخ بغداد ١٢١/٣، وسير أعلام النبلاء ٤٠٩/١٦، ٤١٠، والوافى بالوفيات ١٩٩/٣. (٣) إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم ، أبو إسحاق ، البرمكى البغدادى الحنبلى ، كان صدوقًا ديّنًا ، فقيها على مذهب أحمد ، وله حلقة للفتوى ، كان ذا زهد وصلاح ومعرفة تامة بالفرائض ، مات يوم التروية من ذى الحجة سنة خمس وأربعين وأربعمائة . سير أعلام النبلاء ٦٠٥/١٧، ٦٠٦، وطبقات الحنابلة لابن أبى يعلى ١٩٠/٢، ١٩١. (٤) فى ج: ((الجرمى)). وهو على بن عمر بن محمد، أبو الحسن ، ابن القزوينى البغدادى الحربى، الزاهد، كان زاهدًا ورعًا كثير القراءة ، عارفًا بالفقه والحديث . سير أعلام النبلاء ٦٠٩/١٧ ، وطبقات السبكى ٢٦٠/٥ . (٥) كذا فى النسخ، وحقها أن تكون: ((قالا)). (٦) فى النسخ: ((أحمد)). والمثبت من نسخة على حاشية ((د)). وقوله: المذكور . يريد به الإشارة إلى ابن حيُويه المذكور فى أول الكلام . ٨١ ( موسوعة شروح الموطأ ٦/١٦ ) الموطأ التمهيد العَقَدِىَّ، فإِنَّه جعَلَه عن عائشَةَ، عن النبيِّ وَِّ، لم يَذْكُوْ مجِدَامَةَ(١) وكذلك رَوَاه القَعْنَبِىُّ فى سَمَاعِه من مالكٍ فى غيرِ ((المُوَطَُّ))(٢)، وَرَوَاه فى ((المُوَطَُّ)) كما رَوَاه سائِرُ الرُّوَاةِ، عن عائِشَةَ، عن جُدَامَةً(٢) . وقولُ النبيِّ وَلِهِ: ((لقد هَمَمتُ أن أنْھی عن الغِيلَةِ». ذگر علماؤنا فى ذلك القبس أنه دلیلٌ علی جوازٍ حکم التبئ (ێ بالاجتهاد)؛ لأنه لو کان وحیًا لم يؤدّه عنه إلا ما يَرِدُّ نسخًا، ولكنَّ الحكمةَ فى ذلك والنكتةَ فيه أمرٌّ يجِبُ أن تُحَصِّلوه؛ وهو أن النبيُّ وَّه قد كان اسْتَقرَّ عندَه مِن الشريعةِ بالوحي المُنزَّلِ أَن الضَّرَرَ والمُضارَّةَ حرامٌ، ورأى، مَجْرى(٥) العادة، أن الماءَ ربَّما أغالَ اللبنَ فأضعَف الطفلَ، فأراد أن يَنْهَى عنه بعمومِ تحريم الضَّرَرِ، ثم تذكَّر (١) أن الحالَ فى ذلك مُتْقسمةٌ ؛ فمنها ما يَضُرُ، ومنها ما لا يَضُرُّ، فأمسَك عن ذلك إِبقاءً لتحليلِ الوطءِ على أصلِه ، أما إنه حقُّ الزوج، فإن شاء أن يَشْتوفِيَه لم يَشْقُطْ يقينُ حقِّه الواجبِ بالشكِّ فى ضَررٍ ) الولدِ، وإن أراد أن يُشْقِطَ حقّه أخذًا للولدِ بالأحوطِ، لم يَكُنْ للمرأةِ کلام فى ذلك؛ لأن الزوجَ يَفْضُلُها بالقواميةِ التى جعلها اللهُ عزَّ وجلَّ عليه فى قولِه : ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]. (١) فى م: ((جذامة)). (٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣٦٦٥) من طريق القعنبى به . (٣) فى م: ((جذامة)). والحديث أخرجه أبو داود (٣٨٨٢)، والطبرانى ٢٠٨/٢٤ (٥٣٤)، والجوهرى فى مسند الموطأ (٢٥٢) من طريق القعنبى به . (٤) بعده فى م: ((دلالة)). (٥) فى ج ، م: ( جری )). (٦) فى د: ((يذكر))، وفى م: ((ذكر)). (٧) فى د: (( ضرورة)). ٨٢ الموطأ وهذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌّ. وفيه روايةُ الصَّاحِبِ عن الصَّاحِبِ ، التمهيد وروايةُ المَرْءِ عَمَّن هو دونَه فى العلم، وبجدَامَةُ (١) هذه هى أمّ قَيْسٍ بنتُ وَهْبٍ بِنِ مِخْصَنٍ أُخِى عُكَّاشَةَ بنِ مِخْصَنٍ الأَسَدِئِّ، وقد ذكّرْنَاها فى كتابِنا فى ((الصحابةِ))(٢) بما فيه كفايةً. حدثنا خَلَفُ بنُ قاسم ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ عمر بن إسحاق ، حدثنا محمدُ بنُ جعفرِ الإِمامُ، حدثنا خَلَفُ بنُ هشامِ البَزَّارُ، وحدثنا خَلَفٌ ، (7حدثنا أحمدُ بنُ الحسن بن إسحاق ، حدثنا جعفر بن محمدٍ بن ◌ِكْرٍ البالِسيُّ، حدثنا أبو جعفرٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنِ نُفَيْلِ التَّفَيْلِىُّ الحَرَانِىُّ ، قالا جميعًا : حدثنا مالِكُ بنُ أَنَسٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ نَؤْفَلٍ ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن بجذَامَةً(٥) الأَسَدِيَّةِ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﴿﴿: «لقد هَمَمتُ أَنْ أَنْهَى عن الغِيلَةِ، حتى بَلَغَنِى أَنَّ الرُّومَ وفارسَ تَفْعَلُه)). قال النُّقَلِئُ: «فلا يَضُرُّهم ». وقال خَلَفٌ: «فلا يَضُرُ أَوْلَادَهم ذلكَ))(٦). القبس (١) فى م: ((جذامة)). (٢) الاستيعاب ٤/ ١٨٠٠. (٣ - ٣) سقط من: ى. (٤) فى الأصل: ((الجرانى)). وينظر تهذيب الكمال ٨٨/١٦. (٥) فى الأصل، ى: ((جدامة)). ورواية خلف بن هشام بالذال كما ذكر الإمام مسلم. (٦) أخرجه مسلم (١٤٠/١٤٤٢)، وأبو نعيم فى مستخرجه (٣٣٧١) من طريق خلف بن هشام به . ٨٣ الموطأ التمهيد وَأَمَّا الغِيلَةُ فقد فَشَرَها مالكٌ فى ((مُوَطَّئِهِ)) إِثْرَ هذا الحديثِ، ذكَّرَه الفَعْنَبِىُّ وغيرُه عن مالكِ، قال: والغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَه وهى تُوْضِعُ، حَمَّلَتْ أو لم(١) تَعْمِلْ. قال أبو عمرَ : اخْتَلَفَ العلماءُ وأهلُ اللُّغَةِ فى معنى الغِيلَةِ ؛ فقال منهم قائلون كما قال مالكٌ: معناها أنْ يَطَأَ الرجلُ امْرَأَتَه وهى تُرْضِعُ. وقال الأَخْفَشُ : الغِيلَةُ والغَيْلُ سَواءٌ؛ وهو أنْ تَلِدَ المرأةُ فيَغْشاها زوجها وهى تُوضِعُ، فَتَحْمِلَ، فإذا حمَلَتْ فَسَدَ اللَّبْنُ على الصَّبِىِّ، وَيَفْسُدُ به جَسَدُه، وتَضْعُفُ قُوَّتُه، حتى رُبَّما كان ذلك فى عَقْلِه. قال: وقد قال النبيُّ وَله فيه : ((إِنَّهُ لَيُدْرِكُ الفارسَ فيُدَغْثِرُه عن سَرْجِه)). أى: يَضْعُفُ فِيَسْقُطُ عن الشرج . قال الشاعر: فَوَارِسُ لم يُغَالُوا فى رَضَاعٍ فَتَتْبُو فى أَكُفِّهِمْ الشَّيُوفُ يقالُ: قد أغَالَ الرَّجُلُ وَلَدَه. و: أُغِيلَ الصَّبِىُّ. و: صَبِىٌّ مُغَالٌ ومُغْيَّلٌ. إذا وَطِئَ أَبُوه أمَّه فى (٢) رَضَاعِه. قال امْرُؤُ (٣) القَيْسِ(٢) : فَأَلْهَيْتُها عن ذِى تَائِمَ مُغْيَلٍ * # القبس (١) سقط من: م. (٢) بعده فى ى: «أيام)) . (٣) ديوانه ص ١٢. وهو عجز بيت صدره: * فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعاء ٨٤ الموطأ التمهيد وقال أبو كَبِيرٍ(١) الهُذَلِيُّ: وفَسَادٍ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلٍ ومُبَوَّأَ من كلِّ ◌ُجْرِ(٢) خيْضَةٍ وأمَّا الحديثُ الذى ذكَرَه الأَخْفَشُ ، فهو حديثُ أسماء بنتٍ يَزِيدَ بنِ السَّكَنِ(٢) . ذكَره ابنُ أبى شَيْبَةَ، قال: حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا ابنُ أبى غَنِيَّةً(٢) ، عن محمدِ بنِ مُهَاجِرٍ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتِ يَزِيدَ ، قالت : سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((لا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكم سرًّا؛ فَإِنَّ الغَيْلَ يُذْرِكُ الفارسَ فَيُدَعْثِرُه عن ظَهْرٍ فَرَسِه))(٥) . ورَوَاه حمَّادُ بنُ خالِدِ الخَّاطُ ، قال: حدثنا معاویةُ بنُّ صالح، عن مُهاجرٍ مَوْلَى أسماء بنتٍ يَزِيدَ، قال: سمِعتُ أسماءً تقولُ : قال رسولُ اللهِ وَه: ((لا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكم سِرًّا)). فذَكَرَ نحوَه، إلّا أنَّه قال: ((والذى نَفْسِى بِيدِه، إِنَّ الغَيْلَ رُبَّمَا أَدْرَكَ الفارسَ - أَوْ: إِنَّه لَيُدْرِكُ الفارسَ - (٦) فيدَعْثِرُه )). القبس (١) فى ى: ((بكر)). والبيت فى ديوان الهذليين ٩٣/٢. (٢) فى م: ((غير)). وغبر الحيض: بقاياه . اللسان (غ ب ر). (٣) بعده فى م: ((والغيل لبن الفحل قال الأصمعى)). وهذه الجملة جاءت فى ((ی)) بعد بيت أُبی کبير الهذلی . (٤) فى ى: ((عتبة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٢/١٨. (٥) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٣٣٥٢) عن ابن أبى شيبة به . (٦) أخرجه أحمد ٥٦٦/٤٥ (٢٧٥٨٥) عن حماد بن خالد به. ٨٥ الموطأ. التمهيد وقال بعضُ أهلِ العلمِ وأهلِ اللُّغَةِ: الغَعِلُ أنْ تُرْضِعَ المَرَّةُ وَلَدَها وهى حامِلٌ (١). وقال الأُضْمَعِىُّ: الغَيْلُ لبنُ الحاملِ. ويقالُ: الغَيْلُ الماءُ الجارِى على وَجْهِ الأرْضِ. ويقالُ: الغَيْلُ نِيلُ مِصْرَ الذى تَنْبُتُّ عليه زُرُوعُهم . وفى هذا الحديثِ إباحَةُ الحديثِ عن الأُمَمِ الماضِينَ(٢) بما يُفْعَلُون. وفيه دليلٌ على أنَّ من نَهْيِهِ وَِّ ما يكونُ أُدَبًا وِفْقًا وإحسانًا إلى أُمْتِه ، لیس من بابِ الدِّيَانَةِ ، ولو نَهَى عن الغِيلَةِ كان ذلك وَجْهَ نَهْيِهِ عنها. واللهُ أعلمُ . وقال ابنُّ القاسم وابنُ الماجشونِ، وحكاه ابنُ القاسم عن مالكٍ ولم يَسمعه منه ، فى الرجل يتَزوَّجُ المرأةَ وهى تُرضعُ، فيصيبُها وهى تُرضِعُ: إن ذلك اللبنَ له وللزَّوج قبْلَه؛ لأن الماءَ يُغَيِّرُ اللبنَ ويكُونُ فيه (١) الغذاءُ، واحتَجَّ بهَذا الحديثِ: ((لقد همَمْتُ أن أُنهَى عن الغِيلةِ)). قال ابنُ القاسم: وبَلَغَنِى عن مالكٍ: إذا وَلَدَتِ المَرْأَةُ من الرَّجُلِ، فاللَّبْنُّ منه بعدَ الفصالِ وقبلَه ، ولو طلَّقها وتزوَّجَتْ وحملَتْ من الثانى فاللبنُّ منهما جميعًا أَبَدًا حتى يَتَبَيَّنَ انقطاعُه من الأُوَّلِ . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والشافعىُّ: اللَّبْنُ من الأَوَّلِ فى هذه المسألةِ حتى تَضَعَ، فيكُونَ من الآخرِ . وهو قولُ القبس (١) بعده فى ى، م: ((وقال بعض أهل العلم أيضا الغيل يفسد - وفى م: نفسه - الرضاع وجمعه مغايل)). (٢) فى م: ((الماضية)). (٣) فى م: ((منه)). ٨٦ الموطأ ١٣٢٣ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ حزمٍ، عن عَمْرةً بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ زوجٍ النبيِّ وَطّر، أنها قالت : كان فيما أُنزِلَ من القرآنِ: (عشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْنَ). ثمّ نُسِخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فَتُؤُفِّىَ رسولُ اللهِ نَّهِ وهو ممَّا يُقرأْ من القرآنِ . قال يحيى : قال مالكٌ: وليس على هذا العملُ . ابنِ شهابٍ. وقد رُوِىَ عن الشافعِيِّ أَنَّه منهما حتى تَضَعَ(١)، فيكُونَ من التمهيد الثانِى. وقد مَضَى القولُ فى لبنِ الفَحْلِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عُزْوَةَ(١). والحمدُ للهِ . مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةً، أنَّها قالت : كان فيما أُنْزِلِ مِن القرآنِ: (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ (٣)). ثُمِ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُؤْمِّىَ رسولُ اللهِ وَّهِ وهو مِمَّا يُقْرَأُ من القُرْآنِ(٤). هذا أَصَحُ إسنادٍ لهذا الحديثِ عن عائشةَ. وإلى القَوْلِ بهذا الحديثِ ، فى مقدارِ الرَّضَاعِ المُحَرِّمِ، ذهَبَ الشافعىُّ وجماعَةٌ . وهو مذهبُ عائشةً، القبس (١) فى الأصل: ((تلد)). (٢) تقدم ص ١٧ - ٣٠ . (٣) ليس فى: الأصل، ص. (٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٢٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٨/١٢ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٥٤). وأخرجه الشافعى ٢٦/٥، ٢٢٤/٧، والدارمى (٢٢٩٩)، ومسلم (٢٤/١٤٥٢)، وأبو داود (٢٠٦٢)، والنسائى (٣٣٠٧) من طريق مالك به. ٨٧ الموطأ التمهيد وقد ذكرنا من جاءَ معهم من العلماءِ على ذلك ، ومن خالَفَهم فيه، ودليلَ كلِّ واحدٍ منهم فيما ذهَب إليه من ذلك ، فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ (١)، وقد تقدَّم القولُ فى معنى ناسخ القرآنِ ومنسوخِه ، وما فى ذلك من الوجوهِ ، فى بابِ زيدِ بنِ أسلمَ(١)، ومَضَى القولُ فى مقدارِ ما يُحَرِّمُ مِن الرَّضَاعِ ، وما للعلماءِ فى ذلك من التَّنَازُعِ، فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ أيضًا . حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرِ، قال: حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، حدثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن صالح أبى الخليلِ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن مُسَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتَان، ولا يُحَرِّمُ من الرّضَاعِ أَقَلُّ مِن سَبْعٍ رَضَعَاتٍ(). قال أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ: خالَفَه هِشَامٌ، عن قتادةَ ؛ حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، حدثنا معاذُ بنُ هشام ، قال : حدَّثنی أُبی ، عن قتادة ، عن أبى الخليلِ صالح بنِ أُبی مریم، عن یوسفَ بنِ ماهَكَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبير ، عن عائشةَ قالت : إنما يحرِّمُ من الرضاعِ سبعُ رضعاتٍ(4) . قال : وحدثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشامٍ ، حدَّثنى القبس (١) تقدم ص ٥٩ - ٧٤ . (٢) تقدم فى ٤٠٨/٥ - ٤١٣ . (٣) ذكره النسائی فی الکبری (٥٤٥٣) عن خالد به . (٤) أخرجه ابن حزم ١٨٣/١١ من طريق قاسم بن أصبع به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (٥٤٥٢) من طريق معاذ بن هشام به. ٨٨ الموطأ أبى، عن قتادة، عن أبى الخليلِ صالح بنِ أبي مريمَ، عن عبدِ اللهِ بنِ التمهيد الحارِثِ ، عن أمِّ الفَضْلِ، أن رجلًا مِن بنى عامرٍ قال: يا رسولَ اللهِ ، هل تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الواحدةُ ؟ قال: ((لا))(١). قال أبو عمرَ: اختُلِفَ على قتادةً فى هذا الحديثِ ، فيما ذكَر أَحمدُ ابنُ زُھیر وغیرُه، وهی عندی أُحادیثُ جمَعھا صالحُ بنُ ابی مریم ، لیس فيها اختلافٌ، والأحادِيثُ عن عائشةَ فى هذا مُضْطَرِبَةٌ، ويَسْتَحِيلُ أَن تكونَ السَّبْعُ مَنْشُوخَةٌ عندَها بِخَمْسٍ، ثم تُفْتِىَ بالسَّبْع ، ولا تقومُ بما نُقِلَ عن عائشةً فى هذا الحديثِ حُجَّةٌ، وقد مضَى القولُ فى ذلك بما يَكْفِى ، فی بابِ ابنِ شهابٍ(٢) . والحمدُ للهِ . وأمَّا مِن جهةِ الإسنادِ ، فحديثُ مالكِ أَثْبَتُ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ مِن حديثٍ صالح أبى الخليلِ ؛ لأَنَّ تَقَلْتَه كلَّهم أَفِئَةٌ علماءُ جِلَّةٌ ، وإن كان قد قِيلَ: إِنَّ مالِكًا انْفَرَدَ بهذا الحديثِ عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، وإن عبدَ اللهِ بنَ أبى بكرِ انْفَرَدَ به عن عَمْرَةَ، وإنَّه لا يُعْرَفُ إلَّا بهذا الإسنادِ. ولكنَّهم عُدُولٌ يجبُ العَمَلُ بما رَوَوه . وباللهِ التوفيقُ. القبس (١) أخرجه مسلم (١٩/١٤٥١)، والنسائى فى الكبرى (٥٤٥٥) من طريق معاذ بن هشام به . (٢) ينظر ما تقدم ص ٦٦ - ٧١ . ٨٩ الموطأ کتابُ البيوعِ التمهيد القبس كتابُ البيوعِ قال القاضى الزَّنْجانىُ ببيتِ المقدسِ: البيعُ والنكاح عقدان يتعلَّقُ بهما قِوامُ عالمٍ الإنسِ؛ وذلك أن الله تعالى خلَق الآدمىَّ محتاجًا إلى الغذاءِ، مشتهيًا للنساء، وخلق له ما فى الأرض جمیعًا، کما أخبر فی صادقٍ کتابه، ولم یتْزُكُه شُدّى يتصرّفُ فى اقتضاءٍ شَهَواتِه ويَستمتِعُ بنفسِه باختياره كما فعَل بالبهائمِ؛ لأنه فضَّله عليها بالعقلِ الذى جعله لأجلِه خليفةً فى الأرضِ ، وبتعارضٍ الشهواتِ والعقلِ تعيّن أن يكونَ هنالك قانونٌ ينفصِلُ به وجْهُ المنازعةِ بين الأمرَيْن، فتستَوْسِلُ الشهوةُ بحكم الجبلَّةِ ، ويقيّدُها القانونُ بحكم الشريعةِ، وجعل لكلِّ واحدٍ من المكلَّفين اختصاصًا يقالُ له: المِلْكُ. بما يتهيَّأُ به(١) النفعُ، وجعل له سَببين(٢)؛ أحدُهما، يُثْبِتُه ابتداءً وهو الاصطيادُ، والاحتشاشُ، والاحتطابُ، والاقتطائُ، على اختلاف وتفصیل. والثانی، ینقُلُه من یدِ إلی یدٍ، وهو على وجهين؛ أحدُهما، بغيرِ عِوَضٍ، وهو الهبةُ . والثانى، بعِوَضٍ، وهو البيئُ وما فى معناه . وهذا بابُه وله شروطٌ كثيرةٌ، ومفسداتُه أكثرُ؛ لِما قضَى اللهُ مِن أن يكونَ الفسادُ أكثرَ مِن الصلاح، فالشرّ أضعافُ الخيرِ ؛ ولذلك تمتلئُ النارُ بأهلِها وتَبْقَى الجنةُ خاليةً حتى يُنْشِئَ اللهُ لها خلقًا آخرَ. وتحصُرُه شَروطٌ ثلاثةٌ ؛ أحدُها ، أهليةٌ المتعاقدین، وهو أن یکون كلُّ واحدٍ منهما عاقلًا بالغًا ، على اختلافٍ وتفصیل، (١) فى د: (( له)). (٢) فى م: ((شيئين)). ٩٠ الموطأ .. التمهيد لم يتقدَّمْ عليه حَجْرٌ باتفاقٍ، ولا أدرَ كه سَفَةٌ فى مالِه باختلافٍ. ثانيها ، أهليةُ القبس المعقود عليه لموردِ العقدِ، وذلك بأن يكونَ مُتَموَّلًا، متملَّكًا ، عربيًّا عن حقِّ اللهِ فيه بأمرٍ أو نهي، وعن حقٌّ لآدمىٌّ غيرِ الذى يباشرُ العقدَ. ثالثُها، انتظامُ العقدِ باتلاف الإيجاب والقبول فیه مطرِدَیْن. فأما اشتراطُ العقل فلأن المجنونَ ليس له قولٌ حشًا ولا شرعًا ، باتفاقٍ مِن العلماءِ. وأما اشتراطُ (١) البلوغ فلأن الصبىَّ لا يصِحُ له التصرّفُ بنفسِهِ لنقصانٍ عقلِه وقلَّةٍ بصيرتِه، حتى يبلُغَ حدَّ المعرفةِ ويَتَوجّهَ عليه خطابُ التكليفِ ، أما إن العلماء اختلفوا فى صحةٍ عقدِه إذا أَذِن له وَلِيُّه ؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةً : يجوزُ ذلك، ويترتَّبُ على عقدِهِ، بعدَ الإذنِ ، أحكامُ العقدِ الصحيح. وقال الشافعىُّ: قولُه لغوٌّ حتى يبلُغَ. والصحيحُ ما ذهَبنا إليه؛ بدليلٍ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية [النساء: ٦] . فأُذِن فى ابتلائهم قبلَ البلوغِ، ولا يُخْتَبُرون إلا بالإذنِ لهم فى التصرّفِ، وهذا ظاهرٌ بيّنٌّ، وأمَّا نفْئُ الحَجْرِ عنه فلأنه إذا كان محجورًا عن مالهِ لعلَّةٍ(١) صِغَرِه أو قلَّةٍ نظرِه(٣) كان قولُه معدومًا فى حقِّ نفسِه، فأما لو لم يكنْ عليه حَجْرٌ لكان شأنَه السفهُ والتبذيرُ ، فاختلف فيه العلماءُ على قولين؛ منهم من ردّ فعلَه، ومنهم مَن جوّزه، وهو (١) فى م: ((شرط)). (٢) فى ج: ((لغلبة)). (٣) بعده فى ج، م: ((حتى)). (٤) فى ج: ((التدبير)). ٩١ الموطأ التمهيد القبس المشهورُ مِن مذهبنا، وهو الصحيح فى الدينٍ، لوجهين؛ أحدُهما ، أنه محمولٌ على أصلٍ تصرّفِه فى الإمضاءٍ (١) حتى تَرِدَ دليلُ الردِّ . والثانى، أنَّ لو رَدَدْنا أفعالَه لکان فى ذلك ضرر على مَن عامله، فلُوقُ المضرّة به فى تلفِ مالِه أولی مِن إتلاف مالٍ غيرِه فی صيانةِ مالِه . وأما أهليةُ المعقودِ عليه، فلا بدَّ أن يكونَ مالًا تميلُ إليه الطبائعُ، وتتعلَّقُ به الأطمائُ، ولا بدَّ أن يكونَ طيًّا؛ وهو كلُّ ما أَذِن الشرعُ فى اكتسابِهِ ، قال اللهُ تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وذلك معناه فى أحدٍ الأقوال ، ومن حقه أن یکون خالیًا عن حقٍّ یتعلّقُ بغيرِ العاقدِ فیه ؛ لما فى ذلك مِن التناقضِ ، فإنا (٢) لو جوَّزْنا البيعَ لوجب أن "نُحَكِّمَ المشترِىَ فى القبضِ ونُسلِّطَه؟ على التصرّفِ، وفى ذلك إبطالٌ للحقِّ الثابتِ فى العينِ المبيعةِ قبلَ البيعِ، وأما انتظامُ العقدِ واطِّرادُه باتصالِ الإيجابِ والقَبولِ ، فهو أصلُ الغقدِ ومعناه، لكن اختلَف ( فى ذلك" العلماءُ إذا لم يَتَّصِلِ القَبولُ بالإيجابِ وتأخّر عنه؛ فمنهم من قال: يبطُلُ؛ لأن اتصالَهما عبادةٌ. وهو الشافعىُ. ومنهم مَن قال: لا يبطُلُ بالتأخيرِ اليسيرِ. واختلَفوا فى التأخيرِ الكثيرِ وحدِ الكثرةِ فيه، والذى يقتضيه الدليلُ جوازُ تأخّرٍ "القبولِ عن الإيجابٍ) ما تأخّر عنه لا يقطَعُه طولُ المدَّةِ عن أن (١) فى د: ((المضاء)). (٢) فى د: ((فأما)). (٣ - ٣) فى م: ((يحكم للمشترى فى القبض والسلطة)). (٤ - ٤) سقط من : ج ، م . (٥ - ٥) فى م: ((الإيجاب عن القبول)). ٩٢ الموطأ التمهيد القبس يكونَ قَبولًا له، كما لا يمتنعُ أن يكونَ جوابُ الكلام بعد المدة الطويلة جوابًا له ، ولكنه يعترِضُ ههنا أمران؛ أحدُهما فى النكاحِ، والثانى فى البيعِ؛ فأما الذى يعترضُ فى النكاحِ بتأخيرِ القَبولِ عن الإيجابِ، فهو إيقافُ الفَرجِ على الحِلِّ والحرمةِ ، والفروجُ لا تحتملُ ذلك، ولذلك لم يَدْخُلْه شرطُ الخيارِ ، فلا ينبغى أن يتأََّ القَبولُ عن الإِيجابِ فيه لحظةً، والعَجَبُ مِن علمائِنا أن قالوا : يجوزُ أن يتأخَّ القَبولُ عن الإيجابِ ثلاثةَ أيامٍ وهو ما بينَ مصرَ والقُلْزمِ، ولا يجوزُ فيه اشتراطُ الخيارِ ساعةً من نهارٍ . وأما البيعُ فلا تُبالِى فيه عن طول المدى إلا ما يتطرّقُ فى أثناءِ ذلك إلى السلعةِ مِن فسادٍ يلحَقُ عينَها، أو حطّ يدرِكُ قيمتَها(١)، وللناسٍ غَرَضٌّ فى قدْرٍ أموالهم كما لهم غرَضٌ فى أعيانِها . تأصيلٌ: اختلفت آراءُ الناسِ فى أصولِ البيوع، فأدارَها المتكلِّمون على أربعةٍ أحاديثَ، وأدارها الفقهاءُ على أربعةٍ، وزاد مالكٌ فيها أصلين، وقد أُفَضْنا فى ذلك حيثُ جمَعْنا مسائلَ الفروعِ، وحيثُ نظَرْنا فى شرحِ الحديثِ ، ونحنُ الآنَ نَبْنِى الكلامَ فى هذا ((القبسِ)) على معنًى يوافقُ غرضَ مالكٍ فى ((الموطأ)) خاصةً ، ونفرُّ على قالبٍ كلامِه فيه فنقولُ: الأصولُ ستةٌ ؛ أربعةٌ مِن الحديثِ، واثنان مِن المعنى . الأولُ: حديثُ الرِّبا، قال النبيُّ وَلَّهِ: ((لا تَبِيعوا الذهَب بالذهبِ، ولا الفضةً بالفضةِ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ، " ولا الثُّ بالبُرّ، ولا التمرَ بالتمرِ، ولا الملح (١) فى م: ((ثمنها)). (٢ - ٢) سقط من : ج ، م. ٩٣ الموطأ التمهيد القبس بالملح، إلّا سواءً بسَواءٍ، عينًا بعينٍ، يدًا بيدٍ))). وهذا لفظُ الحديثِ فى الدرسٍ، وقد شرَخْناه باختلافٍ ألفاظِه فى ((شرحِ الحديثِ)) . الثانى: قَدِمِ النبىُّ وَلِّ المدينةَ وهم يُسْلِفون فى الثمارِ السنةً والسنتين، فقال: ( من أَسْلَف فلْيُسْلِفْ() فى كيلٍ معلومٍ، ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ))(١). الثالثُ: روَى ابنُ عمرَ وزيدُ بنُّ ثابتٍ، عن النبيِّ وَِّ فِى بِيعِ الثمارِ؛ أما ابنُ عمرَ فقال: نَهَى النبىُّ وَّر عن بيعِ الثمارِ حتى يبدوَ صلاحُها). (° فذكره فىْ) الدرجةِ الثانيةِ ، ورواه زيدُ بنُ ثابتٍ فى درجتِه الأولى فقال: قال رسولُ اللهِ وَالْ *: ((لا تَبايعوا الثمارَ حتى يبدوَ صلاحُها))). وزاد عنه وَلَّ فَبيَّنَ علَّةَ المنع فقال: ((أرأيتَ إن منَع اللهُ الثمرةَ، فبمَ يأْخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟!))(). لكنه عقّب علينا بما غيَّر الدليلَ وأتعَب فى التأويلِ، فقال: كالمشورة لهم. فجعَل (١) سيأتى تخريجه ص ٤٥٢، ٤٥٣. (٢) يقال: سلَّفت وأسلفت تسليفًا وإسلافًا والاسم السلف، وهو فى المعاملات على وجهين؛ أحدهما القرض الذى لا منفعة فيه للمقرِض غير الأجر والشكر، وعلى المقترِض رده كما أخذه، والعرب تسمى القرض سلفًا، والثانى هو أن يعطى مالا فى سلعة إلى أجل معلوم بزيادة فى السعر الموجود عند السلف، وذلك منفعة للمسلف. النهاية ٣٨٩/٢، ٣٩٠. (٣) سيأتى تخريجه ص ٥٧٨، ٥٧٩، وفى شرح الحديث (١٤١٤) من الموطأ بلفظ: ((من أسلم فليسلم ) . (٤) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٣). (٥ - ٥) فى د: ((فذكر)). (٦) أحمد ٤٨٨/٣٥، ٥١٦ (٢١٦١٥، ٢١٦٦٢)، وأبو داود (٣٣٧٢). (٧) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٤) من حديث أنس وليس من حديث زيد كما يدل صنيع المصنف . ٩٤ الموطأ التمهيد القبس ذلك زيدٌ فی ظاهر الحديثِ رأيًا عرضه لا نھیًا حژمه . وسیأتی تحقیقُ ذلك فى موضعه إن شاء اللهُ . الرابعُ: حديثُ ابنِ عمرَ(١) وابنٍ عباسٍ(٢): ((مَن ابتاع طعامًا فلا تَبِغْه حتى يستوفيّه)). زاد ابنُ عباسٍ: وأحسَبُ كلَّ شيءٍ مثلَه. وكان بعضُ الأصوليين قد عدَّ فى جملةٍ الأحاديثِ الأربعةِ أن النبيّ(وَلآنھَى عن بيعِ الغَررِ(١). ومعنى هذا الحديث صحيحٌ، ولفظُه ليس فى ((الصحيحِ))، لكن ورَد فى ((الصحيح)) طرفٌ مِن معناه؛ وهو أن النبيَّ وَلِّ نهى عن اللُّماسِ (٤) والنِّاذِ() . وأما المعنى ، فإن مالكًا زاد فى الأصول مراعاة الشبهةِ ، وهى التى يُسُونها أصحابُنا الذَّرائعَ، " وهو الأصلُ الخامسُ) . والثانى، "وهو السادسُ: المصلحةُ، وهو فى كلِّ معنًى قام به قانونُ الشريعةِ، وحصَلت به المنفعةُ العامةُ فى الخليقةِ. ولم يساعِدْه على هذين الأصلين أحدٌ مِن العلماءِ، وهو فى القول بهما أقومُ قِيلًا، وأهدى سبيلاً، وقد بيَّا وجوبَ القول بهما والعملِ بمقتضاهما فى أصول الفقهِ و «مسائل الخلافِ)). (١) سيأتى فى الموطأ (١٣٦٥). (٢) سيأتى تخريجه ص٥٢٦، ٥٢٧ . (٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٠٠) (٤) سيأتى فى الموطأ (١٤٠١، ١٧٧٠). (٥) فى م: ((يسميها)). (٦ - ٦) سقط من : د . ٩٥ الموطأ التمھید · القبس فأما حديثُ الربا فهو أصلٌ متفقٌ عليه بينَ الأمةِ ، وقد اتفَقوا فيه على أربعةٍ أقوالٍ ؛ فقال ابنُ الماجشونِ : يَجْرِی الربا فی کلِ مالٍ . وقال الشافعىُ: یجری فی كلِّ مطعومٍ. وقال أبو حنيفةً: يَجْرِى فى كلِّ مكيلٍ وموزونٍ . وقال مالك : يَجْرِى فى كلٌّ مُقْتاتٍ. على تفصيلٍ بينَّه فى ((المسائلِ))، ولم يقُلْ أحدٌ مِن الأمةِ أن الربا يقتصِرُ على هذه الأعيانِ الستةِ ؛ مِن الصحابةِ فمَن دونَهم، بل كانوا يتخوَّفون الربا، ويتأسَّفون على أن البيانَ لم يقَعْ فيه بالجلاءِ، وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ يقولُ على منبرِهِ: إن رسولَ اللهِ بَّهِ توفِى ولم يُيِّنْ لنا أبوابًا مِن الربا، فِذَرُوا الربا والرِّيبةَ(١) . وهذه هى الشبهةُ التى أثبتها مالكٌ وتفطَّن لها دونَ سائرٍ الفقهاءِ، وسُئل سعدُ بنُ أبى وقاصٍ عن البيضاءِ بالسُّلْتِ، فقال: لا تجوزُ؛ لأن النبىَِّ وَّ نهى عن بيع الرُّطَبِ بالتمرِ (١). وكانت الحكمةُ) فى تخصيصٍ النبىّ وَلِّ لهذه الأعيانِ السنةِ ما ضلَّت فيه المبتدعةُ، وَفِى على بعضِ العلماءِ؛ وذلك أن النبىَّ وَ لَ﴿ لو أراد إجراء الربا فى كلِّ مالٍ لذكَر مالًا واحدًا منها فيدُلُّ به على غيرِهِ، أو ذكّر من كلِّ نوع مالًا؛ بأن يذكُرَ مِن المقتاتِ شيئًا، ومن المدَّخَرِ شيئًا، ومن الملبوسٍ شيئًا ، فأمَّا أن يقصِدَ كلَّ مالٍ ولا يذكُرَ منه إلا أنواعَ المقتاتِ ، فهذا ناءٍ عن الفصاحةِ، قَصِىٌّ عن الحكمةِ، ولكنه ذكَر الذهب والفضةَ لأنهما أثمانُ الأموالِ() وَقِيُمُ المُتْلَفَاتِ، جعَلهما اللهُ تعالى فى الأرضِ معيارًا لمقاديرِ الأموالِ (١) ابن ماجه (٢٢٧٦). (٢ - ٢) سقط من : ج ، م . (٣) سيأتى فى الموطأ (١٣٤٦). (٤) بعده فى ج: ((بأعيانهما أثمانا)). ٩٦ الموطأ التمهيد القبس المنتفَعِ بأعیانهما ، وهما لا يُتفَئُ بذاتتهما ، وذكر الثُّ تنبيهًا على ما يُقتاثُ فى حالِ الاختيارِ والسَّعَةِ، وذكَّر الشعيرَ تنبيهًا على ما يُقتاتُ فى حالِ الضِّيقِ والضرورة، وذكّر التمرَ تنبيهًا على ما يُقْتاتُ تحلِّيًا وتفكَّهًا، وذكر المِلْحَ تنبيهًا على ما يُقتاتُ مُصْلِحًا للقوتِ كالأَفَاوِيِهِ(١) والأبازيرِ(٢) . وجعل هذا الحكم ، وهو تحريم الربا، مقرونًا بالجنسِ الذى تعظُمُ عندَه الحاجةُ(٢)، ويقْوَى معه ) الطمع، كما جعَل الجنسَ علَّةً فى تحريم النَّساءِ فى الأموالِ كلِّها أو بعضِها، على اختلافٍ يأتى بيانُه إن شاء اللهُ . وأما حديثُ ابنِ عباسٍ فى السَّلَمِ ، فإن البيعَ شرَعه الله تعالى بمعَيَّنٍ فی الحالِ ، ومضمون (٢) فى الذمةِ لَمَّا حكم بإنزال الرزق بقدرٍ معلومٍ، ووضَع أيدىَ الخلقِ عليه على مقدارٍ متفاوتٍ ، ولم يَجْعَلْ عندَ كلِّ أحدٍ كلَّ ما يحتاج إليه، فقسَم الحاجاتِ على المحاويج، وأحوَج بعضَهم إلى الأخذِ من البعضِ ؛ ليبلوَهم أيُّهم أعملُ بالقانونِ ، وأهدى إلى الطريقِ ، وقد يحتاج أحدُ المتعاملَين إلى ما عندَ الآخرِ ولا يحضُرُه الثمنُ، وقد يحتاجُ الآخرُ الثمنَ ولا يحضُرُه العينُ المنتفَعُ بها ، فأَذِن فى التأخيرِ فيهما(٢) ولكن بشرطِ العلمِ، وتقييدٍ (١) فى ج: ((كالإفاوة)). وفى م: ((كالإفادة)). والأفاويه: ما يعالج به الطعام من التوابل. المصباح المنير (ف و هـ). (٢) البَزْرُ، ويكسر على الأفصح: التَّابَل. وقيل: الحَبُّ عامةً. والجمع أبزار، وأبازير جمع الجمع. التاج (ب ز ر). (٣) فى د: ((بالحاجة)). (٤) فى ج، م: ((معها)). (٥) فى د : ((مضمن)). (٦) فى د: ((فيها)) ٩٧ ( موسوعة شروح الموطأ ٧/١٦ ) الموطأ التمهيد القبس الغائب بالصفات التی تحضژه(١) حتی یکون کأنه حاضرٌ، وذلك وارد فى الثمارِ خبرًا كما رَؤيناه آنفًا، عامّ فى جميع الأموالِ باتفاقٍ من العلماءِ، ما عدا الحيوانَ فإنهم اختلفوا فيه ؛ فقال أبو حنيفةً : لا يُعقَدُ على الحيوانِ بصفةٍ ؛ لتفاوتِ أحوالِه فى صفاتِه، وخصوصًا الآدمىُّ الذى فيه من التفاوتِ ما لا يَخْوِيه حصرٌ. ولذلك (٢) قال شاعرهم : إلى الفضلِ حتى عُدَّ ألفٌ بواحدٍ ولم أرَ أمثالَ الرجالِ تفاؤَتُوا وكذلك سائر الحيوان فى شراسةِ الخُلُقِ، وقلَّةِ التأنّى، وكثرة التأنى، أو بعكسِها(٣) . وهذا كلُّه ضعيفٌ، والدليلُ على حصرِ الوصفِ للعينٍ و(٤) ضبطها، القرآنُ والشّنةُ والمعاينةُ ؛ أما القرآنُ فحديثُ بقرة بنى إسرائيلَ، قال ابنُ عباسٍ : لو أنهم إذ سَمِعوا الأُمرَ بادَرُوا إلى أىِّ بقرةٍ كانت لأجزاهم، ولكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم، ولم يزالوا يسألون وتُوصَفُ حتى تعيَّنتْ لهم(١). وأما السنةُ فقد رُوِى فى الآثارِ، وهو حديثٌ لا بأسَ به، أن النبيَّ ◌َِّ قال: ((لعَن اللهُ المرأةَ تصِفُ المرأةَ لزوجِها حتى كأنه ينظُرُ إليها))(١). وأما المعاينةُ فقد أجمع العقلاءُ على (١) فى ج، م: ((تحضره)). (٢) هو البحترى، والبيت فى ديوانه ٦٢٥/١ . (٣) فى ج، م: ((بعكسهما)). (٤) فى م: (( فى)). (٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٩٨/٢ . (٦) سيأتى تخريجه فى شرح الحديثين (١٤٠١، ١٩٢٦) من الموطأ . (٧) فى ج، م: ((العلماء)). ٩٨ الموطأ التمهید القبس إدراكِ المُعيَّنَاتِ بالصفاتِ، وقد سمِعتُ شيخَ النخَّاسين ببغدادَ يقولُ: الذى يحصُرُ الصفاتِ معرفةُ الخدودِ (١)، والقُدُودِ، والنهودِ، والشعورِ، والثغورِ، والنحورِ، والأطراف، والأكتافٍ، والأردافٍ. وما ذكّره أصحابُ أبى حنيفةً وهُمّ عظيمٌ منهم؛ لأنهم استدلّوا على نفي معرفةِ الخِلْقةِ باستحالةِ معرفةِ الخُلُقِ ، والخُلُقُ هى التى يتفاوتُ الناسُ فيها ، ولا يقدِرُ أحدٌ على تحصيلها، فأما الخَلْقُ فما أقرَبها ! إن عاينتَها أدركْتَها، وإن وصَفْتَها عَيْتَها، تقولُ: بيضاءُ، سوداءُ الشَّعرِ، معتدلةُ القَدِّ، ضَرْبةُ اللحم(١) ، دَقيقةُ الأُطْرَافِ، دقيقةُ الخَصْرِ ، عظيمةُ العَجُزِ، أَسيلةُ الوَجْهِ(٢) ، أو مدوَّرتُه، قَنْواءُ، أو خنساءُ، أو بينَهما، بَلْجَاءُ(٤) ، أو قَوْناءُ، أو كَخلاءُ، أو شَهْلاءُ، فماذا بَقِى بعدَ هذه الصفاتِ مِن تحصيلِ العلمِ ، أو كيف ينظُرُ أحدٌ إلى هذه الصفاتِ مكتوبةً مع النظرِ إلى العينِ المُحَالِ عليها بها ملحوظةٌ ولا يَجْمَعُ بينَهما (٥)؟ ! . وأما حديثُ بيعِ الثمارِ ، فإن الحديثَ المذكورَ أصلٌ فى الدينِ ، وتنبيةٌ على كثيرٍ من الوجوهِ التى يتطرّقُ بها الفسادُ إلى بياعاتِ المسلمين، وذلك أكلُ المالِ (١) فى ج، م: ((الحدود)). (٢) الضَّرْبُ: الخفيف اللحم، الممشوقُ المُستدِقُّ. اللسان (ض ر ب). (٣) الأسيل: الأملس المستوى، وأسل خده أسالة: امَّسَ وطال. وخد أسيل: هو السهل اللین. اللسان ( أ س ل). (٤) فى م: ((فلجاء)). والبَلَج: تباعد ما بين الحاجبين. وقيل: ما بين الحاجبين إذا كان نقيًّا من الشعر. والبلجاء والقرناء ضدان. اللسان (ب ل ج). (٥) بعده فى ج، م: ((بيع الثمار)). ٩٩ الموطأ التمهيد القبس بالباطل، وقد بيَّّ حقيقةَ الباطلِ فى غيرِ ما موضعٍ، وبيّ أن مِن معناه ما هو المرادُ به هلهنا، وهو الذى لا يفيدُ مقصودَه، وذلك أن العقدَ إما أن يدخُلَ فيه المُتعاقدانِ (١) على أن يكونَ المالُ مِن جهةِ أحدِهما، والسكنُ(١) مِن جهةِ الآخرِ، فذلك جائزٌ، على ما يأتى فى موضعِه، وإما أن يكونَ على نقلِ المِلكِ والتبادلِ بينَهما من عينٍ (٣) إلى عينٍ ، فلا يجوزُ على قصدٍ أن يكونَ أحدُهما مستفيدًا مقصودَه بعقدِه ، والآخر فائتَ(٤) المقصود كلُّه، أما إن الشرع قد رخّص فی أن یستفضِلَ أحدُهما من مالٍ الآخرِ ما قدَر عليه من غيرٍ غشٍّ، إلا بقدرِ الحاجةِ مِن أحدِهما والاستغناءِ مِن الآخرِ ، فإذا دخَل بينَ المتعاقدَیْن قصدٌ فاسدٌ فلا بدَّ أن يقترن به مِن الشريعة نهىٌّ جازمٌ ، فيكونَ ذلك فسادًا فيه ، على اختلاف فى وجْهِ الفسادِ ، وحالِهِ ، ومآلِه، ويأتى فى موضعِه إن شاء اللهُ تعالى، فإذا ابتاع مثلاً الثمرةَ قبلَ بُدُوٌّ صلاحِها وهى معرّضةٌ للآفاتِ ، ويَجْرِى ذلك عليها كثيرًا فى الاعتيادِ ؛ حصَل صاحبُ الثمرة على الثمنِ، وخَسِر الآخرُ مالَه، وهذا إن تراضَيا عليه المتعاقدان فإن الله عزَّ وجلَّ لا يَرْضاه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . وهو معنى قول النبيِّ وَّهِ: ((أرأيتَ إن منَع اللهُ الثمرةَ، فبمَ يأخُذُ(١) أحدُكم مالَ أخيه؟!))(٢). فإن قيل: فقد قال: كالمَشُورةِ لهم . فلم يَجْعَلْه نهيًا جازمًا. قلنا: قد (١) فى ج، م: ((عقد المتعاقدين)). (٢) فى م: ((الثمن)). (٣) فى ج: ((التناول)). (٤) فى ج: (( فائدة)). (٥) فى د: (( أو)). (٦) فى د: ((يأكل)). (٧) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٤). ١٠٠