النص المفهرس

صفحات 1-20

مَؤْسُوْعَةٌ
شروع الموظّا
سـ
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذْكَارُ
الأِ عَ بُوسُفَ بْقَدِدْ قَبِالْبَرّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأَبِ بَكرٍ محمّدِبْن عَبْدِاللّهِابِْ العَربىّ المالكىّ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
تحقيق
الدّكتور/ عَبْد اللَّه بْن عَبْدِالمُحْسِ التركيّ
بالتّاوك مع
مركز حجر الحوث والدراسة العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء السادس عشر

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

٠
مَوْسُوْعَة"
س
شروع المُودَا

الموطأ
كتابُ الرَّضاعِ
التمهيد
القبس
كتابُ الرَّضاعِ
(الرَّضائعُ حرمةٌ(١) ألحقَها اللهُ بالنَّسَبِ، كما ألحَق حُزْمةً المُصاهرةِ به .
والرّضائُ آكَدُ منها؛ لأنه بَعضِيَّةٌ، كما أن محرمةَ النسبِ مِن التَعْضيّةِ، ولمّا
كان مُلحَقًّا بالنسبِ، ذكّره اللهُ بعدَه، إلا أنه قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
اگمُكُم﴾
[النساء: ٢٣]. فاستوفَى مُحَرَّماتِ النسبِ، ثم ذكَر مُحَوَّماتٍ
الرّضاعِ، فقال: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ أَِّىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَحَةِ﴾.
ولم يَزِدْ، واقتَصَر على الأمّ مِن الأصولِ، وعلى الأختِ مِن الفروعِ.
أما إنه قد ورد حدیثان صحیحان تمّم بهما النبئُ گ ێ معنی البيان، وجاء
فيهما بموعودِ الوعد الصادقِ فى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾
[النحل: ٤٤]. روَى علىُّ بن أبى طالبٍ قال: يا رسولَ الله ، أراكَ تَتَوَّقُ فی قریش
وتَدَعُنا؟ قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وعندَكم شىءٌ؟)). قلتُ: نعم. قال:
((مَنْ؟)). قلتُ: بنتُ حمزةَ. قال: ((إنها بنتُ أخِى مِن الرّضاعةِ لا تَحِلُّ
لى))(١). ورَوَتْ أمّ حبيبةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، هل لك فى أن تَنْكِحَ أُخْتِى
(١) بعده فى ج، م: ((ومذمة)).
(٢) فى ج: ((تتزوج))، وفى م: ((متزوج)). وتتوَّق: تفعّل، من التوق ؛ وهو الشوق إلى
الشىء والنزوع إليه؛ والأصل تنتوق بثلاث تاءات ، فحذفت تاء الأصل تخفيفا . أراد: لِمَ
تتزوج فى قريش وتدعنا؟ ويروى : تنوق . وهو من التنوق فى الشىء إذا عمل على استحسان
وإعجاب به. النهاية ١/ ٢٠٠.
(٣) مسلم (١٤٤٦) .

الموطأ
التمهید
القبس بنتَ أبى سفيانَ؟ قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((أَوَ تُحِبِّينَ ذلك؟)). قالت: قلتُ: إنى
لستُ لكَ بمُخْلِيةٍ(١)، وأَحَبُّ مَن شرِكنى فى خيرٍ أَخْتِى. قالت: قال رسولُ اللهِ
ونَ﴾: ((إنها لا تَجِلُّ لى)). قالت: قد مُحدِّثْنا أنك تُريدُ أن تَنْكِحَ بنت أبى "
سَلَمَةَ. قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((بنتَ أمّ سَلَمَةً؟)). قلتُ: نَعَمْ. قال: ((إنها لو لم
تَكُنْ رَبِبَتى فى حَجْرِى ما حَلَّتْ لى ، إنها بنتُ أخى مِن الرَّضاعةِ ، أَرْضَعَتْنى وأبا
سَلَمَةَ تُوَيْبَةُ ، فَلا تَعْرِضْنَ علىَّ (بناتِكُنَّ ولا أَخَواتِكُنَّ ))) (٤). وكانت تُوَيبةُ جاريةً
لأَبِى لَهَبٍ، أرضَعَت رسولَ اللهِ وَّهِ وحمزةَ وأبا سَلَمَةً.
وقد روَى أهلُ التاريخ أن حمزةً كان أكبرَ مِن رسولِ اللهِ وَله بأربعِ
سنينَ، ورُوِى أنه كان أكبرَ منه بسنتَين، فيحتمِلُ أن يكونَ رَضائعُ النبىِّ
وَلَّهُ مع حمزةَ فى مُدَّةٍ واحدةٍ، ويَحتملُ أن يكونَ فى مُدَّتَين، وحقيقةُ
الرَّضاعِ التى يتعلَّقُ بها التحريمُ، أن كلَّ فَمَينٍ تَناولا ثَدْيًا واحدًا فى وقتٍ
واحدٍ، أو فى وقتَين مُخْتلفَين، فإن المُرْضِعَ أمّ لهما، وهما أخوانٍ مِن
الرضاعةِ .
والثالثُ : أن كلَّ فَخْلِ دَرَّ به لبنٌّ ارتضَعتَه، فكلُّ أختٍ له من النَّسَبِ عَمَّةٌ
لك مِن الرّضاعةِ .
(١) مخلية : أى لم أجدك خاليا من الزوجات غيرى . النهاية ٧٤/٢.
(٢) فى النسخ: ((أم)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣ - ٣) فى د: (( بناتكم ولا أخواتكم)).
(٤) البخارى (٥١٠١)، ومسلم (١٤٤٩).
٦

الموطأ
التمهيد
القبس
والرابعُ: أن كلَّ ثَدْي ارتضَعتَه، فإن كلَّ أختٍ له مِنِ النَّسَبِ خالةٌ لك مِن
الرضاعةِ .
والخامس : أن كلَّ فَمَینٍ جمعهما ثَدی واحدٌ فى وقتٍ واحدٍ ، أو وقتين كما
تقدَّم، فإن كلَّ بنتٍ للمجتمعِ معك عليه مِن أُنثى أو ذكرٍ ، فإنه ابنُ أخ لك أو ابنُ
أختٍ، فصار لبنُ الأُمّ قرآنًّا، وصار لَبْنُ الفحلِ بالسُّنَّةِ . قالت عائشةُ : إن رسولَ
اللهِ وَلَه كان عندَها، وإنها سمِعَتْ صوتَ رجلٍ يَسْتأذِنُ. الحديث إلى آخرِه.
قال فيه: ((يَخْرُمُ مِن الرَّضاعِ ما يَخْرُمُ مِن الولادةِ)). وهذه الكلمةُ صحيحةٌ قد
ثبتت عن النبيِّ وَلّ مُنْفصِلةٌ عنه، مَرْويَّةً مِن طُرُقٍ سِواه، وهو عمومٌ مُتَّفَقٌ عليه،
لم يَدْخُلْهِ تَخْصيصٌ بإجماعٍ. هذا هو أصلُ الرَّضاعِ المُتَّفَقِ عليه، وفيه خلافٌ(١)
كثيرٌ بينَ العلماءِ، وتفصيلٌ طويلٌ فى الفروعِ، ذكَّر منه مالكٌ فصلَين مُهِمَّين:
أما أحدُهما فتقديرُ الرَّضاع؛ قالت جماعةٌ : إنه ليس له قَدْرٌ إلا ما وصَل منه
إلى الجوفِ. منهم مالكٌ وأبو حنيفةَ. وقالت طائفةٌ : لا يُحَرِّمُ قليلُ اللَّبنِ، وإنما
يُحرِّمُ کثیرُه . منهم الشافعىُّ . واختلفوا فى تقديره باختلاف الأحاديثِ فیه ، فثبت
عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((لا تُحَرَّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ، ولا الإمْلاجَةُ ولا
الإِمْلاَتانِ)) (١). وثبَت عن عائشةَ، أنها قالت: كان مما أَنزِل مِن القرآنِ: (عَشْرُ
رَضَعَاتٍ مَعْلوماتٍ يُحَرِّمْنَ). فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ، فَتُوفِّى رسولُ اللهِ وَهِ والأمرُ
(١) فى ج، م: ((اختلاف)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤١، ٤٢، ٧١ - ٧٣.
٧

الموطأ
رضاعةُ الصغيرِ
١٣٠٦ - حدَّثنى عن مالكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عَمْرةً
بنتِ عبدِ الرحمنِ، أن عائشةَ أُمَّ المؤمِنِينَ أخبرتْها، أن رسولَ اللهِ نَّه
التمهید
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عَمْرَةً بنتِ عبدِ الرحمنِ ، أَنَّ
عائشةَ أُمَّ المؤمنين أخبرتها ، أن رسولَ اللهِ وَِّهِ كان عندَها، وأنَّها سمِعت
القبس على ذلك(١) . وهذان الحديثان لا يَصِحُ التعلُّقُ بهما لوجهَين؛ أحدُهما، أن
عائشةَ أحالَت فى الحديثِ بالعَشْرِ (١) والخمسِ على القرآنِ، فأخبرت أن هاتين
الآيتين بالعشر و الخمس کانتا منه، ثم نُسِخت إحداهما وثبتت الأُخرى،
والقرآنُ لا يَثْبُتُ بمِثْلِ هذا، وإنما يَثْبُتُ القرآنُ بنَقْلِ التواترِ عن التواترِ ، فإذا سقَط
الأصلُ سقَط فَرْعُه، ولو أحالَت بذلك حديثًا عن النبيِّ وَلَّهِ للزِمِ قَبولُه . الثانى،
أن قولَه: «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ الواحدةُ ولا الإثلاجةُ ». جزءٌ مِن هذا الحديثِ وبعضٌ
منه، بل قد رُوِى أنه مُنْتَزَعُ منه، على أنه يحتمِلُ أن يريدَ: ((لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا
المصّتان )) . إشارةً إلى أن جذب الطفلِ للثدي لا أز(٤) له ما لم يكن معه استخراج
لبنٍ أو وصولُه إلى الجوفِ، وقد بيَّنَّا فى ((مسائل الخلاف)) كيفيةً وصولِ اللبنِ
إلى الجوفِ، وطريقَ استمرارِه عليه عندَ المُعاينةِ له، وهو مِن خَفِىٌّ الفقهِ، فليُنْظَرْ
هنالك .
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣٢٣).
(٢) فى د: ((على العشر)).
(٣) فى ج: ((أو )).
(٤) فى ج، م: (( أصل)).
٨

كان عندَها، وأنها سمِعتْ صوتَ رجلٍ يستأذِنُ فى بيتٍ حفصةَ. الموطأ
قالت عائشةُ : فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، هذا رجلٌ يَستأذِنُ فى بيتِكَ .
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَراه فلانًا)). لِعَمّ لحفصةً من الرَّضاعةِ،
فقالت عائشةُ: يا رسولَ اللهِ، لو كان فلانٌ حَيًّا - لعمِّها من
الرَّضاعةِ - دخَل علىَّ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نعمْ، إن الرضاعةَ
تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ » .
صوتَ رجلٍ يستأذِنُ فى بيتِ حفصةً. قالت عائشةُ : فقلتُ : يا رسولَ التمهيد
اللهِ، هذا رجلٌ يَستأذِنُ فى بيتك. فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((أَراه فلانًا)).
لِعَمّ حفصةً مِن الرضاعةِ ، فقالت عائشةُ: يا رسولَ اللهِ ، لو كان فلانٌ
حيّا - لعَمِّها مِن الرَّضاعة - دخَل علىَّ؟ فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((نعم، إن
الرّضاعةَ تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الولادَةُ))(١) .
قد مضى القولُ فی معنی هذا الحدیثِ وما کان مثله، فی بابٍ ابنِ
شهابٍ، عن عروةً(١) ، فلا معنى لإعادةِ ذلك ههُنا . وقد نَسَبْنا عَمْرَةَ بنتَ
عبد الرحمنِ فيما مضَى أيضًا مِن كتابِنا هذا(٢).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦١٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١٧/١٢ ظ- مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٧٣٥). وأخرجه أحمد ٢٨٨/٤٠، ٢٨٩، ٢٨٣/٤٢ (٢٤٢٤٢،
٢٥٤٥٣)، والدارمى (٢٢٩٣)، والبخارى (٢٦٤٦، ٣١٠٥، ٥٠٩٩)، ومسلم (١/١٤٤١)،
والنسائى (٣٣٠٢، ٣٣١٣) من طريق مالك به .
(٢) ينظر ما سيأتى ص ١٥ - ٣٠.
(٣) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٩٥) من الموطأ .
٩

الموطأ
التمهید
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: لعَمِّ حفصةً مِن الرَّضاعةِ . فإِنَّه كان عَمَّها
لأَنَّه كان أخا عمرَ بنِ الخطابٍ مِن الرَّضاعةِ ، أرضَعتْهُما امرأةٌ واحدةٌ ،
ولیس کأفْلَحَ اخِی أبى القُعَيْسِ عَمّ عائشةً، وقد ذكرنا کیف المعنی فی
قصةِ عائشةً مع أخِى أبى القُعَيْسِ ، فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ ، فلا
معنی لتگرِيرِه ههُنا .
وأمّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((إن الرَّضاعةَ تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ
الولادَةُ)) . ففيه دليلٌ على أن امرأةَ الابنِ مِن الرَّضاعةِ مُحَرَّمَةٌ . فإن ظنَّ
ظانٌّ أن فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَلَيْلُ أَنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. دليلًاً(١) على أن الأبناءَ مِن الرَّضاعةِ لا تُحَرَّمُ
خَلائِلُهم على آبائِهم. فليس كما ظنَّ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنَّما نزَلتْ فى حلائلٍ
الأبناءِ مِن الأصلابِ نَفْيًّا للذينَ تُبُّوا ولم يكونوا أبناءً ، مثلَ زيد بن حارثةَ إِذ
تَبْنَّاه رسولُ اللهِ وَّله، وكان يُدْعَى زيدَ بنَ محمدٍ، حتى نزَلت:
﴿أَدْعُوهُمْ لَّبَآئِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ثم نَّكَح رسولُ اللهِ وَلَّهِ امرأتَه بعدَ أن
قضَى زيدٌ منها وطرَه وطلَّقها، فمعنَى قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾
تُرِيدُ: غيرَ المتَنَّيْنَ، وأمَّا الرَّضاعةُ فلا، أَلَا تَرَى إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ:
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ﴾. بعدَ قولِه: ﴿وَحَلَمِلُ
أَبْنَابِكُمُ﴾. أنَّه قد دخَل فيه بإجماع المسلمين الأختانِ مِن الرَّضاعةِ ؛
القبس
(١) فى النسخ: ((دليل)).
١٠

١٣٠٧ - مالكٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أُمّ الموطأ
المؤمنين ، أنها قالت : جاء عمّى من الرّضاعةِ يَستأذِنُ علىَّ ، فأَبَيتُ أن
آذَنَ له علىَّ حتى أسألَ رسولَ اللهِ وَلَّهِ. قالت: فجاءَ رسولُ اللهِ وَهُ
فسألتُه عن ذلك، فقال: ((إنه عمَّكِ فأُذَنى له)). قالت: فقلتُ : يا
رسولَ اللهِ ، إنما أرضَعَتْنى المرأةُ ولم يُرضِغنى الرجلُ؟ فقال: ((إِنه
عمُّكِ، فَلْيَلِجْ عليكِ)). قالت عائشةُ: وذلك بعدَما ضُرب علينا
الحجاب .
وقالت عائشةُ: يَحرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ من الولادةِ .
لِمَا بَّنْه رسولُ اللهِ وَ له فِى الرَّضاعةِ أنَّها تُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ النسَبُ، فلو تزَوَّج التمهيد
رجلٌ صَبِئْتَيْن رَضِيعَتَيْن، فجاءَتِ امرأةٌ فَأَرْضَعتْهما، صارتا أُخْتَيْن
بالرَّضاعِ، ومحرِّمَتا عليه، واستأنَف نكاحَ أيَّتِهما شاء، فقِفْ على الأصلِ فى
هذا البابِ وفى كلِّ بابٍ ، تَعْرِفْ به وجه الصوابِ .
مالكٌ ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً، أنها قالت : جاء
عمِّى من الرَّضاعةِ يَستأذنُ علىَّ، فأتَيتُ أن آذَنَ له علىَّ حتى أسألَ رسولَ
اللهِ وَله. قالت: فجاء رسولُ اللهِ وَلَّهِ فسألتُه عن ذلك، فقال: ((إنه
عِشُكِ، فَأُذنى له)). قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، إنَّما أرضَعَتْنى المرأةُ
ولم يُرْضِعْنى الرجلُ ؟ فقال: ((إنه عمُّكِ، فَلْيَلِجْ عليكِ)). قالت عائشةُ:
وذلك بعدما ضُرِب الحجابُ . وقالت عائشةٌ: يَحْرُمُ مِن الرضاعةِ ما يَحْرُمُ
القبس
١١

الموطأ
التمهيد من الولادةٍ(١) .
هذا أبينُ حديثٍ فى تحريم لبنِ الفحلِ، ألا تَرَى إلى قولٍ عائشةً:
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ، إِنَّما أرضَعتْنى المرأةُ ولم يُرضِغنى الرجلُ ؟
والرجلُ هو أبو القُّعَيسِ، والمستأذِنُ على عائشةَ هو أخوه أَقْلَعُ .
وكذلك قال مالكٌ فى حديثه، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةً، عن
عائشةَ ، أنها أخبَرَتْه ، أن أفْلحَ أخا أبى القُعَيسِ استأُذَن عليها - وهو عمُّها
من الرضاعة - بعد أن ضُرب الحجاب . وذكر الحديثَ . على حسب ما
مضَى ذكرُه فى بابٍ ابنٍ شهابٍ(١٢). فأبو القُعَيْسِ هو الذى أرضَعتِ امرأتُه
عائشةَ فصارَتْ أمَّا لها من الرّضاعةِ وصار هو أباها ، لأن اللبنَ منه تَولَّدَ ،
وجاء أخوه يَستأذِنُ عليها، وهو أخو أبيها من الرّضاعةِ، فَظَنَّتْ عائشةُ أن
اللبنَ ليس مِن الفحلِ، فقالت: إنما أرضَعَتْنى المرأةُ. تريدُ : وليس هذا أخا
المرأةِ فيكونَ عمِّى أو خالى، وإنَّما هو أخو زوجِها. فأخْبَرها رسولُ اللهِ
وَلَّهِ أَنَّه عُها؛ لأن أخاه أبوها بإرضاع زوجته إيّاها، وهذا بيِّنَّ، وهو
مذهبُ ابنِ عباسٍ(٢)، وإليه ذهَب فقهاءُ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٧/١٢ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٣٦). وأخرجه
البخارى (٥٢٣٩)، وابن حبان (٤١٠٩)، والبغوى فى شرح السنة (٢٢٨٠) من طريق مالك به.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٠٨).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٣١٠).
١٢

الموطأ
والشامِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً، والثورىُّ، والليثُ، التمهيد
والأوزاعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وعليه جماعةُ أهلِ الحديثِ .
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةٌ، عن الحكم، عن عِراكِ بنِ مالكٍ ،
عن عروةَ بنِ الزبيرِ قال: اسْتَأْذَن أَقْلَحُ بنُ قُتَيسٍ - أَو ابنُ أبى قُعَيسٍ - على
عائشةً، فقال: إنى عُّك، أرضَعَتْكِ امرأةٌ أُخى. فأَبَتْ أَن تأذَنَ له، فلما
جاء النبيُّ وَ لَّ أَخْبَرَتْه، فقال: ((ائذَنِى له؛ فإنه عمُكِ))(١).
أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: أخبرنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ نصرِ بنِ بُجَيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صالح بنِ أسامةَ الذَّهْلِئُ القاضى ،
قال: حدثنا یوسفُ بنُ يعقوب القاضى ، قال : حدثنا محمدُ بنُ کثیرٍ،
قال: حدثنا سفيانُ، عن هشام بن عروةً، عن عروةً، عن عائشةَ قالت :
دخَل علىَّ أَفْلَحُ بنُّ أَبى القُعَيسِ. قالت: فاستَتَزْتُ منه. فقال: أَتَستَتِرِينَ
مِنِّى وأنا عمَّك؟ قالت: من أين؟ قال: أرضَعَتْك امرأةٌ أخرى. قالت : إنَّما
أَرْضَعَتْنى المرأةُ ولم يُرضِغنى الرجلُ. فدخل علىَّ رسولُ اللهِ وَّـ
فحدَّثْتُه، فقال: ((إنه عمُكِ، فَلْيَلِجْ عليكِ))(٢) .
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٣٣٨٥) من طريق محمد بن جعفر به .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥٧) عن محمد بن كثير به، وأخرجه أبو عوانة (٤٣٧٩) من طريق =
١٣

١٣٠٨ - مالك، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةً
الموطأ
أُمّ المؤمنين ، أنها أخبَرَتْه ، أن أفلَحَ أخا أبى القُعیسِ جاءَ يَستأذِنُ عليها ،
التمهيد
وأخبرنا خلفٌ ، حدثنا أبو الطاهرِ ، حدثنا یوسفُ بنُ يعقوب ، حدثنا
محمدُ بنُّ كثيرٍ، حدثنا سفيانُ ، عن ابنٍ أبى ليلى، عن الحكم بن عتيبةَ،
عن عِراكٍ، عن عروةَ، عن عائشةً، أن النبيَّ وَلِّقال: ((تَرِبَت يَدائِ - فی
هذا الحديثِ - أو ما علِمتِ أنه يَحْرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ من
النسبٍ؟))(١).
فإلى هذا ذهَب من ذكَرنا مِن فقهاءِ الأمصارِ. وذهَب جماعةٌ مِن
التابعين بالمدينةِ وغيرِها إلى أن لبنَ الفحلِ لا يُحَرِّمُ شيئًا. وقد ذكّرنا مَن
قال بالقولين جميعًا من العلماءِ، وذكّرنا الحجةً لكلِّ فريقٍ منهم ، وما نزَعوا
به لمذاهبِهم، وذكرنا الوجه المختارَ عندَنا فى ذلك، وهو ما وافَق هذا
الحدیث وشبهه من الشُّنن، وأوضحنا ذلك کلّه ومهَّدناہ فی بابِ ابنِ
شهابٍ عن عروةً مِن هذا الكتاب(١) ، فلم نرَ لتكريرِ ذلك هلهنا وجهًا .
وباللهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنها أَخْبَرتْه ، أن أفْلَحَ
القبس
= سفيان الثورى به .
(١) أخرجه أبو نعيم فى مسند أبى حنيفة ص ٧٢، وفى الحلية ٩٨/٧ من طريق يوسف بن
يعقوب به .
(٢) ينظر ما سيأتى ص ١٧ - ٣٠.
١٤

وهو عَمُّها من الرّضاعةِ، بعدَ أن نزَل الحجابُ . قالت: فأبَيتُ أن آذَنَ الموطأ
له علىَّ، فلمَّا جاءَ رسولُ اللهِ وَّ لَّهِ أَخبرتُه بالذى صنعتُ ، فأمَرنى أن
آذَنَ له علىَّ .
أخا أبى القُعَيسِ جاء يَستأذِنُ عليها، وهو عمّها مِن الرّضاعةِ، بعدَ أن نزَل التمهيد
الحجابُ. قالت: فأتيتُ أن آذنَ له، فلمَّا جاء رسولُ اللهِ وَّهِ أَخْبَرتُه
بالذى صنعتُ ، فأمَرنى أن آذنَ له علىّ(١) .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ دليلٌ على أن احتجابَ النساءِ مِن
الرجالِ لم يكنْ فى أوَّلِ الإسلامِ، وأنهم كانوا يَرَون النساءَ، ولا يَستَقِرُ
نساؤُهم عن رجالِهِم إلَّا بمثلِ ما كان يَستَيِّرُ رجالُهم عن رجالهم، حتى
نزَلتْ آيَاتُ(١) الحجابِ، وكان سبَبَ نزولها فيما قال أهلُ العلم بالتفسيرِ
والسيرٍ، أن رسولَ اللهِ بَ له صنَع طعامًا فى هِداءِ زينبَ، ودعا إليه أصحابَه
وذلك فى بيتٍ أُمّ سلَمةَ، فلمَّا أكَلوا أطالوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ وَل
يدخُلُ ويَخْرُجُ، ويَسْتَحْيِى منهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَآَمَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَظِرِينَ
إِنَنَهُ﴾. يقولُ: غيرَ مُنْتَظِرِين ومُتَحَيِّنِين وقتَه، يَعْنِى وقتَ الطعامِ،
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٧/١٢ظ- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧٣٧).
وأخرجه أحمد ٢٧٧/٤٢ (٢٥٤٤٣)، والبخارى (٥١٠٣)، ومسلم (٣/١٤٤٥)، والنسائى
(٣٣١٦) من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل: ((آية)).
١٥

الموطأ
التمهيد
ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَخِيء مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ
وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وَأَنزَل اللهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيّرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى
تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] . وقُرِقَتْ: (حتى تَسْتَأَذِنوا)(١).
٥
ثم نزَلَتْ: ﴿يَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِيِنَ عَلَيْهِنَّ
مِن جَبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فأَمِرِ النساءُ بالحجابِ، ثم أَمِرْن عندَ
الخروج أن يُدنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابِهِنَّ، وهو القِنَامُ. وهذا عندَ جماعةٍ
العلماءِ فى الحرائرِ دونَ الإماءِ .
وفیه أيضًا أن ذوى المحارم من النسبِ والرّضاع لا ◌ُختَجبُ منهم،
ولا يُستَرُ عنهم إلّ العَوراتُ، والمرأةُ فى ما عَدَا وَجْهَها وَكَفَّيْها عورةٌ ،
بدليلِ أنها لا يجوزُ لها كشفُه فى الصلاةِ، وقُبُلُ الرجلِ ودُبُه عورةٌ مُجْتَمَعٌ
عليها. وقد ذكرنا اختلافَ الناسِ فى الفَخِذِ مِن الرجلِ(٢)، وبيّنًا معانِىَ
العورةِ، فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ (١)، وفى بابٍ صَفْوَانَ
ابنِ سُليم)، وذكرنا هناك مَن®) يَلْزَم المرأةَ الاسْتِتارُ عنه، وزِدْنا ذلك بیانًا
القبس
.
(١) قراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٤٤٥/٦.
(٢) بعده فى م: ((فى غير هذا الموضع)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٣٧/٥ - ٤٤٢، ٤٥٠ - ٤٥٢.
(٤) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٨٦٥) من الموطأ .
(٥) فی ق: ((ما)).
١٦

الموطأ
فى بابِ هشام بن عروةً ١ ، وجرَى مِن هذا المعنَى ذِكْرٌّ فى البابِ الذى يَلِى التمهيد
هذا لابنٍ شهابٍ(١)، وأوضَحْنا فى بابٍ صَفْوانَ بنِ سُليم المعنَى فى
الاحتجابِ والاستئذانِ على ذواتِ المحارمِ مجملةٌ ، وما يحِلِّ لذى المحرّمِ
أن يَراه مِن ذواتٍ مَحارمِه، وما يَحِلَّ مِن ذلك للعَبِيدِ الذَّكورِ والإماءِ .
والحمدُ للهٍ .
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، حدثنا علىُّ بنُ المدینیٌ ، حدثنا سفيانُ ،
قال: سَمِعناه مِن الزهرىِّ، عن نَجْهانَ ، أنه كان يقودُ بأمّ سلَمةً بعيرَها ،
فسَأَلَتْه: كم بَقِى عليك مِن كتابَتِكَ ؟ فقال: ألفُ درهم. قالت : فهى
عندَك ؟ قال: نعم. قالت : فأعْطِها فلانًا . قال علىّ: قد سمَّاه سفيانُ
فذهَب مِن كتابى . وأُلْقَتِ الحجابَ، وقالت : عليك السلامُ ، إن رسولَ
اللهِ وَّه قال: ((إذا كان لإحداكُنَّ مُكاتَبٌ عندهُ ما يُؤْدِّى فَلْتَحْتَجِبْ
منه»(٣).
وفيه أن لبنَ الفحلِ يُحَرِّمُ . وهذا موضعٌ اختلف فيه الصحابةُ والتابعونَ
وفقهاءُ المسلمين، ومعنَى لبنِ الفحلِ تَحْرِيمُ الرَّضاعِ مِن قِبَلِ الرجالِ(٤)،
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث ص (١٥٣٢) من الموطأ .
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٥٧، ٥٨ .
(٣) أخرجه الحميدى (٢٨٩)، وأحمد ٧٣/٤٤ (٢٦٤٧٣)، وأبو داود (٣٩٢٨)، والترمذى
(١٢٦١)، والنسائى فى الكبرى (٩٢٢٨)، وابن ماجه (٢٥٢٠) من طريق سفيان به مختصرًا .
(٤) فى الأصل: ((الرجل)).
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/١٦)

الموطأ
التمهيد مثالُ ذلك المرأةُ تُرْضِعُ الطفلَ، فيكونُ ابنَها ( ابنَ رَضاعةٍ ) بإجماعِ
العلماءِ، ويكونُ كلَّ ولدٍ لتلك المرأةِ إخوته، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ
أحدٍ مِن المسلمين، وبه نزَل القرآنُ، فقال: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ
وَأَخَوَتُكُمْ مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. وسواءٌ كان رَضاعُهم فى
زمنٍ واحدٍ، أو واحدًا بعدَ واحدٍ ، مِن المرأةِ الواحدةِ ، هم كلَّهم إخوةٌ
رضاعٍ بإجماع. واختلفوا فى زوج المرأةِ المرضِعةِ ، هل يكونُ أبًا للطفل
بأنَّه كان سببَ اللبنِ الذى به أرضِع؟ وهل يكونُ ولدُه مِن غيرِ تلك المرأةِ
إخوةً الرضيعِ أم لا ؟ فقال جماعةٌ مِن أهلِ العلم : إن زوج تلك المرأةِ أَبُّ
لذلك الطفلِ ؛ لأن اللبنَ له وبسَبَبِهِ ومنه، وكلَّ ولدٍ لذلك الرجلِ مِن تلك
المرأةِ ومِن غيرِها فهم إخوةُ الصبىِّ المُرضَعِ، وهذا موضعُ التنازعِ .
وفى حديثٍ عائشةَ هذا بيانُ تحريمِ الرَّضاعِ مِن قِبَلِ الرجالِ ؛ لأَن أَفْلَعَ
المستَأذِنَ عليها لم يكنْ بينَه وبينَ أبى بكرِ الصديقِ رَضائعٌ، ولو كان أبو
بكرٍ قد رضَع مع أَفْلَحَ هذا امرأةٌ واحدةٌ لم تَحْجُبْه عائشةُ، وما كانت
عائشةُ ولا مثلُها ممن یخفی علیه مثلُ) هذا، ولكن لمَّا عَلِمتْ أنه ليس
بأخٍ لأبيها مِن الرَّضاع حجَبَتْه، وكانتِ امرأةٌ أخيه أبى القُعَيْسِ قد
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((من الرضاعة)).
(٢) ليس فى: الأصل، ق .
(٣ - ٣) فى ق: ((يجهل)).
١٨

الموطأ
أَرْضَعتْها، فصارتْ أَمَّها مِن الرَّضاع، وصار زوجها أبو القُعَيْسِ (١ أبًا التمهيد
لها ، فلهذا ما صار أخو أبى القُعَيْسِ عمَّها، ولم تَعلَمْ أن الرجالَ يكونُ
الوَّضائحُ واللبنُ مِن قِيلِهم أيضًا، فحَجَبتْه حتى أَعْلَمَها(٢) رسولُ اللهِ وَهِ،
أَلَا تَرَى مُراجَعَتَها رسولَ اللهِ نَّهِ فِى حديث هشام بن عروةَ، عن أبيه،
عنها ، إِذْ قالت: يا رسولَ اللهِ ، إنَّما أرْضَعتْنى المرأةُ، ولم يُرْضِعْنى الرجلُ؟
تقولُ: إن هذا الرجلَ ليس أخًا للمرأةِ التى أَرْضَعتْنى، وإنَّما هو أخُو
زوجها. فقال لها رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّه عمُكِ)). ومَن ادَّعى أن أبا
القُعَيْسِ كان رَضِيعَ أبى بكر الصديقِ، فقد كابر ودفَع الآثارَ. واللهُ
المستعانُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا المُطّلِبُ بنُ شعیب ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : حدثنى
الليثُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنی عُقَيْلٌ، عن ابن شهابٍ ، قال: أخْبَرنى عروةُ
ابنُ الزُّبِيرِ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَّ، أنها قالت: اسْتَأْذَن علىَّ أَقْلَحُ أَخُو
أبى القُّعَيْسِ بعدَما نزَل الحجابُ، فقلتُ : واللهِ لا آذَنُ له حتى أُسْتَأْذِنَ فيه
رسولَ اللهِ لَّهِ، فإن أخا أبى القُعَيْسِ ليس هو الذى أَرْضَعَنى، ولكنْ
أَرْضَعتْنى امرأتُه (٢) . فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((أْذَنِى له، فَإِنَّهُ عمُكِ، تَرِبتْ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((أباها)).
(٢) فى ق: ((أعلمت)).
(٣) فى م: ((المرأة)).
١٩

الموطأ
التمهيد يَمِينُكِ)). قال عروةَ: فلذلكَ كانت عائشةُ تقولُ : حرّموا مِن الرضاعةِ ما
تُحَرِّمون مِن النسبِ . قال ابنُ شهابٍ : فتَرَى ذلك يَحْرُمُ منه ما يَحْرُمُ مِن
(١)
النسب(١) .
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ووَهْبُ بنُ
مسرَّةَ، قالا: حدثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عمرٍو(١)،
قال: حدثنا أنس بن عياضٍ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً
قالت : جاء عمِّى مِن الرَّضاعةِ بعدَما ضُرِب علينا الحجابُ ، فقلتُ : واللهِ
لا آذَنُ له حتى أستَأذِنَ رسولَ اللهِ وَِّهِ. فجاء رسولُ اللهِ وَلَه فقلتُ: جاء
عمِّى مِن الرّضاعةِ، فأَبَيْتُ أن آذَنَ له حتى أستَأذِنَكَ. قال: ((فَلْيَلِجْ
عليكِ)). فقلتُ: إنَّما أرْضَعتْنى المرأةُ ولم يُوْضِغنى الرجلُ ! فقال رسولُ
اللهِ وَّهِ: ((إِنَّه عُّكِ، فَلْيَلِجْ عليك)). وكانت تقولُ: يَحْرُمُ مِن الرّضاعةِ
ما يَحْرُمُ مِن الولادةِ (٣).
وحدَّثنا سعیدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا
محمدُ بنُ إِسماعيلَ، قال: حدثنا الحميدىُّ ، قال : حدثنا سفيانُ ، قال :
القبس
(١) أخرجه البخارى (٦١٥٦)، وأبو عوانة (٤٣٨١)، والبيهقى ٤٥٢/٧ من طريق الليث به .
(٢) فى الأصل: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ٤١٥/١.
(٣) أخرجه أبو عوانة (٤٣٧٦) من طريق أنس بن عياض به، وأخرجه أحمد ٣٩٨/٤٢،
(٢٥٦٢٠)، والدارمى (٢٢٩٤)، ومسلم (٧/١٤٤٥)، والترمذى (١١٤٨)، وابن ماجه
(١٩٤٩) من طريق هشام بن عروة به .
٢٠