النص المفهرس

صفحات 221-240

الموطأ
النبىَّ وَ له لم يجعَلْ مالَ العبدِ للمبتاع إلّ بالشرطِ، فكان ذلك عندَهم التمهيد
كبيعٍ دائَّةٍ ومالٍ غيرِها . والعبدُ عندَ الشافعىِّ فى قولِه بمصرَ، وعندَ أبی
حنيفةً وأصحابِه(١) ، لا يَعْلِكُ شيئًا ، ولا يجوزُ له التَّسَرِّی فیما بیَدِهِ ، أُذِنَ له
مَوْلاه أو لم يأْذَنْ ؛ لأَنَّه لا يَصِحُ له مِلْكُ يمينِ ما دام مملوكًا؛ لأَنَّه يَسْتَحِيلُ
أن يكونَ مالِكًا مَعْلُوكًا فى حالٍ . وقال مالكٌ وأصحابُه: العبدُ(٢) يَعْلِكُ
مالَه كما يَعْلِكُ عِضْمَةَ نِكاحِه، وجائزٌ له التَّسَرِّى فيما مَلَك . وحُجَّتُهم
قولُ رسولِ اللهِ وَ له: ((مَن باع عبدًا وله مالٌ))(١) . فأضاف المالَ إليه،
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُنَ أُجُورَهُنَّ
بِلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥]. فأضاف أجورهنَّ إليهنَّ إضافةً تَمْليكِ. وهذا
کلُّه قولُ داودَ أيضًا وأصحابه، إلَّ انَّ داودَ يَجْعَلُه مالِگا ملكًا صحيحًا ،
ويُوجِبُ عليه زكاةَ الفطرِ والزكاةَ فى مالِه . ومِن الحبّةِ لمالِكِ أيضًا أنَّ
عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يأْذَنُ لعَبيدِه فى التَّسَرِّى فيما بأيدِيهم(٤) . ولا مُخالفَ
له من الصحابة ، ومحالٌ أن يتَسَرَّى فيما لا يَعْلِكُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم تُيحٍ
الوَطْءَ إلَّا فى نكاح أو مِلْكِ يَمينٍ. وجعَل الشَّافعىُّ، والعراقيُّون، ومَن قال
بقولهم، إضافةً رسولِ اللهِ وَِّ مالَ العبدِ إلى العبدِ كَإِضافَةٍ ثَمَرِ النَّخْلِ إِلى
القبس
(١) فى الأصل: ((أصحابهم))، وفى م: ((أصحابه و)).
(٢) سقط من: ى، م.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٤٢، ٢٠٨ - ٢١١.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٤/٤، والبيهقى ١٥٢/٧.
٢٢١

الموطأ
التمهيد النخل، وكإِضَافةٍ بابِ الدَّارِ إلى الدَّارِ، بدليل قوله: ((فمالُه للبائع)). أى:
فمالُه للبائع حقيقةً. قالوا: والعربُ تقولُ: هذا سَرْجُ الدَّايَّةِ. و: غَنَمُ
الراعِى . ولا تُوجِبُ هذه الإضافةُ تَعْليكًا، فكذلك إضافةُ مالِ العبدِ إليه
عندَهم. ومِن حجتِهم أيضًا الإجماع على أنَّ للسَّيِّدِ انْتِزاعَ مالِ عبدِه
من يَدِهِ، فلو كان مِلْكًا صحيحًا لم يُنْتَزَعْ منه، وإجماعُهم على أنَّ
مالَه لا يُورَثُ عنه، وأَنَّه لسَيِّدِه. والحُجَّةُ لكلا القَولَين تَكْثُوُ وتَطُولُ،
وقد أكْثَر القومُ فيها وطَوَّلوا، وفيما ذكَرْنا ولَوَّحْنا وأَشَرْنا إليه كِفايَةٌ.
ولا يُجيزُ هؤلاء للعبدِ أن يَتَسَرَّى، ولا يَحِلُّ له عندَهم وَطْءُ فرجٍ
إلّا بنكاحٍ صحيحٍ.
وقال الحسنُ ، والشعبىُّ : مالُ العبدِ تَبَعّ له أبدًا فى البيع والعِثْقِ جميعًا،
لا يحتائج مُشْتَرِيه فيه إلى اشْتِراطٍ . وهذا قولٌ مَرْدُودٌ بالسنةِ لا يُعَرَّجُ عليه .
وقال مالكٌ، وابنُ شهابٍ ، وأكثرُ أهلِ المدينةِ: إذا أُعْتِقِ العبدُ تَبِعَه مالُه،
وفى البيع لا يَتْبَعُه مالُه، وهو لبائِعِه . ورُوِى بنَحْوِ هذا القول فى العِثْقِ أيضًا
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ إلى النبيِِّ لّهِ من حديثِ ابنِ عمرَ(١)، ولكنَّه خَطَأَ عندَ أهلِ
العلم بالتَّقْلِ . ورَوَى أَصْبَغُ، عن ابنِ القاسمِ ، قال: إذا وهَب الرجلُ عبده
لرجلٍ، أو تَصَدَّقَ به عليه، فمالُ العبدِ للواهبِ والمتصَدِّقٍ(٢) . قال: وإذا
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩).
(٢) بعده فى م: (( به)).
٢٢٢

الموطأ
أَوْصَى بعبدِه لرَجُلٍ ، فمالُه للمُوصَى له. قال أصبغُ: بل كلَّ ذلك واحدٌ ، التمهيد
وهو للمَوْهُوبِ له والمتصَدَّقِ به عليه، ولا يكونُ المالُ للشَّيِّدِ إلّا فى البيع
وحدَه؛ لأنَّ الصدقاتِ تُشْبِهُ العِثْقَ؛ لأنَّ(١) ذلك كلَّه قربانٌ. ولم يَخْتَلِفْ
قولُ مالكِ وأصْحابِه فى العبدِ يَعْتِقُ، بأىِّ وجهٍ عَتَق، أنَّ مالَه تَبَعّ له،
ليس لسَيِّدِه منه شىءٌ، إلّا أنْ يَنْتَزِعَه منه قبلَ ذلك، وسَواءٌ كان العِثْقُ
بَثْلًا(٢) أو إلى أجلٍ، أو فى (٢) وَصِيَّةٍ أو عتقٍ بالحنثِ، أو بالنسبِ ممَّن
يَعْتِقُ على مالِكِه، أو عَتَق بالمُثْلَةِ، كلَّ ذلك يَنْبَعُ العبدَ فيه مالُه،
و کذلك المدبّرُ.
واتَّفَق ابنُّ القاسم، وابنُ وهْبٍ، فى العبدِ يُمَثِّلُ به مَؤْلاه،
وهو مَحْجُورٌ عليه سَفِيةٌ، أَنَّه يَعْتِقُ عليه. واخْتَلَفا فى مالٍ ذلك
العبدِ ؛ فقال ابنُ القاسم: لا يَتْبَعُه مالُه. وقال ابنُ وهبٍ: يَتْبَعُه
مالُه . وبه قال أصْبَغُ. وقال الشافعىُّ بمصرَ، والكَوفِيُّون : إذا عَتَق
العبدُ أو بِيعَ، لم يَتْبَعْه مالُه، ولا مالَ له ولا مِلْكَ إلَّا مَجازًا
واتِّسَاعًا لا حقيقةً.
القبس
(١) بعده فى ى، م: ((فى)).
(٢) البتل: القطع. اللسان ( ب ت ل ).
(٣) فى م: ((من)).
٢٢٣

الموطأ
النھئ عن بيع الثمارِ حتى يبدوَ صلاحُها
١٣٣٣ - مالك، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَله
نهى عن بيعِ الثمارِ حتى يبدوَ صلامحها؛ نهَى البائعَ والمشترىَ.
التمهید
مالكٌّ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلْ نَهَى عن بيع الثمارِ
حتى يَبْدُوَ صَلاحُها؛ نَهَى البائعَ والمشْتَرِىَ(١) .
قد مَضَى القولُ فى معنى(٢) هذا الحديث، فی باپٍ محمَيْدِ الطّويلِ،
من كتابنا هذا (٢) . ورَوَاه أيوبُ ، عن نافعٍ، فزاد فيه (٤) ألفاظًا .
حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا بکُ بنُ حَمَّادٍ ، قال : حدثنا مُسَدَّدٌ ، قال : حدثنا عبد الوارثِ ، عن
أُيُوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ بَلّل عن بيعِ النخلِ
حتى تُرْهِىَ، وعن السُّنْئُلِ حتى يَبْيَضَّ، نَهَى البائعَ والمُشْتَرِىَ .
وأخبرنا عبدُ الله بن محمد بن عبد المؤمنِ، قال : حدثنا محمدُ بنُ
بكرٍ ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ النُّفيْلُ ، قال :
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٥٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٤٩٨). وأخرجه أحمد ٢١٧/٩ (٥٢٩٢)، والبخارى (٢١٩٤)،
ومسلم (٤٩/١٥٣٤)، وأبو داود (٣٣٦٧) من طريق مالك به.
(٢) فى م: ((فقه)).
(٣) ينظر ما سيأتى ص ٢٣٢ - ٢٤٦.
(٤) بعده فى الأصل: ((أيضا)).
٢٢٤

الموطأ
حدثنا ابنُ عُلَيَّةَ(١)، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عِمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهِ التمهيد
نَهَى عن بيعِ النخلِ حتى تَزْهُوَ، وعن السُّنْئُلِ حتى يَنْيَضَّ ويأْمَنَ العَاهَةَ ،
نَّهَى البائعَ والمُشْتَرِىَ(١).
وقد رَوَى حَمَّادُ بنُ سلمةً، عن محمَّيْدٍ، عن أنس، أنَّ النبيَّ وَلَ نَّهَى
عن بيعِ العِنَبِ حتى يَشْوَدَّ، وعن بيعِ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ(٣).
وقد كان الشافعىُّ مَرَّةً يقولُ : لا يجوزُ بتُ الخَبِّ فی سُنئله وإِنِ اشْتَدَّ
واسْتَغْنَى عن الماءِ. ثم بلَغَه هذا الحديثُ ، فرَجَع إلى القول به ، وأجاز بيعَ
الحِنْطَةِ زرعًا فى سُنْتُلِه قائمًا على ساقِه ، إذا يَيس واسْتَغْنَى عن الماءِ، كقولٍ
سائرِ العلماءِ. وهو ما لا خِلافَ فيه عن جماعةٍ فقهاءِ الأمصارِ وأهلِ
الحديثِ. وقد رُوِى عن ابنٍ شهابٍ أنَّه أجاز بيعَه فَرِيكًا قبلَ أنْ يَشْتَدَّ .
وخالَفَه مالكٌ وغيرُه، ومالُوا إلى ظاهرِ الحديثِ ؛ حتى يَتِيَضَّ وَيَشْتَدَّ،
ويَسْتَغْنِىَ عن الماءِ .
ومِن قولِ الشافعىِّ، أنَّ كلَّ ثمرةٍ وزرعِ دُونَها حائِلٌ من قِشْرٍ أو أكمامٍ،
القبس
(١) فى م: (عيينة)).
(٢) أخرجه البيهقى ٣٠٢/٥، ٣٠٣ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود
(٣٣٦٨)، وعنه أبو عوانة (٥٠٢١). وأخرجه أحمد ٨١/٨ (٤٤٩٣)، ومسلم
(٥٠/١٥٣٥)، والترمذى (١٢٢٦، ١٢٢٧)، والنسائى (٤٥٦٥) من طريق ابن علية به.
(٣) تقدم تخريجه فى ٤٦٩/٨.
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/١٦)
٠

الموطأ
التمهيد وكانت إذا صارت إلى مالِكِيها أخْرَجوها من قِشْرِها وأكمامِها ، ولم تَفْسُدْ
بإخراجهم لها، قال: فالذى أُخْتارُ فيها ألا يجوزَ بَيِّعُها فى شَجَرِها ولا
مَوْضُوعَةً بالأرضِ؛ للحائلِ دُونَها . وحُجَّتُه فى ذلك الإجماعُ على لحم
الشاةِ المذبوحَةِ غيرِ المسلوخَةِ ، أَنَّه لا يجوزُ بَعُه حتى تُسْلَخَ وتُخْرَجَ من
الجِلْدِ. قال: ولم أجِدْ أَحَدًا من أهلِ العلم يُجِيزُ أَخْذَ عُشْرِ الحْطةِ فى
أكمامِها، ولا عُشْرِ الحُبُوبِ ذَواتِ الأكمامِ ، ولا بيعَها مَحْصُودَةً مَدْرُوسَةً
فى الثِّبْنِ غيرَ مُنَقَّةٍ .
قال أبو عمرَ: لم يُجْمِعوا على كَرَاهِيَةٍ بيعِ الشاةِ المذبوحَةِ قبلَ السَّلْخِ؛
لأنَّ أبا يُوسُفَ يُجِيزُ بيعَها كذلك، ويَرَى السَّلْخَ على البائع، وأجاز بيعَ
الطعام فى سُنْئله، وجعل على البائع تخليصه من تِتْنِه وتمییزَه. والذى
حگی الشافعىُّ علیه الجمهورُ .
وذكر ابنُ وهبٍ فى ((مُوَطِّئِهِ)) عن مالكِ، أَنَّه سُئِل عن الدَّالِيَةِ (١) تكونُ
على ساقٍ واحدٍ ، فيطيبُ منها المُنْقُودُ والمُتْقُودَانِ ، فقال مالكٌ : إذا كان
طِيبُهُ مُتتابِعًا فاشِيًّا، فلا بأسَ بذلك. قال: ورُبَّمَا أَزْهَى بعضُ الثَّمَرِ، واستَأْخَر
بعضُه جِدًّا ، فهو الذى يُكْرَهُ. قال : وسُئِل مالكٌ عن الرجلِ يَتَاعُ الحائِطَ فيه
أصنافٌ من الثَّمَرِ قد طاب بعضُه، وبعضُه لم يَطِبْ، فقال: ما يُعْجِبُنى.
القبس
(١) الدالية: عنب أسود غير حالك، وعناقيده أعظم العناقيد كلها تراها كأنها تيوس معلقة،
وعنبه جاف یتکسر فى الفم مدحرج ویزیب. اللسان ( د ل و ).
٢٢٦

الموطأ
قال: وسُئِل مالكٌ عن بيع الأعنابِ والفواكِهِ من الثمارِ، فقال: إذا التمهيد
طاب أوَّلُها وأَمِنَ عليها العَاهَةُ ، فلا بأسَ بَيْعِها. قال: وسُئِل عن الحائطِ
الذى تُزْهِى فيه أربَعُ نَخَلاتٍ ، أو خمسٌ، وقد تَعَجَّل زَهْؤُه قبلَ الحوائِطِ ،
٥
أَتَرَى أنْ تُباعَ ثمرُه؟ قال: نعم، لا بأسَ به، وإنْ تعجّلَ قبلَ الخَوائِطِ .
قال: وسُئل عن الحائط ليس فيهزَهْوٌ، وما حوله قد أُزْهَى ، أُتَرَى أُنْ تُباعَ
ثَمَرُه وليس فيه زَهْوٌ ؟ قال: نعم ، لا أُرَى به بَأْسًا إِذا كان الزَّمَنُ قد أُمِنَتْ فيه
العاهَاتُ ، فَأَزْهَتِ الحوائطُ حولَه ، وإنْ لم يُزْهِ هذا؛ لأنَّ منها ما يتَأخَّرُ.
قال: وسُئِل عن الرجلِ تَبيعُ الثّمارَ من النخيل والأعنابِ بعدَ أن تَطِيبَ ،
على مَن سَقْيُها؟ فقال: سَفْيُها على البائع . قال: ولولا أنَّ السَّقْىَ على البائع
ما اشْتَراه المشْتَرِى . قال: وقال مالكٌ بوضع الجائحةِ فى الثمرةِ إذا كانت
من قِبَلِ الماءِ ، قليلةٌ كانت أو كثيرةً ، وإن كانت أقَلَّ من الثُّلُثِ . قال : وليس
الماءُ كغيرِهِ ؛ لأَنَّ ما جاء من قبلِ الماءِ فكأنَّه جاء من قِبلِ البائعِ .
وقال الشافعىُّ: لو كان لرجل حائطٌ (١)، فأزْهَى حائِطُ جارِه إلى
جَنْبِهِ، وبَدَا صَلاحُه، حلُّ بَيْعُه، ولم يَحِلَّ بيعُ هذا الحائطِ الذى لم يَبْدُ
صلاح أوَّلِه. قال: وأقلَّ ذلك أنْ تُزْهِىَ فى شىءٍ منه الحُمْرَةُ أَو (١) الصُّفْرَةُ،
ويُؤْكَّلَ شىءٌ منه .
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((آخر)).
(٢) فى الأصل: ((و)).
٢٢٧

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : قد مَضَى القولُ فى هذا البابِ مُسْتَوْعَبًا، وفى الجائِحَةِ
فیه، وفى أكثرٍ معانيه، فى بابٍ محمَيْدِ الطويلِ من كتابنا هذا) ، وجرّى
منه ذِكْرٌ صالحٌ فى بابٍ أبى الرِّجَالِ منه أيضًا (١) ، وذكّرْنا منه هلهنا ما لم يَقَعْ
ذِكْرُه فى ذَيْنِك البابينِ. وأمَّا الآثارُ عن النبيِّ وَّفى هذا البابِ فمُخْتَلِفَةُ
الألفاظِ، مُثَّفِقَةُ المعنى، مُتَقارِبَةُ الحُكْم، بعضُها فيه أنَّ النبيَّ وَلِّ نَهَى
عن بَيْعِ الثّمارِ حتى يُتْدُوَ صَلاحُها. وفى بَعْضِها: حتى تُطْعَمَ. وفى
بعضِها: حتى تُزْهِىَ. وفى بعضِها: حتى تَحْمَرَّ وَتَصْفَوَ. وفى بعْضِها:
حتی تُشْقِخ . ومعنی « تُشْقِحَ )) عندهم : تخمَژ أو تَصْفَرُ وُؤْ گّلُ منها . وفى
بعضِها: طلوعُ التَُّيًّا. وهى كلُّها آثارٌ ثابِتَةٌ محفوظَةٌ عن النبيِّ وَلِّ، من
حديثِ ابنِ عُمرَ(٣)، وأبى هريرةً(٤)، وجايٍ (٥)، وابنٍ عباسٍ(٦)، وأبى سعيد
الخدرِىِّ ( وغيرِهم.
ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ جميعَ الثمارِ داخِلٌ فى معنَى ثمرِ النخلِ،
وأنَّه إِذا بَدا صَلامحُه، وطاب أوَّلُه ، حلَّ يَتْعُه .
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٢٣٢ - ٢٤٦.
(٢) ينظر ما سيأتى ٢٤٩ - ٢٥١.
(٣) تقدم تخريجه ٢٢٤، ٢٢٥، وسيأتى تخريجه ص ٢٣٥، ٢٣٦.
(٤) سیأتی تخريجه ص ٢٣٦.
(٥) سيأتى تخريجه ص٢٢٩ - ٢٣١.
(٦) سيأتى تخريجه ص ٢٢٩، ٢٣٠.
(٧) سیأتی تخريجه ص ٢٤٨.
٢٢٨

الموطأ
وإِنَّمَا اخْتَلَف مالكٌ والشافعىُّ فى الحائطِ إذا أُزْهَى غيرُه قُرْبَه ، ولم يُزْهِ التمهيد
هو ، هل يَحِلَّ بَيْعُه؟ على ما ذكّرْنَا عنهما. وقد رُوِى عن مالكِ مثلُ قولٍ
الشافعىّ. والأُوَّلُ عنه أَشْهَرُ. وتحصيلُ مذهبٍ مالكِ فى ذلك أنَّ الزمنَ إذا
جاء منه ما يُؤْمَنُ معه على الثمارِ العاهَةُ، وَبَدَا صَلاح جنسٍ ونوعٍ منها ،
جاز بيعُ ذلك الجِئْسِ والنَّوْعِ حيثُ كان من تلك البلدةِ. وكان يَلْزَمُ
الشافعيّ أَنْ يقولَ مثلَ قولٍ مالكِ هذا قياسًا على قولِه فى الحائطِ إذا تأخّر
إِبَارُهُ وأَبُّر غيرُه، فإِنَّه راعَى الوقتَ فى ذلك دونَ الحائطِ ، وراعَى فى بيعٍ
الثمارِ الحائطَ بنفسِه، وهو أمرٌ مُتقارِبٌ، ولكلِّ واحدٍ منهما وجةٌ تَدُلُّ عليه
ألفاظُ الأحاديثِ لمنْ تَدَبَّرَها. وذلك واضحٌ يُغْنِى عن القول فيه .
حدثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا ، حدثنا قاسمُ بنُّ
أصبغَ ، قال : حدثنا الحارثُ بنُ ابی أسامةَ ، قال : حدثنا رَؤْے ، قال : حدثنا
زَكَرِيًّا بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا عمرو بنُ دِینارٍ، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ
يقولُ: نَهَى رسولُ اللهِ وَ لهعن بيعِ الثمارِ حتى يَبْدُوَ صلاحها (١).
حدثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ
الخَصِيئُ(٢) ، قال: حدثنا جعفرُ بنُ محمدٍ بن الحسنِ الفِزیاییُ ، قال :
القبس
(١) أخرجه مسلم (٥٤/١٥٣٦)، وأبو عوانة (٥٠١٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٣/٤،
والبيهقى ٣٠١/٥ من طريق روح به، وأخرجه أبو عوانة (٥٠١٦) من طريق زكريا به.
(٢) فى ى: ((الحمصى)).
٢٢٩

الموطأ
التمهيد حدثنا حامدُ بنُ يحتَى البَلْخِىُّ بطَرَسُوسَ (١) سنَّةَ ثلاثٍ وَثَلاثِينَ ومائتَيْن،
قال : حدثنا عبدُ الله بن الحارثِ المخزُومِىُ ، قال : حدثنا شِبلُ بنُ عبادٍ
المگئُ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن جابر بنِ عبدِ اللهِ ، وابنِ عباسٍ ، وابنٍ
عمرَ، أنَّ النبيَّ بَّ نَهَى عن بيعِ الثَّمارِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها(١).
وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بکر، حدثنا
سُليمانُ بنُ الأُشعَثِ ، حدَّثنا أبو بكرِ محمدُ بنُ خلَّادِ الباهلىُ ، قال: حدّثنا
يحيى بنُّ سعيدٍ ، عن ("سَليمِ بنِ حيان٣َ) ، عن سعيدِ بنِ مِينَا، قال : سمِعتُ
جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: نَهَى رسولُ اللهِ وَلِلّهِ أَنْ تُباعَ الثمرةُ حتى تُشْقِحَ .
قيلَ: وما تُشْقِحُ؟ قال: («تَحْمَارُ وتَصْفَارُ) ويُؤْكَلُ منها (٥).
وحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفیانَ وسعیدُ بنُ نصرٍ ، قالا : حدثنا قاسِمُ بنُ
أَصْبَغَ، قال : حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ،
القبس
(١) فى م: ((بطرطوس)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٤٢/٢٣ (١٤٩٩٤)، والطبرانى (١١١٨٧، ١٣٦٤٢)، والقطيعى فى
جزء الألف دينار (٤). من طريق عبد الله بن الحارث به، وأخرجه النسائى (٣٩٣١) من طريق
عمرو بن دينار، عن ابن عمر وجابر.
(٣ - ٣) فى م: ((سليمان بن حبان)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤٨/١١.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((تحمر وتصفر).
(٥) أبو داود (٣٣٧٠). وأخرجه أحمد ٣٢٤/٢٢ (١٤٤٣٨)، والبخارى (٢١٩٦)،
والبيهقى ٣٠١/٥ من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أحمد ١٦٥/٢٣ (١٤٨٨٤)، ومسلم
١١٧٥/٣ (٨٤/١٥٣٦) من طريق سليم بن حيان به .
٢٣٠

الموطأ
قال: حدثنا هشام الدَّسْتُوَائِىُ، قال: حدثنا أبو الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ التمهيد
رَّهُ نَّهَى عن تَبْعِ النخلِ حتى تُطْعَمَ(١) .
ويجوزُ عندَ مالكٍ وأَصْحابِهِ تَبْعُ المُغَيِّبِ فى الأرضِ ؛ نحوَ الفُجْلِ،
والجَزَرِ، واللّفْتِ، حين يَبْدُو صلاحُه ويُؤْكَلُ منه، ويكونُ ما قُلِع(٢) منه
ليس بفسادٍ. وكذلك البقولُ، يجوزُ فيها بَيْعُها إذا بَدَا صَلامحُها وأُكِلَ
منها، وكان ما قُطِع(١) منها ليسَ بفسادٍ . ولا يجوزُ عند الشافعىِّ بيعُ شيءٍ
مُغَيِّبٍ(٤) فى الأرضِ حتى يُقْلَعَ ويُنظَرَ إِليه . وجائزٌ عندَ أبى حنيفةَ يَتْعُ الفُخْلِ
والجَزَرِ والبَصَلِ ونحوِهِ مُغَيَبًا فى الأرضِ، وله الخِيارُ إذا قَلَعه ورَآه . هذا إذا
قَلَعَه البائعُ، فإن خَلَّى بينَه وبينَ المُشْتَرِى، فَقَلَعه المشْتَرِى، فلم
يَرْضَه، فإن كان القَلْعُ لم يَنْقُصْه، فله الخِيارُ، وإن كان نَقَّصه القَلْعُ،
بطَل خِيارُ الرُؤْيةِ ، ولا خلافَ بينَ العلماءِ فى بيع الثُّمارِ والبقولِ والزرعِ
على القطع(٥)، وإن لم يَدُ صَلاحُه، إذا نظَر إلى المبيعِ منه وعرَف
قَدْرَه .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٥/٤ من طريق مسلم بن إبراهيم به، وأخرجه أحمد .
١٤٥/٢٣ (١٤٨٥٨)، والنسائى (٤٥٣٨) من طريق هشام الدستوائى به .
(٢) فى م: ((قام)) .
(٣) فى م: ((قلع)) .
(٤) فى ى: ((من المغيب)).
(٥) فى م: ((القلع)) .
٢٣١

الموطأ
١٣٣٤ - مالك، عن حُميدٍ الطويلِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، أن
رسولَ اللهِ وَّهِ نهَى عن بيع الثمارِ حتى تُزْهِىَ، فقيل له: يا رسولَ
اللهِ، وما تُزْهِى؟ فقال: ((حتى تَحمَرَّ)). وقال رسولُ اللهِ وَله :
((أرأيتَ إذا منَع اللهُ الثمرةَ، ففيمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟)).
التمهيد
مالكٌ، عن حميد الطويلِ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ لِهِ
نهَى عن بيعِ الثمارِ حتى تُزْهِىَ. فقيل له: يا رسولَ اللَّهِ، وما تُزْمِى؟ قال:
(حتى تَحْمَرَ). وقال رسولُ اللَّهِ وَله: ((أرأيتَ إن مَنَع اللَّهُ الثمرةَ، ففيم
يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟))(١).
هكذا " رؤَى هذا الحديثَ جماعةُ الرواةِ فى ((الموطأ))، لم يختلفوا فيه
فيما عَلِمتُ).
وقولُه فى هذا الحديثِ : ((حتى تَحْمَرَ)). يدُلَّ على أنَّ الثمارَ إِذا بدًا فيها
الاحمرارُ، وكانت ممَّا تَطِيبُ إذا احْمَرَّتْ، مثلَ ثمرِ النَّخلِ وشبهِها(١)،
حَلَّ بَيْعُها، وقبلَ ذلك لا يجوزُ بَيْعُها، إلّ على القطع فى الحينِ، على
اختلافٍ فى ذلك نذكُرُه إن شاءَ اللَّهُ. واحمرارُ الثمرةِ فى النخلِ هو بُدُوُ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٩ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٢٤٩٩).
وأخرجه البخارى (١٤٨٨، ٢١٩٨)، ومسلم (١٥/١٥٥٥)، والنسائى (٤٥٣٩) من طريق
مالك به .
(٢ - ٢) فى ق: ((رواه القعنبى وغيره ولا خلاف عن مالك فى شىء منه)).
(٣) فى ق: ((شبهه)).
٢٣٢
:

الموطأ
التمهيد
صلاحِها، وهو وقتُ الأمنِ عليها مِن العَاهاتِ فى الأُغلَبِ .
وقولُهُ وَهِ: ((أَزْهَتْ))، و(احمَرَّت))، و((بَدَا صَلَامحها) ألفاظٌ مختلفةٌ
ورَدَت فى الأحاديثِ الثابتةِ ، معانيها كلُّها مُتَّفِقَةٌ، وذلك إذا بدا طِيئُها
ونُضْجُها، وكذلك سائرُ الثِّمارِ إذا بَدا صَلامحُ الجِنْسِ منها، وطاب ما
پ گلُ منها الطيب المعهود(١) فی التِّينِ والعِنَبِ وسائرِ الثِّمارِ، جاز بيڤُها
على التركِ فى شجرِها حتى يَنْقَضِىَ أوانُها بطِيبٍ جميعِها . ولا يجوزُ بيعُ
شىءٍ من الثِّمارِ والزرعِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه(٢) إِلَّا على القَطعِ. وقد اختلَف
الفقهاءُ قديمًا وحديثًا فى ذلك، وقد أرجَأَنَا القولَ فيه إلى بابٍ نافعٍ(٣)،
فهناك تَرَاه إن شاء اللَّهُ .
وأمَّا قولُهُ بَّهِ: ((أرأيتَ إن مَنَع اللَّهُ الثمرةَ، ففيم يأخُذُ أحدُكم مالَ
أُخيه؟)). فيزعُمُ قومٌ أنه مِن قولِ أنسٍِ بنِ مالكِ، وهذا باطلٌ بما رواه
مالكٌ (٤ وغيرُهُ" من الحفاظِ فى هذا الحديثِ؛ إذ جعلوه مرفوعًا مِن قولٍ
النبيِِّ نَّهِ. وقد روَى أبو الزُّبِيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَالرِ مثلَهُ(٥).
القبس
(١) فى ق: ((المعتاد)).
(٢) فى ق: «صلاح أوله)).
(٣) ينظر ما تقدم ص٢٢٤ - ٢٣١.
(٤ - ٤) فى ق: ((فى حديثه هذا وتابعه جماعة)).
(٥) سيأتى تخريجه ص ٢٣٩.
٢٣٣

الموطأ
التمهيد
وتنازَع العلماء فى تأويل هذا الحديث ؛ فقال قومٌ : فیه دليلٌ على إبطالٍ
قولٍ مَن قال بوضع الجوائح؛ لأنَّ نهىَ رسولِ اللهِ وَله عن بيع الثمرَةِ قبلَ
بُدُوِّ صلاحِها، وقولَه مع ذلك: ((أرأيتَ إن مَنَعَ اللَّهُ الثمرةَ؟)). أى: إذا بعثُم
الثمرةَ قبلَ بُدُوٌّ طِيبِها (١)، ومنَعَها اللّهُ، كنتُم قد ركِبتُم الغَرَرَ، وأخذتُم مالَ
المبتَاعِ بالباطلِ؛ لأَنَّ الأُغلَبَ فى الثِّمارِ أن تَلحَقَها الجوائعُ قبلَ ظهورٍ
الطّيبِ فيها ، فإذا طابَت ، أو طابَ أوَّلُها ، أُمِنت عليها العاهَةُ فى الأغلبِ ،
وجاز بَيْعُها ؛ لأنَّ الأغلبَ مِن أمرِها السلامةُ، فإن لحِقَتْها جائحةٌ حينئذٍ لم
يكن لها حكم، وكانت كالدارِ تُبائحُ فتَنْهَدِمُ بعدَ البيعِ قبلَ أن يَنتفِعَ المبتامُ
بشىءٍ منها ، أو الحيوانِ ثُامُ فیموثُ بأثرِ قَبضٍ مُبتاعِه له، أو سائرِ
العُرُوضِ ؛ لأنَّ الأغلبَ مِن هذا كلِّه السلامةُ، فما خرَجَ مِن ذلك نادرًا لم
يُلتَفَتْ إِليه ، ولم يُعرَّجْ عليه، وكانتِ المصيبةُ مِن مُبتاعِه. وكذلك الثمرةُ
إذا بِيعَت بعدَ بُدُوٌّ صلاحِها، لم يُلتَفَتْ إلى ما لَحِقَها مِن الجوائحِ؛ لأنَّهم
قد سَلِمُوا مِن عُظُمِ الغَرَرِ ، ولا يكادُ شىءٌ مِن المُوعِ يَسلَمُ مِن قَلِيلِ الغَرَرِ ،
فكان معفُوًّا عنه . قالوا : فإذا بِيعَتِ الثمرةُ فى وقتٍ يحلَّ بَيعُها ، ثم لَحِقَتها
جائحةٌ ، كان ذلك كما لو جُدَّت(٢) فتَلِفَتْ، كانت مُصيبتُها من المبتاعِ.
القبس
(١) فى ق: ((صلاحها)).
(٢) فى ك ١: ((حدث))، وفى م: ((جذب)). وجد النخل يجدُّه جدًّا وجِدادًا وجدادًا :
صرمه، والجداد والجَداد : أوان الصرم. اللسان ( ج ( د).
٢٣٤

الموطأ
واحتَجُوا بحديثٍ أبى سعيد الخدرىِّ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَه نهى عن بيع التمهيد
الثِّمارِ حتى يَبَدُوَ صلاحُها. قيل له: وما بُدُوُّ صَلاحِها يا رسولَ اللهِ؟
فقال: ((إذا بَدَا صلاحها ذهَبَت عاهتُها))(١). وبحديث مالك، عن أبى
الرّجَالِ، عن أُمِّه عمرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، أَنَّ رسولَ اللهِ نَِّ نْهَى عن بيعِ
الثِّمارِ حتى تَنْهُوَ مِن العَاهَةِ(). وهذا معنى قولِ ابنِ شِهَابٍ .
ذكَرَ الليثُ بنُ سعدٍ، عن يُونُسَ، عن ابنِ شهابٍ قال: لو أنَّ
رجلاً ابتَاعَ ثمرًا قبلَ أن يَبْدُوَ صَلاحُه، ثم أصابته عاهةٌ، كان ما أصَابَه
على ربِّه، أخبرنى سالمُ بنُ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ
وَه قال: ((لا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حتى يبدوَ صلاحُها، ولا تبيعوا الثمرَ
(٣)
بالثَّعْرِ)(٣).
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال : أخبرنا الميمونُ بنُ حمزةَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ الطحاوىُّ، قال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
يحيى، قال: حدَّثنا الشافعىُّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، عن
ابنِ أبى ذئبٍ، عن عُثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سراقةً، عن عبدِ اللهِ بنِ
القبس
(١) سیأتی تخريجه ص ٢٤٨.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٣٥).
(٣) فى م: ((بالثمر)).
والحديث أخرجه الذهلى فى الزهريات - كما فى تغليق التعليق ٢٦١/٣ - من طريق الليث به .
(٤ - ٤) سقط من: م.
٢٣٥

الموطأ
التمهيد عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِهِ نهى عن تَيع الثِّمارِ حتى ١ تَذْهبَ العَاهَةُ .
قال عثمانُ(٢) بنُ سُراقَةَ: فسألتُ ابنَ عمرَ: متى ذلك؟ فقال: طُلُوعَ ()
.(٣)
الثُّرِيًّا (٣).
ورَوَی المعَلَّى بُ أسدٍ ، قال: حدّثنا ◌ُهيبٌ ، عن عِسلِ بنِ سفيانَ ،
عن عطاءٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((إذا طَلَعَتِ الُّرِيًّا
صباحًا رُفِعَتِ العاهةُ عن أهلِ البلدِ))(٤).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، حدثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ
ابنُ غالبٍ ، قال : حدّثنا حَرَمِىٌّ وعَفَّانُ ، قالا : حدثنا ۇُهیبُ بنُ خالدٍ ، عن
عِسلٍ بنِ سفيانَ، عن عَطَاءٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((ما طلَع
النجمُ صباحًا قَطُّ وبقومٍ عاهَةٌ إِلَّ رُفِعَت عنهم، أو خَقَّت))(٥).
القبس
(١ - ١) فى ك ١: ((تطلع)).
(٢) فى م: ((محمد)).
(٣) الطحاوى فى شرح المشكل (٢٢٨٤)، والشافعى فى السنن المأثورة (١٩٩)، وفى الأم
٤٧/٣، وأخرجه أحمد ٥٥/٩، ١١٩ (٥٠١٢، ٥١٠٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٣/٤،
والطبرانى (١٣٢٨٧)، والبيهقى ٣٠٠/٥ من طريق ابن أبى ذئب به .
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٢٨٧)، والعقيلى ٤٢٦/٣ من طريق المعلى به،
ولفظه عند العقيلى كلفظ الرواية التالية .
(٥) أخرجه أحمد ١٦/١٥ (٩٠٣٩)، والطحاوى فى شرح المشكل (٢٢٨٦) من طريق عفان
به، وأخرجه أحمد ١٩٢/٤ (٨٤٩٥) من طريق وهيب به.
٢٣٦

الموطأ
قال أبو عمرَ: هذا كلُّه على الأغلَبِ ، وما وقَع نادرًا فليس بأصل يُبنَى التمهيد
عليه فى شىءٍ، والنجمُ هو الثُّرَيًّا، لا خِلافَ ههنا فى ذلك، وطُلُوعُها
صباحًا لاثْنَنى عشرةَ ليلةً تَعْضِى مِن شهرٍ أيَّارٍ، وهو شهرُ مَايُهُ(١). فتَهْىُ
رسولِ اللَّهِ فَ لِّ عن بيع الثِّمارِ حتى يبدُوَ صلاحُها معنَاه عندهم: لأَنَّه مِن
گیوعِ الغررِ . لا غیرُ، فإذا بدًا صلاحها ارتفَعَ الغرزُ فى الأغلبِ عنها، کسائرٍ
البيوع، وكانت المصيبةُ فيها مِن المبتاع إذا قبضها، على أصُولِهم فى
المبيع أنَّه مَضْمُونٌ على البائع حتى يَقْبِضَه المبتاعُ، طَعامًا كان أو غيرَه.
وهذا كلُّه قولُ الشافعىِّ وأصحابِهِ، والثورىِّ. وقولُ أبى حنيفةً، وأبى
يوسفَ، ومحمدٍ ، فيمَن ابتاع ثمرةٌ مِن نخلٍ (٢أو زرع٢ٍ) أو سائرِ الفواكِهِ
والثمراتِ ، فقبَضَ ذلك بما يُقْبَضُ به مثلُه ، فأصابته جائحةٌ فأهلكته كلَّه أو
بعضه، کان ثُلُثًا أو أقلّ أو أكثرَ، فالمصيبةُ فی ذلك كله، قلَّ او كثُر ، مِن
مالِ المشتَرِى. وقد كان الشافعىُ رحِمه اللَّهُ فى العراقِ يقولُ بوضع
الجَوائحِ، ثم رجَع إلى هذا القولِ بمصرَ وهو المشهورُ عندَ أصحابِه من
مذهبِهِ، لحديثِ حميد الطويل، عن أنسٍ بنِ مالكِ المذكورِ فى هذا
الباب ، ولأن حديثَ سليمانَ بنَ عتيقٍ عن جابرٍ لم يثْبُتْ عَندَه فيه أمرٌ
رسولِ اللهِ وَ ﴿ بوضعِ الجوائحِ، قال الشافعىُّ(١): كان ابنُ عُيينةَ يُحدِّثُنا
القبس
(١) ك ١: ((مايوه))، وفى م: ((ماى)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) الأم ٥٦/٣.
٢٣٧

الموطأ
التمهيد بحديثٍ محميدٍ بنٍ قيسٍٍ، عن سليمانَ بنِ عَتيقٍ ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ
ێ نھی عن ییع السُّنینَ. ولا یذکر فیه وضعَ الجائحة . قال: ثم حدَّثنا
بذلك غيرَ مرَّةٍ كذلك ، ثم زادَ فيه وضعَ الجوائحِ ، فذكرنا له ذلك ، فقال :
هو فى الحديثِ، واضطَربَ لنا فيه. قال الشافعىُّ: ولم يَثُبتْ عندى أنَّ
رسولَ اللَّهِ نَّهِ أَمَرِ بوضعِ الجوائحِ، ولو ثَبَت لم أعْدُه. قال: لو كنتُ
قائلًا بوضع الجَوائح لوضَعتُها فى القليل والكثيرٍ. قال: والأُصلُ المجتمعُ
علیه أنَّ کلِّ مَن ابتاع ما(١) یجوزُ بیعُه وقبضُه، كانت المصيبةُ منه ، ولم
يُثْبُتْ عندَنا وضعُ الجوائحِ فيُخرِجَه مِن تلك الجُمْلَةِ .
قال أبو عمرَ: اختلفَ أصحابُ ابنِ عُبينةً عنه فى ذكرِ الجوائحِ فى
حديثٍ سليمانَ بنِ عَتيقٍ، عن جابرٍ ؛ فبعضُهم ذكّر ذلك عنه فيه،
وبعضُهم لم يذكُرْه، وممن ذكّره عنه فى ذلك الحديث، أحمدُ بنُ
حنبلٍ(١)، ويحيى بنُّ معينٍ(٣)، وعلىُّ بنُ حَربِ الطَّائِئُ(٣)، وغيرهم. وقالت
طائفةٌ مِن أهلِ العلم: فى قولِ رسولِ اللّهِ وَله: «أرأيتَ إن مَنَع اللَّهُ الثمرةَ،
فِبِمَ يأْخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟)). دليلٌ واضحٌ على أنَّ الثمرةَ إذا مُنِعَت لم
يَسْتَحِقَّ البائعُ ثَمنًا؛ لأن المبتاعَ قد مُنِعِ ممَّا ابتاعَه. قالوا: وهذا هو
القبس
(١) بعده فى ك ١: ((لا)).
(٢) أحمد ٢٢١/٢٢ (١٤٣٢٠).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٤٠.
٢٣٨

الموطأ
المفهُومُ مِن هذا الخِطابِ. قالوا: وحُكمُ رسولِ اللَّهِ وَ لِّ بهذا فى الثِّمارِ التمهيد
أصلٌ فى نفسِه، مُخالفٌ لحُكْمِه فى سائرِ السّلَعِ، يجِبُ التَّسْلِيمُ له .
واحتجُوا بحَديثِ أبى الزُّبيرِ عن جابرٍ فى ذلك .
وهو ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى وخلَفُ بنُ أحمدَ، قالا:
حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرّفٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ
عثمانَ الأعناقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ تَمِيم القَفْصِىُّ، قال: حدَّثنا
أنشُ بنُ عِيَاضٍ، قال : أخبرنى ابنُ جريج، قال: أخبرنى أبو الزبيرٍ، أَنَّه
سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((إن بِعْتَ مِن
أخِيكَ ثمرًا (١)، فأصابته جائِحَةٌ، فلا يَحِلُّ لك أن تأخُذَ منه شيئًا، بِمَ
تأخُّذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حَقٍّ ؟))(٢).
قالوا : وهذا الحديثُ لم يُنْسَقْ على النهي عن بيع الثمارِ حتى يَبدُوَ
صلاحُها، فيحتملَ مِن التأويلِ ما احتَملَه حديثُ أنس ، بل ظاهرُه يدُلَّ فى
قوله: ((إن بِعْتَ مِن أُخيكَ ثَمَرًا)). أَنَّه البيعُ المباح بعدَ الإزهاءِ وبُدُوِّ
الصَّلاحِ، لا يحتمِلُ ظاهِرُه غيرَ ذلك، وهو أُوضَحُ وأَبَيْنُ مِن أن يُحتاجَ فيه
القبس
(١) فى الأصل، ق: ((تمرا)).
(٢) أخرجه سحنون فى المدونة ٣٢/٥، ومسلم (١٤/١٥٥٤) من طريق أنس بن عياض به،
وأخرجه الدارمى (٢٥٩٨)، ومسلم (١٤/١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠)، وابن ماجه
(٢٢١٩)، والنسائی (٤٥٤٠، ٤٥٤١) من طريق ابن جريج به .
٢٣٩

الموطأ
التمهيد إلى الإكثارِ. واحتَبُّجُوا أيضًا بحديثٍ سليمانَ بنِ عتيقٍ عن جابرٍ.
وهو ما حدَّثناه أحمدُ بنُّ قاسم بنِ عبد الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ معاويةَ بنِ عبدِ الرحمنِ الأموىُّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ الفضلِ بنِ العباسِ، قالا جميعًا: حدَّثنا
أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ عبدِ الجبارِ الصُّوفئُ ، قال: حدثنا یحیی بنُ معینٍ،
قال : حدَّثنا سفيانُ بنُ عُبينةَ، عن حُميدِ الأعرجِ، عن سليمانَ بنِ عَتيقٍ،
عن جابرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَلِهِ أُمَر بوضعِ الجَوائحِ، ونهَى
عن بيعِ السِّنين" .
وحدَّثناه أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ یحیی، قال: حدّثنا محمدُ
ابنُ یحتی بن عمر بنِ علیٍّ، قال: حدّثنا علیُّ بنُ حربٍ، قال: حدّثنا
سفيانُ بنُ عُبينةً ، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيقٍ، عن جابر بنِ
عبدِ اللَّهِ، أنَّ النبيَّ وَّهِ نهَى عن تَيْعِ السِّنينَ، وأمَر بوضعِ الجَوائحِ(١).
وممَّن قال بوضع الجوائح هكذا مُجمَلًا أكثرُ أهلِ المدينةِ؛ منهم
القبس
(١) أخرجه ابن حبان (٤٩٩٥)، والمزى فى تهذيب الكمال ٤١/١٢، ٤٢، والذهبى فى سير
أعلام النبلاء ٤١٥/٨ من طريق أحمد بن الحسن به، ورواية ابن حبان مقتصرة على النهى عن
بيع السنين، وأخرجه أبو داود (٣٣٧٤)، وأبو عوانة (٥٠٩٣، ٥٢١٠)، والدارقطنى ٣١/٣
من طريق يحيى بن معين به .
(٢) أخرجه الشافعى ٥٦/٣، وأبو داود (٣٣٧٤)، وأبو عوانة (٥٠٩٥)، والبيهقى ٣٠٦/٥،
والبغوى فى شرح السنة (٢٠٨٣) من طريق ابن عيينة به .
٢٤٠