النص المفهرس

صفحات 181-200

الموطأ
الاستذكار
ولو أكّل الثمرَ رَدَّ قِيمةً ما أكّل على البائع . وقال عثمانُ البَِّّئُ وعبيدُ اللهِ
ابنُ الحسنِ، فيمَن اشتَرى عبدًا أو سلعةً ، ثم ظهَر على عيب ، فإن أراد أن
يَرُدَّه ردَّ الغَلَّةَ معه .
قال عبيدُ اللهِ: ولو وهُب العبدَ هِبَةً، رَدَّها على البائع مع العبدِ.
قال أبو عمرَ : أما زُفَر وأصحابُه، وعثمانُ البِئُ ، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ،
فقد جهِلوا السُّنَّةَ المأثورةَ مِن نقلِ أهلِ المدينةِ فى أن الخراجَ والغَلَّةَ
بالضمانِ، وقالوا بالرأي على غيرِ سُنَّةٍ، فقولُهم مردودٌ بها، وأشنعُ ما فى
مذهبهم، أنهم جعلوا الغَلَّةَ فى المغصوبِ بالضمانِ، فأُخطّئُوا ( القياسَ
و١) الشنَّةَ، واللهُ المستعانُ .
وقال الشافعىُّ: لا يَرُدُّ شيئًا مما حدَث عندَه، ولم تَقَعْ عليه الصَّفْقةُ ،
وسواءٌ فى ذلك الكسبُ والغَلَّةُ والثمرةُ والولدُ، وكلُّ ما وقعت عليه صفقةُ
الشراءِ "رَدَّه إذا٢)، رُدّ(٣) بالعيبِ.
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ح، هـ، م.
(٢ - ٢) سقط من: ح، هـ ، م.
(٣) بعده فى ح، هـ، م: ((الجارية)).
١٨١

الموطأ
هذا حُكّمُ الرَّدِّ بالعيبِ عندَه؛ وأما الاستحقاقُ (١)، فإنه يَرُدُّ عليه النخلَ
الاستذكار
وولدَ الجارية .
فإذا اشتَرى الجاريةَ غيرَ حامِلٍ وزوَّجها ، فولَدت عندَه ، ثم وجَد عَيْبًا
فرَدّها به، لم يَرُدَّ ولدَها معها .
قال(٢) الشافعىُّ: ثبَت(٢) عندَنا، واللهُ أعلمُ، أن رسولَ اللهِ أَالآلِ إنما
جعل الخراج بالضمان(٤) فی رجل اشتری عبدًا فاستغلّه، ثم وجد به عيبًا
فرده به؛ لأن المُشترى كان مالكًا للعبدِ، ولو هلك كانت مُصِيبُه منه ،
ولأن(٥) الخراجَ إنما حدَث(١) فى مِلْكِه لا فى مِلْكِ البائع ولم تَقَعْ عليه
الصَّفْقةُ، وكذلك الولدُ(٧) حدَث فى مِلْكِ المشترِى وهو مالكٌ ضامنٌ
للجارية، ولو هلكت هلكت مِن مالِه، ولو كانت حُبْلَی حینَ ابتاعَهَا رَدَّها
وولَدها، وكذلك ثمنُ الحائطِ ، لا فرقَ بينَ شىءٍ مِن ذلك .
وبقولِ الشافعيّ فى هذا كلِّه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو
عبيدٍ ، وسائرُ أهلِ الحديثِ .
القبس
(١) فى. ح، هـ: ((الاستهلاك)).
(٢) فى الأصل، م: ((قول)) ..
(٣) فى الأصل، ح، هـ، م: ((بين).
(٤) فى الأصل: ((فى ضمان المشترى))، وفى م: ((بالضمان للمشترى).
(٥) فى الأصل ، ب، م: ((كان)).
(٦) فى الأصل ، م : ((هلك)) .
(٧) بعده فى ح، هـ، م: ((لو).
١٨٢

الموطأ
الاستذكار
وفَوّقوا بينَ الغُصوبِ والشراءِ، والفرقُ بينَ ذلك بَيِّنَّ ما فيه، ١
والحمدُ للهِ، وسيأتى حكمُ(١) المغصوبٍ فى بابِهِ مِن الأقضيةِ إن شاء
اللهُ عزَّ وجلَّ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا
أبو داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ (١) بنُ مروانَ، قال: حدَّثنا أبى(٢)، قال:
حدَّثنا مسلمُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه ، عن عائشةً ،
أن رجلاً ابتاعَ غلامًا، فأقام عندَه ما شاء اللهُ أن يُقِيمَ، ثم وجَد به عيبًا ،
فخاصَمه إلى النبيِّ وَلِّ فِرَدَّه عليه، فقال الرجلُ: يا رسولَ اللهِ، قد استَغَلَّ
غلامى. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الخرائجُ بالضَّمَانِ))(٤).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأبو يحيى بنُ أَبِى مَسَرَّةَ)، قالا: حدَّثنا
مُطرّفُ (١) بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ خالدِ الزَّنْجِىُّ ، عن هشامِ بنِ
القبس
(١) فى الأصل: ((ما فى)).
(٢) فى الأصل، م: ((أحمد)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٠٠.
(٣) فى الأصل، م: ((على)). وينظر المصدر السابق.
(٤) أبو داود (٣٥١٠)، وسيأتى فى شرح الحديث (١٤٢١) من الموطأ .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((بن أبى مصرة))، وفى ح، هـ: ((عن أبى ميسرة))، وفى ب: ((بن أبى
مرة))، وفى م: ((بن أبى ميسرة)، والمثبت مما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٢١) من الموطأ .
(٦) فى الأصل، م: (محمد).
١٨٣

قال مالكٌ : الأمرُ عندَنا فيمَن ابتاعَ رقيقًا فى صَفْقةٍ واحدةٍ ، فوجَد
الموطأ
فى ذلك الرقيقِ عبدًا مسروقًا ، أو وجَد بعبدٍ منهم عيبًا، قال: يُنظَرُ فيما
وَ الفر قال: «الخرائج
الاستذكار عروةً، عن أبيه، عن عائشةً، أن رسولَ اللهِ
بالضَّمانِ))(١) .
وحدّثنا عبد الوارث ، قال: حدّثنا قاسم، قال : حدثنا أحمدُ بنُ حمادٍ
ببغدادٌ ، قال : حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حمادِ النَّرْسِىُّ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ
خالد الزَّتْجِئُّ ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ، عن عائشةً ، أن رجلًا اشتری
غلامًا، فردَّه بعَيْبٍ ، فقال الرجلُ: قد استغلَّ يا رسولَ اللهِ . فقال رسولُ
اللهِ وَ﴿ِ: ((الغَلَّةُ بالضمانِ))(١) .
وحدَّٹنا عبد الوارث ، قال: حدّثنا قاسم ، قال : حدثنا بکرُ بنُ حمادٍ ،
قال: حدثنا مُسَدَّدٌ ، قال: حدثنا یحیی بنُ سعیدٍ ، عن ابنِ أُبی ذئبٍ ، عن
مَخْلَدٍ (١) بنِ خُفَافٍ بنِ أيماءَ، عن عروةً بنِ الزبيرِ، عن عائشةً، عن النبيِّ
وَالله قال: ((الخراج بالضمانِ))(١).
قال مالك : الأُمُ عندَنا فیمَن ابتاعَ رقيقًا فى صَفْقةٍ واحدةٍ ، فوجد فى
ذلك الرقيقِ عبدًا مسروقًا ، أو وجد بعبدٍ منهم عيبًا ، قال: يُنظر فيما وُجد
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٢١) من الموطأ.
(٢) فى ح، هـ: ((مجلز)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٧/٢٧.
١٨٤

ؤُجِدِ مسروقًا، أو وُجِد به عيبٌ؛ فإن كان هو وجه ذلك الموطأ
الرقيقِ، أو أكثرَه ثمنًا، أو من أجلِه اشتُرِىّ، وهو الذى فيه
الفضلُ لو سلِمَ فيما يَرَى الناسُ؛ كان ذلك البيعُ مردودًا كُلُّه،
وإن كان الذى وُجِد مسروقًا أو وُجِد به العيبُ من ذلك الرقيقِ
فى الشىءِ اليسيرِ منه ليسَ هو وجهَ ذلك الرقيقِ، ولا من أجلِه
اشتُرِی، ولا فیه الفضلُ فیما یَرَی الناسُ ؛ ژُدَّ ذلك الذی ◌ُجِد به
العيبُ أُو وُجِد مسروقًا بعينِه بقدرٍ قِيمتِه من الثمنِ الذى اشتُّرِىَ
به أُولئك الرقيقُ .
مسروقًا، أو وُجد به عيبٌ؛ فإن كان هو وَجْهَ (١) ذلك الرقيقِ، أو أكثرَه الاستذكار
ثَمَنَّا، أو مِن أجلِه اشتُرى ، وهو الذى فيه الفضلُ لو سلِم فيما يرَى
الناسُ، كان ذلك البيعُ مردودًا كلُّه. قال: وإن كان الذى وُجِد
مسروقًا أو وُجد به العَيْبُ مِن ذلك الرقيقِ فى الشىءِ اليسيرِ منه ليس
هو وجه ذلك الرقيق)، ولا من أجلِه اشتُرِی، ولا فیه الفضلُ فیما یری
الناسُ ؛ رُدَّ ذلك الذى وُجد به العيبُ أو وُجد مسروقًا بعينِهِ بقدرٍ قيمتِه
مِن الثمنِ الذى اشترى به أولئك الرقيقُ.
القبس
(١) أى أعلى وأحسن ذلك الرقيق. شرح الزرقانى ٣٣٢/٣.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
١٨٥

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمر : قد اختلف العلماءُ فى هذه المسألةِ قديمًا وحديثًا ؛ فكان
شريح، والشعبىُّ، والقاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ ،
يذهبون إلى أنه لا يَرُدُّ المعيبَ وحدَه، وأنه مُخَيَّ فى أن يحبِسَ الصفقةً
كلَّها، أو يَرْدَّها كلَّها. وبه قال أبو ثورٍ (١).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه إلا زُفَرَ: إذا اشتَرِى عبدَيْنِ صَفْقةً
واحِدةً، فلم يَقْبِضْهما(١) أو واحدًا منهما حتى وجَد عيبًا بأحدِهما؛
فإما أن يَرْدَّهما أو يأخُذَهما، فإن قبَضهما ووجَد عيبًا ردَّ المعيبَ
بحصته، ولو كان المبيعُ صُبْرةً(٣) طعامٍ، أو تمرّا، وما أشبه ذلك، ردّ
الجميعَ إذا وجَد عيبًا، أو حبس الجميعَ؛ لأن نظرَه إلى شىءٍ مِن
ذلك(٤) يُجزِتُه، ولابدَّ فى العبيدِ أو الثيابِ مِن تقليبٍ كلِّ عبدٍ وكلِّ
ثوپ. وهو قولُ الحسن بن صالحٍ.
وقال زُفَرُ فى الرقيقِ والثيابِ : يَرُدُّ المعيبَ بحصتِه قبلَ القبضِ وبعدَه .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٦٩٩، ١٤٧٠١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٥٤/٦ -
٣٥٦، وأخبار القضاة لوكيع ٣١٣/٢.
(٢) فى ح ، م: ((يقبضه).
(٣) الصبرة: ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن، بعضه فوق بعض. التاج (ص ب ر).
(٤) فى الأصل، ح ، هـ ، م: ((الطعام)).
١٨٦

الموطأ
الاستذ کار
وهو قولُ الثوریِّ.
ورُوِى ذلك عن ابن سيرينَ، وابنِ شُبْرُمةَ، والحارثِ التُكْلِىّ(١)، ولم
يُفرِّقوا بينَ قبلِ القبضِ وبعدِه، فإن كان المبيعُ شيئَيْن لا يقومُ أحدُهما إلَّا
بالآخرِ كالخُفَّيْنِ ، أو الثَّعْلينِ، أو مِصْراعَي البابِ، ووجَد بأحدِهما عيبًا،
لم يختلفوا أنه لا يَرُدُّه وحدَه، ويَرُدُّهما جميعًا أو يُمسِكُهما جميعًا. وقال
الأوزاعىُ فى العبدَيْن، أو الثوبَيْن، أو الدَّابتَيْن، وما كان مثلَ ذلك : إن
سمَّى لكلِّ واحدٍ ثمنًا رَدَّ المعيبَ خاصةً، وإن لم يُسَمِّ لكلِّ واحدٍ ثمنًا
وجعَل جملةَ الثمنٍ لجملةِ الصَّفْقةِ، فإما أن يَؤُدَّ الجميعَ، أو يرضَى
الجميعَ. ومِن مثالٍ ذلك عندَه، أن يشترىَ عشرةَ أثوابٍ صفقةً واحدةً
بعشَرةٍ دنانيرَ، ثم يجِدَ بأحدِها عيبًا يُرَدُّ مِن مثلِه، فإنه يَرُدُّ البيعَ كلَّه. وإن
قال : أبِيعُك هذه العشَرةَ الأثوابِ بعشَرةِ دنانيرَ؛ كلّ ثوبٍ منها بدينارٍ . فإنه
" يَرُدُّ المعيبَ " وحْدَهُ(١).
وقال عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ: يَرُدُّ المَعيبَ) خاصةً. كقولِ الثورىِّ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٧٠١). ومصنف ابن أبى شيبة ٣٥٥/٦، ٣٥٦.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) فى الأصل، م: ((خاصة)).
١٨٧

الموطأ
ما يفعلُ فى الوليدةِ إذا بِيعت والشرطُ فيها
الاستذكار والحارثِ المُكْلِيِّ .
وعن الشافعىِّ روايتان ؛ إحداهما ، يَرُدُّ المَعِیبَ بحصَّتِه . والأخرى ،
يَرُدُّهما جميعًا أو يُمْسِكُ. وحكَى أصحابُه أن له فى تفريقِ الصَّفْقةِ ثلاثةً
أقوالٍ ؛ أحدُها ، يَبْطُلُ البيعُ فِى الْكُلِّ إذا رَدَّ أحدَها. والآخرُ، أنه يَتْطُلُ فِى
قَدْرِ المعيبِ (١) ، أو فى قَدْرِ ما يَرُدُّ، ويَصِحُ فى الباقى بحصتِه . والثالثُ ، لا
يَرُدُّ شيئًا والبيعُ صحيحٌ، ولا تُفَرَّقُ الصَّفْقةُ، ولكن يَرُدُّ الجميعَ أو يُمسِكُ .
وبالله التوفيقُ .
بابُ ما يُفعلُ فى الوليدةِ إذا بِيعت والشرطُ فيها
وأما : بابُ ما يُفْعَلُ بالوليدةِ إذا بِيعَت والشرطُ فيها
القبس
فإنه يَتْبَنِى على أكثرِ القواعدِ السابقةِ، ولكن مسائلَ الشرطِ مُعْضِلةٌ قديمًا
وحديثًا .
أخبرنا إسماعيلُ بنُ الفضل الأصبهانئُ ببغداد، عن ابنِ خلف ، عن محمد
ابن عبداللهِ ، عن أبی بکر بن إسحاق ، عن عبد الله بن أيوب ، عن محمدِ بنِ
سليمانَ الذَّهْلىّ، عن عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ قال: دخَلْتُ مَكَةً فَلَقِيتُ فيها
1
(١) فى ح، هـ، م: ((المبيع)).
١٨٨

الموطأ
الاستذكار
القبس
أبا حنيفةَ، فسألتُه عن بيع وشرطٍ ، فقال: البيعُ باطلٌ ، والشرطُ باطلٌ. ( ثم أتيتُ
ابنَ أبى ليلى فسألتُه، فقال: البيعُ جائزٌ، والشرطُ باطلٌ ). ثم أتيتُ ابنَ(١) شُيْرُمةً
فسألتُه ، فقال : البيعُ جائزٌ، والشرطُ جائزٌ. فقلتُ : ثلاثةٌ اختلفوا فى هذه المسألةِ
ولم يتفِقوا فيها على جوابٍ ! فأتيتُ أبا حنيفةً فأخبَرْتُه، فقال: لا أدرى ما قالا ،
حدَّثنى "عمرُو بنُ شعيب٢ٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبيَّ بَّ نَهَى عن بيعِ
وشرطٍ (٤). ثم أتيتُ ابنَ أبى ليلى فأخْبَرتُه، فقال: لا أدرى ما قالا، حدَّثنى هشام
ابنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً، أن النبيَّ نَّهِ قال لها فى بريرةَ: ((اشترِيها
وأعتقِيها)) (٤) يعنى الحديثَ. ثم أتيتُ ابنَ(١) شُرُمةَ فأخبرتُه، فقال: لا أُدرى ما
قالا ، حدَّثنی مِسعرُ بنُ کدامٍ، عن محاربِ بنِ دِثارٍ ، عن جابر بنِ عبدِ اللهِ قال :
اشترى النبيُّ بَّهِ منى ناقةً وشرّط لى محمْلانَها إلى المدينةِ().
فهذه أغراضٌ متفاوتةٌ فى فهم مواقعٍ ذكرِ الشروطِ فى الحديثِ ، وقد رأيتُ
لعبد الحميد الصائغ جزءًا فى تحصيلِ الشروطِ لكن على المذهب المالكىِّ، قد
أتقَن فيه ترتيبَ المذهبٍ ، كنتُ كتَبْتُه بخطّى وقرأتُه، لكنه شدَّ فى سبيلِ القدَرِ ،
والذى يحصُّرُ الشروطَ فى الأغلبِ ردُّها إلى القواعدِ التى مهَّدْناها، وعرضُها
عليها ؛
(١ - ١) سقط من: ج .
(٢) بعده فى ج، م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٧٦/١٥.
(٣ - ٣) سقط من : د .
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٥٥) من الموطأ .
١٨٩

الموطأ
الاستذکار
القبس
فلا يخلو وقعُ الشرطِ فى العقدِ من أن يكونَ ملائمًا لمقصودِ العقدِ ومقصودٍ
العاقدٍ، غيرَ مُطَرّقٍ إلى العقدِ غرَرًا(١)، ولا مُوقعٍ للمالِ فى(٢) خَسارةٍ، فلا وجة
لردِّه، هذا إذا كان مقصودُ العاقدِ (١) غيرَ معارِضٍ لطريقٍ مِن طرقِ الشريعةِ ،
ومسائلُ هذا لا تُحصَرُ، لكن يربُطُ معظَمَها هذا الأصلُ الذى أشَرْنا إليه ، لعرضِها
على القواعدِ التى مهَّدناها، وخُذُوا من هذا ((القبسِ)) أمثلةً تكشِفُ لكم كيفيةً
عرضٍ الواردٍ مِن نظائرِها عليها :
المثالُ الأولُ : إذا اشترَى عبدًا أو جاريةً بشرطِ العتقِ ، قال أبو حنيفةً: لا
يجوزُ؛ لأنه شرّطَ شرطًا يناقضُ مقتضى العقدِ، لأن العقدَ يقتضِى الملكَ(٤) الدائمَ
والتَّصوّفَ اللازمَ على الإطلاقِ، وهذا الشرطُ يصدِمُه فيفسِدُه.
وتعلَّق علماؤنا بحديث بریرةَ ، وحدیثُ تریرةً صحیح معضِلٌ فى التأويلِ ، ولا
عليكم بأسٌ فى تأخيرِه إلى ((مسائل الخلافِ))، وهناك ينكشِفُ معناه، وعوِّلوا
على قاعدةِ المصالحِ والمقاصدِ التى مهَّدناها، فلا يَخْفَى على مَن نظَر فيها أن
المقاصدَ فى هذا العقدِ سليمةٌ عن المفاسدِ، خالصةٌ للهِ عزَّ وجلَّ؛ لأن المشترِىّ
يقولُ: أنا إنما أبذُلُ مالى فى تحصيلِ العتقِ للعبدِ ، لا فى تحصيلِ الملكِ لى.
والبائعَ يقولُ : إن ازْدَدْتُ فى ثمنِ العبدِ مِن مالٍ المشترى فقد أعطاه هو للهِ ، وإن
(١) فى ج: ((عذرًا))، وفى م: ((عددًا)).
(٢) سقط من : ج ، م .
(٣) فى م: ((العقد)).
(٤) فى ج: ((عقد المالك))، وفى م: ((عقد الملك)).
١٩٠

الموطأ
الاستذ کار
حطَطْتُه فقد ترَكتُه للهِ عزَّ وجلَّ. فغايةُ المسألةِ أن هذا عتقٌ اشتُرى بمالٍ، ولا القبس
خلافَ أن لو قال رجلٌ لآخرَ: أَعتِقْ عبدَك عنى على ألفٍ . فقال مالكُ العبدِ: هو
حرّ. نفَذ العتقُ، ووجَب المالُ إجماعًا، وكذلك الصدقةُ .
المثالُ الثانى: إذا اشترى عبدًا مِن رجلٍ بشرطِ الهبةِ له أو لغيرِه . انفرَد بها
مالكٌ فقال: هذا جائزٌ. وقال الشافعىّ: لا يجوزُ؛ لأنه إنما يحتملُ ) فى البيع
لحرمةِ العتقِ وما فيه من التقرب إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. قلنا له: وكذلك يَحتملُ الهبةَ؛
لما فيها مِن المعروفِ والمواصلةِ ، وإسداءُ المعروفِ وتأكيدُ المواصلةِ قُربةٌ ، فهذا
الذى لحظ مالكٌ فيها .
المثالُ الثالثُ : إذا باعه منه على ألا يبيعَه المشترِى ولا يفوتَه، لم يَجُزْ؛ لأنها
مغابَنَةٌ(٢) مناقِضةٌ للعقدِ ومعارِضةٌ ، قال علماؤنا: إلا أنْ يخرُجَ إلى وجهٍ معروفٍ؛
مثلَ أن يكونَ لم يَنْقُدْه الثمنَ ، فيقولَ له ذلك حتى يَنْقُدَه، وذلك فى المدةِ اليسيرةِ
لا فى الكثيرة .
المثالُ الرابعُ: إذا باع منه عبدًا على أنه إن أَبَق كان مِن ضمانِهِ ، أو مريضًا
على أنه إن مات كان مِن ضمانِه، لم يَجزْ؛ لأنَّ ذلك مناقضّ لمقصودِ العقدِ
ومقتضاه، إذ العقدُ يقتضِى خروجَ المبيعِ منْ مِلكِ البائعِ وضمانِه، وهذا
يُضادّه .
(١) فى ج: ((يحمل)).
(٢) فى ج: ((معاينة))، وفى م: ((مجانبة)).
(٣) فى ج، م: ((عن).
١٩١

الموطأ
١٣٢٨ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، أن
عُبِيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ أُخبره أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ
ابتاع جاريةً من امرأتِه زينبَ الثقفيَّةِ، واشترَطَت عليه أنك إن بِعتَها
فهى لى بالثمنِ الذى تبيعُها به. فسأل عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ عن ذلك
عمرَ بنّ الخطابِ، فقال عمرُ بنُ الخطابِ: لا تَقرَبْها وفيها شرطٌ
لأحدٍ .
مالكٌ ، عن ابن شهابٍ ، أن عبيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عتبةً بن مسعودٍ
الاستذکار
أخبره أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ ابتاعَ جاريةً مِن امرأتِه زينبَ الثَّقَفِيَّةِ،
واشتَرطَت عليه: إنك إن بِعْتَها فهى لى بالثمن الذى تبيعُها به. فسأل
المثالُ الخامسُ: إذا اشترط عليه إن لم يأتِهِ بالثمنٍ إلى أجلٍ كذا، وإلا فلا
القبس
يَبْعَ بينَهما. قال علماؤنا: لم يَجُزْ؛ لأنه زاده فى الثمنِ لموضع الشرطِ ، وهذا مِن
أکلِ المالِ بالباطلِ. وعرضه محمدُ بنُّ المؤازِ علی أصلٍ آخرَ فقال : إن كان فى
العقارِ والدُّورِ الشهرَ ونحوَه، جاز، وفى الغُروضِ لا يجوزُ، نظرًا إلى أن العروضَ
تَحوَّلُ مع الساعاتِ والأزمنةِ ، والدُّورَ لا تَحوَّلُ، فيَنْتَفِى فيها الغَرَرُ، وإلى أن المدةَ
اليسيرةَ (١ داخلةٌ فى١) حدِّ القلَّةِ، فلا تُعتبرُ كما لا تُعتبرُ فى الاستثناءِ وما أشبهَهُ
٢)
مِن القاعدةِ السابعةِ .
(١ - ١) فى ج: ((إلى)).
(٢ - ٢) سقط من: ج، وفى م: ((وما شابهه)).
١٩٢

١٣٢٩ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ: الموطأ
لا يَطأُ الرجلُ وليدةً إِلَّ وليدةً إن شاء باعها، وإن شاءَ وهَبها، وإن شاءَ
أمسكها، وإن شاء صنَع بها ما شاءً.
الاستذكار
عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ عن ذلك عمرَ بنَ الخطابِ ، فقال عمرُ : لا تَقْرَبْها وفيها
شرطٌ لأحدٍ(١).
مالكٌ ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ : لا يَطَأُ الرجلُ
وليدةً إلا وليدةً إن شاء باعَها، وإن شاء وهَبها ، وإن شاء أمسكها ، وإن شاء
صنَع بها ما شاء(٢) .
قال أبو عمرَ : أما ظاهرُ قولِ عمرَ لابن مسعودٍ : لا تَقْرَبْها . فيدلُّ على
أنه أمضى شراءَه لها ، ونهاه عن مسيسِها . هذا هو الأظهرُ فيه، ويحتمِلُ
ظاهرُه أيضًا فى قوله : لا تَقْرَبْها . أى: تَنَّ عنها وافسخ البيعَ فيها ، فهو بيعٌ
فاسدٌ. وقد روى نحوُ هذا المعنى فى هذا الخبرِ.
رواه سفيانُ بنُ عيينةً، عن مِشْعٍ (٢) ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٩٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٤٩١). وأخرجه البيهقى ٣٣٦/٥، ١٥٢/٧ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٩١)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٩و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٢٤٩٢). وأخرجه البيهقى ٣٣٦/٥، ١٥٢/٧ من طريق مالك به .
(٣) فى الأصل، م: ((مسور)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧ / ٤٦١.
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/١٦)

الموطأ
الاستذكار أبْنَ مسعودٍ اشترى مِن امرأتِه جاريةً ، واشترطت عليه خدمتَها ، فسأل عمرَ
ابنَ الخطابٍ عن ذلك، فقال له عمر: ليس مِن مالِكَ ما كان فيه مَثْنويةٌ
(١)
لغيرِك(١) .
قال أبو عمر: و کذلك قولُ عبدِ اللهِ بنِ عمر یحتملُ الوجھین، ولیس
فى شىءٍ مِن هذين الخبرَيْن أمرٌ بفسخ البيع، ولا خبرٌ عن فسادِه.
وقد حدَّثنى عبدُ الوارثِ، عن قاسم، عن ابنٍ وَضَّاح، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ معاويةَ الحَضْرمىُّ ، قال: سمِعتُ مالكًا يقولُ فى قولِ عمرَ لابنٍ
مسعودٍ : لا تَقْرَئِها وفيها شرطٌ لأحدٍ . يقولُ: لا تَطَأْها وفيها شرطٌ لأحدٍ .
وهذه "روايةٌ خلافُ مذهبٍ مالكِ عندَ أصحابِه)، والصحيحُ فى
مذهبِه عندَ جمیع أصحابِه ما ذكره أبو مصعبٍ عنه ، قال : قال مالكٌ فى
"حديث ابن مسعودٍ : و٣قولُ عمرَ: لا تَقْرَبْها وفيها شرطٌ لأحدٍ . يريدُ :
لا تَشْترِها. "ليس: لا تَطَأْهاً".
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى هذا البابِ؛ ففى ((الموطأُ)) قال مالكٌ فيمَن
القبس
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٢٥٢) عن سفيان به .
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((الرواية عن مالك خلاف لمذهب مالك عند أصحابه)). وفى ح، هـ :
( رواية ... )) وبعده بیاض.
(٣ - ٣) سقط من: ح، هـ .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((يريد لا يشترطها))، وفى ح، هـ : ((ليس) وبياض بمقدار كلمتين، وفى م:
«یرید لا تشترطها)) .
١٩٤

الموطأ
الاستذكار
اشترى جاريةً على شرطٍ ألا يبيعها ولا يهبها ، أو ما أشبه ذلك مِن الشروطِ ؛
فإنه لا ينبغِى للمشترى أن يطأها ، وذلك أنه لا يجوزُ له أن يبيعها ولا يهبها ،
فإِذا كان لا يملِكُ ذلك منها ، فلم يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا؛ لأنه قد استثنى عليه
فيها ما ملكه بيدٍ غيرِهِ، فإذا دخَل هذا الشرطُ لم يصلُح، وكان بيعًا
مکروهًا .
قال أبو عمرَ : أولُ كلام مالكٍ فى قوله : لا ينبغِى للمشترى أن يطأها .
يَدُلَّ على جوازِ البيعِ وكراهةٍ الوطءِ، وَآخرُه(١) يدلُّ على أنه لا يجوزُ هذا
البيعُ، وهو مذهبُه ومذهبُ أصحابِهِ. وزاد ابنُ وهبٍ فى روايته فى
((الموطأُ)) عن مالكٍ، قال: وإن اشتراها بشرطٍ، فوطِئَها فحمَلت ، فللبائع
قيمتُها يومَ باعَها(٢) ، وتَحِلُّ لسيدِها فيما يستقبِلُ.
وقال ابنُ وهبٍ فى «موطئِه »: وسُئِل مالكٌ عن الرجلِ يبيعُ الجاريةَ
على ألّ يخرجَ بها مِن البلدِ، فقال: لا خيرَ فى ذلك. ثم قال: أرأيتَ إن
مات الرجلُ، أو كان عليه دَيْنٌ، كيف يصنعُ بها؟ وذكر ابنُ القاسمِ عن
مالكٍ، فيمَن اشتَرى عبدًا على ألَّا يبيعَ ولا يَهَبَ ولا يَتصدَّقَ، فهو بيعٌ
فاسدٌ ، فإن مات فعليه قيمتُه، وإن اشترى جاريةً على أنه يتخِذُّها أمّ
ولدٍ ، فالبيعُ فاسدٌ ، فإن حمَلت منه فعليه قيمتُها يومَ قبضها، وكذلك إن
القبس
(١) فى م: ((وقوله)).
(٢) فى الأصل، م: ((وطئها)) .
١٩٥

الموطأ
قال مالكٌ فيمَن اشترى جاريةً على شرطٍ أَا يبيعَها، ولا
يَهَبَها، أو ما أشبه ذلك من الشروطِ: فإنه لا ينبغى للمشترى أن
يَطأَها؛ وذلك أنه لا يجوزُ له أن يبيعَها ولا أن يَهَبَها، فإذا كان
لا يملكُ ذلك منها، فلم يَملِكُها مِلْكًا تامًّا؛ لأنه قد استُنْنِيَ عليه
فيها ما ملكه بيدٍ غيرِهِ، فإذا دخل هذا الشرطَ لم يصلُغ، وكان
بيعًا مكروها .
الاستذكار أعتقها .
وقال ابن وهب عن مالك ، فی الرجلِ ییئُ عبده على أن يخرج به مِن
البلدِ الذى هو به ، فقال: لا بأسَ بذلك، فقد يكونُ العبدُ فاسدًا خَبِيثًا ،
فيشترطُ بائعُه أن يخرج به إلى بلدٍ آخرَ لذلك .
وقال ابنُ وهپ أيضًا عن مالك ، فیمَن ابتاعَ جاریةً على أنه لا يبيعُها
ولا يهبُها، فباعها المُشترِى، فإنه يُنقَضُ البيعُ وتُرَدُّ إلى صاحبِها ، إلا أن
يرضَى أن يُسَلِّمَها إليه ولا شرطَ فيها، وإن كانت قد فاتَتْ فلم تُوجِدْ،
أُعطَى البائعَ فضلَ ما وضَع له مِن الشرطِ . وروَى أشهبُ عن مالكٍ ، أنه
سُئل عن بيعِ العبدِ على أن يُدَبَّرَ أُو يَعيِقَ إلى أجلِ سنةٍ أو نحوِها ، فقال: لا
أرى ذلك جائزًا، وأَرَى أن يُفسخَ البيعُ، وليس هذا بحسنٍ .
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ: إذا اشترى عبدًا على ألا يبيعَ
ولا يَهَبَ، فالبيعُ فاسدٌ، فإن قبضه فأعتقه، جاز عتقُه وعليه القيمةُ،
القبس
١٩٦
٠

الموطأ
وكذلك لو باعه، أو وهبه، أو تصدق به، أو تصرّف فيه بسائرٍ وجوهِ
التصرف .
الاستذكار
وقال الشافعىُّ: إذا باع(١) الرجلُ العبدَ على ألَّ يبيعَه، أو على أن يبيعَه
مِن فلانٍ، أو على ألا يستخدمَه، أو على أن يُعتِقَه(١) ، أو على أن يُخارِجَه،
فالبيعُ فاسدٌ ، ولا يجوزُ الشرطُ فى هذا إلا فى موضعٍ واحدٍ، وهو العتقُ؛
أتِباعًا للسُّنَّةِ، ولفراقِ العتقِ ما سواه، فنقولُ: إن اشتراه منه على أن يُعتِقَه
فأعتقَه، فالبيعُ جائزٌ. حكاه "الربيعُ و" المُزنئُ عن الشافعىِّ. وقال المُزنىُّ
عن الشافعى : إنه لا يجوزُ تصرفُ المُشترى فى البيع الفاسدِ بحالٍ . وروَى
أبو ثورٍ عن الشافعىِّ ، أنه كان يقولُ فى هذه المسائلِ(٤) كلِّها: البيعُ جائزٌ،
والشرطُ باطلٌ(*).
قال أبو عمر : قول أبى حنيفةً وأصحابه فى هذا الباب كقول الشافعىّ
فى رواية الربيعِ والمُزنىّ ، إلّا أن أبا حنيفةَ ومحمدًا قالا : يُستحسَنُ فيمَن
اشتَرط العِثْقَ على المشترِى فأعتَق أن يُجِيزَ العتقَ ، ويجعلَ عليه الثمنَ ، وإن
مات قبلَ أن يُعتقَّه كانت عليه القيمةُ . وقال أبو يوسفَ : العتقُ جائزٌ وعليه
القبس
(١) فى ح، هـ، م: (ابتاع)).
(٢) فى ح ، هـ، م: ((لا يعتقه)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل. وينظر الأم ١٠١/٧ .
(٤) فى الأصل، ح، هـ: ((المسألة).
(٥) فى الأصل ، م: ((فاسد)).
١٩٧

الموطأ
الاستذكار القيمةُ . وانفرَد الشافعىُّ بقوله فيمَن اشترى عبدًا أو جاريةً شراءً فاسدًا
فأعتقه ، أنه لا يجوزُ عتقُ المبتاع للعبدِ إِذا ابتاعه بيعًا فاسدًا وقبضه ؛ لأنه لم
يَْلِكْه بالبيعِ الفاسدِ ، ولا يجوزُ له التصرفُ فيه.
وقال أبو ثورٍ : كلُّ شرطِ اشترط البائعُ على المُبتاعِ مما كان البائعُ
يَفْلِكُه فهو جائزٌ؛ مثلُ ركوب الدابةِ ، وشُكْنى الدارِ ، وما كان مِن شرطٍ
على المُشترِى بعدَ مِلْكِه مما لم يَكُنْ فى مِلْكِ البائعِ ؛ مثلَ أن يُعْتِقَ العبدَ ،
ويكونَ ولاؤُه للبائع، وألا يبيعَ ولا يَهَبَ ، فهذا شرطٌ لا يجوزُ، والبيعُ فيه
جائزٌ، والشرطُ باطَلٌ .
وقولُ ابنِ أبى ليلى فى هذا البابِ كلِّه مثلُ قولٍ أبى ثورٍ على حديثٍ
عائشةً فى قصةٍ بَرِيرةَ؛ أن رسولَ اللهِ وَ ل ◌َ أَجاز البيعَ وأبطَل الشرطَ (١).
وحُجَّةُ مَن رأى البيعَ فى ذلك فاسدًا ، أن البائعَ لم تَطِبْ نفسُه على
البیع إلا بأن يلتزم المُشتری شرطه، وعلى ذلك ملكه ما كان يَمْلِگُه ، ولم
يَرْضَ بإخراج السلعةِ مِن يدِه إلا بذلك، فإذا لم يَسلَمْ له شرطُه لم يَعْلِكْ
عليه ما ابتاعَه بطِيبٍ نفسٍٍ منه، فوجَب فسخُ البيعِ بينَهما ؛ لفسادِ الشرطِ
الذى " يُمنعُ به" المُبتاعُ مِن التصرفِ فيما ابتاعَه تصرُّفَ ذى المِلْكِ فى
یلکِه .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٥ - ١٥٥٧).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((يمنع منه))، وفى ب: (يمتنع به)).
١٩٨

الموطأ
الاستذ کار
وحُجَّةُ مَن رأى الشرطَ والبيعَ جائزَيْن حديثُ جابرٍ، قال: ابتاعَ منِّی
رسولُ اللهِ وَلّهِ بعيرًا، وشرّط لى ظهرَه إلى المدينةِ (١).
وهذا حديثٌ مختلَفٌ فى ألفاظِه اختلافًا لا تقومُ به(٢) حُجّةٌ؛ لأن منها
ألفاظًا تَدُلُّ على أن الخطابَ الذى جرَى بينَ جابرٍ وبينَ النبيِّ عليه السلامُ
ليس فيه بيانُ أن الشرطَ كان فى نفسٍ(٢) العقدِ، ومنها ما يَدُلَّ على أنه لم
يكنْ بيعًا، ومنها ما يَدُلُّ على أن البيعَ وقَع على ذلك الشرطِ ، ومع هذا
الاختلافِ لا تقومُ به حُجَّةٌ .
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى هذا المعنى ؛ فقال مالكٌ: لا أُرَى بأسًا أن
يشترىَ الرجلُ الدابةَ، ويشترطَ البائعُ عليه ركوبَها يومًا أو يومين، فإن
اشترط عليه ركُوبَها شهرًا، فلا خيرَ فيه . قال: ولا بأسَ أن يشترِىَ الرجلُ
الدابةَ ، ويشترطَ ظهرَها يومًا أو يومين؛ يركبُها يسافرُ عليها ، فإن رضِى
أمسك، وإن سخِط ردّها . قال: ولا بأسَ أن يشترطَ البائُ شُکنی الدارِ
مدةً معلومةً ؛ السّنَةً والأشهرَ ، ما لم يتباعدْ ، فإن شرط سُكّناها حياتَه ، فلا
خيرَ(®) فيه .
(٤)
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٠٦/٢٢ (١٤١٩٥)، والبخارى (٢٧١٨)، ومسلم ص ١٢٢٣ (١١٣/٧١٥)،
والترمذى (١٢٥٣)، والنسائى (٤٦٥١).
(٢) فى الأصل، م: ((معه)).
(٣) فى الأصل، م: ((نص)).
(٤) فى الأصل، م: (بأس))، وينظر المدونة ٢٢٠/٤.
١٩٩

الموطأ
الاستذ کار
وقال الأوزاعىُ: لا بأسَ أن يبيعَ الرجلُ بعيرًا، ويشترِطَ ظهرَه إلى
المدينةِ ، أو إلى وقتٍ يُسَمِّيه. وقال الليثُ بنُّ سعدٍ: لا بأسَ أن يشترِطَ
سُكْنى الدارِ سنةً ، إلا أنها إن احتَرقت كانت مِن المُشترِى، ولا يجوزُ أن
يشترطَ ظهرَ الدابةِ إلى موضعٍ لا قريبٍ ولا بعيدٍ ، ولا يصلحُ أن يبيعَ الدابةً
ويستثنىَ ظهرَها . وكرِه أن يستثنىَ سُكنى الدارِ عشرين سنةً. وقال أبو حنيفةً
والشافعىُّ وأصحابُهما: إذا اشترى دارًا على أن يسكنَها البائعُ شهرًا ، أو شرَط
خدمةَ العبدٍ ، أو ركوب الدابةِ وقتًا مؤقتًا أو غيرَ مؤقتٍ ، فالبيعُ فاسدٌ .
وأما أحمدُ بنُ حنبلٍ، فمذهبُه الذى لا اختلافَ عنه فيه، أن البيعَ إذا
كان فيه شرطٌ واحدٌ ، فهو بيع جائزٌ، وإذا كان فيه شرطان بطَل البيعُ؛ على
ظاهرٍ حديثٍ عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسولَ اللهِ وَ له
قال: ((لا يَحِلُّ شرطان فى بيعٍ، ولا بيعٌ وسلفٌ، ولا تَبَعْ ما ليس عندَك)).
قال أحمدُ : ومِن شرطين فى بيع أن يقولَ: أَبِيعُك بكذا على أن آخُذَ منك
الدينارَ بكذا. وكذلك إن باعه بدراهمَ على أن يأخذَ ذهبًا، أو يبيعَ منه
بذهب على أن يأخذَ منه دراهمَ .
وحُجَّتُه فى إجازته شرطًا واحدًا فى البيعِ حديثُ جابرٍ المتقدمُ(١).
وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) فى ب: ((فى بيعه بعيره من النبى و9َّ على أن له ظهره إلى المدينة)).
٢٠٠